إيريكو مالاتيستا : ضد الجمعية التأسيسية كما ضد الديكتاتورية


مازن كم الماز
2009 / 10 / 15 - 08:56     

إيريكو مالاتيستا

ضد الجمعية التأسيسية كما ضد الديكتاتورية

( أكتوبر تشرين الأول 1930 )


ليكن هذا واضحا تماما . أنا لست مؤيدا لنظرية "كل شيء أو لا شيء" . إنني أعتقد أنه لا يوجد أحد يتصرف وفق الطريقة التي تفترضها هذه النظرية : إن هذا سيكون مستحيلا .
إنها فقط شعار يستخدمه الكثيرون للتحذير من وهم الإصلاحات الصغيرة و التنازلات المزعومة من الحكومة و السادة , و للتذكير دوما بضرورة و إلحاح العمل الثوري : إنها عبارة يمكنها أن تخدم , إذا فسرت بشكل فضفاض , كحافز للنضال دون هوادة ضد أي نوع من المستبدين و المستغلين . لكنها إذا أخذت بحرفية هراء واضح .
"كل شيء" هو المثال الذي يمضي أبعد و أوسع عندما يطرأ التقدم , و لذلك لا يمكن بلوغه أبدا . أما "لا شيء" فيمكن أن يكون دولة غير متحضرة على النمط القديم , أو على الأقل الخضوع المنبطح أمام القمع الراهن .
إنني أعتقد أنه على المرء أن يأخذ كل ما يمكن أخذه , سواء أكان كثيرا أو قليلا : افعل كل ما هو ممكن اليوم , بينما تواصل النضال لتجعل ممكنا ما يبدو مستحيلا اليوم .
مثلا , إذا لم نكن اليوم قادرين على التخلص من كل شكل من أشكال التحكم , فإن هذا ليس سببا جيدا لنفقد الاهتمام بالدفاع عن القلة من الحريات التي جرى الفوز بها و النضال للفوز بالمزيد منها . إذا لم نكن اليوم قادرين على إلغاء النظام الرأسمالي تماما و الاستغلال الناتج الواقع على العمال , فإن هذا ليس سببا للتوقف عن النضال في سبيل أجور أعلى و ظروف عمل أحسن . إذا لم نكن قادرين على إلغاء التجارة و استبدالها بالتبادل المباشر بين المنتجين , فإن هذا ليس سببا كيلا نسعى إلى طرق للتخلص من استغلال التجار و المستغلين بأقصى ما يمكن . و إذا كانت سلطة المستغلين و حالة الرأي العام اليوم تحول دون إلغاء السجون و توفير أي نوع من الدفاع ضد مرتكبي الآثام بوسائل أكثر إنسانية , ألا نفقد بسبب هذا الرغبة في العمل لإلغاء عقوبة الإعدام أو السجن مدى الحياة , و الحبس الاحتياطي , و عموما الوسائل الأكثر شرا للقمع التي يبلغ فيها ما يسمى بالعدل الاجتماعي إلى مستوى الانتقام البربري بالفعل . إذا لم نكن قادرين على إلغاء الشرطة , فلا يجب علينا لذلك أن نسمح , دون احتجاج أو مقاومة , للشرطة بضرب المساجين و أن يبيحوا لأنفسهم كل أنواع الإفراط , متجاوزين الحدود التي تضعها لهم نفس تلك القوانين سارية المفعول التي "يدافعون عنها"...
إنني أتوقف هنا , لأن هناك آلاف و آلاف القضايا , سواء في الحياة الفردية و الاجتماعية , مع كوننا غير قادرين على تحقيق "كل شيء" , يجب على المرء أن يحاول و أن يحقق أكثر ما يمكنه .
عند هذه النقطة , تطرح قضية الأهمية الأساسية عن أفضل الطرق للدفاع عما حققه أحدنا و النضال لتحقيق المزيد , لأن هذه إحدى الطرق لإضعاف و قتل روح الاستقلال و وعي المرء بحقوقه , مهددة بذلك المستقبل و الحاضر نفسه , فيما توجد هناك طريقة أخرى تستخدم كل نصر محدود لصياغة مطالب أكبر , معدة بذلك العقول و البيئة للانعتاق الكامل الأبعد .
الذي يشكل جوهر الأناركية المميز هو القناعة بأن كل الحكومات – الديكتاتوريات , البرلمانات , الخ – هي دائما أدوات للمحافظة , الرجعية , القمع , أما الحرية , العدالة و خير كل إنسان فيجب أن تأتي من النضال ضد السلطة , من الشراكة الحرة و الاتفاق الحر بين الأفراد و المجموعات .

هناك مشكلة واحدة تقلق الكثير من الأناركيين هذه الأيام و ذلك عن حق .
فعندما يجدون أنه من غير الكافي القيام بدعاية مجردة و التحضير الثوري التقني , الذي هو غير ممكن دائما و الذي يجري القيام به دون معرفة متى يمكنها أن تصبح مثمرة , فإنهم يبحثون عن شيء عملي ليفعلوه هنا و الآن , لكي ينجزوا أكثر ما يمكن من أفكارهم , رغم الظروف غير المواتية , شيء ما يساعد الأناركيين أنفسهم أخلاقيا و ماديا و في نفس الوقت يخدم كمثال , مدرسة , حقل تجريبي .
تأتي الاقتراحات العملية من عدة جهات . إنها كلها جيدة بالنسبة لي , إذا ما اعتمدت على المبادرة الحرة و روح التضامن و العدالة , و تتجه إلى إبعاد الأفراد عن هيمنة الحكومة و السادة . و كيلا نضيع الوقت في مناقشات مكررة بشكل دائم و التي لن تأتي بحقائق أو مناقشات جديدة , فإنني أشجع أولئك الذين يمتلكون مشروعا ليحاولوا تطبيقه فورا , ما أن يجدوا الدعم من العدد الأدنى الضروري من المشاركين , دون انتظار دعم الجميع أو الأكثرية , الذي هو عادة دون جدوى : ستظهر التجربة فيم إذا كانت هذه المشاريع قابلة للتنفيذ و ستسمح لتلك القادرة على الحياة بالاستمرار و النمو .
ليجرب كل واحد السبل التي يعتبرها الأفضل و الأنسب لأوضاعه , سواء اليوم مع اعتبار تلك الأشياء الصغيرة التي يمكن إنجازها في البيئة الحاضرة , أو غدا في الأرض الهائلة التي ستقدمها الثورة لنشاطنا . في أي حال ما هو ضروري بشكل منطقي لنا جميعا إذا لم نرد أن نتوقف عن أن نكون أناركيين بالفعل , هو ألا نسلم حريتنا أبدا لأيدي ديكتاتورية فردية أو طبقية , طاغية أو جمعية تأسيسية , لأن ما يعتمد علينا , هو أنه يجب على حريتنا أن تجد أساسها في الحرية المتساوية للجميع .

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن http://www.marxists.org/archive/malatesta/1930/10/constituent.htm