أساطير من الكتاب المقدس تستخدم لتبرير الاستيلاء على فلسطين


حسام عامر
2025 / 3 / 3 - 13:35     

الكاتب: جوزيف مسعد

ترجمة: حسام عامر

ملاحظة المترجم: النص التالي مقتبس من مقال نشره الكاتب جوزيف مسعد في موقع Middle East Eye عام 2023 وعنوانه:
Biblical myths justifying conquest of Palestine belong in dustbin of history

-خرافات كبرى-

المزاعم بوجود روابط تاريخية وتوراتية بين الإسرائيليين وأرض فلسطين هي في صلب المزاعم الصهيونية التي تستخدم لتبرير الاستيلاء على فلسطين، وتتضمن تلك المزاعم التأكيد على أن "الشعب اليهودي" عاش في فلسطين قبل ألفي عام وأنه الوحيد الذي سكن فلسطين.

لكن من سكن فلسطين قبل ألفي عام هم العبرانيون وليس "الشعب اليهودي" (الأخير مصطلح جرى اختراعه بعد ذلك بمدة طويلة جدا)، ولم يسكن العبرانيون فلسطين لوحدهم أبدا.

في الواقع، وفق الرواية التوراتية، وكما جاء في سفر يشوع، العبرانيون ليسوا من سكان فلسطين الأصليين، بل أنهم قاموا بغزو أرض كنعان وانتزعوها من الكنعانيين، وزعموا أن الله "وعدهم" بها.

أهم خرافة ما زالت موجودة الى الآن هي الزعم بأن اليهود الحاليين هم الأحفاد المباشرين والوحيدين للعبرانيين القدامى.

هذا الزعم مبني على عداوة الكنسية الكاثوليكية التاريخية لليهود الأوروبيين، حيث ربطتهم بالعبرانيين القدامى ووصمتهم بأنهم "قتلة المسيح"، ويبنى هذا الزعم بشدة أكبر على معتقد الألفية البروتستانتي الإصلاحي الذي يطمح من يؤمنون به الى طرد يهود أوروبا الى فلسطين، لأن ذلك، حسب اعتقادهم، سيسرّع من عودة المسيح الثانية.

اعتقاد الكثير من المتدينين اليهود أن موطن اجدادهم الأصلي هو أرض فلسطين يساوي اعتقاد المسلم الهندي أو الصيني أو النيجيري أو الماليزي أن موطن اجداده الأصلي هو أرض الجزيرة العربية، أي المكان الذي نشأت فيه الديانة.

يرفض الصهاينة هذا التشبيه، حيث يصرون على ادعاء خرافي آخر، وهو أن الدين اليهودي لم يكن دينا تبشيريا كالإسلام والمسيحية (1).

جرى دحض هذه الخرافة من قبل عدد من العلماء، حيث أظهروا أن هناك دلائل تاريخية واضحة تثبت أن اليهودية كانت دينيا تبشيريا (2)، واستمر تحول الناس الى الدين اليهودي بأعداد كبيرة حتى قدوم القرن التاسع على الأقل (3).

-مزاعم صهيونية-

يزعم الصهاينة أن عرب فلسطين هم أحفاد المسلمين العرب الذين غزوا فلسطين في القرن السابع. لكن هذا الزعم خاطئ، لم يكن الغزو العربي غزوا استعماريا استيطانيا، بل كان غزوا سعى الى التوسع الإقليمي والى نشر الدين الإسلامي.

بعد الغزو العربي الإسلامي، بقي معظم السكّان الأصليين في الأراضي السورية التي كان تحت حكم البيزنطيين يمثلون أكثرية السكّان، ومن ضمنهم العرب الغساسنة المسيحيون.

لم تتحول أكثرية السكّان في فلسطين وسورية من المسيحية الى الإسلام الاّ بعد مرور خمسة قرون (4) (كانت هذه المدة أطول في مصر)، على الرغم من أنهم تبنوا اللغة والثقافة العربية قبل ذلك بكثير، ومن ضمن من تبنى اللغة العربية معظم الكنائس المسيحية في الأقاليم التي غزاها المسلمون.

في الواقع، لم ينتقل للسكن في الأراضي السورية التي غزاها المسلمون الّا عدد قليل جدا من العرب، وسكنوا في المدن (5).

عندما غزا الصليبيون فلسطين في القرن الحادي عشر، كان معظم سكّان فلسطين الذين تعرضوا للذبح والنهب من المسيحيين الذين يتحدثون العربية (مع أقلية من المسلمين الذين يتحدثون العربية) (6).

هذا ما أدى الى أن يصرّح اثنين من الأباء المؤسسين للمستعمرة الاستيطانية اليهودية، بن غوريون واسحاق بن تسفي، في كتاب اشتركا في تأليفه (7) ونشراه عام 1919، بأن معظم السكّان الأصليين الفلسطينيين هم أحفاد العبرانيين القدامى، وقد تحولوا في السابق الى المسيحية ثم الى الإسلام. يتمنى صهاينة اليوم أن يطمروا هذا التصريح.

هدفت القوى الاستعمارية الأوروبية من اعتبار أن العروبة تنصيفا عرقيا بدلا من كونها هوية لغوية وثقافية الى تقسيم العرب، عن طريق ادعائهم أن المصريين والعراقيين وسكّان شمال افريقيا والموارنة وغيرهم، ليسوا حقا عرب ولكنهم تعربوا بعد الغزو العربي.

لم ينفي القوميين العرب حدوث عملية التعريب تلك (8)، لكنهم أصرّوا على أن العربي هو من يتحدث العربية.


-أصول حقيقية وأخرى متخيلة-

بالنسبة الى الادعاء الفظيع الذي يدعيه بعض علماء الوراثة الغربيين عن وجود "جين يهودي" يربط بين بعض اليهود الحاليين والعبرانيين القدامى (9)، هذا الادعاء ليس الاّ كذبة معادية للسامية، وهو آخر حلقة في سلسلة العلم العرقي الأمريكي والأوروبي منذ القرن التاسع عشر (10).

ضاق معظم الفلسطينيون ذرعا بالمزاعم الغربية المسيحية واليهودية والعلمانية ضيقة النظر التي تسعى الى فرض أساطير معادية للسامية على الشعب الفلسطيني لتبرير الاستعمار الاستيطاني لفلسطين بناء على أن الكتب المقدسة منحت اتباعها الحق في ذلك.

هنا يجب أن نتذكر أن نفس تلك الكتب المقدسة، ومن بعدها نفس ذلك العلم العرقي، استعملوا لتبرير ليس فقط الاستيلاء على الأمريكيتين والإبادة التي ارتكبت بحق الأمريكيين الأصليين، بل أيضا لتبرير استعباد وقتل الملايين من الأفارقة، والاستيلاء على أفريقيا وأجزاء أخرى من العالم.

يجب على الداعمين للنضال الفلسطيني ضد الاستعمار عدم منح أي شرعية لهذه الخرافات الصهيونية: هذه الخرافات هي حجر أساس الادعاءات الاستعمارية الإسرائيلية التي تهدف الى اقناع المسيحيين واليهود الغربيين، والليبراليين العلمانيين أيضا، بأن إلههم وعلمائهم الوراثيين صرحوا للصهاينة الاستيلاء على أرض الفلسطينيين.

لا مكان لهذا الهراء في صفوف مناهضي الاستعمار، والمكان المناسب لتلك الترهات هو مزبلة تاريخ الاستعمار.

المراجع:
(1) Sand, Shlomo (2020). The Invention of the Jewish People, 2020
(2) Zoossmann-Diskin A. The origin of Eastern European Jews revealed by autosomal, sex chromosomal and mtDNA polymorphisms. Biol -dir-ect. 2010 Oct 65:57. doi: 10.1186/1745-6150-5-57. PMID: 20925954 PMCID: PMC2964539.
(3) https://blogs.timesofisrael.com/no-pope-what-if-rome-had-become-jewish/
(4) https://www.ox.ac.uk/news/arts-blog/how-did-christian-middle-east-become-predominantly-muslim
(5) Donner, Fred M. (2014) The Early Islamic Conquests, 2014
(6) Lapidus, Ira M. (2012) Islamic Societies to the Nineteenth Century: A Global History. 2012
(7) Massad, J. (2006). The Persistence of the Palestinian Question: Essays on Zionism and the Palestinians. United Kingdom: Taylor & Francis.
(8) Cleveland, William L. (2015) The Making of an Arab Nationalist: Ottomanism and Arabism in the Life and Thought of Sati Al-Husri, 2015
(9) Abu El-Haj, N. (2012). The Genealogical Science: The Search for Jewish Origins and the Politics of Epistemology. United Kingdom: University of Chicago Press.
(10) Lewontin, R. (2001). It Ain t Necessarily So: The Dream of the Human Genome and Other Illusions. United Kingdom: New York Review Books.