إقرار المشروع الأمريكي تحت طائلة التهديد باستئناف الإبادة


نهاد ابو غوش
2025 / 11 / 18 - 11:05     

مشروع القرار الأميركي هو تجسيد لما عرف بخطة ترامب، وبالتالي امتداد للاعتبارات والعوامل وموازين القوى التي حكمت خطة ترامب التي تحمل بصمات إسرائيلية واضحة، وتاثيرات محدودة لمجموعة الدول العربية الاسلامية، ونفس المنطق جرى مع مشروع القرار حيث وضعت إسرائيل لمساتها على معظم تفاصيل القرار، بينما كان تأثير الدول العربية والإسلامية شكليا وصياغيا، المشروع الأميركي يملك فرصة كبيرة للمرور بحكم الهيمنة الأميركية والسيطرة على كل ملفات الشرق الأوسط، وتعايش دول الإقليم مع هذه الهيمنة كأمر واقع لا يمكن الوقوف في وجهه، وبخاصة أن الدوائر الأميركية طرحت مشروع القرار تحت طائلة التهديد بعودة إسرائيل لحرب الإبادة والتجويع، كما صرح بذلك المتحدث باسم الوفد الأميركي لدى الأمم المتحدة، أو كما قال بعض المسؤولين : إما مشروع القرار أو سموتريتش، في هذه الأجواء وتحت طائلة التهديد باستئناف الحرب وافقت مجموعة الدول العربية والاسلامية الثماني ( مصر والسعودية والأردن والإمارات وقطر وتركيا وباكستان واندونيسيا) على المشروع الأميركي وأصدرت بيانا مشتركا بهذا المعنى في مواجهة مشروع القرار الروسي الذي كان أكثر توازنا وانسجاما مع مبادئ الشرعية الدولية، وأكثر التزاما بدور رئيسي وفاعل لمجلس الأمن بدل الاستفراد الأميركي بالملف من خلال ما يسمى بمجلس السلام.
لذلك فرصة المشروع الروسي تبدو مستحيلة، ومرور المشروع الأميركي بالمرور مؤكدة في ظل موافقة أصحاب الشأن بدءا من الدول الثماني ثم موقف قيادة منظمة التحرير السلطة الفلسطينية وإسرائيل التي كانت شريكة في الصياغة.
إقرار المشروع الأميركي يحمل مخاطر واحتمالات عديدة من بينها منح إسرائيل صلاحات الحكم والتحكم في مسار تطبيقات القرار، وفي بعض الأحياء يعطيها صلاحية التدخل لإنفاذ القرار، والحكم على مدى التزام المقاومة في غزة بخطة ترامب خصوصا في موضوع السلاح وجعل قطاع غزة منطقة خالية من الارهاب، لا بل يعطي اسرائيل الحق في الحكم على مدى التزام السلطة بإنجاز الاصلاحات، وهي متاهة خبرها شعبنا الفلسطيني وعانى منها طيلة 32 عاما من تطبيقات اوسلو، كما يحمل الاتفاق - في ضوء التفسيرات الاسرائيلية- مخاطر تقسيم قطاع غزة إلى منطقتين أو ثلاث: منطقة يعمها الخراب والدمار والجوع وفيها معظم سكان القطاع، ومنطقة تنفذ فيها برامج الإعمار وتكون مرتعا للعصابات المرتبطة بالاحتلال، وشريط أمني قد يتسع تدريجيا فيسلب من الفلسطينيين معظم المساحات الزراعية في الشرق والجنوب، ويبقى كل قطاع غزة محاصرا ومطوقا من قبل إسرائيل من اربع جهات.
كما أن وضع قطاع غزة تحت الوصابة الأجنبية وبخاصة الأميركية الداعمة لإسرائيل، يعني منح إسرائيل الدولة المرتكبة لجريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب حق تقرير الفلسطينيين، بينما يبدو حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وتهيؤ الفرص لقيام دولة فلسطينية أقرب إلى وعد مبهم ومفتوح على الزمن مثل السراب الذي يطارده شعبنا دون أن يصله.
مشروع القرار عمليا يبرئ إسرائيل من جرائم الحرب والإبادة، وينظف صفحتها التي أدانها العالم بأسره، بينما يضع الشعب الفلسطيني وفصائله وحتى سلطته ومنظمة التحرير في قفص الاتهام ويطالبنا بسحب السلاح وإصلاح التعليم - في غزة على نحو منفصل عن الضفة- وسلسلة الإصلاحات المفصلة على مقاسات الأمن الإسرائيلية والأطماع التوسعية والاستيطانية.
على الرغم من كل هذه السلبيات فإن السيناريوهات القاتمة ليست قدرا محتوما على الفلسطينيين، فما عجزت إسرائيل عن تحقيقه خلال عامين من القتل والتدمير والتجويع من الصعب أن تنجزه عبر اتفاقيات ومكائد سياسية، ثمة أدوات قوة يملكها الفلسطينيون لا يمكن التقليل من شأنها أهمها صمود الشعب والمقاومة، والتضامن الدولي الآخذ في الاتساع، وانكشاف طبيعة إسرائيل وفظائعها ونزعاتها التوسعية والعدوانية تجاه كل شعوب المنطقة ، ثم صعوبة واستحالة تجاهل رغبة ومصالح الدول والشعوب العربية والإسلامية والدفع في اتجاهات تمس كرامة وسيادة هذه الشعوب، لكل ذلك يمكن العمل على تصويب تطبيقات القرار لكن ذلك مشروط بوحدة الأداء السياسي والكفاحي الفلسطيني الذي سيساهم أيضا في توحيد وتصليب الموقف العربي والاسلامي.