حين توجد إرادة توجد طريقة
عبد الحسين شعبان
2025 / 10 / 31 - 12:06
سوسن شعبان
ابنة المحتفى به
محامية – لندن
كَمْ أنا سعيدة الحظّ لأنّني أدعو هذا الرجل الذي اسمه عبد الحسين شعبان «بابا»، فقد علَّمني القوّة والشجاعة والمرونة والمعرفة. والمعرفة هي أهمّ شيء بالنسبة له. ودائماً ما يردِّد بأنَّ «المعرفة قوّة».
عندما كبرتُ، بدأ (بابا شعبان) كما يسمّيه أصدقائي بتثقيفي حول قضايا حقوق الإنسان، وعن فلسطين، وعن بلدنا العراق، وعن كلِّ الحروب في الشرق الأوسط. فقد دَرَسَ والدي القانون وأردتُ أنْ أتبَعَ خطاه وأتعرّف على أنظمة العدالة.
لم يكن والدي مثل باقي الآباء.. فلمْ يكن من الموظَّفين الذين يذهبون إلى وظيفة من الساعة 9 صباحاً إلى الساعة 5 عصراً، ويرتدي بدلته ويقدِّم تقريراً إلى المدير. عمله ومكتبه كانا دائماً في ذهنه، يستيقظ كلّ يوم في الساعة السادسة صباحاً، ويبدأ الكتابة من الساعة السابعة صباحاً حتى المساء. وكان دائماً متحفّزاً ومنضبطاً. لم يتنازل أبداً عن أخلاقيّات عمله، على الرغم من أنّه كان رئيس نفسه. وحتى اليوم، والدي يحافظ على هذا الانضباط.
«حيث تُوجد الإرادة، تُوجد الطريقة»، شِعارٌ آخر علّمه لي والدي أثناء نشأتي. في البداية، لم تكن الكلمات تعني لي شيئاً. ثمَّ أدركت أنّ لها دلالات عميقة، يمكنك أن تحقّق أي شيء تريده.. إذا وضعت جهداً كافياً لإنجازه، فالخيارات غير محدودة، ولديَّ القدرة لتحقيق ما أريد.
لقد بدأتُ بتطبيق هذه الحكمة عندما بدأتُ أحلم بأنْ أُصبح محاميةً. التحقت بكلّيّة القانون، ثمَّ بدأتُ العمل على الفور بعد تخرُّجي، لكن لم أمارس وظيفتي كمحاميّة، إلّا بعد بضع سنوات، بسبب النظام المتّبع في المملكة المتحدة، ولكنّني لم أستسلم، لأنّه حيث توجد الإرادة، توجد الطريقة!
لقد خضعتُ لمزيد من الاختبارات في القانون بسبب التغيير في الأنظمة، وفي النهاية أصبحتُ محامية يحقُّ لي الترافع أمام المحاكم البريطانيّة، وعندما زاد وزني 22 كغ، لم أستسلم، كنت أعلم أنّ لديَّ الإرادة والقدرة لخسارة هذا الوزن.
لقد واجه والدي العديد من التحدّيات في حياته، لكنّه واجهها دائماً بالمثابرة والصمود والإصرار. الأمر الذي أظهَرَ لي مرّة أخرى أنّه لا ينبغي لي أن أستسلم أبداً، بغضِّ النظرِ عن مدى صعوبة الأمور. إذا كنت تعرفني، فأنتَ تعلمْ أنّني أواصل الكفاح والضغط من أجل ما هو صحيح، وما يستحق ذلك. وأنا مدينة بكلّ ذلك لوالدي.
والآن.. والدي ليس مجرّد مثقف عادي، بل هو رجل ثقافة. كنّا نذهب في أيّام العطلات كل عام ونختبر ثقافاتٍ وأشخاصاً جُدداً منذ الصِّغَر. لقد شاهدت البراكين، وتجوّلت في المدن المزدحمة، وحضرت الحفلات الموسيقيّة الكلاسيكيّة، وزرت المعابد البوذيّة، في وقت مُبكِر جداً من حياتي، ممّا جعلني امرأة مرنة وقادرة على التكيُّف والتأقلم مع كلّ ما هو جديد.
العيش في لبنان مع بابا كان أيضاً بمثابة اختبار لشخصيّتي. لقد تمكّنتُ أخيراً من العيش في بلد يتحدّث العربيّة، وتجربة واحتضان ثقافة الشرق الأوسط والشعور بما يعنيه أن أكون من أصول عربيّة. وفي لبنان تعلّمتُ أن أكون امرأة مستقلّة، وأن أفكِّر بطريقة مبتكرة خارجة عن المألوف والسائد.
في لندن كنّا دائماً نتّبع القواعد والأنظمة ونمشي بطريق مستقيم، بينما كان لبنان بلداً مختلفاً تماماً. كان كل شيء مختلطاً فيه، ممكناً وغير ممكن، وعليك أنتَ أنْ تختار، وكان هناك دائماً حلّ لأيّة مشكلة مهما كانت، والغريب أنّه لم تكن هناك طريقة واحدة فقط لحلّها! هذا هو المكان الذي تعلّمت فيه أن أتعاطى مع الأشياء بذهنٍ منفتح، وأن لا أتّبع القواعد بشكل أعمى.
والصِّفة المحببّة لديّ في والدي هي روحه المرحة التي يتمتّع بها، حتى في أصعب الأوقات، علّمني أهميّة الضحك بدلاً من إضاعة الوقت في البكاء، إذْ علينا أن نجد الفرح في كلّ المواقف مهما كانت غير سارّة، بل وحزينة، وأن ننظر إلى الجانب المُشرق من الأشياء. كان والدي يردّد دائماً أغنية معبّرة ومضحكة عن رجل كان سعيداً لكنه فقير، ومطلعها:
“I am happy I am poor” «مفلس وقاعد بالسّور»
وكان يلحّن ذلك ضاحكاً، موضحاً أنّ الرّجُل كان فقيراً لكنّه لا يزال سعيداً. لذلك يجب أن نكون سعداء دائماً رغم الظروف المؤسفة في بعض الأحيان.
لقد علّمني بابا الكثير من الدروس في الحياة، لكن تأثيره لم يقتصر عليّ فحسب، فأيّ شخص يقابله يقع تحت تأثيره. وهو ما كنت ألمسه لدى العديد من أصدقائي الذين يعتبرونه والدهم أيضاً. إذا تعرّفت عليه فستلاحظ مدى جاذبيّته وسحره. لبابا تأثير فكري على المجتمع العربي، وهو ركيزة مهمّة لفَهْم السياسات المعقّدة في الشرق الأوسط.
والأهمُّ من ذلك أنّني كبرت وأصبحَتْ علاقتي معه علاقة صداقة وثيقة، وأعتزُّ بها بشدّة. لقد رأيت والدي يتطوّر ويتكيّف على مَرِّ السنين مع مختلف الأوضاع. إنّه رجُلٌ عصريٌّ متجدِّد لا يستكين لعاداته القديمة مثل معظم الرِّجال في عمره.
بابا، أشكرك على ثقتك بي ووقوفك إلى جانبي ودعمي لأكون المحامية والمرأة التي كان من المفترض أن أكونها.. أشكرك لكونك مُرشدي، وصديقي. لقد ساهم دعمكم ولطفكم وحكمتكم في تكوين كلّ ما أنا عليه اليوم... أُحِبُّك.
- مساهمة أ. سوسن شعبان في كتاب جمر الحروف الذي صدر عن دار سعاد الصباح تكريمًا لدكتور عبد الحسين شعبان في يوم الوفاء 2024.