يزيد المصري: ثنائية الخالق والمادة في حديث الصباح والمساء — قراءة فلسفية رمزية
أحمد الجوهري
2025 / 4 / 17 - 22:47
مقدمة
في المشهد الافتتاحي لمسلسل حديث الصباح والمساء، يظهر رجل ضخم الجثمان، طويل الشعر واللحية، أبيض الثياب، يجلس على كرسي أرابيسك ضخم، وكأنه تجسيد لسلطة كونية أزلية. هذا الرجل هو "يزيد المصري" (أحمد ماهر)، يُقابل حفيده "النقشبندي قاسم عمرو عزيز يزيد المصري" (عمرو واكد) العائد من المجهول حاملاً حقيبة سفر، باحثًا عن جذوره وهويته. يسلم له كتابًا ضخمًا، أقرب إلى أن يكون شجرة نسب كونية أو نصًا مقدسًا، ويطلب منه فقط أن يشاهد، لا أن يتدخل. هذا المشهد، بتجلياته البصرية والرمزية، يضع المشاهد أمام تساؤلات وجودية حول الزمن، الأزل، والمصير، ويستدعي المقارنة مع رموز أخرى من أدبيات نجيب محفوظ، وعلى رأسها شخصية "الجبلاوي" في أولاد حارتنا، و"سيد الراوي" في قلب الليل.
من خلال هذا المقال، أسعى إلى تقديم قراءة تأويلية فلسفية لرواية حديث الصباح والمساء وتحولها الدرامي على يد محسن زايد، متتبعًا رمزية شخصية يزيد المصري باعتباره تجليًا لثنائية الخالق والمادة، أو ما يمكن تسميته بـ"الهيولى والمحرك الأول" في الميتافيزيقا الأرسطية، وعارضًا لتقاطعات هذه الصورة الرمزية مع نصوص أخرى لنجيب محفوظ، بما يرسخ رؤيتي الشخصية لأعمال محفوظ كأعمال ذات طابع فلسفي ميتافيزيقي أصيل، أكثر من كونها فقط سرديات اجتماعية أو سياسية.
________________________________________
أولاً: يزيد المصري بين النص الأدبي والتحول الدرامي
الرواية الأصلية لنجيب محفوظ حديث الصباح والمساء تتخذ شكلًا غير تقليدي في السرد، حيث تنبني على سير ذاتية متتابعة، قصيرة، تبدأ بيزيد المصري وتنتهي بآخر نسل العائلة. لا يوجد في النص صوت واحد راوي، بل تتكلم كل شخصية عن نفسها، مما يعطي الانطباع وكأن القارئ يطالع كتابًا للأنساب أو نصًا مقدسًا عن خلق العائلات وتفرعاتها.
عندما قام محسن زايد بتحويل الرواية إلى مسلسل درامي، كان عليه أن يجد مدخلًا بصريًا وزمنيًا لتوحيد هذه الشذرات. هنا جاءت عبقرية تجسيد شخصية يزيد المصري في هيئة "الراوي العليم" المتجسد، الذي لا يروي من الخارج فقط، بل يُشاهد الأحداث ويتفاعل معها أحيانًا، ثم يتحول لاحقًا إلى أحد الشخصيات في نسيج الرواية كالعطار. هذا التحول يجعل من يزيد المصري ليس مجرد الجد الأعلى، بل هو أيضًا المحرك الأول للأحداث، وهو الذي يسلم الكتاب للنقشبندي، ويوصيه بعدم التدخل، كأنما هو إله الزمن أو العقل الكوني.
________________________________________
ثانيًا: من الجبلاوي إلى سيد الراوي: الرموز المتكررة
محسن زايد لم يكتفِ فقط بتجسيد يزيد المصري بهذه الطريقة، بل كرر استخدام الصورة البصرية ذاتها في عمل سابق له: قلب الليل المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ بالاسم ذاته. في هذا العمل، نجد شخصية "سيد الراوي" (فريد شوقي) جد جعفر (نور الشريف)، رجل ضخم يجلس على كرسي أرابيسك في قصر يضم جنائن ونوافير، يفرض سلطة أبوية صارمة، ويمنع حفيده من العزف على العود، ويطرده حين يعصيه. القصر هنا ليس مجرد مكان، بل رمز للوجود، للنعيم الأول، تمامًا كقصر الجبلاوي في أولاد حارتنا، وبيت يزيد المصري في بداية حديث الصباح والمساء.
تكرار الصورة البصرية (رجل أبيض الشعر واللحية، جالس على كرسي أرابيسك، في بيت تحيطه الجنائن) يشير إلى رمزية خالصة تجذرت في دراما محسن زايد المستمدة من أدبيات محفوظ. الرجل هنا ليس شخصًا، بل مفهومًا: هو المحرك الأول، أو الخالق، أو الفكرة المؤسسة.
________________________________________
ثالثًا: النقشبندي، رحلة المعرفة، وميتافيزيقا التفرج
النقشبندي قاسم عمرو، الحفيد، يمثل الإنسان الباحث عن الحقيقة. يُطلب منه فقط أن يراقب دون أن يتدخل. يلاحظ الأحداث دون أن يراه أحد، وكأن وجوده طيفي، روحٌ تجوب الماضي. في الحلقات الأخيرة، تبدأ الشخصيات بالشعور بوجوده، لكن لا أحد يخاطبه إلا نظرات كداوود المصري. هذا التوتر بين المعرفة وعدم الفعل، بين التفرج والرغبة في التغيير، يُشكل جوهر المأساة المعرفية عند محفوظ.
يزيد المصري يُحذره قائلاً: "ألم أحذرك أن لا تتدخل؟ ما شأنك؟"، ثم يتحول من هيئته كعطار إلى هيئته الأولى، ويطرده. هذه الحركية الدرامية تعيدنا إلى مأساة جعفر في قلب الليل حين يُطرد من قصر جده. إنها لحظة الطرد من الجنة، لحظة الوعي، لحظة الكارثة.
________________________________________
رابعًا: الموت، الولادة، وتحول المادة
في أحد مشاهد المسلسل المفصلية، يبلغ عزيز يزيد المصري (توفيق عبد الحميد) والد زوجته عطا المراكيبي (أحمد خليل) بوفاة والده. فورًا، تنزل زوجة عطا الجديدة، هدى هانم (ليلى علوي)، وتلد ابنها محمود. هذا التزامن بين الموت والولادة يحمل دلالة فلسفية: المادة لا تفنى ولا تُستحدث من عدم، بل تتحول.
يمكن قراءة هذا المشهد كتجسيد رمزي لفكرة أزلية المادة. موت يزيد المصري العطار (الذي هو الخالق الظاهر)، وميلاد محمود عطا، يرمزان لتحول الخلق من صورة لأخرى، دون بداية أو نهاية. وكأن الحياة والموت ليسا نهايتين بل محطات في سلسلة لا متناهية من التحولات.
________________________________________
خامسًا: نجيب محفوظ كفيلسوف ميتافيزيقي
لا أرى نجيب محفوظ فقط كروائي أو أديب تميز بالأسلوب الواقعي، بل أرى فيه فيلسوفًا ميتافيزيقيًا من الطراز الأول، استخدم السرد كأداة للتفلسف. هو ليس فقط دارسًا للفلسفة، بل ممثلًا حيًا لفكرة تحويل الفلسفة إلى حكاية. كثير من القراءات الأكاديمية اختزلت محفوظ في جدل الدين والسياسة والطبقات، لكنها غفلت عن عمق البعد الكوني في أعماله.
الجدل حول إيمانه الديني يظل مطروحًا. هو بالتأكيد لا ديني، ينتمي إلى المدرسة المادية الفكرية، لكن وصفه بالإلحاد ليس دقيقًا. وصفه بـ"الربوبي" (Deist) قد يقترب من فهم بعض كتاباته، خاصة في أولاد حارتنا، حيث الجبلاوي خالق لا يتدخل، يترك الحارة لأبنائه الأنبياء والعلماء والفلاسفة. لكنني أرفض هذا التصنيف، وأرى أنه أقرب إلى رؤيتي لمفهوم يزيد المصري كمفهوم ثنائي يجمع بين المحرك الأول والمادة الأزلية، كصورة فلسفية مجردة، لا تعني إلهًا شخصيًا واعيًا.
________________________________________
خاتمة واستنتاج
من خلال تحليل رمزية يزيد المصري في حديث الصباح والمساء، ومقارنته بصور متكررة في أعمال نجيب محفوظ مثل الجبلاوي وسيد الراوي، تتضح محاولة درامية وفكرية لصياغة رؤية فلسفية للوجود والخلق والزمان. يزيد المصري ليس مجرد شخصية روائية، بل تجلٍ رمزي للمبدأ الأول، للمادة الخالقة، للهيولى التي لا تفنى.
هذه القراءة لا تدعي أنها التفسير الرسمي أو النية الأصلية لمحفوظ أو لمحسن زايد، لكنها تمثل تأويلي الشخصي كقارئ يسعى لالتقاط خيوط الرمزية في النسيج الدرامي، والتقاط الوميض الميتافيزيقي وسط ظلال الحكايات الواقعية. محفوظ، كما أراه، ليس فقط صاحب قلم، بل فيلسوف بالأدب، ومُعلم بالرمز، وباحث أزلي في أزلية المادة، ومفارقة الخلق والمخلوق.