بابلو ميراندا* : ثورة أكتوبر والحزب الثوري للبروليتاريا


مرتضى العبيدي
2019 / 4 / 12 - 16:09     

ترجمة مرتضى العبيدي

في ضرورة الحزب الشيوعي

أدّى صعود الرأسمالية إلى نموّ وتطوّر الطبقة العاملة الصناعية، أي البروليتاريا، وهي الطبقة التي ستؤدّي حتما إلى قلب النظام الرأسمالي وتجاوزه، إذ أن البروليتاريين هم "حفّارو قبر" الرأسمالية.
لقد أشار ماركس وانجلس إلى الظروف الموضوعية التي ستؤدي إلى الثورة الاجتماعية: تطوّر القوى المنتجة، تعويض أنماط الإنتاج القديمة بأنماط جديدة، تراكم الثروة بين أيدي أقلية مقابل استغلال وقمع للأغلبية الساحقة من الكادحين من طرف هذه الأقلية المتكوّنة من الملاكين العقاريين و الرٍأسماليين، التفقير المسستمرّ والمتزايد لجماهير الكادحين، تطوّر الصراع الطبقي كمحرّك للرقي الاجتماعي والمادي، عجز الطبقات الحاكمة على توقيف عجلة التاريخ. كما بيّن ماركس وانجلس، اعتمادا على دراسة تطوّر المجتمع البشري، أن الطبقة العاملة ستتحوّل بالضرورة من طبقة بذاتها إلى طبقة لذاتها. وأشارا في نفس السياق إلى أنه على الطبقة العاملة أن تتشبع بفكرها الخاص حتى تكون صانعة تحرّرها، ومن هنا تحرّر البشرية جمعاء. هذه الضرورات لا يمكن أن تتحول إلى ممارسة عملية دون الاسترشاد بالنظرية الثورية، ودون النضال الحثيث لطلائع الطبقة العاملة المنظّمين في الحزب الثوري للبروليتاريا.
وحتي تسير الجماهير الكادحة، والشعوب والأمم المضطهدة على طريق التحرّر وتنتصر في هذه الحرب الضارية ضد أعدائها، فإن وجود الحزب السياسي للطبقة العاملة، الحزب الشيوعي، يصبح ضرورة لا محيد عنها.
وقد دوّن ماركس وانجلس هذه الاستنتاجات في "بيان الحزب الشيوعي" الصادر سنة 1848.
وبتزامن مع تطور الحركة العمالية في البلدان الرأسمالية في أوروبا وفي الولايات المتحدة الأمريكية، كانت الاشتراكية العلمية تشق طريقها نحو وجدان الطبقة العاملة وتنظيماتها. فمبادئ الشيوعية أصبحت المرشد الثوري لحركة تحرّر الطبقة العاملة.
ومع تأسيس الأممية الأولى، اتخذت الاشتراكية العلمية بعدا عالميا، ولقيت ترحابا عظيما من طلائع العمّال والمثقفين التقدميين في شتى أرجاء العالم.

الاشتراكية والحركة العمالية في روسيا

كانت الأفكار الشيوعية تنتشر في مختلف الأقطار خاصة في تلك التي كانت الرأسمالية تتطوّر فيها ويمثل فيها ملايين العمّال كتلة من العبيد المأجورين. وقد بلغت هذه الأفكار إلى روسيا، إمبراطورية القياصرة وإحدى أكبر بلدان العالم، حيث كان العمال، بحكم التطوّر الرأسمالي، يخضعون إلى استغلال وحشي، إلى جانب استغلال أكثر وحشية يتعرض له ملايين الفلاحين، وحيث تُخاض حروب عدوانية ضد شعوب وأمم المنطقة من وسط أوروبا حتى المحيط الهادي.
وكان النضال من أجل تحرّر الشغيلة، والشباب والفلاحين لم ينقطع منذ قرون. إذ كانت البلاد تشهد، وإن بصفة متقطعة، عديد الانتفاضات لفلاحّي الأرياف وعديد الإضرابات للعمّال في كبريات المدن، وكذلك نضالات للشباب والقطاعات الديمقراطية ضد الأوتوقراطية القيصرية.
ففي السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، خاض العمّال نضالات مكثفة ضد القمع والاستغلال الرأسماليين، وجاءت تلك النضالات تعبيرا عن توقهم للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وكانت موجهة ضد الأوتوقراطية القيصرية، وشملت قطاعات هامّة من الشباب والمثقفين الثوريين.
وفي نفس الوقت كانت تجري في أوساط طلائع العمال والمناضلين من أجل التحرّر الاجتماعي والمثقفين الثوريين نقاشات نظرية وسياسية عميقة. وقد وضعت هذه النقاشات وجها لوجه الشعبويين من جهة، وهم القائلين بالدور الريادي للفلاحين في النضال من أجل الحرية، وبضرورة إقامة البناء الاشتراكي بالاعتماد على فلاحي الأرياف، والذين انتهوا في الأخير إلى مناصرة الإرهاب الفردي بل وممارسته. وفي الجهة المقابلة، كان الماركسيون يعلنون أن النضال من أجل الاشتراكية يستوجب إيجاد الحزب الثوري للطبقة العاملة كشرط متأكد لا محيد عنه، لقيادة النضال التحرري وضمان الانتصار.
وقد وصل هذا النقاش أشدّه بفضح الأطروحات الشعبوية ودحرها. وقد أدّى في النهاية إلى وضع أسس حزب الطبقة العاملة، الحزب البلشفي، وإلى تطوير النضال الثوري، حتى أنه ليس بالإمكان فهم سيرورة ثورة أكتوبر دون ربطها بمسار بناء هذا الحزب وتطوّره.

حزب الطبقة العاملة
لقد وُلد حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في روسيا في خضمّ نضال الطبقة العاملة ضد الاضطهاد والاستغلال الرأسماليين. وكان تعبيرا عن انصهار الاشتراكية العلمية في الحركة العمالية. وجاء نتيجة للنقاش الطويل الذي جرى بين المبادئ الماركسية والأفكار الشعبوية، بين الماركسية الثورية والماركسيين "الشرعويين"، بين الثوريين والاقتصادويين إن في داخل التنظيم أوفي خضمّ النضالات العمالية.
وقد أحرز الماركسيون الثوريون والعمال والمثقفون، الذين كان للينين مكانة خاصة بينهم، نصرا أوليا لما تمكنوا من فضح الأفكار الشعبوية وهزمها، وقد مكّنهم ذلك من خلق حركة عمالية قوية ووضع الأسس لحزب البروليتاريا.
وقد التأم المؤتمر الأول للحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي سنة 1898 في مدينة "مينسك" . وقد تم خلاله وضع الأسس الإيديولوجية والسياسية للحزب، كما وُضعت خطة لتطويره وانغراسه.

حزب من طراز جديد
كان من الضروري تحديد الملامح الإيديولوجية والسياسية والتنظيمية في خضمّ نضال الطبقة العاملة والشعوب ضد الاستغلال الرأسمالي والاضطهاد الأوتوقراطي. وكان مناضلو حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في روسيا ومنظماته يسهرون على إعداد معارك الطبقة العاملة والشبيبة الثورية وحسن سيرها. ففي المدن الصناعية والمنجمية، كما في قطاع السكك الحديدية اندلعت ، على شكل موجات متتالية، حركات إضرابية شارك فيها عشرات بل مئات ألوف من العمال، وهو ما مكّن من بروز المنظمات النقابية وتطوير الوعي لدى الجماهير، بل وحتى التفكير في السلطة لدى العناصر المتقدمة من العمال. في تلك الأوضاع وُلد الحزب وترعرع.
وفي خضمّ تشكيل الحزب وتثبيت انغراسه، طُرحت على مناضليه ضرورة تبني الماركسية والمقولات الثورية. وكان لينين يتحدّث دوما عن الدور الضروري والأكيد للنظرية: "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية... فالحزب المنقاد بنظرية طليعية هو الوحيد القادر على إنجاز مهامّه الطليعية".
وفي صلب الحركة العمالية والنقابية، وحتى في صفوف الحزب، وُجدت أفكار إصلاحية وتوافقية، كما تواجد منظرو الاقتصادوية والعفوية، الذين دافعوا على الأطروحات التي تحصر نضال العمال في الواجهة الاقتصادية فحسب مثل الترفيع في الأجور وضمان استقرار الشغل، أي المسائل التي تهمّ العمّال بصفة مباشرة وملموسة.
وفي المؤتمر الثاني للحزب المنعقد سنة 1903، حدثت مواجهة مفتوحة بين النظرية الماركسية الثورية والأفكار والممارسات الانتهازية. وقد تمّ صراع إيديولوجي وسياسي مرير انتهى بانتصار الأفكار اللينينية. ومنذ ذلك الحين، حصُل في داخل الحزب كما في الحركة العمالية وفي السوفياتات، تمايز بين خطين سياسيين متناقضين: خط البلاشفة الذين كانوا أحرزوا الأغلبية في المؤتمر، وخط الأقلية الذين أطلقت عليهم تسمية المناشفة.
وكان على العناصر الثورية البروليتارية، إلى جانب الإعداد للنضالات اليومية عن طريق تنظيم الإضرابات وطرح المطالب الديمقراطية، خوض الصراع ضد الأطروحات اليمينية داخل حزب الطبقة العاملة لضمان وحدته وتحصينه ضدّ التشتّت.
كانت مواجهة إيديولوجية وسياسية كبرى، شغلت الثوريين الحقيقيين، الماركسيين المبدئيين وعلى رأسهم لينين. وقد ساهم في هذه المواجهة أغلبية المناضلين، رغم تشتّتهم في حلقات ومجموعات متعدّدة غير خاضعة لقيادة موحّدة ، مما يجعلها تصارع دون تنسيق فيما بينها.
وللتصدي لهذه الأوضاع المعقدة، كتب لينين كتابا ذا طابع إيديولوجي وسياسي وتنظيمي: ما العمل؟ الذي سيحتل موقعا رياديا، ليس في المعركة الإيديولوجية والسياسية من أجل توحيد الحزب فحسب، بل وكذلك في نهوض الحركة العمالية والدفع بها إلى الأمام.
فقد فضح لينين في داخل الحزب، كما في صفوف الحركة العمالية، المواقف الانتهازية والاقتصادوية وعزلها. وبيّن أنها مواقف مرتهنة إلى العفوية ، وهي بذلك تقف حاجزا ضد تطوّر الوعي الاشتراكي. وأعاد تثمين النظرية الثورية والعنصر الواعي والحزب كقائد ومنظم ومثقف سياسي للطبقة العاملة.
وقد أكد بشكل قطعي أنه بمقدور الطبقة العاملة بمفردها بلوغ الوعي النقابي، لكنها لكي تتبنى الإيديولوجيا والسياسة الثوريتين، فإن دور العناصر الطليعية المنظمة في حزب للطبقة العاملة يبقى أمرا ضروريا. فالوعي الثوري يأتي من الخارج باتجاه الجماهير الكادحة والشعب، أي من النظرية الثورية التي يعبّر عليها بشكل راق حزب البروليتاريا. فبالنسبة للينين فإن الحزب الماركسي هو انصهار بين الحركة العمالية والفكر الاشتراكي.
فقد كان واضحا كذلك، بالنسبة للينين وللبلاشفة، أن حزب الطبقة العاملة يجب أن يستجيب تماما لمصالح البروليتاريا والشعب، لطموحاتهم، لمطالبهم المباشرة وللأهداف الاستراتيجية للثورة والاشتراكية والشيوعية. وانطلاقا من هذا الفهم، ولضرورة بناء حزب الطبقة العاملة المستقل، تمّ، في مارس 1918 تغيير اسم الحزب الاشتراكي الديمقراطي لروسيا إلى الحزب الشيوعي البلشفي.

الدعاية والنضال الثوري

ولمواجهة التشتت التنظيمي المتمثل في وجود مجموعات اشتراكية عديدة في شتى المدن والنواحي، اقترح لينين خطّة أثبتت الممارسة والنظرية صحتها: نشر جريدة توحّد مناضلي الحزب ومنظماته حول خط سياسي واحد، وفي صلب تنظيم وحيد لكامل روسيا. ومن هذا المقترح، وُلدت جريدة الإيسكرا التي أدّت دورها كمحرّض وداعية، ومنظّم ومناضل من أجل الماركسية. وقد بُعثت وتطوّرت على كامل التراب الروسي الشاسع، شبكة للمراسلين والموزعين للجريدة. ومن بينهم، كما في داخل منظمات الحزب، كانت السياسة والوعي الثوريان يتبلوران تدريجيا، ويتشكل هيكل حزبي موحد، بمركز قيادي وحيد مرتبط بشبكة واسعة من المنظمات التي تناضل في المصانع والنقابات، وفي الريف وبين صفوف جيوش القيصر.
وقد أدرج حزب الطبقة العاملة ضمن عمله اليومي، إضافة إلى نضالات الطبقة العاملة، وإلى المواجهة الإيديولوجية مع الانتهازية، النقاش النظري من أجل بلورة السياسة الثورية وموقع جريدة الحزب فيها. فقد أسند الثوريون البروليتارين في روسيا دورا هامّا للجريدة كأداة رئيسية في الدعاية والتحريض الثوريين، وفي التثقيف السياسي للعمال، وفي عملية بناء الحزب، وفي التكوين النظري والسياسي لمناضليه، وفي الصراع ضد الانتهازية بكل أشكالها. فكامل مراحل سيرورة ثورة أكتوبر كانت تحمل بصمة جريدة الحزب. إذ أن مئات الجرائد تم ترويجها في مختلف الظروف، في ظروف اللاشرعية والسرية المطلقة، وفي أبسط الفضاءات الشرعية المتاحة، وبصفة مكشوفة وعلنية في فترات المد الثوري. فمن أبرز تعاليم ثورة أكتوبر وتجربة الحزب البلشفي هي الأهمية المحورية للدعاية الثورية وبصفة خاصة دور الجريدة فيها.

برنامج الحزب

إن صياغة برنامج الحزب شكل مرحلة مهمّة في أشغال المؤتمر الثاني سنة 1903. فالتوجهات البرنامجية سيكون لها دور حاسم في المسار الثوري. وقد بقي البرنامج المُصاغ خلال هذا المؤتمر صالحا حتى انتصار ثورة أكتوبر. وقد حدد البرنامج الأهداف الاستراتيجية والمباشرة للثورة. فالأهداف الاستراتيجية أو برنامج الحد الأقصى حدّد "الدور الأساسي لحزب الطبقة العاملة في الثورة الاشتراكية، وفي الإطاحة بسلطة الرأسماليين وإقامة ديكتاتورية البروليتاريا". أما ما سمّي ببرنامج الحدّ الأدنى، فقد تعلق بالإطاحة بالأوتوقراطية القيصرية وإقامة الجمهورية الديمقراطية، وتعميم يوم العمل بثماني ساعات، والقضاء على جميع مخلفات النظام الإقطاعي في الريف، وإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين، التي كان الملاكون العقاريون قد استولوا عليها. وفيما بعد، أعاد البلاشفة صياغة هذه النقطة الأخيرة كالتالي: "مصادرة كافة أراضي الملاكين العقاريين".
ومكّن قطع هذه الخطوة الحاسمة، أي صياغة البرنامج خلال المؤتمر الثالث، الحزب من تحديد الأهداف الإيديولوجية والسياسية، والمطالب المادية والفكرية التي تولى البلاشفة الدعاية لها على نطاق واسع في المصانع، وفي صفوف الفلاحين والشباب وداخل القطاعات الديمقراطية. وقد مكن هذا العمل الحزب من كسب قطاعات هامة من الطبقة العاملة والفلاحين والنقابيين والجماهير التي ستؤسّس السوفياتات، إلى سياسة الحزب.

التنظيم اللينيني

خاضت اللينينية معركة لتحديد هوية الحزب. وتعلّقت أولى القضايا بمعايير الانتماء. فقد اقترح لينين أن تتوفّر في المرشح لعضوية الحزب الشروط الأساسية التالية: الموافقة على برنامج الحزب والنضال من أجل تطبيقه، المساهمة المالية، والنضال في إحدى منظماته. أما المناشفة فقد اشترطوا فقط، المصادقة على البرنامج ودفع المساهمة المالية. وقد انتصرت وجهة نظر البلاشفة، وهكذا وأصبح للحزب قانونيا خاصيات الحزب المنظّم.
وقد عُرّف الحزب على أنه أرقى درجات تنظيم الطبقة العاملة، كفصيل طليعي، وكمنظمة يحكمها الانضباط، وكهيئة ممركزة، بسياسة موحّدة وبمركز قيادي وحيد. ويتم الانتماء إليه بصفة طوعية وإرادية، وهو فضاء تمارس فيه الديمقراطية داخل الأطر المنظمة. وهذه المبادئ هي، في الحقيقة، تكريس للمفهوم العام للمركزية الديمقراطية.
وقد مكنت هذه المبادئ الحزب البلشفي من القوة الإيديولوجية والوضوح السياسي والصلابة التنظيمية ، التي مكنته من القيام بدوره كمحرّك للمسار الثوري حتى بلوغ النصر. وقد جعلت هذه المبادئ من الحزب البلشفي حزبا "من الطراز الجديد"، يختلف جوهريا عن بقية الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا الغربية، حزبا قادرا على بلورة السياسات الملموسة لمجابهة الوضعيات المختلفة، وقادرا على تنظيم فيالق الطبقة العاملة والفلاحين والجنود وقيادتهم في معارك ظافرة من أجل توحيد كل الغاضبين على النظام القيصري في نفس السيل الجارف، حزبا قادرا على الكشف عن شتى الأفكار والسياسات الانتهازية داخل الحركة العمالية وفضحها وعزلها.
ومنذ ذلك الحين، أصبح مبدأ المركزية الديمقراطية هو حجر الزاوية للتفريق بين حزب الطبقة العاملة وجميع أشكال التنظيم البورجوازية الصغيرة.

ارتباط الحزب بالجماهير

إن هوية الحزب وسياساته وتنظيمه قد تمّ اختبارها في خضمّ نضال العمال والفلاحين من أجل مطالبهم، وفي المعارك من أجل الحرية والديمقراطية وللإطاحة بنظام القيصر. وقد ثبتت صحّتها باعتبار أنها مكنت الحزب من نسج روابط متينة مع الطبقة العاملة وباقي الطبقات الكادحة. وقد تحوّلت علاقة الحزب بالجماهير من مجرّد تصوّر نظري إلى أمر واقع، إذ ساهم في تكريس سياسات الحزب، على أنها سياساتهم، عشرات ومئات الألوف من العمال والفلاحين الذين ناضلوا جنبا إلى جنب مع قادة الحزب حتى إحراز النصر النهائي.
إن الثوريين البروليتاريين الروس لم يبتعدوا قطّ عن الطبقة العاملة، عن فيالق الشبيبة الثورية، عن مشاكل الفلاحين ومعاركهم وعن النضال من أجل الحرية والديمقراطية وضد الأوتوقراطية القيصرية. وفي جميع المعارك كانوا يتصدّرون الصفوف الأمامية، وكانوا دوما الأكثر عطاء وتضحية عند تنظيم إضرابات العمال ومظاهراتهم. وقد خبروا كيف يكسبون لأفكار الثورة والاشتراكية أعدادا غفيرة من العمال والشبيبة الثورية.
كان لينين يتصوّر التنظيم الحزبي كهيكل مكوّن من نواتات منتقاة من الكوادر المتفرّغين تماما للعمل الحزبي، والذين يسخّرون مجهوداتهم البدنية والذهنية للأعمال اليومية، ويتفرّغون لتنظيم جيوش الثورة، ويعملون على واجهات التحريض والتثقيف في صفوف العمّال ومن داخل النقابات، ويقودون الإضرابات ومظاهرات الشوارع، ويساهمون بغرض الإقناع في الاجتماعات العامة للنقابات والسوفياتات، ويرفعون عاليا راية الطبقة العاملة والحزب، وينظّمون ويوجهون العنف الثوري للجماهير... تلك هي أهم الأفكار التي تم اعتمادها في هيكلة الحزب البلشفي وتسييره، وفي المعارك التي خاضها.
وهنا وجب التأكيد على الفكرة اللينينية المتعلقة بالكوادر الثورية المحترفة والتي كانت نابعة من ضرورة عمل الحزب في صلب الجماهير. لم يكن يُنظر للحزب أبدا كطائفة معزولة، بل بالعكس فإن كوادر الحزب ومنظماته كانوا دوما ملتحمين بالجماهير، وهو ما مكّنهم دوما من فهم مصالح الجماهير وتطلعاتها وحالتها الذهنية، والتعلّم من تجاربها. وبصفة خاصة، فإنهم حذقوا كيف يكونوا دوما على رأس مطالبها المباشرة والبعيدة والنضال من أجل تحقيقها. كما كانت لهم المقدرة على تثقيف الجماهير سياسيا، وبث الروح الثورية فيها، وقيادتها، من معركة إلى أخرى، حتى إحراز النصر النهائي.

ثورة 1905

إن السياسة الثورية للحزب، المهتدية بالماركسية والمطبّقة في شتى النضالات، وكذلك العمل الدؤوب لقادة الحزب ومناضليه، كان لهما الأثر العظيم في نهوض الحركة العمالية والنضال الديمقراطي الذي عمّ كافة مدن روسيا وأريافها. ففي سنة 1905، شملت حركة الإضرابات الملايين من العمّال وهدّدت بصفة جدية النظام القائم.
ففي يوم 9 جانفي 1905، وُوجهت مظاهرة، كانت متجهة لقصر القيصر لطلب عدله ورحمته من أجل تحسين ظروف العيش، بالحديد والنار، حتى أن عدد القتلى تجاوز الألف. وكانت هذه المظاهرة من تنظيم قوى سياسية أخرى. وكان البلاشفة قد حذروا الشعب من أن المطالب لا تُأخذ بالتمسّح على أعتاب القيصر، ولكن تفتكّ بالنضالات وبالانتفاضة المسلّحة. لكنهم رغم ذلك انضمّوا للمظاهرة حتى لا يعزلوا أنفسهم عن الجماهير وحتى يساهموا في إنارة السبيل إليهم. وقد دفع عشرات البلاشفة حياتهم ثمنا لذلك.
ورغم قوة البطش، لم يُثن هذا "الأحد الدامي" العمّال عن النضال، بل على العكس، فقد أثار غضب واستنكار مئات الآلاف من العمال في مختلف مدن روسيا ونواحيها.
وقد نتج عن ذلك نهوض كبير للحركة العمالية، وظهور سوفياتات العمال والفلاحين كتعبيرة عن التنظيم السياسي للجماهير. وفي خريف 1905، كانت حركة الإضرابات تنتشر على نطاق واسع، وأخذت الإضرابات السياسية الجماهيرية تطرح مسألة الإطاحة بالقيصر.
ومجدّدا حصل التصادم بين وجهات نظر البلاشفة والمناشفة. ففي حين أكد البلاشفة على ضرورة تنظيم الانتفاضة المسلّحة بقيادة الطبقة العاملة خلال الثورة الديمقراطية حتى تضمن مواصلتها باتجاه الاشتراكية، كان المناشفة يدافعون على ضرورة قيادة البورجوازية لهذه المرحلة، إذ هي، حسب رأيهم، الوحيدة القادرة على ذلك وعلى إقامة دولة على غرار دول أوروبا الغربية. وعلى العمّال معاضدة البورجوازية في هذا المسعى باعتبار عدم توفر الشروط للانتفاضة المسلّحة والثورة.
وقد اجتهد البلاشفة في تنظيم الانتفاضة المسلحة وتعبئة جماهير العمال والفلاحين. وفي ديسمبر 1905، اندلعت الانتفاضة في سان بترسبورغ وموسكو، وقد تم هزمها بحكم التفوّق العسكري لجيوش القيصر ولكن أيضا بفعل ضعف الحركة العمالية والحزب.
ورغم هزم انتفاضة 1905، فقد استخلص منها البلاشفة دروسا هامّة. ولم يستنتجوا أن الثورة لم تكن ممكنة، لكن أنه لم يتم الإعداد الجيّد لها. ولم يتخلّوا عن النضال بل قرّروا خوضه على ضوء الظروف الجديدة. ورغم الهزيمة، فإن الحركة العمالية خاضت نضالات كبيرة في مختلف مدن البلاد وجهاتها خلال سنتي 1906/1907.

توظيف كل أشكال النضال

أدت هزيمة الثورة إلى حالة من الجزر للحركة العمالية، وإعادة صعود الرجعية والقمع الأعمى. وقد أجبر العمّال والثوريين إلى اتباع أساليب نضالية جديدة خلال هذه الفترة.
وقد تلقت الطبقة العاملة والفلاحون والشباب والقطاعات الديمقراطية ضربات كان لها انعكاس على التنظيم، وعلى وعي النقابيين وأعضاء السوفياتات. وبالنسبة للانتهازيين والمناشفة، فقد أصيب نضال الطبقة العاملة والشعب بنكسة كبيرة وجب معها الانكماش والاقتصار على مطالب سلمية ونقابية محضة. أمّا البلاشفة، فإنهم اعتبروا أن الهزيمة أحدثت أضرارا جدية على مستوى التنظيم والوعي داخل الحركة العمالية، لكنها نكسة مؤقتة ستتحوّل حتما إلى نهوض جديد يؤدّي إلى ثورة جديدة.
وكان للسياسة القمعية، ولحالة الجزر التي أصبحت عليها الحركة العمالية أثر على حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في روسيا. فقد هجر عشرات الآلاف من المناضلين صفوف الحزب وفضلوا التنظم في النقابات أو في السوفياتات، وقد أخذ مكانهم في الحزب المناشفة والاشتراكيون الثوريون.
وعلى أرض الواقع، فقد طرأت تغيّرات ذات بال على المسرح السياسي والاجتماعي. هذه التغيّرات أجبرت الحزب على تعديل تكتيكه. في هذا الوضع الجديد، كان على الحزب أن يأخذ بعين الاعتبار حالة الطبقة العاملة، ومطالبها المباشرة، والالتجاء إلى المسالك القانونية لصياغة هذه المطالب، وتنظيم النضال من أجل تحقيقها. فقرّر المشاركة الفاعلة في جميع المنظمات التي تسمح بها القوانين الشرعية. "كان الحزب ينشأ المنظمات اللاشرعية ويصدر الجرائد السرية، ويطوّر عملا ثوريا في صفوف الجماهير. وفي نفس الوقت كان يتسرّب أكثر فأكثر إلى المنظمات العمالية الشرعية" (من تاريخ الحزب الشيوعي البلشفي).
كان تكتيك الحزب يستجيب إلى ضرورة صياغة سياسة موجّهة للطبقة العاملة، لكن كذلك، وانطلاقا من مصالحها الخصوصية، إلى كامل المجتمع. ولما تمت الدعوة لانتخاب برلمان جديد (الدوما)، ورغم القيود والتضييقات التي وضعتها السلطة الأوتوقراطية، دعا الحزب الطبقة العاملة والشعب إلى المشاركة فيها، وقد كسب منها انتخاب كتلة برلمانية بلشفية استخدمت هذا الفضاء كمنبر لمواصلة النضال السياسي من أجل الديمقراطية وضد الاستبداد، من أجل الحرية والاشتراكية. ولم تكن هذه السياسة جامدة، بل كانت مرنة تأخذ بعين الاعتبار تطوّرات الأوضاع في كل مرحلة من مراحل الصراع. ففي بعض الأوضاع، دعا الحزب إلى المشاركة في انتخابات الدوما، وفي غيرها دعا إلى مقاطعتها. كان الحزب يعطي الأولوية للعمل السرّي دون التخلي عن استثمار العمل في الهيئات الشرعية التي يتيحها القانون. في تلك الأوضاع القاسية، تعرّض الحزب إلى القمع ومناضليه وقادته إلى الاضطهاد والسجن والنفي. كما تم اغتيال عشرات من البلاشفة. ولكن بحكم سياسته ، وتنظيمه وانضباط مناضليه، استعاد الحزب عافيته بل وتطوّر بكسبه ثقة الجماهير والإقرار بقيادته لها. ففي صفوف الطبقة العاملة كما في داخله، تغلب الحزب على الأفكار الانتهازية والمنشفية، وأنار سبيل الثورة للجماهير، وقاد نضالات عاتية أفضت إلى نهوض جديد للمدّ الثوري بداية من سنة 2012.
كانت فترة صعبة أظهرت طينة الحزب وصحّة سياساته وتعاليم لينين. فقد أظهر الحزب أن انصهار الماركسية مع الحركة العمالية أصبح أمرا واقعا. فلا يمكن إيجاد حزب عمّالي دون الاسترشاد بالنظرية الماركسية، دون الإنارة التي توفرها هذه النظرية. ولا يمكن إيجاد حزب ثوري إذا لم يكن بمقدوره رسم سياسات تنبع من مصالح الطبقة العاملة ولكنها تأخذ في نفس الوقت بعين الاعتبار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. سياسة تعبّر عن المطامح المباشرة للعمال دون أن تهمل مطامح الشعب بأسره. فلا يكفي نشر الأفكار الاشتراكية والتحررية العامة، بل من الضروري ترجمة النظرية إلى أرضية للنضال تقود حركة الجماهير. إنه لا يمكن الحديث عن الحزب الثوري إذا لم يكن قادرا على استثمار مختلف أشكال النضال على أرض الواقع، فيمزج بين العمل الشرعي واللاشرعي، بين النشاط السري والنشاط العلني. لا يمكن الحديث عن حزب للطبقة العاملة إذا تخلى عن الروابط السياسية والإيديولوجية والتنظيمية مع الجماهير. فوحده الحزب الملتحم عضويا بالجماهير بمقدوره المساهمة في تنظيمها سياسيا وقيادتها إلى المعارك المتتالية حتى إحراز النصر النهائي. لا وجود لحزب بروليتاري إذا لم يتمكن من تنظيم مناضليه في خلايا حزبية تربط بينها مبادئ الديمقراطية والانضباط والشجاعة والعزم على خوض المعركة حتى النهاية.
فقد طوّر الحزب البلشفي سياسات ملموسة، بارتباط بمصالح العمال، في أوضاع خصوصية متباينة، أي في حالات مدّ الحركة العمالية واحتدام الصراع الطبقي كما في حالات جزرها. وفي كل الحالات، كانت له القدرة على صياغة التكتيكات الملائمة والثورية، ولم يفصل أبدا سياساته المرحلية عن أهدافه الإستراتيجية في الثورة والاشتراكية. فقد أثبتت التجربة أننا بصدد حزب له مقدرة عجيبة لصياغة التكتيكات التي تأخذ بعين الاعتبار الواقع الموضوعي دون أن تغفل عن الأهداف الإستراتيجية في الاشتراكية والثورة.
فكان شعار بناء حزب من طراز جديد يعني "حزبا ماركسيا حقيقيا، لا يهادن الانتهازية، وثوري إزاء البورجوازية، حزبا للثورة الاجتماعية، ولإقامة ديكتاتورية البروليتاريا". (من تاريخ الحزب الشيوعي البلشفي)

الوضع الثوري

سجل الصراع الطبقي في روسيا القيصرية نموّا مطّردا بداية من سنة 2012. وأصبح ملايين العمال يشاركون في الإضرابات، وملايين المواطنين يخرجون للشوارع للمطالبة بالحرية والديمقراطية. وحتى جيش القيصر لم يسلم من هذه الهبّة، إذ شهدت وحداته انتفاضات عديدة. كانت روسيا تعيش مدّا ثوريا حقيقيا: "فالذين هم من فوق أصبحوا عاجزين على ممارسة الحكم كما في السابق، والذين هم من تحت أصبحوا يرفضون العيش كما في السابق". فقد هبت جماهير العمال والفلاحين للنضال لا من أجل مصالحهم المباشرة فحسب، بل وكذلك من أجل الحرية والديمقراطية وضد حكم القيصر.
فخلقت بذلك حالة ثورية، فتحمّل البلاشفة بحزم ومسؤولية قيادة الطبقة العاملة والسوفياتات في النضال من أجل السلطة.

الحرب العالمية الأولى

أدّى تطوّر الرأسمالية على الصعيد العالمي إلى ظهور مرحلة جديدة، مرحلة الامبريالية، وهي مرحلة أعلى مقارنة بالرأسمالية التجارية، وهي تمثل المرحلة النهائية لتطوّر الرأسمالية.
ولتطوّر الامبريالية مظاهر ملموسة: التطوّر اللامتكافئ، التنافس الشديد بين الاحتكارات والبلدان الامبريالية، السباق نحو مصادر المواد الأولية والأسواق ومناطق النفوذ، الحروب العدوانية ضد الشعوب والأمم المتخلفة. ولما تنعدم البلدان والمناطق غير المُكتشفة بعدُ، ولما تنعدم الفضاءات المؤهلة للغزو، تُجبر الاحتكارات والبلدان الامبريالية على التفكير في تقسيم جديد للعالم، فتحدث الصراعات فيما بينهم.
فالعشريات الأولى للقرن العشرين والتي شهدت تطوّرا كبيرا لقوى الإنتاج، وظهور تقنيات حديثة متطوّرة ساهمت في تطوير الإنتاج والإنتاجية، شهدت كذلك بروز الاحتكارات، وتمركز كبير جدا للثورة التي أنتجها العمال، وتطوّر الصناعات الحربية، وشن حروب استعمارية جديدة. كما شهدت اندلاع الحرب الامبريالية الكبرى: الحرب العالمية الأولى.
وقد شهدت الحركة العمالية والأحزاب العمالية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية مواجهات ونقاشات مكثفة بين الأمميين الذين نددوا بالطابع الامبريالي والرجعي للحرب والانتهازيين الذين أعلنوا "الدفاع عن الوطن"، راهنين بذلك الحركة العمّالية لسياسات وأطماع البورجوازيات المتصارعة.
وفي داخل الحركة العمالية الروسية، دافع لينين ومن ورائه البلاشفة عن المواقف الأممية الثابتة. أما المناشفة والاشتراكيون الثوريون فقد تبنّوا "الدفاع عن المواقف القومية".
وقد شاركت روسيا في الحرب العالمية إلى جانب فرنسا وانكلترا، فواجهت الحلف المقابل المكوّن من ألمانيا والنمسا. وقد فرضت مشاركة روسيا في الحرب تضحيات جسيمة على العمال والفلاحين والشعوب. وقد استغل القيصر حالة الحرب لخنق المد النضالي للطبقة العاملة والشعب، وتحويل الانتباه عن المشاكل الداخلية، ورفع شعار النضال من أجل تعزيز عظمة روسيا.
وقد ندد البلاشفة بصفة متماسكة بالحرب وعملوا في صفوف الشعب والجيش لفضح طابعها الرجعي.

ثورة فيفري 1917

لقد أكدت الأحداث صحة الأفكار البلشفية القائلة بأن انتكاسة ثورة 1905 لا تعني نهاية النضال من أجل تحرّر العمال والفلاحين، وأن نهوض الطبقة العاملة والشعب قادم لا محالة. فقد شهدت روسيا تصاعدا للحركة العمالية والنضال الديمقراطي وكذلك لانتفاضات الفلاحين وتزايدا في نشاط الشبيبة والسوفياتات.
وهذا النضال المستمر حشد ملايين من الناس، كما تجندت له عديد الأحزاب البورجوازية الصغيرة وحتى البورجوازية لمواجهة القيصرية، حتى انه شكل سيلا جارفا انتهى بالإطاحة بالقيصر وتشكيل حكومة بورجوازية. لكن وإن شكل انتصار ثورة فيفري ضربة قاسية للقيصرية، فإنه فتح المجال أمام البورجوازية لتتربع على الحكم، ولكنه ورغم ذلك، فهو يعتبر خطوة مهمّة في مسار التحرر الاجتماعي.
ومرّة أخرى أدت الأحداث إلى فتح نقاش ضاري داخل الحركة العمالية كما في صلب الحزب. فقد دافع المناشفة والاشتراكيون الثوريون وجميع أرهاط الانتهازيين على أن ما تحقق هو انتصار عظيم، وما على روسيا إلا اتباع نفس مسار البلدان الرأسمالية الأوروبية، وهو ما يقتضي من الطبقة العاملة وضع مطالبها بين أيدي الدولة الديمقراطية. أما البلاشفة فقد دافعوا على فكرة أن الثورة المنجزة غير مكتملة، وأن الرأسماليين يواصلون استعباد العمّال في المدن والأرياف ويخضعونهم إلى الاستغلال والقهر، ويواصلون جرّ البلاد في الحروب الامبريالية. ودافعوا على ضرورة أن تتولى الطبقة العاملة قيادة الثورة بصفة غير منقطعة وأن ترتقي بها من المهمات الديمقراطية إلى الاشتراكية.

ازدواجية السلطة

أشار لينين والبلاشفة، عن حق، إلى أن ثورة فيفري خلقت وضعا لم يسبق له مثيل لا في روسيا ولا في أيّ من بلدان العالم. إذ أن هزيمة القيصرية لم تؤدّ إلى صعود البورجوازية إلى دفة الحكم فحسب، بل إنها عززت من سلطة السوفياتات في المجتمع.
فكان للتعبئة المستمرة للطبقة العاملة ولانتفاضات الفلاحين، وتمرّد الجنود حتى على جبهة القتال، وكذلك للتآخي الذين ساد بين الجنود والشعب الثائر الأثر الكبير على عمل السوفياتات الذين طوّروا من مشاركتهم العملية في الأحداث اليومية ومن دورهم القيادي في جميع الأحداث المهمّة خاصة في بترسبورغ وموسكو. وهذه الأحدث أسندت للسوفياتات نوعا من السلطة البديلة عن السلطة التي حاولت البورجوازية فرضها.
وفي الواقع كانت سلطة جديدة بصدد التشكل، سلطة لها نفوذ واسع في أوساط العمال والفلاحين وعلى جزء من الجيش. وقد حرص البلاشفة، رغم عدم امتلاكهم للأغلبية داخل السوفياتات، على تعزيز هذه السلطة الناشئة وعلى كسب مواقع في قيادة النضال. وقد أوضح لينين أن هذا الوضع خلق نوعا من "ازدواجية السلطة"، إذ أصبح للسلطة واقعيا مركزين متباينين: الحكومة البورجوازية والسوفياتات. ونبّه إلى أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمرّ لمدّة طويلة، وأنه يجب العمل على تجاوزها بالقضاء على سلطة البورجوازية. ورفع شعار "كل السلطة للسوفيات!"، وهذا الشعار يحوصل بصفة مكثفة مضمون "أطروحات أفريل" الشهيرة.
فالتحليل الماركسي للأوضاع والسياسات الثورية للبلاشفة وما نتج عنها من ممارسات على أرض الواقع، مكنت الحزب من كسب ثقة السوفياتات والجماهير العمالية المناضلة، والفلاحين الأكثر حنكة والجنود المتمرّدين.

انتصار الانتفاضة المسلحة في أكتوبر 1917

آلت ثورة فيفري إلى سقوط القيصرية وإلى فرض ديكتاتورية البورجوازية التي اعتبارها المناشفة كـ "حكومة ديمقراطية ثورية" بينما اعتبرها البلاشفة كتعبيرة لهيمنة الرأسماليين. فأحداث فيفري لم تقدّم الحلول للأزمات السياسية. أما الطبقة العاملة والفلاحون وكذلك الشباب والجنود فقد تدربوا على القتال، واعتبروا أنه بوسعهم استكمال المسار الثوري. وغادرت السياسة الصالونات والتفاهمات بين الطبقات المهيمنة وأصبحت شأنا عامّا وتعبيرا عن مصالح الشعب. ففي كل مكان، في المصانع كما في الأحياء، في النقابات كما في السوفياتات، كانت تدور نقاشات حماسية حول مشاكل البلاد، حول الديمقراطية والحرية والحرب. فتحوّلت الجماهير إلى صنّاع للتاريخ، ومهندسين لحاضرهم ومستقبلهم.
وفي تلك الظروف الجديدة ، تحمّل الحزب البلشفي مسؤوليته التاريخية بجرأة وبكثير من روح المبادرة. فاستغل كل الفضاءات التي تركتها هزيمة الأوتوقراطية شاغرة. وقد تحمّل ستالين إدارة جريدة البرافدا (الحقيقة)، فجعل منها صوتا للثوريين والمتمرّدين، ونبراسا للنضال من أجل الحرية والاشتراكية. ففي بضعة أسابيع فقط، أصبحت البرافدا لسان حال الحركة العمّالية والمعبّر عن مواقف الثوريين في السوفياتات. وفي كل أنحاء روسيا، أصدر البلاشفة عديد الصحف التي تعبّر عن مواقف الحزب ومنظماته الجماهيرية والسوفياتات.
فكان البلاشفة، معززين بتكتيكات الحزب المعبّر عنها في "أطروحات أفريل" وخاصة في الشعار المحوري "كل السلطة للسوفيات" يطوّرون دعاية كبيرة لكسب ثقة العمّال من أجل تحسين مواقعهم القيادية داخلها، بعد أن انتهز المناشفة ظروف القمع (السجن والإبعاد) التي تعرضت لها القيادات البلشفية ليظفروا بزعامة هذه الهيئات.
وكانت تدور داخل هذه الهيئات نقاشات واسعة وعميقة حول أفضل السبل للحفاظ على جذوة الثورة وتحقيق الحرّية للشعب. وفي نفس الوقت كانت تتصارع داخل الحزب وفي صلب لجنته المركزية أطروحتان متناقضتان: الأطروحة الثورية للبلاشفة التي كان يحملها لينين وستالين والتي تقول بضرورة الاستعداد لإنجاز الانتفاضة المسلحة، والأطروحات الانتهازية التوافقية التي تدعو إلى دعم الحكومة البورجوازية بوصفها المعبّرة عن الديمقراطية، والقائلة بأن معارضة الحكومة هو عمل في خدمة الرجعية وباب لإعادة النظام الأوتوقراطي.
لكن طينة الحزب البلشفي الثورية، المعمّدة بتجارب اكتسبت في خضمّ النضال، سمحت بانتصار الأطروحات الثورية داخل الحزب في مرحلة أولى وخارجه فيما ما بعد. فأصبحت الرؤية البلشفية هي رؤية كامل الحركة الثورية. وفي يوم 25 أكتوبر حسب التقويم القديم، الموافق للسابع من نوفمبر في التقويم الجديد، تحوّلت خطط البلاشفة إلى واقع ملموس. فتمت الإطاحة بالحكومة البورجوازية، وتمكنت فيالق العمال والشباب والجنود الثائرين من هزم الجيش النظامي وإعلان الثورة.
فكانت الانتفاضة المظفّرة التي مكّنت الطبقة العاملة وحزبها من الوصول إلى السلطة وقيادة البلاد إلى مصير جديد. وكان ذلك إعلانا بانطلاق أكبر وأعمق مسار ثوري عرفه تاريخ البشرية. وهي المرّة الأولى التي تؤول فيها نتائج ثورة شاركت فيها الأغلبية لفائدة هذه الأغلبية ذاتها. هي ثورة هزّت أركان المجتمع القديم، وانهارت تحت ضرباتها جميع مؤسساته ورُكز محلّها حكم العمال والفلاحين، سلطة الشعب وديكتاتورية البروليتاريا.
وكان الحزب البلشفي هو منظّر هذه الثورة والمخطط لها ومنفّذها.

ديكتاتورية البروليتاريا

بعد الاستيلاء على السلطة، كانت المهمّة الرئيسية المطروحة على عاتق الطبقة العاملة والحزب البلشفي هي المحافظة عليها. وقد حدّد لينين وستالين التوجهات الكبرى لذلك: وضع الإنجازات الاجتماعية الكبرى التي من شأنها تحفيز جماهير العمّال والفلاحين والقطاعات الواسعة من المجتمع والجنود للنضال حيّز التنفيذ . فتم إقرار يوم عمل بثماني ساعات، وتمّت مصادرة البنوك والمؤسسات الكبرى، ووضعوا حيّز التنفيذ كذلك العدالة الثورية، فصادروا أراضي كبار الملاكين وأعادوها للفلاحين، وأضفوا مسحة من الديمقراطية على الدولة والمجتمع، وأسّسوا دولة السوفيات ووضعوا حدّا للمشاركة في الحرب الامبريالية.
فتولد عن ذلك نمط جديد للعيش. فأبناء الشعب رجالا ونساء، والشغالون في المدينة والريف أصبحوا هم الفاعلين في الحياة السياسية والاجتماعية. وتحولت الطبقات الكادحة وعلى رأسها الطبقة العاملة إلى طبقات مهيمنة، فكأنما الحياة والمجتمع اتخذا طريقا جديدا على نقيض الطريق القديم. فعلاقات الطبقة العاملة مع شعوب وقوميات روسيا القديمة تغيّرت جوهريا، فتحوّل "سجن الشعوب الكبير" إلى "اتحاد طوعي للشعوب والقوميات" تحت قيادة الطبقة العاملة في ظل "اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية".
وتحولت السوفياتات إلى أجهزة للسلطة، بينما تكفلت النقابات بتسيير المصانع وممارسة الرقابة العمالية على الإنتاج. أما الحزب البلشفي فلعب دور الملهم السياسي، وكان مناضلوه وكوادره هم بُناة المنجزات الكبرى للثورة.
وفي داخل الحزب، تمّ خوض صراعات سياسية وإيديولوجية جديدة. وتمّ فضح ومحاربة الأفكار القائلة بضرورة الالتجاء إلى خدمات الضباط القدامى للجيش القيصري لقيادة الجيش الأحمر الناشئ، وكذلك التعويل على المهندسين والفنيين القدامى لإعادة تنظيم الإنتاج. كما تمّ التصدّي للفكرة القائلة بضرورة العمل على اندلاع الثورة في بقية البلدان الأوروبية لضمان نجاح الثورة الروسية واستمرارها، أي فكرة التروتسكيين بخصوص الثورة الدائمة. فعلى الصعيد النظري كما في الواقع، أكد البلاشفة أنه، في تلك الظروف بالذات، فإن بناء الاشتراكية ممكن في بلد واحد، ألا وهو روسيا.
وصارت هذه المنجزات ممكنة بفضل إقامة ديكتاتورية البروليتاريا التي منحت الدور القيادي للطبقة العاملة المتحالفة مع الفلاحين، وكذلك بفضل إنشاء الجيش الأحمر، وإقامة مؤسسات جديدة مختلفة تمام الاختلاف على كل ما سبقها، وإقامة الديمقراطية التي مكنت العمال والفلاحين ليس فقط من المساهمة بصفة فعالة في الحياة السياسية، بل وفي أخذ القرارات. كما أن تحقيق تلك المنجزات لم يصبح ممكنا إلا بعد قمع وتحييد الطبقات الرجعية التي كانت تسعى إلى عرقلة الثورة وتتآمر ضدّها.
وفي تحليله لتجربة كومونة باريس، حدّد ماركس نظرية ديكتاتورية البروليتاريا على أنها شكل الحكم المتولد عن الثورة البروليتارية. وقد وضع البلاشفة والطبقة العاملة الروسية هذه المقولة محلّ تطبيق، كأرقى شكل من أشكال الديمقراطية باعتبارها التعبيرة الأنجع لبلوغ الأهداف الكبرى في تحرّر العمّال.

الحرب الأهلية الثورية

لم يستسلم الملاكون العقاريون والرأسماليون للهزيمة وخاصة لفقدان امتيازاتهم، فنظموا عديد المرات الثورات المضادّة ضد السلطة السوفياتية الناشئة. فكبار الضباط في جيوش القيصر، مدعومين من كبار الملاكين ومن الفلاحين الأثرياء (الكولاك) وبسند مالي وعسكري متمثل في الأسلحة والخبراء، من قبل القوى الامبريالية، نظموا عديد التمردات في كثير من الجهات على الأراضي الشاسعة للاتحاد السوفياتي. وبعد ذلك، وغداة انتهاء الحرب العالمية، تشكل ما يُعرف بـ "الوفاق الامبريالي" والذي ضمّ 14 دولة بقيادة انكلترا وفرنسا والذي شرع حال تشكله في حرب عدوانية ضد الدولة الجديدة بتنسيق مع القوى الرجعية في الداخل.
فتولى الحزب البلشفي قيادة الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء والشباب الثوري في الدفاع عن الثورة. ودون التخلى عن تحقيق المزيد من المكاسب على الصعيد الاجتماعي والسياسي، في مجالات البنية التحتية والفوقية، تولت هذه القوى مسؤولية الدفاع عن الاشتراكية في إطار ما سُمّي بـ "شيوعية الحرب".
وقد اعتمدوا أوّلا على الفصائل العسكرية التي ساهمت في نجاح ثورة أكتوبر، والقطاعات الهامّة من جيوش القيصر التي تضامنت مع الثورة وأقامت علاقات أخوية مع الثوار والشعب، والفصائل التي شاركت في الحرب الامبريالية وثارت في النهاية ضدّها معتبرين أنها كانت ضد مصالح الشعب. كما انضمت إلى هذا الجيش الشعبي فيالق العمّال الذين أقاموا المتاريس في المدن لإنجاح الثورة وحمايتها، وكذلك جماهير الفلاحين الذين ثاروا في الأرياف ضد الملاكين العقاريين. هكذا تشكل الجيش الأحمر.
وهذا الجيش الأحمر مدعوما بوحدات المتطوّعين المنتظمين في ميليشيات شعبية خاضوا معارك شرسة ضد الجيوش الرجعية والعميلة والامبريالية وهزموها في حرب دامت ما يزيد عن الثلاث سنوات. وقد احتل الشيوعيون قلب تلك المعارك مقدمين المثال في التضحية والشجاعة ونكران الذات، فقادوا الطبقة العاملة والسوفياتات والجيش الأحمر إلى الانتصار على الأعداء. وهكذا ساهمت منظمات الحزب، والمندوبون السياسيون، ووحدات الجيش الأحمر والشعب في تعزيز انتصار ثورة أكتوبر.
وحده الحزب المسلح بالنظرية الماركسية اللينينية، وبالوعي الثوري، وبإخلاص عظيم لمصالح الطبقة العاملة والشعب، كان قادرا على مواجهة حرب مدمّرة كتلك وتحقيق النصر. وحده الحزب الذي يقوده زعماء محنكون أمثال لينين وستالين كان بمقدوره أن يقود الطبقة العاملة والشعب إلى الانتصار العسكري على أعداء الثورة.

الأممية البروليتارية

إن الطابع العالمي لهيمنة رأس المال والامبريالية يجعل من الطبقة العاملة طبقة ذات بعد أممي. وبالتالي، فحزب الطبقة العاملة هو بالضرورة حزب أممي. هذه المبادئ وُجدت منذ بدايات نضال الطبقة العاملة وتأسيس أولى الأحزاب الشيوعية. وقد تمّ استعراضها في "بيان الحزب الشيوعي".
والبلاشفة، بقيادة لينين، أسسوا منذ البداية، حزبا أمميا. ولم يتخلّوا في يوم من الأيام عن هذه المسؤولية. وقد ساهموا بصفة فعالة في جميع الأنشطة الأممية للطبقة العاملة ولأحزابها. وقد نددوا بشوفينية وخيانة زعماء الأممية الثانية لمّا توافق هؤلاء مع بورجوازيات بلدانهم وقبلوا بإقحام الطبقة العاملة في الحرب الامبريالية بتعلّة "الدفاع عن الوطن".
وقد ولّد انتصار ثورة أكتوبر النخوة والحماس لدى عمّال العالم الذين تولوا الدفاع عنها (وكان أحد أسباب تراجع بعض حكومات الدول الامبريالية في المشاركة في الحرب العدوانية ضد روسيا السوفياتية هو خوفهم من أن ترفض جيوشهم محاربة الشيوعيين بل وحتى من إمكانية الوقوف إلى جانبهم).
وقد ساعد انتصار ثورة أكتوبر على إنشاء وبعث الأحزاب العمالية والشيوعية في كل قارات العالم. وقد ساهم الحزب البلشفي بصفة فعالة وساعد على إنشاء الأممية الشيوعية في موسكو في مارس 1919. وقد مثل الاتحاد السوفياتي بذلك الطليعة الصلبة للثورة العالمية.

الانتفاضة المسلّحة والاستيلاء على السلطة

لقد فهم البلاشفة، منذ بدايات تأسيس الحزب، وخلال كامل مراحل نضالهم السياسي والاجتماعي، أن المسألة المركزية للحركة العمالية هي مسألة الاستيلاء على السلطة. وقد دافع لينين على هذه الفكرة في جميع المراحل، وعمل على ترسيخها لدى الجماهير الكادحة والشباب، مبيّنا أن كل النضالات مهما كان حجمها ومجالها يجب أن لا تُهمل أن هدفها الرئيسي هو إسقاط سلطة الأوتوقراطية وإقامة ديكتاتورية البروليتاريا على أنقاضها.
وقد ارتبطت فكرة الاستيلاء على السلطة بأهمية توظيف كل أشكال النضال، ومنها بالخصوص الحرب الثورية الموصلة إلى هذا الهدف. فالانتفاضة المسلحة لم تكن مجرّد شعار يُرفع، بل كان جزءا من ممارسة الشيوعيين. ففي سنة 1905، وفي أعتى فترات النضال، أعلن البلاشفة عاليا أن الأهداف المباشرة، وخاصة التحرّر، لن تتحقق بغير الانتفاضة المسلحة. وفي سنة 1917، في فيفري كما في أكتوبر، أصرّوا على رفع الشعار بل أعدّوا العدّة لوضعه حيّز التنفيذ. وهو ما أنجزوا فعلا، إذ أطاحوا بسلطة الرأسماليين وكبار الملاكين العقاريين واستولوا على الحكم وأقاموا ديكتاتورية البروليتاريا.
إن الحرب الأهلية الثورية التي واجهوا بها بكل بسالة الرجعية الداخلية والعدوان الامبريالي الخارجي هي مثال حيّ لمقولة توظيف العنف الثوري للوصول إلى السلطة والمحافظة عليها وبناء الاشتراكية.
كما أن الحرب الوطنية الكبرى التي تصدّت للعدوان الألماني النازي وأدت في الأخير إلى هزيمة الفاشية والنازية، وهو ما ساهم بقدر كبير إلى إحلال السلام في العالم، هي مثال آخر للاستعمال الصائب لمقولة الحرب الشعبية الثورية.
وفي خضمّ النضال من أجل السلطة، ثقف الحزب مناضليه ونظمهم للمواجهة ولإنجاز المهمات العسكرية للثورة، وقد اشتغل بصورة مكثفة داخل صفوف القوات المسلحة، ودافع على مطالب الجنود وحقوقهم، وتصدّى للحرب الامبريالية، ودفع إلى تأسيس سوفياتات الجنود.

صراع الأفكار داخل الحزب

مثلت ثورة أكتوبر سيرورة ثورية صعبة من أجل صهر المبادئ الماركسية في هوية الحزب البلشفي وفي ممارسته. فمن أجل تأسيس الحزب، خاض لينين ورفقاؤه صراعا نظريا وسياسيا لفضح المواقف الشعبوية وعزلها، مثل فكرة توظيف النضال "الثوري" الفردي كوسيلة لإسقاط القيصرية، وكذلك ضد الأفكار الشرعوية، كل ذلك من أجل إحلال أفكار ماركس وانجلس في هوية الحزب الفكرية وفي النشاط العملي للثوريين البروليتاريين.
وحتى يكون الحزب البلشفي في مستوى تطوّر نضالات الطبقة العاملة والفلاحين، كان يجب تثبيت الأفكار الماركسية داخله، ودحر الأفكار الاقتصادوية التي كانت تدافع على قصر نضالات العمال على المطالب الاقتصادية المباشرة، وكذلك الأفكار القائلة بضرورة فسح المجال للرأسمالية لتتطوّر لخلق القاعدة المادية للثورة وللاشتراكية.
ومن أجل تحويل الحزب إلى تنظيم موحّد ومتجانس في كامل البلاد، إلى حزب محنّك ومنضبط، كان من الضروري هزم الأفكار الديمقراطوية و"حرية النقد". وكان من الضروري صياغة الأسس التنظيمية لحزب البروليتاريا القائمة على المركزية الديمقراطية واستيعاب كل حلقات الاشتراكيين الديمقراطيين التي كانت مشتتة على كامل التراب الروسي.
وتطلّبت قيادة الطبقة العاملة في النضال اليومي وإقحامها في النضال السياسي التأكيد على دور المواجهة المباشرة لتحقيق المكاسب المباشرة وافتكاك الحقوق، والاستعداد للانتفاضة المسلحة من أجل افتكاك السلطة، لا داخل هياكل الحزب فقط بل وكذلك في صفوف الطبقة العاملة وداخل السوفياتات. وتطلب ذلك من الحزب فضح المواقف الانتهازية والتوافقية التي كان يدافع عليها المناشفة والثوريون البورجوازيون الصغار.
ومن أجل تحويل الحرب الامبريالية إلى حرب ثورية، كان على الحزب فضح المواقف المتسترة بنظرية "الدفاع عن الوطن"، وتبني التصوّر الأممي، والتصدّي للأفكار الشوفينية والانتهازية للمناشفة وأشباههم على الصعيد الداخلي والخارجي، التي كانت مهيمنة على الحركة العمالية والاشتراكية.
ومن أجل بناء السلطة الشعبية وتثبيت ديكتاتورية البروليتاريا، ومن أجل تشييد مجتمع الكادحين، كان من الواجب قبر فكرة الثورة الدائمة التروتسكية. كان يجب التأكيد على إمكانية نجاح الاشتراكية في بلد وحيد محاصر من الامبريالية والرجعية العالمية لكنه يُحظى بدعم وتعاطف الحركة العمالية في كل أنحاء العالم.
إن تاريخ الحزب البلشفي وبناءه وقدرته على تنظيم وقيادة ملايين من البشر التي تناضل من أجل الإطاحة بالأوتوقراطية والرأسمالية، كل ذلك ما كان له أن ينجح لولا الصراع الإيديولوجي المبدئي والحازم في داخل الحزب كما في المجتمع. كان لينين وستالين حازمين إزاء الأفكار الغريبة عن الاشتراكية وإزاء الانحرافات الإيديولوجية والسياسية للتيارات الانتهازية. وقد جعلوا من صراع الأفكار مناسبة لغرس وتثبيت التصورات البروليتارية في فكر وممارسة الحزب. فالبلاشفة لم يقبلوا البتة بالتوفيقية بدعوى "حماية وحدة الحزب"، ولم يسمحوا البتة بنشأة وتطوّر المواقف المعادية للماركسية داخل الحزب.
مارس 2017

* بابلو ميراندا هو الأمين العام للحزب الشيوعي الماركسي اللينيني بالإكوادور