إسرائيل محمية اميركية
نهاد ابو غوش
2025 / 10 / 24 - 02:53
ما زال الرئيس الأميركي دونالد ترامب يطلق تصريحاته الغريبة وغير القابلة للتنبؤ ذات اليمين وذات اليسار مفاجئا مستمعيه في كل مرة، متمتعا بما تحدثه تصريحاته من أصداء وردود الفعل، تماما مثل صبي مهووس بالتقنيات ووسائل التواصل الاجتماعي مستمتعا بالتفاعلات التي تثيرها تصريحاته من إعجابات ومشاركات وتعليقات. هذا الرئيس الغريب الأطوار يدير سياسة أقوى دولة في العالم عبر التغريدات على منصته التي أنشأها لهذه الغاية "تروث سوشيال" فيشغل العالم بالتأويلات والتفسيرات لتصريحاته مطبقا قول أبي الطيب المتنبي بأنه " أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم". وسواء كانت تصريحات ترامب ناجمة عن تضخم وانتفاخ ذاته وأناه المتكبرة، أو كانت ضربا من الخرف وجنون العظمة، إلا أن تأثيرها يتجاوز كل هذه التصنيفات والحسابات وتحليلات الأطباء وخبراء علم النفس، فهو يمثل أقوى واغنى دولة في العالم، مستندا إلى السطوة العسكرية والمالية للاحتكارات والطغم الحاكمة والشركات المتعددة الجنسيات، وشركات النفط وكارتيلات تجارة وتصنيع السلاح. لا بل ربما كان وجود شخص بهذه المواصفات والجنون هو الأكثر ملاءمة لخطط ومشاريع هذه المؤسسات الامبريالية لتسيير أعمالها وتوسيع نفوذها، وتعزيز علاقاتها بعملائها وزبائنها وشركائها على امتداد العالم وفي القلب من هؤلاء تحتل دولة الفاشية الصهيونية مكانة مرموقة لكونها كانت تاريخيا وما زالت تلعب دورا وظيفيا رئيسيا في خدمة المصالح الامبريالية العالمية. ولعل ذلك هو ما يفسر ايضا حالة الرضوخ والخنوع التي تبديها دول عربية وإسلامية كثيرة، بل دول أوروبية مركزية، لأفكار ترامب ومخططاته التي تمس وتستفز مصالح وسيادة وكرامة هذه البلاد التي يتطوع قادتها دائما لدعم ترامب.
من التصريحات الغريبة لترامب ما كشف النقاب عنه مؤخرا عن تهديده ووعيده لنتنياهو في حال قيام الأخير وحكومته المتطرفة بضم الضفة الغربية وذك على اثر تصويت الكنيست بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون لضم الضفة وهو الأمر الذي استفز العرب والعالم، ودفع نتنياهو للتنصل من هذا القرار واتهام المعارضة بتدبيره وبخاصة أنه لم يحصل سوى على 25 صوتا مقابل 24 من أصل 120 عضوا في الكنيست. ترامب كرر التحذير وقال أنه تعهد للدول العربية بمنع ذلك. قد يبدو الأمر اشبه بالكرم الحاتمي والنخوة ولكنه ابعد ما يكون عن ذلك، فهو يدرك قبل غيره أن ضم الضفة يهدد سيادة وأمن واستقرار وبقاء دول عربية حليفة واشنطن، وبالتالي فهو يهدد المصالح الأميركية لعودة وتكريس النفوذ الأميركي في المنطقة بشكل حاسم وقاطع يغلق الأبواب والنوافذ أمام اي تمدد صيني أو روسي وحتى أوروبي، وتكررت تهديدات ترامب لنتنياهو بان هذا الأخير يخسر العالم وأنه بحاجة لسماع الإدارة الأميركية وسماع نصائحها التي هي في الحقيقة أقرب للأوامر والتعليمات. ويمكن تفسير ما اسمي بقطار المسؤولين الأميركيين الذي يزور إسرائيل بدءا من دونالد ترامب نفسه، ثم صهره جاريد كوشنير ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف ونائبه دي جي فانس ثم وزير الخارجية ماركو روبيو علاوة على القادة العسكريين من قيادة المنطقة الوسطى للجيش الأميركي "السينتكوم" المتواجدين بشكل دائم، بأنه رسائل مكثفة تدعو اسرائيل الى التزام اتفاق وقف الحرب في غزة، والتزام خطة الرئيس ترامب والكف عن المحاولات الصبيانية لخرقها بأي ذريعة كانت، وهذا التوجه يؤكد كثير من السياسيين والمحللين الإسرائيليين بأنه يؤكد وصابة الولايات المتحدة على إسرائيل، وأن القرار الإسرائيلي بالحرب او السلام يتخذ في واشنطن، وان إسرائيل مجرد محمية أميركية لا يمكنها اتخاذ قرارات مستقلة ومعارضة للإدارة الأميركية. كان يمكن لنتنياهو أن يفعل ذلك مع الرئيس جو بايدن الضعيف والمتردد وخاصة في أواخر ولاية هذا الأخير وعشية الانتخابات، اما مع ترامب القوي في بداية ولايته وفي ظل سيطرة الجمهوريين على مجلسي الأمن والشيوخ فأي معاندة لترامب والصدام معه هي وصفة مؤكدة للانتحار في ظل عزلة إسرائيل الشديدة ومعارضة العالم لها وانفضاض أقرب حلفائها الأوروبيين عنها والتلويح بملاحقات قضائية وعقوبات.