قطر و سمكة الرماد!


شوكت جميل
2025 / 9 / 12 - 20:52     

و لنا في عالم الحيوان و كائناته عبرةٌ ضافيةٌ وأسوةٌ حسنة،ما دب منها على وجه الارض،و ما غاص في قعر المياه،و ما طار في جو السماء،بل و من العلاقات بين الكائنات ما هو أصدق و أدق وصفاُ للعلاقات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية في عالمنا اليوم...و لعلها من عقابيل الرجعة إذا أخذنا الداروينية في الحسبان.

من العلاقات المثيرة للتأمل بين تلك الكائنات علاقة "التكافل غير المتساوي"(commensalism)،ففي بعضٍ منها يكون السبيل الوحيد لبقاء كائنٍ غاية الضعف و الضألة هو الإتصاق بكائنٍ هائل الضخامة؛فبينا تكون هذه العلاقة غاية الأهمية و هي الاستراتجية الوحيدة لبقاء الضئيل على قيد الحياة، لا تكون بنفس الأهمية لهائل الضخامة...نعم قد يستفيد منها–قليلاُ أو كثيراُ- بيد أنه بمقدوره الإستغناء عنها و استبدالها أنّى شاء.

سميكة الرماد(remora)و القرش خير مثالٍ على تلك العلاقة،أما تلك السُميكة و قد حرمتها الطبيعة من مقومات عيشها مستقلة،و لم تمنحها المكونات الطبيعية للاعتماد على نفسها،و هشاشتها المفرطة بنيويا؛غدت صيدا سهلا للكائنات الأخرى في محيطها و ما أيسر ابتلاعها كاملةً! و لكن الطبيعة رحيمة؛ فلم تذرها مجردةً عاريةً و مصيرها المحتوم، بل حبتها بفمٍ لاصقٍ ماصٍ،فكان سطح القرش خير ملاذٍ لها، تلتصق بظهره و تسير أينما سار،بالطبع هي لا تملك أي وجهةٍ أو سبيل، إنما كيفما شاء القرش فهي معه.يكفى أن تختال على ظهره على من كان يهددها من اسماك محيطها،فهو إن هاجم هذا فهي معه ،وإن ابتلع ذاك فهي معه؛و يخيل لي أن هذه السيرة أكسبتها هيبةً ووزنً مصنوعين بقدر ما أكسبتها من غيرةٍ و حقدٍ عميق، فماذا عن القرش؟

القرش لا يحفل بها كثيراً، برغم أنها تنظف سطحه من الحشرات البحرية، و تلعق جلده لإزالة الطفيليات، مما يحافظ على صحته و يبدو لامعا براقا كما هو لائقٌ بجلد القرش المعهود، و هي لا تستنكف من أبتلاع فضلاته أيضاً، فهذا من استراتيجيتها في الحصول على الغذاء....القرش لا يمانع في هذا أيضاً ،و لكنه يبدو أنه لا يعير الأمر ما يستحق من اهتمامٍ أو تقدير...فهل تسير هذه العلاقة على هذه الخطة الوادعة الهانئة السعيدة؟

في الحقيقة القرش لا بقيم وزنا للرماد لا يهتم كثيراً لها بقدر ما يهتم بنفسه و صيد فرائسه الثمينة،فإذا ابتعدت عنه و لو قليلا و تعرضت للهجوم؛ فأنه يخلي بينها و بين مهاجمها(و هذه أيضا حقيقة علمية)،فما أكثر الرماديات في المحيط و جميعهن مستعدات للخدمة طوعا ،أما الشيء الملفت ،و رغم أنه ليس شائعا جدا، فقد يبتلع القرش الرماد عن غفلةٍ و سهوٍ!.. ... وماذا بعد؟

يخيل لي أن القرش لا يهتم و لا يعتذر لأن الرماد ليس أمامها إلا هذه السبيل،و يبدو أنها لا تمانع أيضأ و لا ترى ثمة خيانةٍ في الأمر من القرش(كما حدث)،و لا تبغي منه اعتذاراً؛فبقاؤها بعيداً عنه هو الموت المؤكد المحتوم ، أما بالقرب منه فعسى و عسى...أتُرى لو ملكت الرمادة المسكينة وعياً؛أما كان لها أن تبحث عن قرشٍ آخر،ربما أكثر اهتماماً بمصيرها؟!...و لكن هل بين القروش وفي؟....ربما كان الأمر كله عيباً في الطبيعة...... أعني طبيعة تكوينها الغير مكتمل بنيوياً!