طريق الحرير الصيني الماركسي
عذري مازغ
2025 / 5 / 31 - 04:48
من أروع الحوارات اليسارية الجارية هذه الأيام هي تلك الموضوعات حول الصين: الصين "الديكتاتورية". وبالطبع، فإن سياق الفهم أو التعريف للديكتاتورية هو ذلك الذي به يحكم الفكر الرأسمالي المهيمن إعلامياً وسياسياً وعسكرياً: أي ذلك النظام الذي لا يتلاءم مع أنظمة "القرد الأشقر". التعبير هنا هو: "كل ما ليس على النمط الغربي هو ديكتاتوري بالضرورة"؛ إلا هم (الغربيون)، رغم إغراقهم في الديكتاتورية: ديكتاتورية المؤسسات المالية طبعاً (الرأسمالية بشكل عام)؛ والتي في سياق هيمنة الأيديولوجية الراسمالية لا تبدو كما تُرى؛ إنها "الحرية كما يقولون". الشيء الجديد بالنسبة لي في هذه الحوارات هو أنني - ولأول مرة - أكشف عن وجهي الحقيقي؛ لاول مرة أقول لرفاقي الإسبان - مثلما حاولت أن أشرح في المقال السابق - أن العلاقة التي نرتبط بها في اليسار ونفس الشيء أيضا بالنسبة لاحزاب اليمين هي هي. وبشكل تفاوتي، فإن نفس العلاقة التي تربط أنظمتكم بأنظمتنا هي هي: علاقة ابتزار. وأن كل هذا "الخوار" المثار حول الديموقراطية ليس أكثر من أداة ابتزاز تبدأ بخرافة الحق والحقوق، لتنتهي بالعقوبات الاقتصادية. والدليل على هذا هو أن الديموقراطية في بلداننا في سياق تطبيقها بحذافيرها هي نفسها القائمة أصلاً في الغرب. إنها لا تُطبق كنقيض لعلاقة الابتزاز التي تحكم منطق السيطرة. مثلا، وافتراضا فقط، وفي سياق ديموقراطي حقيقي بالمغرب، فقد فزت في انتخابات نزيهة، وأردت أن أبيع سمك المغرب لإفريقيا بأثمان السوق الدولية. هذا قرار سياسي سأصير بموجبه ديكتاتورياً في الآلة الغربية، ومن خلالها سأكون كذلك في أدمغة القطيع.
أحياناً، أميل إلى أن أكون سورياليا أكثر من ماركسي علمي. وعملياً، فقد بزقت على خرافة الثورة بواسطة ديكتاورية العمال عندما بدأت سابقاً أنتقد الماركسية الستالينية. كان ذلك لسبب بسيط: عندما بدأ الماركسيون المغاربة يبحثون في تأطير العمال تهيُّئاً للثورة في المغرب، كانوا في الحقيقة يباركون الراسمالية التي هي من يولِّد الطبقة العامل. ولا أدري بالتأكيد كيف تكون ثورياً حين تبحث فقط في أن تخلق عاملا بروليتارياً في الوقت الذي كانت أغلب أراضي المغرب - خصوصاً العصية منها - هي ملك للجماعات القبلية (السلالية كما يقولون في المغرب رغم تحفظي الكبير على هذا المصطلح). وهذا يعني أن الملكية الخاصة للأرض لم تكن هي السائدة. وكنا نحتاج فقط لعصرنة الفكر عند الجماعات القومية للحفاظ على ملكيتها الجماعية للأرض. لم يكن ضرورياً أن نكون جامدين عقائدياً. بمعنى كان الماركسي يبحث في تأطير عامل لكي ينتزع الملكية الخاصة في ثورة بروليتارية؛ بينما كان الأمر الضروري والمطلوب هو أن ندفع الجماعات والشعب إلى أن يحافظوا على الملكية الجماعية للأرض التي كانت قائوة أصلا. وهذا بالتحديد هو ما جعل الحركة الوطنية البدوية، لا المدينية، تكون هي الأكثر ثورية في المغرب ضد فرنسا. سكان البدو المغاربة (في السياق: هم "أمازيغ شلوح" كما يحلو للبعض أن يقول) هؤلاء كانت لهم أراضيهم الجماعية بسبب من نمط عيشهم الرحالي بين السهل وأزاغار؛ وهي الأراضي التي انتزعتها منهم فرنسا. هؤلاء هم من حاربوا فرنسا بالسلاح لان الاستعمار خوصص أراضيهم. أما الذين جاؤوا إلينا من فرنسا بنظرية البروليتاري، فقد كان الكثير منهم - من حيث لا يدرون في سياق علاقة الابتزاز - بمثابة العملاء للرأسمالية الفرنسية (راجع في هذا الصدد مذكرات إدغار فور حول اتفاقيات "إكسليبن" مع المغرب و "إفيان" مع الجزائر). وإغار فور هو وزير اشتراكي فرنسي؛ ستفاجئكم بعض أسماء الوطنيين المغاربة المتعاونين مع فرنسا. لكن ليس هذا هو موضوعي، وإن كان الأمر كما نقول في المغرب يشبه رقصة: "السململ كايتململ". وفي نفس هذا السياق أيضاً، خذوا مني هذه العبرة: "الرأسمالي بيننا خائن بالفطرة والغريزة ".
الكذب في الغريزة الرأسمالية هو وجهة نظر تُحترم: هكذا عبَّرت رفيقة "شيوعية" في محاضرة أمس حول الصين حين صرح المحاضر أن الصين تُعاقب بخصوص الكذب: إيداع خبر كاذب حول الصين في الفيسبوك، مثلا. قالت بانه يحتمل أن يكون وجهة نظر، فقلت لها عفوياً من حيث لا أشعر: "نعم، هي وجهة نظر بسبب الفقاعة الإعلامية التي حُشَّت في أدمغتنا الصغيرة من طرف إعلام الغرب؛ وبسبب ذلك فإن كل ما هو صيني هو سليل فهم ديكتاتوري". هل تصدقون؟ أنا على الإطلاق لا أصدق ما يقال عن كوريا الشمالية في الإعلام الرأسمالي الغربي.قد لا أتفق حول أمور حشّها إعلام الغرب في دماغي الصغير، لكن الأكيد هو أن الكثير مما يقال هو دس سم أفعى الغرب .
من الأسئلة المطروحة حاليا هي: لماذا شيوعيونا لم يتجهوا إلى دراسة الظاهرة الصينية؟ وأعتقد أن الجواب بسيط للغاية؛ إنه نفس جواب ماركسيينا في المغرب: أردنا ان نكون لينينيين: تلك الأبجدية التي للطلائع الثورية: خرافة تكوين الطبقة العاملة في حضن شركة رأسمالية. شخصياً، مارست هذا حين كنت عاملاً بجبل عوام: الحديث حول الأمر بالميكانيزمات والآليات الفعلية هو مهزلة في التطبيق .
الشيوعية أو الماركسية عند الصين والصينيين هي منهج للخروج من التخلف والوصول إلى التقدم. هذا باختصار هو طريق الحرير عند الصينيين. لقد فكر ماو في طريق لتحويل الصين من دولة فقيرة ومتخلفة إلى دولة غنية ومتقدمة. ولا يهمه هل كان ديكتاتورياً أو تحريفياً. الذي يهمه هو أنه رسم طريق الصين إلى التقدم. واللينينية عنده هي التحول الثوري بالفعل؛ إنما بالطريقة الصينية. ليس بطريقة الإنزال النظري مثلما هو حاصل لدى بعض الماركسيين المتخلفين، بل بالنظر في التحول "من..، إلى.." بدون خسائر..