منهج ماركس في بناء نظريته عن المجتمع


تاج السر عثمان
2008 / 7 / 6 - 10:59     


السؤال المفتاح الذي طرحه ماركس لبناء نظريته عن المجتمع: ماهو الشرط لوجود حياة اجتماعية؟
في الاجابة علي هذا السؤال: أشار ماركس الي حقيقة بسيطة: هي أن البشرية قبل أن تمارس السياسة والفن والدين والعلم..الخ، عليها أن توفر مقومات حياتها التي تتمثل في : المأكل، المشرب، الملبس، المأوي..الخ. ولكي يتم ذلك لابد من ان ينتجوا.
ولكي تتم عملية الانتاج لابد من توفير أدوات الانتاج وموضوع العمل(وسائل الانتاج)، وحاصل وسائل الانتاج والعمل البشري اطلق عليه ماركس قوي الانتاج. وكذلك لابد أن تحدث علاقات انتاجية (ملكية أو توزيع) اثناء عملية الانتاج.
وحدة قوي الانتاج وعلاقات الانتاج تسمي البنية التحتية للمجتمع، وحول البنية التحتية تقوم بنية علوية تتمثل في السياسة والدين والفن والحقوق..الخ.
وحدة البنية التحتية والعلوية هي ما نطلق عليه التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية أو اسلوب الانتاج المعين.
أشار ماركس الي أن التناقض بين قوي الانتاج وعلاقات الانتاج يؤدي الي التحول الاجتماعي، كما أشار الي أن الصراع الطبقي هو القوي المحركة للمجتمع، اضافة للعوامل الاخري من: سياسية واثنية وثقافية، ودينية..الخ.
ويلاحظ القارئ أن منهج ماركس في تناول القضايا هو المنهج المألوف عند كل مفكر علمي مستعد دائما لاعادة النظر في تقديراته السابقة علي ضوء الشواهد اللاحقة.، ولكن ذلك لايجعله يتخلي عن اساس نظريته العلمية.
المنهج الذي الذي وصل عن طريقه ماركس الي نظريته في التطور الاجتماعي هو المنهج نفسه الذي استخدمه دارون في اقامة نظريته عن تطور الانواع بالانتخاب الطبيعي.
وكما هو معلوم ، فان نظرية ماركس تفتقد تلك الدقة المميزة للعلوم التي تتناول ظواهر فيزيائية وكيميائية ، ذلك أن القوانين والتعميمات الموجودة في النظرية مصاغة في حدود كمية، ويقول البعض أن هذا يدخل في النظرية الماركسية نوعا من الغموض غير العلمي، ولكن اذا كان هذا الاعتراض يجعل من نظرية ماركس غير علمية، فهل يجعل ذلك من نظرية دارون في علم الاحياء أو نظريات فرويد في علم النفس مثلا غير علمية؟.
ويبقي أنه ليس ثمة انسان عاقل يتوقع أن تتخذ كل التعميمات عن التطور الاجتماعي والبيولوجي شكل الصياغة الكمية التي يتخذها علم الفيزياء أو الميكانيكا مثلا، ولكن رغم الاختلافات، نلاحظ أن العملية نفسها لاقامة نظرية أساسية في تلك العلوم نفسها التي رأيناها في النظريات الاجتماعية والبيولوجية عند ماركس ودارون.
علي سبيل المثال في اقامة النظرية الأساسية لعلم الميكانيكا: كانت الفكرة الأساسية التي قدمها العالم الانجليزي نيوتن والتي تم قبولها هي ( كل جسم يظل علي حالته من سكون أو حركة بسرعة متظمة، ما لم تؤثر عليه قوي خارجية). وباكتشاف هذه الفكرة الأساسية تم صياغة المفاهيم الأساسية لعلم الميكانيكا مثل: القوة، الكتلة،..الخ.
وهذا يناظر المفاهيم الأساسية التي صاغها ماركس مثل: قوي الانتاج، علاقات الانتاج، البنية التحتية والفوقية، التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية..الخ، ولكنها في هذه الحالة الأخيرة ليست كمية.
المثال الآخر هو النظرية النسبية الخاصة التي اكتشفها عالم الفيزياء اينشتين عام 1905م، والتي قامت علي مسلمتين :
الاولي: هي مبدأ النسبية القائل ( بان جميع اطر القصور الذاتي معادلة تماما لأداء التجارب الفيزيائية جميعا).
ويقتضي هذا أنه اذا كان ثمة معمل يتحرك بسرعة متساوقة، فان حركة المعمل لاتؤثر اى تأثير علي نتيجة التجربة التي تجري داخله.
الثانية: ( ان الضوء ينتقل خلال فراغ بسرعة ثابتة في اطر القصور الذاتي جميعا).
أو بعبارة اخري أن سرعة الضوء التي يقيسها راصد هي نفسها بغض النظر عن السرعة النسبية للراصد ومصدر الضوء.
هذا الامتزاج بين مبدأ النسبية وثبات سرعة الضوء وقع في نظرية النسبية الخاصة، وبمجئه تم استبعاد فكرة الاثير بقضها وقضيضها، وما يرتبط بها من مفهوم المكان المطلق.
وهكذا تم وبضربة واحدة اكتساح كل الاسس التي قامت عليها الفيزياء الكلاسيكية لمدة تزيد علي قرنين.
اذا دققنا النظر اذن في الافكار الأساسية عند ماركس نلاحظ طابعها العلمي ، وأن ماركس وضع نظريته في المجتمع علي النحو نفسه الذي وضع به آخرون أسس العلوم الأخري.