فرص نجاح خطة ترامب (2 من 2)
نهاد ابو غوش
2025 / 10 / 19 - 10:28
نهاد أبو غوش
يشأن إعادة الإعمار في غزة: صحيح أن إعادة الإعمار واردة ضمن أهداف الخطة لكن كثيرا من الغموض يحيط بها لكونها يجب أن تكون مسبوقة بجملة شروط كالنص على جعل قطاع غزة خاليا من التطرف والإرهاب، وهذا نص غامض لا يفهم منه ما المقصود بالتطرف، هل هو سلاح المقاومة؟ أم الأفكار والوعي الوطني؟ أم التظيمات والفصائل المسلحة؟ أم الأفراد؟ ومن الذي يملك صلاحيات البت بذلك هل هو مجلس الوصاية المسمى مجلس السلام برئاسة ترامب وبلير، أم القوات الدولية المعروفة بقوات حفظ الاستقرار، أم هيئة التكنوقراط الفلسطينية. إلى ذلك من المعروف أن إسرائيل ستحتفظ بسيطرتها على المعابر والحدود بما في ذلك ممر فيلادلفي، وبالتالي سوف تسيطر على كل ما يدخل لقطاع غزة وهي التي كانت تضع شروطا تعسفية مشددة تمنع دخول نحو 300 مادة مختلفة منها مواد طبية ودوائية وزراعية ومعدات وآلات وتكنولوجيا ومواد خام للصناعة وغيرها بحجة أنها مزدوجة الاستعمال، فهل ستلغي إسرائيل هذه القيود والشروط وتسمح بدخول مواد إعادة الإعمار؟
دور السلطة الفلسطينية ومكانة الدولة: على الرغم من أن معركة طوفان الأقصى وصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته إلى جانب الفظائع وجرائم الإبادة وجرائم الحرب الإسرائيلية، كلها خلقت مناخا عالميا داعما للفلسطينيين، وموجات عارمة من التضامن مع الشعب الفلسطيني، إلا أن أداء المؤسسة الرسمية الفلسطينية لم يكن بمستوى هذه الأجواء، بل على العكس مثل الموقف الرسمي نقطة ضعف قاتلة للصمود الفلسطيني والأداء البطولي للمقاومة، ففي جميع القمم العربية، وفي المناسبات الأممية المختلفة بما فيها الخطابات أمام الأمم المتحدة، وفي تصريحات متفرقة كثيرة، عمدت السلطة الفلسطينية إلى انتقاد المقاومة ومطالبتها بتسليم الأسرى من دون اي مقابل، والخروج من المشهد، والبعض دعاها صراحة للاستسلام وتوعد بمعاقبتها، وهذه المواقف شكلت "كعب أخيل" والمدخل لابتزاز الفلسطينيين جميعا، وجرى تضمينها للخطة الفرنسية السعودية وإقرارها في اجتماع نيويورك، ولاحقا جرى تضمينها لخطة ترامب نتنياهو وكأنها مطالب فلسطينية وعربية، وهكذا فلا المرونة الفلسطينية الفائقة ولا الصمود البطولي للمقاومة مكّنا من استثمار الأجواء العالمية المؤيدة للفلسطينيين لصالح الحقوق الفلسطينية، وهكذا يدفع الشعب الفلسطيني من جديد أثمان الانقسام المر، وتبدو الدولة الفلسطينية حلما بعيد المنال ومقيدا بشروط أميركية واسرائيلية تعجيزية.
إسرئيل وضعت بصماتها على الخطة وتدخلت في صياغة تفاصيلها، ومع أنها سلّمت ظاهريا ومؤقتا باستحالة تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وصعوبة إعادة احتلال غزة والاستيطان فيها في هذه المرحلة، إلا أنها فرضت عدة شروط تجعل هذين الخيارين ممكنين في المستقبل: فهي نجحت في تضمين الخطة أهداف الحرب المعلنة مثل استعادة الأسرى مقدما، ونزع سلاح المقاومة، وجعل غزة خالية من التطرف، فوق ذلك سوف تبدو إسرائيل كمن يستجيب لمبادرات السلام بعدما مارست أبشع جرائم الإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولذلك فإنها تراهن أن استجابتها للمبادرة، وتبنّي العالم لها سوف يمسح عنها كل الجرائم. علاوة على ذلك فإن النص على الانسحاب المتدرج يفيد بأن الانسحاب متروك لتقديرات إسرائيل الأمنية، وليس مرتبطا بجدول زمني، ويكفي إسرائيل أن تزعم في المستقبل أنها تشتبه بوجود شخص واحد يخطط لعملية ما لكي تنقض الاتفاق وتتحلل من التزاماتها، وتبقي على سيطرتها الأمنية وقيودها، كما أن احتفاظها بالسيطرة على الحدود والمعابر ثم نفوذها المتوقع على "مجلس السلام" وهو مجلس وصاية أجنبي على قطاع غزة، من خلال تطابق مواقف الإدارة الأميركية مع حاجات إسرائيل، يؤكد أن خيارات التهجير والاستيطان لم تسحب بشكل نهائي.
أمام الفلسطينيين معارك طويلة سواء في الضفة أو في غزة، وهم يخوضون هذه المعارك على جبهات عديدة في مواجهة الحصار والتهجير في غزة كما في مواجهة الاستيطان والضم في الضفة، وكذلك على مستويات العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني وعلى مستوى الوعي، وهنا لا بد من أن نأخذ التحولات العاصفة في العالم لصالح القضية الفلسطينية بأنها تخلق بيئة جديدة نوعيا ومواتية للنضال الفلسطيني حيث أنها تفتح المجال أمام تفعيل أدوات مقاطعة إسرائيل وملاحقتها وعزلها دوليا، ومطالبة دول العالم ومؤسساته الأهلية والحكومية بترجمة قرارات الاعتراف بدولة فلسطين إلى إجراءات عملية ملموسة ضد الاحتلال والفاشية الإسرائيلية، كل ذلك يفتح فضاءات مفتوحة وواعدة للنضال الفلسطيني لكن ذلك مشروط بوحدة أدوات النضال وتجديدها ومراجعة كل المراحل السابقة واستخلاص العبر من دروسها وانبثاق حركة وطنية متجددة قادرة على إعادة توحيد الشعب وقيادته نحو الحرية والاستقلال.