الحماية الاجتماعية في العالم وتأثير جائحة كورونا


جهاد عقل
2021 / 9 / 11 - 09:45     


أصدرت منظمة العمل الدولية في الفاتح من شهر أيلول/ سبتمبر الحالي (2021) تقريها الدوري بخصوص وضع الحماية الاجتماعية في العالم، وتأثير جائحة كورونا على وضع الأمن الاجتماعي لسكّان الكرة الأرضية ودور الدولة في ذلك.



ظهور موضوع الحماية الاجتماعية

ظهر موضوع الرعاية الاجتماعية أو الضمان الاجتماعي مع بداية ظهور الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، وبداية بروز دور الحركة العمالية متمثّلة بالنقابات العمالية التي بدأت تطالب بتوفير تأمينات اجتماعية للعمال، مثل الاجازة المرضية وتأمين التقاعد وغيرها من الحقوق، حيث تم زرع بذور فجة لموضوع الحماية الاجتماعية والتي أطلق عليها لاحقًا ن حقوق الضمان الاجتماعي.



في المؤتمر التأسيسي لاتحاد نقابات العمال العالمي (W.F.T.U) المنعقد في شهر أيلول /سبتمبر 1945 بالعاصمة الفرنسية باريس، والذي شارك فيه مندوبون عن الحركة النقابية الفلسطينية، وضعت صيغة بهذا الخصوص، ضمن الوثيقة التأسيسية - الدستور بأن الاتحاد يناضل من أجل: "التأمين الاجتماعي المناسب لحماية العمال وعائلاتهم من غوائل البطالة والمرض والإصابة والشيخوخة"*.



بعد ذلك وضمن وثيقة "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الذي اعتمدته الجمعية العامة، الذي تم إقراره أيضًا في باريس في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر 1948 جاء في البندين 22 و23 ما يلي:



"المادة 22 -لكلِّ شخص، بوصفه عضوًا في المجتمع، حقٌّ في الضمان الاجتماعي، ومن حقِّه أن تُوفَّر له، من خلال المجهود القومي والتعاون الدولي، وبما يتَّفق مع هيكل كلِّ دولة ومواردها، الحقوقُ الاقتصاديةُ والاجتماعية والثقافيةُ التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في حرِّية".



المادة 23:

-1 لكلِّ شخص حقُّ العمل، وفي حرِّية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومُرضية، وفي الحماية من البطالة.

2- لجميع الأفراد، دون أيِّ تمييز، الحقُّ في أجرٍ متساوٍ على العمل المتساوي.



-3 لكلِّ فرد يعمل حقٌّ في مكافأة عادلة ومُرضية تكفل له ولأسرته عيشةً لائقةً بالكرامة البشرية، وتُستكمَل، عند الاقتضاء، بوسائل أخرى للحماية الاجتماعية.

-4 لكلِّ شخص حقُّ إنشاء النقابات مع آخرين والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه.



بعد إقرار هذه القضايا وترسيخ الحق بالحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي على المستوى العالمي والتزام الدول بذلك، وبفضل اشتداد عود وقوّة النقابات العمالية خلال القرن الماضي حدثت نهضة هامة في هذا المجال من خلال توقيع اتفاقيات العمل الجماعية وإلزام الدولة أوّلًا وأماكن العمل ثانيّا ووضع قوانين بخصوص الضمان الاجتماعي، تؤكد توفير الأمن الاجتماعي للعمّال خاصة والمواطنين عامة، مثل التأمين الصحي والتقاعدي والمرض وغيرها من الحقوق.



تعريف الرعاية أو الحماية الاجتماعية

تدرج مختلف الأدبيات الصادرة بخصوص تعريف موضوع الرعاية الاجتماعية، تعريفات مختلفة لعلماء العلوم الاجتماعية، لكن مضمونها يكاد يكون متوافقًا، بعض التركيز هنا وهناك على هذا الموضوع أو ذاك. وفي تعريف لفريد لاندر عن الرعاية الاجتماعية جاء أنها: "ذلك النسق المنظم للخدمات الاجتماعية، والمنظمات المصممة بهدف مد الأفراد، والجماعات بالمساعدات التي تحقق مستويات مناسبة للصحة، والمعيشة، ولدعم العلاقات الاجتماعية، والشخصية بينهم بما يمكنهم من تنمية قدراتهم وتطوير مستوى حياتهم بانسجام متناسق مع حاجاتهم ومجتمعاتهم".



أما التعريف الذي جاء ضمن وثيقة أصدرها "المعهد العربي للتخطيط " التابع للدول العربية، تحت عنوان: "سياسات وبرامج الرعاية الاجتماعية : المفهوم والأهداف" جاء ما يلي: "يمكن تعريف مفهوم الرعاية الاجتماعية على أنه نسق متكامل من الخدمات والأنشطة والبرامج الدائمة غير الدائمة، التي تنشئها الحكومات وتشارك فيها جميع المؤسسات، سواء في المجتمع الاهلي أو الخيري أو التطوعي في إطار النظام الاجتماعي القائم لإشباع حاجات الأفراد، وتحسين مستوى معيشتهم، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي وتعزيز قيم التكافل بين مختلف فئات المجتمع".



واضح مما جاء أعلاه أن المسؤولية الأساس للحماية الاجتماعية تقع على عاتق الدولة ممثله بحكوماتها، وظهر هذا الالتزام بهذه المسؤولية بشكل واسع بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وظهور ما عرف بـ "دولة الرفاه" أو دولة الحماية، من خلال تشريع قوانين تضمن الضمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية، خاصة في فترة ما عُرف بـ "الحرب الباردة"، لكن في الهجوم النيوليبرالي بقيادة تاتشر وريغان بدأت عملية هدم الحماية الاجتماعية ، وتنامت خلال السنوات الأخيرة، حتى جاءت جائحة كورونا لتكشف حقيقة كنّا أشرنا إليها دائمًا، أن لا بديل عن تحمل الدولة مسؤوليتها بخصوص قضايا الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي، وخلال هذه الفترة أو الأزمة اضطرت الدول بمعظمها العودة إلى تحمل ولو جزء من مسؤولياتها، واليوم يأتي تقرير منظمة العمل الدولية ليؤكد صحة موقفنا بأن لا بديل عن قيام الدولة بمسؤوليتها للحماية الاجتماعية بشكل مباشر ودون "وسطاء" مثل أصحاب الأموال وتبرعاتهم أو تحويل أموال لجمعيات من خزينة الدولة لتقوم بذلك ورفع يد الدولة عن تحمل مسؤوليتها.





بعض المحطات من "تقرير الوضع الاجتماعي في العام 2020 – 2022"

"تقرير الحماية الاجتماعية في العالم للفترة 2020-2022، الحماية الاجتماعية عند مفترق طرق - سعيًا إلى تحقيق مستقبل أفضل"، تحت هذا العنوان أصدرت منظمة العمل الدولية تقريرها الذي تعتبره التقرير "الرائد" لها، يقع التقرير في 318 صفحة باللغة الإنكليزية وصدر ملخص له باللغة العربية، وكانت منظمة العمل الدولية قد عقدت مؤتمرًا صحفيًا في مقرها بمدينة جنيف يوم 1 أيلول 2021 حيث تم عرض المعطيات الأساسية التي جاءت في التقرير وصرح غاي رايدر، المدير العام لمنظمة العمل الدولية خلال المؤتمر قائلًا: "إن البلدان على مفترق طرق". "هذه لحظة محورية لتسخير الاستجابة للوباء لبناء جيل جديد من أنظمة الحماية الاجتماعية القائمة على الحقوق. يمكن أن يحمي هؤلاء الناس من أزمات المستقبل ويمنح العمال والشركات الأمن للتعامل مع التحولات المتعددة المقبلة بثقة وأمل. يجب أن ندرك أن الحماية الاجتماعية الفعالة والشاملة ليست ضرورية فقط للعدالة الاجتماعية والعمل اللائق ولكن لخلق مستقبل مستدام وقادر على الصمود أيضًا".



"المحطة المحورية" التي ركّز عليها رايدر ألا وهي جائحة كوفيد – 19، وما حدث في موضوع الحماية الاجتماعية تؤكد على التباين البارز الذي ظهر ما بين الدول التي تتمتع بأنظمة ضمان اجتماعي متطورة، والدول المتخلفة في هذا المجال، وتأثير ذلك على أوضاع المواطنين عامة والعمال خاصة ليس فقط في تأمين البطالة والصحة فقط، بل وفي توفير اللقاح للجميع.



4,1 مليار شخص يفتقدون الحماية الاجتماعية

وفق التقرير يظهر لنا أن 53,1 في المائة من سكان العالم لا تشملهم الحماية الاجتماعية، أي 4,1 مليار مواطن، مقابل ذلك 46,9 في المائة من سكان العالم تشملهم الحماية الاجتماعية بإعانة واحدة على الأقل وما فوق، وفق التوزيع التالي: 26,4 في المائة من الأطفال في العالم و 44,9 في المائة من الأمهات اللاتي لديهن رضيع و 33,5 في المائة من الأشخاص ذوي الإعاقات الشديدة و 35,4 في المائة من العمال في حالة إصابات العمل و 18,6 في المائة من المعطلين عن العمل و77,5 في المائة من كبار السن و 28,9 في المائة من الأشخاص المستضعفين المشمولين بالمساعدة الاجتماعية.



تفاوت اقليمي كبير في الحماية الاجتماعية

لكن التقرير يكشف لنا وجود: "تفاوتات إقليمية كبيرة في الحماية الاجتماعية"، وهي كالتالي: 84 في المائة من الأشخاص في أوروبا وآسيا الوسطى يتمتعون بأعلى معطيات التغطية الاجتماعية التي تشمل حتى ميّزة واحدة على الأقل. أما الأمريكيتين فتبلغ نسبة الحماية الاجتماعية 64,3 في المائة، بينما في آسيا والمحيط الهادي تصل النسبة إلى 44 في المائة ولدى الدول العربية أقل من المعدل العالمي حيث تبلغ نسبة التغطية للحماية الاجتماعية 40 في المائة وفي أفريقيا تبلغ النسبة 17,4 في المائة فقط.

كما تتوقع المنظمة أنه: "لضمان تغطية الحماية الاجتماعية الأساسية على الأقل، ستحتاج البلدان منخفضة الدخل إلى استثمار 77,9 مليار دولار أمريكي إضافي سنويًا، والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى 362,9 مليار دولار أمريكي إضافية سنويًا والبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى 750,8 مليار دولار أمريكي إضافية كل سنة. وهذا يعادل 15,9 و5,1 و3,1 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي على التوالي".



وفق ما ذكرنا سابقًا يؤكد معدو التقرير أن ظهور وباء كورونا: "أدى إلى تعميق الفجوة بين البلدان ذات مستويات الدخل المرتفعة والمنخفضة وفشل في توفير الحماية الاجتماعية التي تشتد الحاجة اليها والتي يستحقها جميع البشر".



لكن يجري التأكيد على أن توفير: "الحماية الاجتماعية أداة مهمة يمكن أن تخلق منافع اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق للبلدان على جميع مستويات التنمية. ويمكن أن يدعم صحة وتعليم أفضل، ومساواة أكبر، وأنظمة اقتصادية أكثر استدامة، وإدارة هجرة أفضل، واحترام الحقوق الأساسية. سيتطلب بناء الأنظمة التي يمكن أن تحقق هذه النتائج الإيجابية مزيجًا من مصادر التمويل وتضامنًا دوليًا أكبر، لا سيما مع دعم البلدان الفقيرة. وستتجاوز فوائد النجاح الحدود الوطنية لتفيدنا جميعًا".





يحمل التقرير السائل / التوصيات التالية:

"-كشفت الجائحة عن مواطن انعدام المساواة المتجذرة في تغطية الحماية الاجتماعية وشموليتها وكفايتها في جميع البلدان. وقد تفاقمت بسبب كوفيد – 19، التحديات المنتشرة من قبيل ارتفاع مستويات انعدام الأمن الاقتصادي واستمرار الفقر وازدياد انعدام المساواة واتساع نطاق السمة غير المنظمة وهشاشة العقد الاجتماعي. كما كشفت الأزمة استضعاف مليارات من الناس الذين كان يبدو أنهم على ما يرام نسبيًا، ولكنهم لم يتمتعوا بحماية كافية من موجات الصدمة الاجتماعية التي تسببت بها.

- حفزت جائحة كوفيد – 19 استجابة سياسية في مجال الحماية الاجتماعية لا نظير لها. نظمت الحكومات استجابة الحماية الاجتماعية بوصفها استجابة الخط الأمامي لحماية صحة الناس والوظائف والمداخيل ولضمان الاستقرار الاجتماعي. وحيثما اقتضى الأمر، وسعت الحكومات نطاق التغطية ليشمل مجموعات لم تكن مشمولة بالحماية الاجتماعية حتى الآن، وزادت مستويات الإعانات أو اعتمدت إعانات جديدة وكيّفت الآليات الإدارية وآليات الخدمات وحشدت موارد مالية إضافية.



- لا يزال الانتعاش الاجتماعي الاقتصادي غير مؤكد وسيظّل الإنفاق على الحماية الاجتماعية أمرًا حاسمًا، تحذر آخر التوقعات الصادرة عن صندوق النقد الدولي من انتعاش متفاوت تتمتع بموجبه أغنى البلدان بقفزة اقتصادية سريعة في حين تشهد البلدان منخفضة الدخل ارتدادًا في مكاسبها الإنمائية حديثة العهد. وضمان انتعاش متمحور حول الإنسان في كل مكان، مرهون بالحصول العادل على اللقاحات.



- تقف البلدان على مفترق طرق فيما يخص مسار نظم الحماية الاجتماعية لديها. وإذا كان هناك من جانب ايجابي لهذه الأزمة، يتمثل في التذكير القوي الذي أعادته إلى الاذهان بالأهمية الحاسمة التي يكتسبها الاستثمار في الحماية الاجتماعية، ومع ذلك، تواجه بلدان كثيرة ايضًا قيودًا مالية كبرى.

ويبيّن هذا التقرير أن جميع البلدان تقريبًا، أيًا كان مستوى التنمية فيها، تقف أمام خيار: إما أن تستمر في اتباع استراتيجية "رئيسية" في الاستثمار في تعزيز نُظم الحماية الاجتماعية أو اتباع إستراتيجية "ثانوية" في توفير الحد الأدنى من الخدمات، تحت تأثير الضغوط المالية أو السياسية... ويستدعي ذلك تكثيف الجهود من أجل بناء نُظم حماية اجتماعية عالمية وشاملة وكافية ومستدامة...متينة". إن هدف إرساء حماية اجتماعية شاملة وإنفاذ حق الإنسان في الضمان الاجتماعي للجميع هو حجر الزاوية في نهج متمحور حول الإنسان للحصول على العدالة الاجتماعية. وهو يُسهم بذلك في منع الفقر واحتواء انعدام المساواة وتعزيز القدرات البشرية والإنتاجية وتدعيم الكرامة والتضامن والانصاف وتنشيط العقد الاجتماعي".



وفق مبادرة وضعها النقابيون في مؤتمر منظمة العمل الدولية المئوي في حزيران يونيو 2019، وعلى ضوء تدهور الوضع الاجتماعي العالمي، قضت بضرورة صياغة وتوقيع عقد اجتماعي عالمي جديد، يضمن الحقوق والحماية الاجتماعية للعمال والمواطنين، ووفق هذا التقرير، على أطراف الإنتاج الثلاثة حكومات وأصحاب عمل ونقابات التعجيل في التوقيع على بنود العقد الذي صاغته النقابات وتم تبنيه في المؤتمر أعلاه.



* مشروع الدستور الأساسي لاتحاد نقابات العمال العالمي.