مذكرات تائب - ٣
محمد عبد القادر الفار
2024 / 9 / 6 - 00:26
كانت طفولتي أشبه بزهرة تتفتح في بيئة ناعمة ودافئة، حيث نشأت في كنف بيت تملؤه عاطفة أمي الغامرة، التي لم يكن حضنها مجرد ملجأ، بل مدرسة للعاطفة والرؤية المثالية للحياة. ذلك الحنان اللامتناهي الذي غمرني منذ ولادتي شكّل جزءاً كبيراً من تكويني. ومع أن والدي كان مشغولاً في عمله كأي رجل ناجح يسعى وراء لقمة العيش وتأمين مستقبل عائلته (وهو ما كان فعلا حتى بعد وفاته بعشرين سنة) ، فلم يكن غائبًا عن حياتي، لكنه لم يخشنني رغم انه هو نفسه كان رجلا صلبا وقويا ولكن حياتي كان ينقصها تحفيز ذكوري حازم. وكنت أنظر إلى أختي الكبرى، التي تكبرني بعامين، كرفيقتي الأولى والمثالية؛ كانت قدوتي، وكنت أتشكل على صورتها، حتى باتت علاقتنا أشبه بعلاقة المرآة بالانعكاس.
لم يكن هناك الكثير من الذكور في حياتي، فلا أعمام أو أخوال ولا حتى أبناء عمومة أو خالة يشكلون تفاعلًا يوميًا. صحيح أنهم لم يكونوا غائبين تمامًا، لكن وجودهم (في تلك المرحلة تحديدا) كان ضئيلاً وغير مؤثر. بيئتي المدرسية كانت مختلطة، لكن حتى فيها كان الجو السائد ناعماً ومترفًا، والمعلمات كنّ أكثر حضوراً من المعلمين، فيما كان الذكور في المدرسة مثلي، ينحدرون من نفس البيئة المرفهة، مما جعل التنشئة الذكورية في حياتي شبه غائبة.
ما زاد من تشكيل تلك الطبيعة الرقيقة هو ما كنت أتابعه من مسلسلات كرتونية يابانية مدبلجة. كانت تملؤها العاطفة؛ قصص لأطفال يبحثون عن أمهاتهم، وكانت تلك اللحظات من الألم والفقد تشعرني بحزن عميق يدفعني للبكاء دون تردد. هذه العاطفة كانت جزءاً لا يتجزأ من شخصيتي، وجعلتني أتعاطف مع كل شيء حولي بعمق لا يوصف.
لكن في نفس الوقت، كانت هناك نقطة ارتكاز أخرى في حياتي: سيارة والدي، حيث كانت الأشرطة التي اشتراها من مصر خلال دراسته في السبعينيات تصدح بأغاني عبد الحليم حافظ الوطنية. لم تكن تلك الأغاني مجرد أناشيد وطنية عادية، بل كانت مليئة بالعاطفة والانفعال الحقيقي. كان أبي يعيش تلك الأحلام الناصرية (صناعة كبرى ملاعب خضرا تماثيل رخام عالترعة واوبرا في كل قرية عربية) . ومع أنني كنت طفلاً صغيراً لا يدرك التعقيدات السياسية، فإن تلك الأغاني كانت تُنشئ في نفسي نوعاً من التقديس لعبد الناصر. وصار معيار "الحق" عندي مرتبطًا بتلك الشخصية، حتى أنني كنت أبتعد عن الملتزمين دينياً الذين لم يروا فيه البطل الذي رأيته. وجدت ضالتي بين اليساريين والقوميين، حيث كان هناك من يقدر عبد الناصر ويُعجب بتاريخه.
مع تلك الخلفية، لم يكن من المستغرب أن تنجذب نفسي الحساسة إلى الموسيقى. من عمر سبع سنوات، كنت أجمع الخيوط المطاطية على أوعية بلاستيكية محاولاً تقليد آلة العود. لم يمر هذا الشغف على والديّ مرور الكرام، فسارعا بشراء عود صغير لي، وسجّلاني في مركز لتعليم العزف. لم يكن والداي علمانيين، ولم يكن قصدهما استباحة الحرام، لكنهما، ككثير من الناس في ذلك الوقت، كانا يعيشان نسخة مخففة من الإسلام. كانت تلك الفترة في أوائل التسعينيات، حيث لم يكن ارتداء الحجاب ضروريا، وكانت مشاهدة التمثيليات التي تحتوي على مخالفات شرعية أمراً عادياً، وغير ذلك كثير. ودون أن يُنظر إليها على أنها خطيئة.
في المركز الموسيقي، كان المعلم مخلصًا ومحباً لي، بل وكان ولا زال ملتزما دينيا، وقد أتقنت العزف بسرعة حتى صار العود جزءاً من هويتي. أصبحت الموسيقى ما يميزني عن غيري. لكن لاحقاً، حين اكتشفت أن العزف على العود محرم في الإسلام، كان ذلك بمثابة صدمة كبيرة. في البداية أنكر قلبي تلك الحقيقة، ثم تحول ذلك الإنكار إلى تمرد داخلي على الدين الذي بدا وكأنه يحرمني مما يجعلني مميزاً. وجدت نفسي في مواجهة مباشرة مع ما كنت أعتقد أنه جزء من ذاتي المتحققة أمام الآخرين.
وفي المدرسة، كنت أدعى في الإذاعة المدرسية لأعزف وأغني فأقوم بمحاولة إبهارهم ب أغان لمارسيل خليفة، مثل "جفرا" و"ريتا البندقيه" و"وعود من العاصفة"، وما لبثت ان تعرفت الى الشيخ امام. (سيظهر زياد رحباني بعد مدة قصيرة وبمفارقة عجيبة ليجعلني انجذب لنموذج مختلف ونقدي تماما واكثر جاذبية، قد افرد له حلقة خاصة). لم يكن الأمر مجرد موهبة وإسماع واستماع إذا، بل كان بدايةً لتشكل اتجاهاتي الفكرية، حيث بدأت أتعرف على الأفكار اليسارية من خلال تلك الأغاني. شيئاً فشيئاً، وجدت نفسي أنجذب إلى الفكر اليساري والتمرد، بعيداً عن الدين الذي بدا لي في ذلك الوقت أنه يُقيّدني.
لكن الأمور لم تقف عند هذا الحد. روحي المتمردة لم تجد ضالتها في اليسار فحسب، بل بدأت تبحث في كل مكان: من الفلسفات الوجودية إلى التصوف الباطني، ومن الطاوية إلى البوذية. كنت أبحث عن كل شيء عدا ما فُطرت عليه من دين الحق