أبطال نسيهم التاريخ


حسن مدبولى
2025 / 12 / 11 - 00:18     

أرجو ألا يتصور أحد أنني أهرب إلى الماضي بحثًا عن "قضايا آمنة" أو نماذج جاهزة، فالحاضر يفيض بضحايا جدد يحتاجون إلى متابعة وانحياز ودفاع، وقد أشرنا من قبل للبعض منهم، وسيحين الوقت حتما بإذن الله تعالى لإعادة الحديث عن غيرهم ،

لكن قبل أن نفتش في حاضرنا الملتهب، ثمة مآسٍ قديمة لا يجوز أن تُترك للنسيان، تتعلق بأسماء مُهمَّشة لم تجد من يعيد سرد حكايتها، ويكشف عن مأساتها، خاصة ونحن نعيش أجواء تجارب انتخابية معاصرة،حاول البعض خلالها تخليق بطولات مزيفة وفرضها على إهتمامات المقاطعين بالفطرة !!

ومن بين تلك الأسماء المهمشة التى تستحق الخلود فى الذاكرة المصرية ، تأتي سيرة السيدة الصعيدية الشجاعة المرحومة نعمات حسن، التي حاولت أن تبدأ رحلة التغيير بثبات وأمل ،فانتهت حياتها قبل أن تخطو خطواتها الأولى.

كانت نعمات حسن امرأة بسيطة من الوجه القبلي، لكنها كانت ممتلئة بطموح كبير، تنشد أن تصبح أول سيدة تصل إلى البرلمان عبر منافسات حقيقية غير مصطنعة،أو تعيينات سلطوية منحازة، وقد خاضت الانتخابات على قوائم حزب العمل الاشتراكي في عام 1984، في لحظة سياسية خاصة؛ إذ جاءت هذه الانتخابات بعد تولي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك الحكم بعامين، وفي وقت ظن فيه كثيرون أن الحياة السياسية قد تشهد انفتاحًا نسبيًا وتنافسًا أوسع مما سبق، خاصة بعد إغتيال سلفه محمد أنور السادات،

كان الحزب الوطني الحاكم بعائلاته وعشائره وسلطويته، لا يزال القوة المهيمنة آنذاك، لكن مناخ السنوات الأولى لحكم مبارك دفع شريحة من النخبة والعامة إلى الاعتقاد بأن "اللعبة السياسية" قد تكون ممكنة، وأن الحوار والمنافسة القانونية يمكن أن يفتحا بابًا للتغيير. لذلك شاركت أحزاب المعارضة - ومنها حزب العمل - بحماس شديد، وشجعت تلك الأجواءالكثيرين من خارج الأحزاب، على خوض الانتخابات لأول مرة، ومن بينهم السيدة نعمات حسن، مرشحة الدائرة الأولى في محافظة قنا.

كانت مشاركتها في حد ذاتها حدثًا غير مألوف لامرأة من جنوب الصعيد. كما إنها لم تكتفِ باللافتات والدعاية التقليدية، بل جابت القرى والنجوع بنفسها، تسير على قدميها تخاطب الناس وجهًا لوجه، وتدعوهم إلى المشاركة في تحريرالقرار العام، وكانت شجاعتها واضحة، خاصة وهي تتحرك في بيئة انتخابية يغلب عليها النفوذ العائلي والقبلي،وتقودها الأعراف والعادات المحافظة، غير المعتادة على نشاط سياسى أنثوى مستقل ،،

وفي يوم 27 مايو 1984، أثناء زيارتها لنجع بدران - أحد نجوع مدينة الكرنك آنذاك - استقبلها الأهالي العاديون غير الموجهين بترحاب كبير، وبدا وكأن هؤلاء يميلون إلى منح أصواتهم لامرأة جاءت من خارج العائلات التقليدية لتخوض منافسة نظيفة، غير أن هذه اللحظة المضيئة لم تكتمل؛ فخلال مغادرتها النجع، وبينما كانت تودع مؤيديها، تعرضت لإطلاق نار غادر أنهى حياتها على الفور.

لم يكن هناك خلاف عائلي، ولا دافع شخصي معروف، ولا توجد حتى الآن رواية قضائية منشورة تشرح ما جرى أو توضح المسؤول عن إغتيالها، كل ما عرفه الناس وقتها أن امرأة مصرية دفعَت حياتها ثمنًا لمشاركتها السياسية، ولمحاولتها خوض تجربة ديمقراطية بجرأة غير مألوفة.

أثارت الواقعة صدى واسعًا في أيامها الأولى، وكتب عنها مثقفون ونشطاء مثل نوال السعداوي ومصطفى أمين، بالإضافة إلى صحف المعارضة كـ"الشعب" و"الأهالي" و"الوفد". لكن سرعان ما هدأ كل شيء، وتلاشى اسمها من الذاكرة العامة. فلم يخلدها موقع رسمي أو أهلي، ولم تُدرج قصتها في تاريخ الحركة النسائية أو الحياة السياسية، ولم تذكر الهيئات المعنية بتمكين المرأة أي معلومات عنها لاحقًا،

رحلت نعمات حسن وبقيت قصتها معلقة: بلا تحقيق منشور، ولا توثيق، ولا اعتراف يليق بحجم شجاعتها.
لذا فأقل تقدير لها، أن نعيد طرح سيرتها العطرة، وأن نذكر الناس بما جرى لامرأة حاولت أن تفتح نافذة صغيرة للديمقراطية من قلب الصعيد... فدُفعت قسرا خارج الحياة نفسها.

رحمها الله رحمة واسعة.