صحافة العصر الرقمي والطبقة العاملة


حميد كوره جي
2024 / 2 / 25 - 01:55     

فلسفة غرامشي: الصحافة كأداة للهيمنة الرأسمالية
في مقاله "دور الصحافة والعمال"، يشير الفيلسوف أنطونيو غرامشي إلى أن الصحافة البرجوازية ليست كيانًا حياديًا كما قد تبدو، بل هي أداة سياسية وأيديولوجية تخدم مصالح الطبقة الحاكمة وتستخدمها لتثبيت هيمنتها ومناهضة تطلعات الطبقة العاملة.

تنجح الصحافة في فرض هذه الهيمنة من خلال مجموعة من الآليات. من أبرزها التضليل وخلق وعي زائف، حيث يتم تشويه الحقائق وتوجيه الخطاب الإعلامي لصالح تشويه صورة نضالات العمال، مثل الإضرابات، وتعزيز فكرة الرضوخ للوضع القائم. كما تعمل على ترسيخ النزعة الفردية وثقافة الاستهلاك، ما يؤدي إلى إضعاف الروح التضامنية بين العمال عبر تشجيع التنافس الشخصي والانشغال بقضايا استهلاكية سطحية.

علاوة على ذلك، يشير غرامشي إلى مفارقة لافتة تتمثل في أن تمويل هذه الصحافة يعتمد بشكل كبير على اشتراكات العمال أنفسهم، مما يعني أنهم، دون إدراك، يدعمون ماديًا الوسائل الإعلامية التي تعارض مصالحهم وتعمل على إبقائهم في حالة من الارتباط المزيف بالنظام السائد.

لمواجهة الهيمنة الاقتصادية والثقافية، قدم أنطونيو غرامشي رؤية استراتيجية تهدف إلى تحقيق التحرر من خلال دور حيوي للمثقفين الاشتراكيين. تركزت استراتيجيته على كشف الوظائف الدعائية للإعلام البرجوازي، وتعزيز الوعي الطبقي، وبناء ثقافة بديلة تسهم في التغيير. ولتحقيق هذه الأهداف، شجع غرامشي على مقاومة سيطرة الإعلام البرجوازي عبر الامتناع عن دعمه، والسعي نحو تأسيس صحافة بديلة تمثل صوت العمال وتعبر عن حقوقهم وتطلعاتهم.

مع ظهور الصحافة الرقمية، شهد العالم تغييرات كبيرة أتاحتها التكنولوجيا الحديثة التي فتحت آفاقًا جديدة للجميع للمشاركة والوصول. فقد ظهرت منصات ومدونات رقمية تدعم العمال بأطيافهم المختلفة، بدءًا من العمال في قطاعات الصناعة مرورًا بقطاع الخدمات ووصولًا إلى الاقتصاد غير الرسمي. في المقابل، استمرت النخب الاقتصادية والشركات الكبرى في التحكم بالرأي العام عبر المنصات الممولة التي تروج لسياساتها وتوجهاتها.

أصبح مفهوم المواطنة الرقمية بارزًا مع تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات عامة بديلة. ساهمت هذه المساحات في تعزيز التنشئة السياسية، ومكافحة الفساد، وتنظيم المظاهرات والاحتجاجات، إلى جانب دورها المهم في دعم مبدأ الشفافية.

رغم هذه الإمكانيات، تواجه البيئة الرقمية تحديات معقدة ترتبط أساسًا بالتفاوت في القدرة على الوصول إلى الإنترنت وانتشار الأخبار المزيفة وخطابات الكراهية. إضافة إلى ذلك، يبرز تهديد سيطرة شركات التكنولوجيا الكبرى على تدفق المعلومات كمشكلة أساسية. كل هذا يتطلب تعزيز وعي المواطنين بمسؤولياتهم في هذا الفضاء الرقمي لضمان استمراره كأداة تحررية تدعم العدالة والمساواة.


مالمو
2024-02-24