ملاك العام الجديد . . ما تسرب عن تلك الليلة - قصة قصيرة / 30ديسمبر2025
أمين أحمد ثابت
2025 / 12 / 30 - 13:41
كانت سوشي في تلك الليلة مزدحمة على غير عادتها ، لكن منتزه الممرات العامة على الكورنيش القريب من البحر الأسود ظلت محتفظة بمساحة من الصمت ، كأن المدينة قررت أن تترك زاوية صغيرة للأشياء التي لا تقال - التقيا ، إلتقاء نظرة ، لا بسبب صدفة لافتة ولا حكاية تستحق أن تروى لاحقا - توقف قصير ، ابتسامة لا تعرف إن كانت مجاملة أم دعوة .
لم يسألها أية أسئلة عن نفسها ، فقط :
- تي رابوتايش إيلي ستيودنكا
، أ . . تي روسكايا . . ها
، ت . . تي اوتشن كراسيفايا .
استمر الصمت بعدها طويلا فقط العيون تتفحص برقة واخيلة لغوية عن قضاء ليلة رأس السنة هذه كما لو انها من العمر .
كلاهما كان يعرف بلا ضرورة للكلام ، وأن تفاصيل الثرثرة تجهض جمال هذه الأمسية المحتفظة بجزء من الدفء بعد والرفرفة بين قشور الثلج المتطاير المتساقط دون كثافة بعد من السماء البيضاء ، بل انها تثقل جمال اللحظات المؤقتة .
جلسا على مقعد خشبي يواجهان بعضهما – كان شعرها الذهبي يشاكس وجناتها الوردية وجبهتها كثيرا و . . هي بأريحية تداعب خصلاتها المزعجة برميها الى خلف هامتها بلطف او تغزلها تدويرا بين أصابع يدها و . . تبدو انها تصنع من افكارها اخيلة وعينيها لم تسقط عن النظر إليه – كان شابا عربيا جميل الملامح ، ويعكس وجهه عن خجل محبب وسلوك مهذب
بدأ الحديث متقطعا ، الطقس ، الموسيقى القادمة الى مجلسنا من بعيد في عمق المنتزه ، حيث اخذنا مقعدينا في كافتيريا قريبة من المدخل الذي دلفنا من خلال بوابته الحديدية المنحوتة بأشكال لم اهتم بتمييزها ف . . فقد كنت في رحلة إجازة حجزت لنا من الجامعة في سوتشي - كان اكتظاظ المكان والشوارع والمطاعم والمراقص علامة مميزة في مثل هذا اليوم من العام . . من ساعات الصبح الأولى . . بخروج الناس احتفاء بانتهاء عام منصرم بعد اعلان اللحظة صفر بعد منتصف الليل لبدء العام الجديد بكثير من الاماني التي همس بها سرا - لكن شيئا في نبرة الصوت . . كان يقول إن الكلام مجرد غطاء لرغبة غير معلنة في البقاء أطول حين بدأت الموسيقى تصدح بعد خروجنا البطيء من المنتزه في الساحة القريبة منه - وقفت ، مدت يدها إلي دون نطق كلمة واحدة ، كانت لا تزال لغة العيون هي الوسيط بيننا – اشبكت أصابع كفي الايسر مع يمناها و . . سحبتها بخطو بطئ موقع ولففت يدي اليمنى حول خصرها – كانت لوحة من السحر الانثوي حين احسست بتنفساتها بين اضلعي وهواؤها المعطر يدفئ عنقي ويمتع انفي بروائحها المعجونة بين
العطر الخفيف ونسمات الطبيعة العالقة في الذاكرة خلال فصل الربيع - لم تكن رقصة كاملة ، عفوية كان تحركنا - خطوتان مترددتان الى الخلف الاحقها . . خطوة امامية لها قصيرة الى الجنب الايسر وأخرى مثلها الى الأيمن وتسايرني بخطوتي رجوعي الى الخلف بتوقيع شعوري فيه نوع من التحليق مشيا بتحرر عن الجاذبية الأرضية – اطلقت ضحكة قصيرة حين رفعت يدي اليمنى المشبوكة بطرف أصابع يدها اليسرى حين جررتها نحوي بلطف وابعدتها للوراء قليلا ودفعتها تدويرا كما اعتدنا نلعب رمي الدوامات بعد انفلاتها من الخيط المربوط لأصابعنا أو لعبة الدوران لمن يظهر الاقدر على التحمل لفترة طويلة من الدوران قبل السقوط بحالة من الدوخان .
كانتا عيناها الخضراوتان تبادل ايقاعهما بين البحلقة الحنونة وبين الغلق الناعس لهما ودفنهما بين الشعيرات الكثيفة للرموش الشقراء -
كنت اشعر أحيانا كما لو أنها تريد أن تقول شيئا . . ثم تتراجع ، شيء يوحي بذلك ، طريقة وقوفها ،
إمالة رأسها حين أتكلم هامسا قريبا من اذنها وخدودنا متلامسة بتلطف كما لو أن كليهما يندفعان لا شعوريا للالتصاق بحثا عن تدفئة لهما من نسمة الصقيع التي بدأت تضربهما بعنف من بعد الساعة العاشرة والنصف ليلا .
* * *
كان الرستيوران – عفوا المطعم – مريحا بتدفئته المركزية وعبق روائح العطور الطيارة تغطي المكان – كان الحساء الساخن هو الأهم في البدء والزيتس ( الارنب البري ) المشوي وكأس السمتانا الطويل يطفئ أي شعور بالجوع ، وكانت دقت الكأسين الزجاجيين المعنقين برشاقة وملامسة خفيفة بين الكونياك المثلج والشمبين الفوار يسخن جمال الليلة – تدفقت مشاعر السعادة وحب الحياة بصحبة لم يخطط لها القدر مسبقا
- ما أجملك دايانا .
، من أي ملكوت جميل سقطت علي .
قلت في نفسي ولم اكن اشعر بجسدي إلا طائرا لا تلامس قدماه الأرض ، خاصة حين دلفنا الى مرقص الدسكوتيكا – كانت ايامها تصدح أغاني آلا باجتشوفا وفرقة الميراج المعاصرة ، وكانت تلون بينهما بعض الأغاني الغربية الراقصة واغنيات لرأس السنة – لم تفلت جسدها الناعم البض من يدي – لم اكن اقدر أن افهمه . . هل كانت بكل ذلك الدفء والوجد هياما بي وعشقا لم اكن أتصور أن تذوب امرأة فيا أم أنها كانت حورية حررت من سجنها في الجنة واعطي لها النزول الى الأرض لتشعر وتستمتع بعالم الانسان الراقي الاحاسيس . . عند استقباله العام الجديد وتخلصه من الادران التي علقت به من العام المنصرم – كانت ملاكا ساحرا كما لو انها خلقت لعشق الحياة ولحظاتها الدافئة . . . .
رقصنا ورقصنا و . . كنت افيق لحظة بين فترة وأخرى لأجد أنا ظللنا نرقص دون توقف حتى في البرهات التي كانت تترك كفجوات صامتة من صدح الموسيقى كفترات راحة – واقترب الوقت من رحيل العام الحالي ليصبح ذكرى – اعلن بدء العد التنازلي وبترافق أصوات البشر في المرقص وحتى في مختلف الساحات في العالم : ديست ، ديفيد ، فوسيم ، سيم ، شيست ، بيات ، شيتيري ، تري ، دفا . . أدين – تطفأ الانوار وترفع الأصوات بجنون وصفير تطلق الامنيات الجديدة ويحضن الناس بعضهم وقبلات تنهال كالمطر بين الاحبة والمتجمهرين وتمنيات لبعض بالسعادة وتحقيق الاماني مع العام الجديد
- سنوفم جودم . هابي نيو ير دايانوشكا ميا .
- سنوففم جودم ميلي موي .
طال الحضن ولم يكن أي منا يسمح لجسده أن يغادر توأمه الملتحم به – لم اكن أتصور أني بهذا الجمال والسحر في المشاعر ، فأنا عربي غلب على طباعنا الشهوانية أساس العلاقة بالمرأة ، وكلما كنت لعوبا . . عبثا زير نساء كلما كنت موصفا برجولة اشد . .
سرنا في الطرقا واعمدة النور الصفراء تغطي المساحات الليلية بين مختلطها من الإضاءة الشاحبة المتعددة الالوان والعتمة الفسيفسائية المتبادلة هندسة الأرصفة ومساحات الحشائش المغروس فيها العديد من الشجيرات المستمتعة بارتدائها عما قريب فروها الناعم من الثلج المتساقط المجروش – شعرت دايانا قليا بالبرد ، فتحت ازرار جاكتتي الجلدية وبالطوهي الصوف الثخين من الداخل والمغطى من الخارج بالفرو الناعم ، ضممتها كما لو اني أحاول لصقها كجزء من تكوين صدري واضلعي – اطلقت آهة رقيقة قطعت روحي معها . . ثم ارخت برأسها على صدري كما لو انها ستدخل في غفوة وسبات لا تريد أن تستيقظ من تلك اللحظة التي تجعلها كما لو انها تمتلك العالم وكل شيء – قبلتني في عنقي
- كم انت جميل . . ايمن .
سرنا كما لو كانت طرقات الشتاء بثلجه المجروش المتساقط هو من يسير بنا ، حتى وصلنا لمتقاطع الشوارع الرئيسية الكبيرة للمدينة – سألتها :
- بيديوش سمنوي .
- منيا نوجنا بايدو داموي .
استنافي اتوموبيل .
- دفاي . . باجالوستا .
- برستي منيا .
قبلتني مرات عدة بلطف معتذرة ضرورة عوتها الى بيتها . . حتى انها رفضت أن اوصلها او تعطني عنوانا لها – دعها للايام ربما نلتقي ، وإذا ما ألتقينا أ . . أعدك لن اتركك مرة أخرى – هكذا افضل ف . . هو لقاءنا الأول
- يا تبيا لبلو ، تي منيا نرافتسا .
صعدت الى سيارة الأجرة وبعد أن دفعت للسائق نظرت إلي بذات العينين الساحرتين الممتلئة بالعشق الحنون ولوحت بيدها وداعا لي وقبلات رقيقة وصلتني خلال ملامسة شفتيها الناعمة زجاج النافذة اليمني للمقعد الخلفي لسيارة الأجرة .