صلاح اللبان شمعة استعرت نوراً ساطعاً وضياءً بهياً في الحياة الإنسانية
فلاح أمين الرهيمي
2025 / 7 / 30 - 12:22
إن صلاح اللبان ليس باعتباره شاعراً مبدعاً بل أيضاً كمثقف نقدي حاضراً دائماً في الوعي الفكري الإنساني حيث شكل مساراً خاصاً في رؤيته الإنسانية التي لم تكن خفية بل عميقة ومتعددة الأبعاد وامتدت إلى مسيرته الحسينية وأهل البيت عليهم السلام الذين ناضلوا من أجل الإنسان والعدالة الاجتماعية وقد قضى الكثير منهم موتاً في ساحات الوغى والسجون والموت غدراً في السموم وكذلك في مسيرة تراث الشعراء القدامى الذي كان يقضي الأيام والليالي لجمع وترتيب أشعارهم وعاش ولا يزال يعيش حياة بسيطة مع الفقراء والمعدمين والمحتاجين من العوائل المتعففة يجلس معهم ويأكل معهم (عبوسي) ويجاملهم ويمزح معهم ... لم يكن ذلك مجرد اختيار شخصي بل عمق وجداني ورسالة إنسانية فيها موقفاً واضحاً في زمن كان الاصطفاف الطبقي والطائفي بارزاً في المجتمع العراقي ... كان حضور اللبان طاغياً وبارزاً في جميع مجالات الأدب والبحوث وغيرها وتعتبر مسيرته واسعة تمثل الحياة الواقعية بكل جوانبها وتجسد وتعبر عن الهموم السياسية والاجتماعية والاقتصادية لجميع الناس لا يمكن فصلها عن الواقع العراقي والتي تشكل خارطة للإنسان المنخرط في قضايا ومشاكل المجتمع لا يميز بين إنسان وآخر من حيث الانتماء السياسي والطائفة الدين والقومية وأين يقف الإنسان ومركزه على مقاييس المجتمع ... وكان حاضراً في وجدان الناس كما لو أنه الابن الشرعي لحزنهم وآلامهم وحاجاتهم ... لم تكن مسيرته في الحياة صاعدة بنمطية بل متأرجحة كنبض مدينة لا تنام على استقرار عاش بين اليسر العسر والعوز لا لطرف عابر بل كهوية ومن هذا التمايل والظرف صنع نفسه ولغته وثقافته وكل ما يفعله أنه ملتقط ومعبر عن وجع وآلام الناس ونفخ فيه من إنسانيته فصار واقعه وثقافته وحياته ... كان اللبان مناضلاً جريئاً يتكلم عن جميع الناس وليس عن نفسه حيث كان صوته أعلى من حزنه وأوسع من حياته ووحده من عاش الحاجة من أجل الآخرين وكان يشعر بالجوع والفقر للعوائل المحتاجة المتعففة وكان يشحذ من أجلهم من الناس الخيرين ويوفر الحاجة لهم فلم يكن غنياً المال وإنما بالعلاقات مع الآخرين وكان غنياً بتربة فريدة لم تدنس بالمحاباة ولم يسع إلى مكان في الصالونات البورجوازية وإنما كان يجلس على أرصفة الطريق حيث الناس والحقيقة والواقع وكان يحكي مع الناس ومعاناتهم وآلامهم ولهذا أحبوه الناس ويتجمعون حوله لصدقه ووفاءه وإنسانيته ... لقد كان صريحاً وواقعياً وصادقاً في كلامه وعمله وكان في بعض الأحيان يتوقع الفشل إلا أن ذلك لا يمنعه من مواصلة عمله وإنسانيته وييأس وينزوي جانباً بعيداً عن الناس ومعاناتهم وفقرهم ويعيش في حياة ممتعة ... كان تقشفه في الحياة وبساطته جزءاً من كبرياءه ولم يكن زاهداً إلى حد التباهي وحب الظهور إلا أنه لم يتعود أن يأخذ من الحياة أكثر مما يحتاج وإن أنفق من المال أنفق على غيره من الناس ... كان عنيداً في فكره وعمله الإنساني وفظاً أحياناً عندما يشعر أن الحقيقة معه وبجانبها وصادق وقلبه بريء وطيب وأبيض لا يتكلم على الآخرين ولا يحقد أو يبغض أحد من الناس وكان يؤمن أن الحياة مؤقتة ولكل شيء نهاية بما فيهم الإنسان وأن لا شيء يستحق المساومة عليه ما عدا الكرامة الإنسانية ... كما أنه ليس من أولئك الذين يتعاملون ويساومون مع الأنظمة السياسية التي حولت الخطاب إلى ربح وبقي وفياً للفقراء والكادحين والمظلومين.