لماذا تستهدف أمريكا إيران؟


حسام عامر
2024 / 12 / 2 - 07:45     

الكاتب: ستيفن جوانز

ترجمة: حسام عامر

كل الدول الغنية، باستثناء بريطانيا، أصبحت غنية عن طريق التدخل الكبير والنشيط للدولة في الاقتصاد لإنشاء الشركات، وتقديم الدعم المالي لها، وحمايتها من المنافسة وهي تنمو. أمريكا وألمانيا واليابان، ودول صناعية غنية أخرى، اتبعوا هذا المسار.(1)

في مرحلة ما في الماضي، كانت أمريكا تفرض أعلى رسوم جمركية في العالم، حيث أنها استعملتها لحماية شركاتها الناشئة من منافسة الشركات البريطانية الراسخة. بعد أن نمت الشركات الأمريكية المحمية من قبل الدولة، سعت وبطبيعة الحال الى التوسع خارج الحدود الأمريكية، لأن الفرص المتوفرة في الأسواق الأمريكية استنفذت. في ذلك الحين، أصبح وجود السياسات الحمائية في الدول الأخرى يشكّل قيودا أمام ذلك التوسع، ولذلك أصبح هناك حاجة الى أسواق مفتوحة.

لا يمكن أن تسمح الدول الغنية للدول الفقيرة أن تنفذ نفس السياسات الاقتصادية التي جعلت الدول الغنية غنية، لأن قيام الدولة الفقيرة بتوسيع ملكية الدولة، وتقديم الدعم المالي للشركات، ووضع العوائق التجارية سيخسف من قدرة شركات الدول الغنية على تحقيق المزيد من النمو. تريد الدول الغنية من الدولة الفقيرة أن تفتح أسواقها أمام استغلال البنوك والمستثمرين والشركات التابعين للدول الغنية، والتي أصبحت دولا غنية عن طريق اتباع سياسات تسعى بعض الدول الفقيرة الآن الى تقليدها.

إذا ما نظرنا سريعا الى دراسة أعدتها مكتبة الكونغرس عن إيران ستجد الحقيقة التي لا يذكرها المسؤولين الأمريكيين، والتي يبدو أن نقّاد السياسة الخارجية الأمريكية ليسوا على دراية بها. إيران ليست بلد من الممكن أن تجني فيه الشركات الأمريكية أرباحا. حيث أن "القطاع العام يسيطر على المشهد الاقتصادي، وتبعية القطاع الخاص له موجودة في كل المجالات الصناعية والتجارية."(2) بالإضافة الى ذلك، "استثمارات القطاع العام في المواصلات...الخدمات العامة، الاتصالات، والبنى التحتية الأخرى ازدادت مع الوقت."(3) و"تلعب الحكومة دورا كبيرا جدا في الاقتصاد الإيراني، سواء بشكل مباشر عبر المشاركة في انتاج وتوزيع السلع والخدمات، أو بشكل غير مباشر عبر التدخل في رسم السياسات."(4) بالطبع، يذكر الدستور الإيراني أن القطاع العام هو الأساس، وأن "دور القطاع الخاص هو أن يكون وسيلة لتحقيق حاجات الحكومة وليس الاستجابة الى متطلبات السوق."(5)

من الأسباب الأخرى المتعلقة بالسياسات الاقتصادية الإيرانية والتي أثارت عدوانية وزارة الخارجية الأمريكية هي التالي: على الرغم من حديث رؤساء إيران عن اجراء خصخصة في الاقتصاد، ما حدث في الواقع هو المزيد من النمو للقطاع العام بدلا من تقليصه.(6) وأضف الى ذلك أن هناك قطاعات كبيرة في الاقتصاد الإيراني لا يسمح للقطاع الخاص أن يتملكها. "منذ الثورة، حافظت الحكومة على احتكار حقوق استخراج ومعالجة وبيع المعادن من المناجم الكبيرة والاستراتيجية."(7) و"الغاية من سياسة إيران الزراعية هي دعم المزارعين وتشجيع انتاج المحاصيل ذات الأهمية الاستراتيجية"(8)، وليس فتح الأبواب أمام الشركات الزراعية الأمريكية. و"بعد الثورة، جرى تأميم الكثير من شركات النقل والتأمين والبنوك"(9)، وجرى استعمال إجراءات التحكم بالأسعار وتقديم الدعم المالي من أجل توفير السلع المهمة بأسعار مخفّضة. (قامت إيران بإيقاف العمل بالكثير من برامج الدعم المالي مؤخرا.)

هناك كراهية عند وول ستريت ووزارة الخارجية الأمريكية تجاه شركات القطاع العام التي تخدم أهداف النمو الاقتصادي المستقل في الدول الأجنبية، لأنها تحل محل استثمارات الشركات الأمريكية. ويكرهون أيضا قيام الحكومات الأجنبية بتقديم الدعم المالي للشركات المحلية وحمايتها من المنافسة، لأن ذلك يزيد من صعوبة منافسة الشركات الأمريكية في الأسواق الأجنبية. يحتقرون الضوابط الحكومية التي تحمي السكان من التلوث، أو التي ترفع من الحد الأدنى للأجور، أو التي تحمي العمّال من ظروف العمل السيئة، لأن ضوابط كهذه تقلل من أرباحهم. بعض أو كل تلك الممارسات تشكّل أجزاء كبيرة من السياسات الاقتصادية التي اتبعتها كل الدول التي استهدفتها أمريكا.

لا تريد أمريكا أن تغير النظام الإيراني من أجل وضع حكومة مطيعة توسّع من نفوذ أمريكا. ما تريده هو أن تحدث تغييرا في النظام الإيراني من أجل إلغاء السياسات الاقتصادية التي تدعم النمو الاقتصادي المستقل، وأن تستبدلها بسياسات تفتح الأسواق والموارد وسوق العمل والأراضي أمام البنوك والشركات والمستثمرين الأمريكيين. تريد الولايات المتحدة أن تكون التجارة الحرّة، والاقتصاد الحرّ، والأسواق الحرّة مركز السياسات الاقتصادية في الدول الفقيرة، ولا تريد تجارة محمية، أو شركات قطاع عام تقدم لها الدولة الدعم المالي، أو عوائق أمام حرية التجارة. (تلقي أمريكا مواعظ للدول الأخرى عن أهمية السوق الحرّ، لكنها تمارس تقديم الدعم المالي للشركات الأمريكية، وتعيق المستوردات، وتعتمد على تدخل الدولة لدعم الشركات المهمّة. الاتساق بين ما تقوله أمريكا وما تفعله لا يهمها، ما يهم أمريكا هو الأرباح.)

للوصول الى هدف جعل إيران بلد تستخرج منه الشركات والمستثمرين الأمريكيين أرباحا ضخمة، يجب أولا حرمان إيران من القدرة على الدفاع عن نفسها بشكل فعّال في مواجهة تدخل عسكري من قبل أمريكا وحلفائها. ولهذا السبب أطلقت أمريكا وكلبها في الشرق الأوسط، أي إسرائيل، حملة تخريب واغتيالات وتهديد بالقصف الجوي تستهدف شلّ امكانية أن تكتسب إيران ردعا نوويا.

المراجع:
(1) Erik S. Reinert. How Rich Countries Got Rich and Why Poor Countries Stay Poor. Public Affairs. New York. 2007 Ha-Joon Chang. Bad Samaritans: The Myth of Free Trade and the Secret History of Capitalism. Bloomsbury Press. 2008.
(2) The Library of Congress. Iran: A Country Study. 2008. p. 143. http://lcweb2.loc.gov/frd/cs/irtoc.html
(3) Iran: A Country Study, p. 145.
(4) Iran: A Country Study, p. 150.
(5) Iran: A Country Study, p. 151.
(6) Iran: A Country Study, p. 152.
(7) Iran: A Country Study, p. 167.
(8) Iran: A Country Study, p. 170.
(9) Iran: A Country Study, p. 181.

ملاحظة المترجم: هذا المقال نص مقتبس من مقال نشره الكاتب ستيفن جوانز على مدونته عام 2011 وعنوانه:

Wars for Profits: A No-Nonsense Guide to Why the United States Seeks to Make Iran an International Pariah