الوطنية (الظرفية) في المجتمعات المأزومة


ثامر عباس
2025 / 9 / 7 - 15:33     

حين يجري الحديث عن المجتمعات (المأزومة) غالبا"ما تتداعى الى أذهاننا مجموعة من الخصائص والصفات التي يمكن إيجازها بالمؤشرات والمعطيات التالية ؛ توترات سياسية مستديمة ، وانقسامات اجتماعية متقادمة ، واحتقانات نفسية متراكمة ، وتصدعات قيمية متفاقمة . بحيث قد يتساءل البعض : كيف يكون بمقدور هكذا مجتمعات مقطعة الأوصال ومعطلة الآمال وطافحة بالأهوال ، استمرار بقائها على لائحة الوجود الإنساني والحضاري لحد الآن ؟! . لا بل والأنكى من ذلك أنها تطالب بقية الشعوب والمجتمعات الأخرى التي قطعت شوطا"بعيدا"في مضامير التطور والرقي ، أن تنظر إليها وتتعامل معها بمنظار التكافؤ والنديّة ! .
ولكن ما علاقة ما أسميه بالوطنية (الظرفية) بالمجتمع الذي ننعته ب(المأزوم) ؟ ، وهل يمكن وسم المشاعر (الوطنية) بالطابع (الظرفي) العابر وتجريدها من صفات (الديمومة) و(الاستمرار) ، بصرف النظر عن طبيعة المجتمع الذي نتحدث عنه أو نقصده ، ودون اعتبار لما تنطوي عليه تلك المشاعر من خصائص وما قد تزامن أو تحايث من سياقات ؟! . الحقيقة أن هناك تلازم عضوي يتعذر فصم عراه بين طبيعة (الأزمة) القائمة ومعدلات تفاقمها داخل المجتمع المعني من جهة ، وبين مستوى جنوح المشاعر الوطنية صوب الخاصية (الظرفية) العابرة من جهة أخرى . أي بمعنى انه كلما أوغلت الأزمة في تطاولها الزماني وتجذّرها المكاني وتعمقها الإنساني ، كلما أسهمت في الخمود التدريجي لجذوة المشاعر والحدّ من وهج العواطف التي تشدّ الإنسان بموطنه ، للحدّ الذي يمكن مقارنته واستخلاص نتيجته عبر ملاحظة مستويات الصعود والهبوط لمؤشر (الولاء) لمراحل ما قبل الأزمة وما بعدها .
فعلى صعيد مرحلة (ما قبل) الأزمة حين يكون المجتمع في حالة من الاستقرار السياسي والتطور الاجتماعي ، نجد ان مؤشر (الولاء) الوطني لدى الإنسان (المواطن) يبلغ مستويات (مرتفعة) من تأجج المشاعر وطغيان العواطف ، على خلفية انغماره بأحاسيس الانتماء الاجتماعي ، والاطمئنان الاقتصادي ، والتشارك السياسي ، والتفاعل الثقافي . أما على صعيد مرحلة (ما بعد) الأزمة ، فإن الأمور تأخذ منحى دراماتيكي مختلف تماما"، بحيث تنقلب المسلمات والقناعات والتواضعات السابقة رأسا"على عقب ، وذلك جراء عمليات التآكل والاندثار المستمر التي تفعّلها ديناميات الأزمة ، ليس فقط داخل بنى الوعي الاجتماعي والسيكولوجي التي كانت في حالة من الثبات والاستقرار النسبي فحسب ، بل وكذلك داخل شبكات الروابط والصلات والعلاقات التي كانت حتى ذلك الوقت ، تسهّل وتديم عمليات التفاعل والتواصل بين الجماعات والمكونات .
ولأجل إيجاد معادل (واقعي) لهذا الاستنتاج (النظري) الذي خلصنا إليه ، فإن ترشيح تجربة المجتمع العراقي كحالة معاشة لإظهار الكيفية التي يتعاطى من خلالها الأفراد والجماعات مع قضايا (الهوية الوطنية) ، وما يفترض أنها تستتبعه من مشاعر وعواطف تتعلق ب(الولاء) لها من عدمه يبدو خيارا" معقولا"ومقبولا"، من حيث كونه يتيح للباحث فرص الملاحظة المباشرة للتحولات – صعودا"أوهبوطا"- التي تتعرض لها تلك الانفعالات السيكولوجية المضطربة . لاسيما وان تجارب المجتمع العراقي مع (الأزمات) هي الأكثر تواترا"والأشدّ تعقيدا"، إذا ما قورنت بتجارب بقية المجتمعات الأخرى التي وان كانت – ربما - تعاني من ذات الظاهرة ، إلاّ أنها لا تسبب لها هذا الكم الهائل من المشاكل المتفاقمة والإشكاليات المستعصية مثلما تسببه للمجتمع العراقي من عواقب وتداعيات ، لا تقتصر فقط على إعاقة تكوين (الشخصية الاجتماعية) التي تشكل ركن أساسي من أركان الاستقرار والتطور الاجتماعي فحسب ، وإنما تساهم في إثارة النعرات والعصبيات بكل أشكالها وألوانها أبضا".
ولعل من أسباب شيوع هذه الحالة / الظاهرة (الوطنية الظرفية) بين مكونات المجتمع المأزوم ، كون هذه الأخيرة لم تحظى بنظام سياسي يحرص على تكريس مفهوم (الوطن) وترسيخ أهمية الوعي ب(الوطنية) ، بعيدا"عن نوازع الانتماءات الانثروبولوجية ودوافع الولاءات الإيديولوجية التي تتشظى إليها تلك المكونات ، وإنما على العكس من ذلك راهنت تلك الأنظمة بمختلف عناوينها على توظيف تلك الانقسامات واستثمارات تلك الانشطارات ، بما يعزز بقائها في السلطة ويضمن استمرار هيمنتها على المجتمع . لا بل أنها عمدت في الكثير من الحالات الى (شخصنة) كل ما يتعلق بمفاهيم (الوطن) و(الوطنية) الى حدّ التماهي ، بحيث أصبح شعاراها الدائم هو (الوطن / الوطنية – القائد / الزعيم) دون اعتبار لما تنطوي عليه المماهاة من عواقب سياسية واجتماعية وثقافية . وهو الأمر الذي جرد تلك المفاهيم السيادية من دلالاتها الرمزية والاعتبارية والقيمية ، بعد أن استحالت في الوعي الفردي والسيكولوجيا الاجتماعية الى مجرد ألفاظ (شكلية) وعبارات (جوفاء) تلوكها الألسن وتصدح بها الحناجر بمناسبة وغير مناسبة .
وعلى هذا الأساس ، لم يعد (المواطن) يستحضر في وعيه مفهوم (الوطنية) إلاّ في المناسبات الرسمية ، أو اللقاءات الدبلوماسية ، أو الحوارات الأكاديمية ، أو المنافكات الإيديولوجية ، التي عادة ما تكون عابرة (ظرفية) سرعان ما ينطفئ بريقها ويتلاشى وهجها بانتهاء فترة المناسبة أو اللقاء أو الحوار أو المجادلة . أما ما يترتب على ذلك المفهوم من اعتبارات والتزامات وأخلاقيات وعلاقات ، فهي نادرا"ما تخطر على بال الأطراف المعنية إلاّ بالقدر الذي ترى فيه وسيلة من وسائل المزايدة بين هذا المكون أو ذاك ، وأسلوب من أساليب المفاضلة بين هذه الجماعة أو تلك ليس ألاّ .
والجدير بالملاحظة ان (فيض) المشاعر الوطنية أو (جدبها) في مثل هذا النمط من الجماعات / المجتمعات المأزومة ، غالبا"ما يظهر لدى أولئك الذين يكابدون ظروف (الهجرة) القاسية في المجتمعات الأخرى التي اختاروا اللجوء إليها والاستيطان فيها لأسباب ودوافع مختلفة ، أكثر مما يظهر لدى أقرانهم ممن تكيفوا مع ظروف أوطانهم وأوضاع مجتمعاتهم . ذلك لأن مستويات الإحساس بالغربة ومعدلات الشعور بالضياع لدى عناصر الصنف (الأول) تبدو أعلى مما هي عليه الحال بالنسبة لعناصر الصنف (الثاني) ، خصوصا"بالنسبة للأجيال الأولى من المهجرين الذين تعرضوا لصدمات الاختلاف في القيم والرؤى والتباين في العلاقات والسلوكيات . خلافا"لأبنائهم وأحفادهم من الأجيال التالية الذين لم يعانوا أو يكابدوا – بذات القدر - وطأة تلك الصدمات والصعوبات ، وبالتالي خفت أو اضمحلت لديهم مشاعر الانتماء للوطن أو الولاء للوطنية ، التي كان آبائهم وأجدادهم يحرصون على التمسك بها والتعويل عليها
ولكن المفارقة ، في هذا الإطار ، هي ان (الحمية) الوطنية التي كانت تبديها عناصر الجيل الأول في مجتمعات الغربة ، لا يلبث (الوهن) و(التراخي) أن يتسلل إليها ويطغى عليها حالما تطأ أقدام تلك العناصر أرض (الوطن) والانخراط في أمور المجتمع ، سواء لأغراض تتعلق بالعمل التجاري والاستثماري ، أو للقيام بالزيارات الدورية للأهل والأقارب ، أو لاتخاذ قرار العودة النهائية والاستيطان مجددا". لا بل ربما تتجه بوصلة الحمية (الوطنية) بالاتجاه المعاكس ، بحيث يتحول زخم المشاعر من حالة (الفتور) الى حالة (النفور) ، لاسيما بعد أن يجد (العائد) ان واقعه الوطني والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي ، ليس فقط لم يبرح طبيعته المتخلفة والمزرية فحسب ، وإنما تردى أكثر الى مهاوي الانحطاط الحضاري والبربرية الإنسانية .