العولمة الرأسمالية وفعالية اليمين السياسية


لطفي حاتم
الحوار المتمدن - العدد: 6603 - 2020 / 6 / 26 - 15:01
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

افضى انهيار نموذج التطور الاشتراكي وسيادة وحدانية التطور الرأسمالي في العلاقات الدولية الى تراجع فعالية أحزاب اليسار الاشتراكي، وبالضد من ذلك شهدت الفترة التاريخية المعاصرة انتعاشاً لقوى اليمين المتطرف وتطورت أساليبه السياسية في دول التشكيلة الرأسمالية لأسباب كثيرة أهمها تمتعه بالشرعية السياسية في البلدان الرأسمالية المتطورة.
-- بهذا الاتجاه يمكن القول ان دول الرأسمالية المعولمة تشهد ازدهاراً للفكر اليميني المتطرف وتطور قاعدته الاجتماعية ناهيك عن تطور ركائزه السياسية -الفكرية واغناءها بكثرة من الموضوعات العنصرية والاستعلاء القومي.
قبل الخوض في المضامين السياسية لأيديولوجية اليمين المتطرف تواجهنا أسئلة فكرية كبرى منها-
ماهي تجليات فكر اليمين المتطرف في الطور الجديد من التوسع الرأسمالي؟ ما هي اساليبه الكفاحية؟ وماهي تأثيراته على بناء الدولة الوطنية وتشكيلتها الاجتماعية؟ ما هي انعكاسات ممارسته السياسية على الكفاح الوطني- الديمقراطي؟ وأخيراً ما هي سبل مواجهته في الظروف التاريخية المعاصرة؟
انطلاقاً من تلك الأسئلة وغيرها نحاول التوقف عند فكر اليمين السياسي ونزعاته التخريبية في الدول الرأسمالية عبر المنهجية التالية –
أولا - سمات اليمين المتطرف في الدول الرأسمالية الكبرى.
ثانيا - ملامح اليمين السياسي في الدول الوطنية.
ثالثاً- أساليب التصدي الوطني -الديمقراطي للفكر اليمين.
اعتمادا عل تلك المحاور نحاول التقرب من الإشكالات المثارة بصورة مكثفة وعبر دالات سياسية – فكرية عامة.
أولا – سمات اليمين المتطرف في الدول الرأسمالية الكبرى.
رغم انهيار اسلوب الانتاج الاشتراكي كنموذج للتطور الاجتماعي وسيادة نمط الإنتاج الرأسمالي عالمياً الا ان ذلك التحول لم يمد النظام الرأسمالي العالمي بالوهج السياسي بل بالعكس من ذلك تجذرت تناقضات تشكيلته الاجتماعية وتعرض فكره السياسي الى النقد الاجتماعي استندا الى –
- تصاعد حدة التناقضات الطبقية في الدول الرأسمالية المتطورة بين العمل والرأسمال وتنامت نزعات الهيمنة القومية وسياسة التبعية والتسلط.
-- تعمق الازمة الفكرية عند الرأسمالية (المنتصرة) في جوانبها السياسية متمثلة بانتعاش اليمين الارهابي في المراكز الرأسمالية ومناهضته لروح الدولة الليبرالية.
-- تعزز الروح القومية وتطور النزاعات العنصرية لدى الأحزاب اليمينية في نهوج سلطة البلاد السياسية.
استناداً الى تلك المؤشرات لابد لنا من التوقف عند عناوين الممارسة السياسية لليمين الناهض في الدول الرأسمالية المتطورة والمتميزة ب—
أ—الضغط على السلطة السياسية لتشريع قوانين اقتصادية هادفة الى تقليص المكاسب الاجتماعية لقوى العمل واعتبار البطالة الدائمة سلاحاً سياسياً هادفاً الى تقليص الأجور والمكتسبات الاجتماعية.
ب-- تلحف اليمين المتطرف بالنزعة الوطنية ودعوته الى إعلاء شأن الدولة القومية وسيطرتها على الدول الأخرى وما يرافقها من تأجيج روح الكراهية والعدوان.
ج-- معاداة الاغراب والمهاجرين والدعوة الى تقليص حقوقهم السياسية والاقتصادية واعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية.
د-- معاداة مواطني البلاد الجدد بسبب اللون، الدين، القومية والتركيز على تفوق العنصر الأبيض في النزاعات الاجتماعية.
ثانيا - ملامح اليمين المتطرف في الدولة الوطنية
ان تجليات العنصرية في أحزاب اليمين السياسي في دول الرأسمالية المتطورة تقابلها ايديولوجية أحزاب اليمين الارهابي في الدول الوطنية متجلية في –
أ- التركيز على الوحدة القومية في كفاح اليمين السياسي ومعاداة القوى الوطنية الأخرى في تشكيلة البلاد الاجتماعية.
ب- تمجيد الطائفية الدينية وتقاليدها الفقهية في الحياة اليومية والدفاع عنها في النزاعات السياسية.
ج—تفكيك الدول الوطنية وتحويلها الى أقاليم طائفية يشدها الولاء الطائفي الى دولة إسلامية لامركزية.
د- محاولات اليمين الإسلامي الطائفي الهادفة الى استبدال المؤسسة العسكرية الوطنية بمليشيات طائفية قادرة على خوض النزاعات والحروب الاهلية الوطنية والإقليمية.
ه--مساعي الأصولية الإسلامية في تحويل الوعي الاجتماعي الطبقي الى وعي أيديولوجي مذهبي.
-- استنادا الى تلك السمات الأيديولوجية نرى ان اليمين المتطرف في الدول الوطنية يشكل امتداداً لأهداف اليمين السياسي السائد في الدول الرأسمالية من خلال—
1- تفتيت الدولة الوطنية وتوزيعها الى أقاليم طائفية تتجاوب وروح الهيمنة عند اليمين السياسي في الدول الرأسمالية المتطورة.
2- اعتماد اليمين الطائفي في الدول الوطنية على مليشيات مسلحة بديلاً عن المؤسسة العسكرية لغرض استخدامها في النزاعات الوطنية – الإقليمية.
3-- سعى اليمين المتطرف في الدول الرأسمالية والمليشيات المسلحة في الدول الوطنية الى فض الإضرابات العمالية بالقوة المسلحة وكسر التظاهرات الجماهيرية والاحتجاجات الوطنية الأخرى.
4- ممارسة المليشيات المسلحة أدوارا امنية في الحياة السياسية للدولة الوطنية تتعدد مهامها العملية من كسر الإضرابات العمالية الى اعتقال واغتيال نشطاء العمل السياسي.
- خلاصة القول ان وحدانية التطور الرأسمالية تؤكد نتيجتين أساسيتين-
-الاولى منهما تزايد النزاعات المنتجة للإرهاب والحروب الاهلية والإقليمية بين دول العالم. وثانيتهما تؤدي سياسة اليمين المتطرف المتمثلة بالتبعية والإلحاق الى خراب الدولة الوطنية وتشكيلتها الاجتماعية.
تأسيساً على تلك الرؤى يتطلب من القوى الوطنية- الديمقراطية اتباع أساليب كفاحية متعددة الاشكال لغرض الحد من اضرار وحدانية التطور الرأسمالي وسياسة اليمين المتطرف في العلاقات الدولية.
ثالثا - أساليب التصدي الوطني الديمقراطي للفكر اليمين.
- أصبحت قضية تصدي القوى الوطنية – الديمقراطية لليمين المتطرف قضية كفاحية في النهج السياسي والاجتماعي لقوى اليسار الاشتراكي – الديمقراطي وما يعنيه ذلك من ضرورة تسمية الأساليب الكفاحية القادرة الى مقاومة هيمنة اليمين المتطرف وسياسته الإرهابية.
- تسمية أساليب المواجهة السياسية بين اليسار الاشتراكي واليمين السياسي المتطرف تتحدد بعناوين كثيرة اجدها في التالي --
إعادة بناء الدولة الوطنية –
-تشديد الكفاح الوطني – الديمقراطي من اجل بناء دولة وطنية تعتمد الشرعية الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة السياسية.
--اعتماد الشرعية الديمقراطية كإطار سياسي لكفاح القوى الوطنية السياسية المتنافسة في الدورات الانتخابية ونبذ الشرعية الانقلابية.
-- بناء تحالفات وطنية بين القوى اليسارية – الديمقراطية الراغبة في الاستقلال والسيادة الوطنية والعاملة على تبني برامج اقتصادية – سياسية لصالح الطبقات الاجتماعية المنتجة.
-- محاصرة الفعاليات الفكرية – السياسية للطبقات الفرعية وحثها على اعتماد الوطنية بهدف صيانة الدولة الوطنية من الضياع والتفتت الطائفي.
- بناء التشكيلة الاجتماعية
إعادة بناء التشكيلة الاجتماعية على أسس وقواعد تتلخص في اعتماد الدولة الوطنية على-
أ- حرية تشكيل الأحزاب السياسية المستندة على برنامج وطنية وحرية العمل على كسب التأييد الشعبي لمضامينها الفكرية – السياسية.
ب--اعتماد التوازنات السياسية بين الطبقات لقوى وتشكيلة البلاد الاقتصادية -الاجتماعية.
ج-- توازن مصالح طبقات التشكيلة الاجتماعية عبر قوانين وتشريعات تعتمدها الدولة الوطنية بهدف تطوير وحدتها السياسية – الاجتماعية.
د--بناء علاقات وطنية – دولية ترتكن الى موازنة المصالح الدولية الإقليمية الوطنية.
ه- إقامة تحالفات وطنية - دولية لمواجهة الإرهاب الدولي ومنظماته السياسية.

ان الدالات المشار اليها تدفع الدولة الوطنية وتشكيلتها الوطنية نحو الاستقرار والتطور بعيدا عن الحروب الاهلية والتدخلات العسكرية الدولية.