عام من التوحش غير المسبوق


نهاد ابو غوش
2025 / 12 / 31 - 22:51     

نهاد أبو غوش
العام 2025 كان العام الأكثر وحشية في التاريخ الفلسطيني حيث تكشفت فيه الأهداف الحقيقية لحرب الإبادة والتهجير والتدمير، لم تعد إسرائيل بحاجة إلى اختلاق ذرائع ومبررات وتفسيرات كالتي عمدت إليها في بداية الحرب. فبعد الدعم غير المحدود الذي تلقته إسرائيل من إدارة الرئيس ترامب والذي أعلن في بداية تسلمه صلاحياته عن رؤيته لتهجير الفلسطينيين، أصبح هذا الهدف هو خريطة طريق توجه أداء آلة الحرب والقتل الإسرائيلية، وهكذا نقضت إسرائيل الاتفاق الجزئي الذي كانت وافقت عليه في مطلع العام 2025، وبدأت بعمليات التدمير الشامل والمنهجي لكل ما يمكن أن يربط الفلسطينيين بالحياة والبقاء في وطنهم، فدمرت المستشفيات واحدا تلو الآخر، وكذلك فعلت بشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والمخابز والطرق وكل شيء، وشرعت بعمليات "هندسية" لتسوية كل المباني بالأرض، وعملت على تجميع الفلسطينيين وتكديسهم وحشرهم في مناطق ضيقة تفتقر لكل مقومات الحياة تمهيدا لترحيلهم غلى خارج فلسطين وهو الهدف الذي بدأت بالعمل عليه عبر إنشاء وكالة خاصة لهذا الغرض ومباشرة اتصالات مع دول افريقية واسيوية عديدة لإيجاد اي دولة تقبل استقبال الفلسطينيين. ما شجع إسرائيل على تصعيد جرائمها الجامعية هو الحالة التي وصل إليها النظام الدولي وبخاصة شلل وعجز المؤسسات الدولية بدءا بالأمم المتحدة وهيئاتها ومرورا بمحكمة العدل الدولية التي توقف عملها وتدخلها في قضية الإبادة عند حدود ما فعلته حتى مطلع العام 2024، وصولا إلى الحالة العربية المتردية التي تراوح بين العجز والشلل والتقاعس وتصل أحيانا إلى درجة التواطؤ مع المشروع الإسرائيلي. بل إن هذه المواقف الدولية والإقليمية شجعت إسرائيل على توسيع حربها على غزة ومدها لتشمل الضفة الغربية عبر سلسلة من العمليات والحملات العسكرية والأمنية التي تختلف في درجة الوحشية ولكنها مكرسة لنفس الأهداف وهي تصفية القضية الوطنية الفلسطينية، وحسم الصراع بتحقيق أهداف إسرائيل الكبرى والقضاء على أي فرصة لقيام دولة فلسطينية وتصفية الحقوق الوطنية وفي مقدمتها حق العودة للاجئين، هذه الحرب في الضفة شملت عدة مسارات وخطوط متوازية ومتكاملة شملت إطلاق العنان لعنف المستوطنين وإرهابهم، وإجراءات تشريعية قانونية وإدارية وحكومية مدنية لتسهيل السيطرة على الأرض واستلاب صلاحيات السلطة بل مواصلة الضغط عليها لدفعها إلى الانهيار أو الاذعان للمخططات الاسرائيلية، كل ذلك وسط حالة من الضعف الفلسطيني غير المسبوق ترك أثره على أداء السلطة والفصائل وكل مكونات الحركة الوطنية
ولكن أمام كل هذا التوحش والشراسة والتواطؤ الدولي، ظل الشعب الفلسطيني صامدا على أرضه ومتمسكا بها، ورغم فداحة الخسائر وثقلها ظلت المقاومة عنصرا رئيسيا في معادلة الصراع، وهذا الصمود هو الذي مكّن من انطلاق حملات تضامن دولية غير مسبوقة، تركت اثرها على مواقف عديد الدول مثل اسبانيا وايرلندا والنرويج وسلوفينيا، بل واثر في مواقف وسياسات دول مركزية في أوروبا كانت دائما حليفة لإسرائيل وداعمة لها وهو ما تجسد في سلسلة الاعترافات المتتالية بدولة فلسطين، إلى جانب اشتداد العزلة حول إسؤرائيل وسياساتها، وتحول إسرائيل إلى دولة منبوذة ليس في العالمين العربي والاسلامي فقط بل حتى في أوروبا والولايات المتحدة وكندا واستراليا، حيث اصبحت القضية الفلسطينية رمزا لقيم العدالة والإنسانية، ومعيارا حقيقيا يكشف مصداقية النظام الدولي ومبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي، وهي تأثيرات عصفت بكل ما بنته إسرائيل من صورة ناعمة ومخادعة، وباتت عاملا مهما حتى في مجالات السياسة الداخلية لكل بلد.
بشأن السيناريوهات: فرضت موازين القوى نفسها على صيغة الحل لإنهاء حرب الإبادة والعوامل المهمة هنا هي الانحياز الأميركي المطلق لإسرائيل، وتسليم باقي دول العالم بهذا الدور الأميركي المهيمن، وكذلك حالة الضعف العربي والانقسام الفلسطيني، ولكن إلى جانب كل ذلك ثمة عوامل مهمة تعمل لغير صالح إسرائيل ومشروعها العدواني ومن بينها انكشاف العدوانية الإسرائيلية واتساعها إلى مدى غير مسبوق يستهدف دولا وشعوبا عربية وإسلامية كثيرة والأطماع الاسرائيلية في سوريا ولبنان واضحة ومعلنة، وإلى جنب ذلك استهدفت اسرائيل كلا من اليمن والعراق وايران وقطر، وهي ترسل رسائل عدوانية ضمنية لكل من مصر وتركيا، ومخططاتها في الضفة وغزة تشكل خطرا وجوديا على الأردن ومصر، وباتت إسرائيل تنظر إلى أي دور عربي فاعل واي عنصر من عناصر القوة خطرا عليها، وتحديا لنفوذها وهيمنتها. ، هذه النزعة العدوانية تثير قلق كل دول المنطقة وخاصة السعودية ومصر وتركيا، والأدوار الاسرائيلية المريبة في الصومال والسودان تعزز هذه المخاوف، لكل هذه الاسباب يصبح من اللمصلحة الوطنية والقومية لكل بلد عربي الوقوف في وجه هذه الأطماع، ودعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضه وتصليب المواقف العربية لأن دعم الشعب الفلسطيني وحقوقه هو في الوقت ذاته دفاع عن سيادة الدول العربية وكرامتها ومستقبلها.
*نص مقابلة مع جريدة القدس اجراها الزميل محمود السعدي