«الذكاء الاصطناعي الرأسمالي - رزكار عقراوي»... كتاب يفتح جبهة فكرية عالمية في وجه هيمنة الخوارزميات


عبده حمد الدوسري
2025 / 10 / 7 - 15:13     

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مصطلح تكنولوجي متداول في المؤتمرات العلمية أو أروقة شركات البرمجيات، بل أصبح قضية فلسفية وإنسانية واقتصادية تعيد تعريف معنى الوجود ذاته. في هذا السياق المتسارع الذي تتحول فيه التقنية إلى سلطة شاملة تتجاوز حدود الوعي، يطلّ كتاب «الذكاء الاصطناعي الرأسمالي، تحديات اليسار والبدائل الممكنة: التكنولوجيا في خدمة رأس المال أم أداة للتحرر؟» للمفكر والكاتب رزكار عقراوي كواحد من أبرز الإسهامات الفكرية الحديثة في قراءة الظاهرة الرقمية من منظور نقدي وإنساني شامل.

هذا العمل، الصادر باللغتين العربية والإنجليزية، والمترجم إلى عدد من اللغات العالمية بينها الفرنسية والإسبانية والألمانية، لا يقدّم مجرد تأملات أكاديمية في الثورة التكنولوجية، بل يُعدّ بيانًا فكريًا ضد التمركز الرأسمالي للتكنولوجيا، وضد اختزال الذكاء الاصطناعي في مجرد أداة للربح والهيمنة. فالكتاب يذهب إلى أبعد من النقاشات التقنية، ليستقرّ في قلب الأسئلة الوجودية الكبرى: من يملك التكنولوجيا؟ من يوجّهها؟ وهل يمكن تحويلها إلى قوة تحرير بدلًا من أن تبقى أداة للسيطرة والاستغلال؟

يستند رزكار عقراوي في عمله إلى تحليل معمّق للعلاقة الجدلية بين الإنسان والآلة، بين الفكر والسوق، بين المعرفة والسلطة. وهو يرى أن الرأسمالية الرقمية تمكّنت من تحويل التكنولوجيا إلى سلاح ناعم لإعادة إنتاج السيطرة الطبقية بأشكال أكثر خفاءً وتعقيدًا، حيث تُسخّر الخوارزميات لتوجيه الرأي العام، وضبط الوعي الجمعي، وصياغة أنماط الاستهلاك والتفكير. ومع ذلك، يؤكد الكاتب أن الإمكانيات الإنسانية الهائلة الكامنة في الذكاء الاصطناعي يمكن أن تُعاد توجيهها نحو تحقيق العدالة والمساواة، شريطة أن يُنتزع القرار من أيدي الشركات العملاقة ويُعاد إلى أيدي الشعوب.

أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في موضوعه، بل في اللحظة التاريخية التي يصدر فيها. فالعالم يعيش على أعتاب مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف العمل والإنتاج والمعرفة، وتتقلص فيها الحدود بين الإنسان والآلة. وفي خضم هذا التحول، يأتي رزكار عقراوي ليذكّر بأن النقاش حول الذكاء الاصطناعي ليس شأنًا تقنيًا، بل قضية ثقافية وسياسية وأخلاقية تتعلق بمستقبل الإنسانية كلها.

بلغة رشيقة ورؤية موسوعية، ينجح المؤلف في الجمع بين التحليل الفلسفي والاقتصادي والتاريخي، ليجعل من الكتاب عملًا إنسانيًا شاملًا يدعو إلى تحرير التكنولوجيا من قبضة رأس المال وإعادتها إلى فضاء العدالة الاجتماعية. كما يطرح رؤية متقدمة لعالمٍ تُصبح فيه المعرفة ملكًا جماعيًا، ويُعاد توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة للتنمية والوعي، لا كوسيلة للهيمنة.

ويُحسب للأستاذ رزكار عقراوي جهده البحثي الكبير في جمع هذا العمل، وصياغته بلغة تتجاوز الحدود الأيديولوجية لتخاطب العقل الإنساني في كل مكان، إذ قدّم رؤية فكرية نادرة تجمع بين النقد الماركسي العميق والانفتاح الإنساني الواسع، ما جعل الكتاب يحظى باهتمام المفكرين والباحثين في الشرق والغرب على حد سواء.

إن صدور هذا الكتاب وترجمته إلى لغات متعددة يعكسان حاجة العالم الماسّة إلى خطاب فكري بديل يوازن بين التطور العلمي والوعي الأخلاقي، ويعيد إلى الفكر دوره في توجيه التقنية لا الانصياع لها. إنه ليس مجرد كتاب عن الذكاء الاصطناعي، بل عن الإنسان الذي يقف اليوم أمام المرآة الرقمية يسائل نفسه: من المتحكم الحقيقي؟ ومن الخاضع؟

الكتاب متاح عبر منصة “أمازون” وعدد من المكتبات الإلكترونية العالمية، كما أُتيح مجانًا عبر النشر الرقمي المفتوح، في مبادرة أراد من خلالها المؤلف أن يُكرّس فكر المشاركة الحرة والمعرفة للجميع، ليكون هذا العمل علامة بارزة في الفكر الإنساني المعاصر، وجسرًا بين العلم والحرية في زمنٍ تتصارع فيه القيم مع الخوارزميات.

رزكار عقراوي: كاتب ومفكر يساري عراقي، ومؤسس موقع الحوار المتمدن، يُعدّ من أبرز الأصوات الفكرية العربية في مجال الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان والفكر التقدمي المعاصر.