السلطة في مواجهة الثقافة لرودولف روكر
مازن كم الماز
2009 / 12 / 11 - 23:52
السلطة في مواجهة الثقافة
رودولف روكر *
الفصل الرابع من كتابه القومية و الثقافة
تفترض أية سلطة شكلا ما من العبودية الإنسانية , لأن تقسيم المجتمع إلى طبقات أعلى و أدنى هو واحد من أول شروط وجودها . يتم تقسيم البشر إلى طبقات , أنظمة , في كل بنية سلطة بما يتطابق ( أو يتماشى ) مع الضرورة الداخلية لفصل مالكي الامتيازات عن سائر الناس . توفر الأساطير و التقاليد وسائل لتنمية و تعميق الاعتقاد بحتمية هذا التقسيم في عقول البشر . يمكن لقوة فتية صاعدة أن تنهي هيمنة الطبقات القديمة صاحبة الامتيازات , لكن يمكنها أن تفعل ذلك فقط بقيامها فورا بخلق طبقة جديدة محتكرة للامتيازات تتناسب مع تنفيذ خططها . لذلك كان يجب على مؤسسيي ما يسمى "بديكتاتورية البروليتاريا" في روسيا أن يوجدوا أرستقراطية القوميسارات ( مندوبي الشعب ) التي هي شكل متمايز عن الجماهير العريضة للطبقة العاملة كما هو حال الطبقات صاحبة الامتيازات لشعب أي بلد آخر .
كان أفلاطون يأمل بالفعل بأن ينسب الشعور الأخلاقي للفرد إلى مفهوم مؤسس رسميا ( تؤسسه الدولة ) عن الفضيلة و ذلك لصالح الدولة , مستنبطا كل الأخلاق من السياسة ليصبح بالتالي أول من اخترع المزاعم الفكرية لما يسمى "بأسباب الدولة" . لقد رأى بوضوح أن الانقسام الطبقي هو ضرورة كامنة للحفاظ على الدولة . لهذا السبب جعل عضوية البشر في أحد ثلاثة طبقات تصور على أن الدولة تتألف منها مسألة تتعلق بالقضاء و القدر , لا يملك الفرد أي تأثير عليها . لكن ليغرس في البشر الإيمان "بمصيرهم الطبيعي" , يستخدم رجل الدولة "خدعة مفيدة" عندما يخبرهم : "لقد خلط الإله الخالق الذهب في مادة ( أو طينة ) أولئك الذين خلقهم بينكم ليحكموا , و هم لذلك الأكثر قيمة بينكم . و في مادة مساعديهم أضاف الفضة أما في الفلاحين و سائر العمال فالحديد و البرونز" . أما بالنسبة لسؤال كيف يمكن جعل المواطنين يصدقون هذه الخدعة أجاب : "أعتقد أنه من المستحيل إقناع هؤلاء أنفسهم لكن من الممكن جعل هذه القصة تبدو محتملة لأبنائهم و أخلافهم في الأجيال القادمة" ( 1 )
هنا نجد مصير الإنسان يتحدد من خلال مزيج من القدرات و الخصائص التي يتلقاها من الإله , و التي تحدد هل سيكون سيدا أم خادما في حياته . إن غرس هذا الاعتقاد بشكل أعمق في مخيلة البشر على أنه قدر لا مفر منه و منحه القداسة الصوفية للقناعة الدينية كان حتى الآن الهدف الأساسي لسياسة أية سلطة .
( 1 ) أفلاطون – الجمهورية , الطبعة الثالثة
ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن http://www.anarchosyndicalism.net/rocker/nc.htm
* رودولف روكر ( 1873 – 1958 ) أبرز المنظرين و المناضلين الأناركيين النقابيين . ألماني الأصل , عاش لبعض الوقت في لندن حيث اعتقل أثناء الحرب العالمية الأولى حتى نهايتها , أرسل إلى هولندا بعد الحرب من خلال تبادل الأسرى و المعتقلين ثم عاد إلى ألمانيا عام 1918 ليعيد تأسيس الفيدرالية الحرة للنقابات الألمانية و شكل في 1919 مع الأعضاء النقابيين المفصولين من الحزب الشيوعي الألماني اتحاد نقابات ألمانيا الحر , اعتقله وزير الدفاع الاشتراكي الديمقراطي غوستاف نوسكه الذي اضطلع بمهمة تدمير الحركات الراديكالية و الانتفاضات العمالية بعد الحرب العالمية الأولى , فر بعد وصول النازية إلى السلطة في ألمانيا إلى سويسرا ثم إلى الولايات المتحدة حيث توفي عام 1958 .