الماركسية والديمقراطية وحكم القانون وحرية الضمير والمعتقد


تاج السر عثمان
2008 / 7 / 25 - 10:40     

اولا : الديمقراطية :
كان من أهم انجازات الثورة البورجوازية تأسيس اشكال من الحكومات التمثيلية والمؤسسات الأساسية فيها هى البرلمانات ، هذا المجلس يتميز على السلطة التنفيذية للدولة ، لكنه عن طريق سن القوانين ومساءلة الوزراء واصحاب المناصب الدائمة وتشكيل اللجان ومواصلة البحث والتقصى ، بهذا كله تمارس سلطة الرقابة على السلطة التنفيذية ، وبطبيعة الحال ، فان الناخبين الأفراد لايمارسون هذه السلطة مباشرة ، لكن ممثليهم يمارسونها.
وقيمة الماركسية على حد تعبير – موريس كونفورث – بالنسبة لحركة الطبقة العاملة انها تعلم العمال الاينخدعوا أو يتحولوا الى حمقى من جانب هؤلاء الذين يتلاعبون بالديمقراطية ضدهم ، وان يعملوا من أجل سياسة ديمقراطية تدافع عن مصالح العاملين ضد رأس المال وتؤدى في النهاية الى تحرير المجتمع كله من اشكال استغلال الانسان للانسان.
الماركسية وبحكم منهجها الديالكتيكي تستند الى الانجازات الديمقراطية للثورة البورجوازية السابقة (البرلمان ، المؤسسات التمثيلية ، اشراك الناس في ادارة شئونهم ) ، وعند الماركسية الديمقراطية هدف وليس غاية ، بمعنى أن مساواة الناس فيما يختص بوسائل الانتاج تعنى بالضرورة الديمقراطية والتنوع السياسي والفكري والثقافي ، حتى ديكتاتورية البروليتاريا التى اشار اليها ماركس كمرحلة انتفالية لزوال المجتمع الطبقي ، اعتبرها ماركس خطوة نحو الديمقراطية الكاملة وليس الشمولية ونظام الحزب الواحد .
اذن الديمقراطية هدف وغاية وليست وسيلة للديكتاتورية أو القهر والاستبداد بالرأى الواحد.

ثانيا: الماركسية وحكم القانون :
ان احد انجازات الثورة البورجوازية اقامة حكم القانون ، فقام نظام قانوني موحد يطبق علي الجميع داخل كل ارض الدولة ، ومجلس منتخب مخول بالسلطة النهائية في سن القوانين أو تغييرها ، وهذا يعنى ، أن المسئولين التنفيذيين في الدولة ، وكل هؤلاء الذين يسيطرون على أدوات القهر ، عليهم أن يعملوا داخل حدود القانون ، وهم يخضعون للعقاب اذا حاولوا استخدام القوة التى تحت تصرفهم لتحقيق اهدافهم الخاصة بصرف النظر عن القانون .
ومعلوم أن السبب الاقتصادي الكامن وراء أن البورجوازية اصبحت حامية حكم القانون واضح كل الوضوح ، فقد كان هذا شرطا ضروريا لاغنى عنه لضمان الأمن في التطور التجاري للسوق المحلي وبدونه لم يكونوا ليصبحوا على درجة الرخاء والقوة التى اصبحوا عليها ، وحتم هذا أن تحمى القوانين حق الاستغلال .
وعندما عارضت الماركسية القانون الذي تأسس لحماية حقوق الطبقات المستغلة ، لم يكن يعنى ذلك أن الماركسية ليست مع حكم القانون ، الماركسية مع حكم القانون لأنه شرط الادارة الديمقراطية الفعالة ، ذلك أن الديمقراطية تقتضي اجراءات مؤسسية لاتخاذ القرارات والرقابة على ما يفعل ، وهذا يفترض تعزيز القتنون وتنظيم العمل الكلى للادارة عن طريق القانون ، فبدون القانون لن يكون هناك ثمة أمن ولاحقوق ولاديمقراطية .


ثالثا:الماركسية وحرية الضمير والمعتقد:
في جدل انجلز مع دوهرينغ في كتابه( انتي دوهرينغ) ، وفي الفصل الأخير من الكتاب بعنوان ( الدولة والعائلة والتربية) ، يعالج انجلز مسألة الدين بشئ من الواقعية والعمق والشمول باعتبارها مسألة حساسة ولايجوز فيها التبسيط ، ولأنها ظاهرة معقدة ، وبالتالى يجب معالجتها بوعى شديد ، انطلاقا من احترام حرية الضمير والمعتقد.
تناول انجلز بالنقد الفقرة الآتية لدوهرينغ حول موضوع الدين :
( يجب الاتكون في المجتمع الحر اية عبادة ، لأن كل فرد من افراد المجتمع يترفع عن التصور البدائي الطفولي ، بأنه توجد فيما وراء الطبيعة أو فوقها كائنات يمكن التأثير عليها بالقرابين أو الصلوات .. ، ولذلك ، فان النظام الاشتراكي المفهوم بالشكل الصائب يجب أن يلغي جميع مستلزمات الشعوذة الروحية ، وبالتالي جميع العناصر الجوهرية للعبادة ).
هكذا وبكل بساطة يتم منع الدين ويمحى بجرة قلم ، وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه النظام الستاليني في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا ، عندما تم جعل الالحاد سياسة رسمية للدولة ، في حين أن الدولة للجميع: مؤمنين وغير مؤمنين .
عارض انجلز تصور دوهرينغ ، وطرح مبدأ حرية الضمير والمعتقد ، وذلك أن الافكار والاديان لاتلغى بقرارات فوقية طالما كانت جزءا من التركيبة النفسية والثقافية للمجتمع ، وترك ذلك للتطور الطبيعي ، وأن تصور انجلز ذلك يتمشى مع تصور ماركس الذي كان يشير الى أن هدف الاشتراكية العلمية ليس احلال الالحاد محل الدين ، وأن صراعنا ليس ضد الدين ، وانما ضد استغلال الدين لخدمة مصالح طبقية وسياسية ودنيوية زائلة.وبالتالى كان ماركس يشيد برجال الدين الذين يثورون ضد الظلم والقهر وينحازون للمستضعفين في الارض.
اذن منهج الماركسية وبعيدا عن أخذ النصوص خارج سياقها التاريخي ، هو نظرة عميقة وشاملة للدين باعتباره ظاهرة معقدة ولايجوز التبسيط فيها ، ورفض الاجراءات الادارية واستخدام القانون في محاربة المسائل التى تتعلق بالثقافة وبحرية الضمير والمعتقد ، وترك كل مذهب أو فكر أو دين للتطور الطبيعي .