حسقيل قوجمان في أعلى مراحله


يعقوب ابراهامي
2013 / 4 / 29 - 16:52     

الملاحظات التالية هي في الأساس تعليق كتبته ردّاً على بعض ما جاء في الحلقة الأخيرة من سلسلة مقالات صديقي (من جانب واحد) حسقيل قوجمان حول "الإستعمار هو أعلى (وربما آخر) مراحل الرأسمالية" التي نُشِرت تباعاً في الأسابيع الأخيرة الماضية على صفحات "الحوار المتمدن".
"الأخ الكبير" (The Big Brother) في "الحوار المتمدن"، الذي يبدو أنه خشي أن يُفسِد تعليقي أخلاق القراء، لم يكتفِ بمنع نشر التعليق بل عاقبني بمنعي عن التعليق لمدة محدودة، وكل "مُدمِنٍ" على التعليقات يعرف مدى قساوة هذا "العقاب".
النتيجة كانت طبعاً أن الاهتمام بمقال حسقيل قوجمان والنقاش حوله (بقدر ما يمكن الحكم على ذلك بعدد تعليقات القراء على المقال) بقي في مستوى الصفر. هل هذا هو ما تريده إدارة "الحوار المتمدن"؟

موضوع هذه الملاحظات هو: كيف يبدو لك العالم عندما تنظر إليه في عام 2013 بمنظارٍ صُنِع عام 1916؟

يبدو أن أحداً لم يُخبِر حسقيل قوجمان أن العالم قد اجتاز منذ عقود مرحلة "أعلى مراحل الرأسمالية" وهو الآن يحث الخطى (ماذا يحث الخطى؟ يهرول)، عبر الكومبيوتر ("صناعة خفيفة" يسميها حسقيل قوجمان باستهزاء) والإنترنيت والفيسبوك نحو "أعلى مراحل العولمة"، وهناك من يقول: إلى "ما بعد العولمة".
وهكذا حدث أنه في وقتٍ يتحول فيه جهاز السمارتفون الذي في حوزتك إلى جهازٍ عتيق حتى قبل أن تستخدمه، وعليك أن تستبدله بجهازٍ أحدث إذا كنت تريد أن تواكب ما يجري في العالم، يعكف مفكر الماركسية المحنطة حسقيل قوجمان على نصوصٍ كُتِبت عام 1916 (ونُشِرت لأول مرة عام 1917) ويحاول أن يجد في ثناياها حلولاً لمشاكل القرن الحادي والعشرين.

كيف كان يستطيع لينين عام 1916 أن يتنبأ بما سيحدث بعد 97 عاماً؟ هذا السؤال لم يخطر على بال حسقيل قوجمان.
خلال مائة عام، منذ أن قرّر لينين أن الرأسمالية بلغت أعلى مراحلها، تغيّر وجه العالم ولم يبق اليوم شيءٌ من العالم الذي عرفه وكتب عنه لينين عام 1916: حروبٌ عالمية نشبت وخمدت، امبراطوريات قامت وانهارت، "دكتاتوريات بروليتارية" إنكشف زيفها وأصنامٌ تحطمت، "اسوار برلين" انهارت، أقمار صناعية ومحطات فضائية ملأت الفضاء، عملة جديدة ظهرت، اتحاد أوربي، سوق عالمي وبنك عالمي (فؤاد النمري قد يضيف هنا: إعلان رامبوييه وما أدراك ما إعلان رامبوييه) وثورة معلوماتية حوّلت العالم إلى قرية صغيرة. لينين نفسه تحوّل إلى جثة محنطة.
شيئٌ واحدٌ فقط لم يتغير في نظر حسقيل قوجمان: الرأسمالية لا زالت في أعلى مراحلها كما رآها لينين قبل نيّفٍ وتسعين عاماً. هذه مرحلة طويلة جداً عزيزي حسقيل قوجمان.

لكن لا عن هذا أريد أن أتحدث اليوم.
اليوم أريد أن أتحدث عن الأفكار الغريبة التي يمكن أن تصدر عن مفكر الماركسية المحنطة عندما يفقد كل صلةٍ تربطه بالواقع.
يقول حسقيل قوجمان: صفقات شراء الاسلحة تعقد بين الحكومة التي ينتج السلاح فيها مع الحكومة التي تريد شراء السلاح. وفي جميع هذه الصفقات تفرض الحكومات البائعة شروطا قاسية ومذلة على الحكومات المشترية للسلاح.
ماذا يريد حسقيل قوجمان؟ هل هو يطالب ببيع السلاح لكل دولة تريد شراءه دون فرض أي شروطٍ على استخدامه؟
وما هي هذه الشروط القاسية والمذلة التي يتحدث عنها المفكر الماركسي حسقيل قوجمان؟ من المهم جداً أن ننتبه إلى المثل الذي يضربه لأنه يلقي ضوءً على عالمه النفسي.

يقول حسقيل قوجمان: واكبر نموذج على ذلك هو الشروط التي تفرض على بلدان الخليح التي تشتري سلاحها بعشرات مليارات الدولارات من الدول الامبريالية الكبرى. فاهم شرط يفرض عليها هو شرط عدم استخدام طلقة واحدة منه ضد اسرائيل.

هذا هو في نظر حسقيل قوجمان "أكبر نموذج" للشروط "القاسية" و"المذلة" التي تفرضها الدول الإمبريالية الكبرى على الدول المشترية للسلاح.
أنا شخصياً لا أعرف إذا كان هناك شرطٌ كهذا (بهذا النص بالضبط) في عقود صفقات الأسلحة التي تعقدها دول الخليج. أنا أعيش في اسرائيل وإذا كان هذا صحيحاً فإنني سأنام في الليل مطمئناً أكثر وهادئاً أكثر.
لا أعتقد أن حسقيل قوجمان عارض هذا الشرط (المذل!!! والقاسي!!!) عندما كان يعيش في الكيان الصهيوني ويدرس في الجامعة العبرية الصهيونية على حساب دافع الضرائب الصهيوني.
من السهل على حسقيل قوجمان أن يعارض هذا الشرط (المذل والقاسي) الآن وهو يعيش آمناً في لندن تحرسه دولة بلغت أعلى مراحل الرأسمالية.