رأس المال: الفصل الثالث عشر – (50) الآلات والصناعة الكبرى


كارل ماركس
الحوار المتمدن - العدد: 6572 - 2020 / 5 / 24 - 09:59
المحور: الارشيف الماركسي
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


الآلات والصناعة الكبرى
1) تطور الآلات
يقول جون ستيوارت ميل في كتابه مبادئ الاقتصاد السياسي: “من المشكوك فيه أن تكون سائر الاختراعات الآلية التي ابتدعت حتى الآن قد خففت من عناء الكدّ اليومي لأي كائن بشري” (1). ولكن الاستخدام الرأسمالي للآلات لا يتوخى مثل هذه الغاية أصلا. فالقصد من الآلة، شأن سائر الوسائل الأخرى لزيادة قدرة إنتاجية العمل، أن تجعل السلع أرخص وأن تقلص ذلك الجزء من يوم العمل الذي يستخدمه العامل لنفسه تحديدا، فتمدد بذلك الجزء الآخر من يوم العمل الذي يعطيه إلى الرأسمالي بالمجان. فالآلة وسيلة لإنتاج فائض القيمة.

في المانيفاکتورة، ينطلق الانقلاب في نمط الإنتاج من قوة العمل، أما في الصناعة الكبرى فينطلق من وسيلة العمل. ولا بد، بادئ ذي بدء، من أن نبحث سبل تحول وسيلة العمل من أداة إلى آلة، أو بم تتميز الآلة عن الأداة الحرفية. وبالطبع فنحن نُعنى، هنا، بالسمات العامة والبارزة، ذلك أن عصور التاريخ الاجتماعي، شأن عصور التاريخ الجيولوجي، لا تنفصل عن بعضها بحدود صارمة مجردة.

يقول علماء الرياضيات والميكانيك – وهذا ما يكرره بعض الاقتصاديين الإنكليز هنا أو هناك – إن الأداة هي آلة بسيطة، وإن الآلة أداة معقدة. ولا يرون أيما فارق جوهري بين الاثنتين، بل يطلقون اسم الآلة على أبسط المحدد کالعتلة والسطح المائل واللولب والإسفين، إلخ (2). الواقع أن أي آلة إنما تتألف من مثل هذه العتلات البسيطة مهما كان لبوسها أو تركيبها، لكن هذا التعريف عديم النفع من الوجهة الاقتصادية لأنه يفتقر إلى البعد التاريخي. ومن جهة أخرى، ثمة من يسعى إلى التفريق بين الأداة والآلة في واقع أن البشر هم القوة المحركة للأداة، وأن قوى الطبيعة المختلفة عن البشر هي المحركة للآلات، كالحيوان والمياه والرياح، إلخ (3). في هذه الحالة فإن المحراث الذي تجره الثيران، والذي ينتمي إلى أشد عصور الإنتاج تبايناً، يعد آلة، في حين أن نول کلاوسن الدوار (Circular loom)، الذي يديره عامل واحد يدوياً، ويصنع 96 ألف عروة في الدقيقة، سيُعد مجرد أداة. وهكذا فإن هذا النول نفسه يكون مجرد أداة إذا أدير باليد وآلة إذا حرك بالبخار. وبما أن استخدام قوة الحيوان هي واحدة من أقدم اختراعات البشر فإن الإنتاج الآلي يبدو سابقاً للإنتاج الحرفي. وحين أعلن جون ويات في عام 1735 عن آلة الغزل التي اخترعها، مدشناً بذلك الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، فإنه لم ينبس ببنت شفة عن أن الحمار، لا الإنسان، هو القوة المحركة لهذه الآلة، وبالفعل وقع هذا الدور على الحمار. ومما جاء في برنامج جون ويات أن الآلة هي “للغزل بدون أصابع” (4).

إن أي آلة متطورة تتألف من ثلاثة أقسام مختلفة بشكل جوهري: الآلة – المحرك، وآلية نقل الحركة، وأخيرا الآلة – الأداة أو آلة تنفيذ العمل. وتعمل الآلة – المحرك كقوة دافعة للمنظومة الآلية كلها. وهي إما أن تولد قوة الدفع ذاتياً، مثل المحرك البخاري، والمحرك الحراري، والمحرك الكهرومغناطيسي وإلخ، أو أن تتلقى الدفع من قوة جاهزة في الطبيعة، خارجة عنها، مثلما يتحرك الدولاب المائي بدفع المياه الساقطة، وتتحرك أجنحة الطاحونة بدفع الريح وهلمجرا. أما آلية نقل الحركة فتتألف من دواليب الموازنة، وأعمدة التدوير والمسننات، والبكرات، والسيور والحبال، والأحزمة، والتروس، ومختلف أجهزة التعشيق، لتنظيم الحركة وتغيير شكلها عند اللزوم، كأن تحول الحركة الشاقولية إلى حركة دائرية، وتوزعها وتنقلها إلى آلات تنفيذ العمل. وهذان القسمان من الآلية لا يوجدان إلا لنقل الحركة إلى الآلة – الأداة، مما يتيح لها أن تمسك موضوع العمل وتغيره بالشكل المناسب. والثورة الصناعية في القرن الثامن عشر إنما انطلقت من هذا الجزء بالذات، من الآلة – الأداة. وما تزال تخدم حتى يومنا هذا بمثابة نقطة الانطلاق في تحول الشغل الحرفي أو المانيفاکتوري إلى صناعة آلية.

إذا نظرنا عن كثب إلى الآلة – الأداة، أو إلى آلة تنفيذ العمل بالمعنى الدقيق للكلمة، لرأينا فيها عموما، نفس المعدات والأدوات القديمة التي يستخدمها الحرفي والعامل المانيفاکتوري، ولكن بعد إجراء تعديلات كبيرة عليها؛ ولم تعد هذه أدوات الإنسان بل أدوات المنظومة الآلية، أو أدوات آلية. ولرأينا إما أن الآلة بأكملها ليست إلا نسخة آلية معدلة، بهذه الدرجة أو تلك، عن الأداة الحرفية القديمة، كما في حال نول النسيج الآلي (5)، أو أن الأعضاء المثبتة على هيكل آلة العمل هي من معارفنا القدامى، كالمغازل في آلة الغزل، والإبر في آلة حياكة الجوارب، والمناشير في آلة نشر الخشب، والسكاكين في آلة القطع وإلخ. وإن اختلاف هذه الأدوات عن هيكل آلة العمل بالذات يبرز منذ لحظة الولادة. فمعظم هذه الأدوات تنتج بالعمل اليدوي الحرفي أو المانيفاکتوري، ثم ترتب على هيكل آلة العمل الذي يتم إنتاجه آليا (6). وهكذا فآلة العمل هي جهاز ينفذ بواسطة أدواته، بعد أن يتلقى الحركة المناسبة، العمليات نفسها التي كان العامل ينفذها في السابق بأدوات مماثلة. وسواء كانت القوة الدافعة تأتي من الإنسان أم من الآلة بدورها، فذلك لا يغير في جوهر الأمر شيئا. وما إن تنتقل الأداة، بالمعنى الدقيق للكلمة، من الإنسان إلى الجهاز فإن الآلة تحل محل الأداة البسيطة. وإن الفرق بين الآلة والأداة يثب إلى العين من الوهلة الأولى حتى لو بقي الإنسان نفسه المحرك الأولي. فعدد أدوات العمل التي يمكن للإنسان أن يعمل بها في وقت واحد مرهون بعدد أدواته الإنتاجية الطبيعية، أي عدد أعضاء جسده. ولقد جرت في ألمانيا ذات مرة محاولة لإرغام غازل على تشغيل دولابي غزل، أي أن يعمل بيديه الاثنتين وقدميه الاثنتين في آن واحد. لكن الجهد كان منهكاً. بعد ذلك اخترعوا دولابا بمغزلين دار بالقدم، ولكن البارعين في غزل خيطين في آن واحد كانوا نادرين ندرة بشر برأسين. بالمقابل فإن الآلة جيني(*) تغزل منذ البداية باستخدام 12 – 18 مغزلاً، وآلة صنع الجوارب تدير آلافا من إبر الحياكة معا، وهلمجرا. وهكذا، فإن عدد الأدوات التي تشغلها آلة عمل واحدة في آن واحد تتحرر أصلا من القيود العضوية التي تكبل أداة عامل الحرفة اليدوية.

في الكثير من الأدوات اليدوية يتخذ الفرق بين الإنسان بوصفه قوة محركة بسيطة، والإنسان بوصفه عاملاً أو مُنفّذاً بالمعنى الدقيق للكلمة، وجوداً حسياً صارخاً. فمثلا، عند العمل على دولاب الغزل تشتغل القدم كقوة محركة فقط، في حين أن اليد التي تعمل بالمغزل تندف وتفتل، أي أنها تنفذ عملية الغزل بالمعنى الدقيق. وإن هذا الجزء الأخير من الأداة الحرفية هو أول ما تتلقفه الثورة الصناعية حيث تترك للإنسان في بداية الأمر دور القوة المحركة ذا الطابع الميكانيكي الصرف، إلى جانب العمل الجديد المتعلق بمراقبة الآلة بعينيه واصلاح أخطائها. وعلى العكس، فالأدوات التي يؤثر فيها الإنسان كمجرد قوة محركة، مثل تدوير عمود الطاحونة (7)، أو تشغيل مضخة، أو كبس ذراع المنفاخ، أو السحق في الهاون وإلخ – إن هذه الأدوات سرعان ما تستدعي استخدام الحيوان والمياه والرياح (8) كقوى محركة، وتتطور هذه الأدوات إلى آلات، جزئية خلال مرحلة المانيفاکتورة أو عشوائياً قبلئذٍ، إلا أنها لا تحدث ثورة في نمط الإنتاج. أما أن هذه الأدوات باتت آلات حتى في شكلها الحرفي، فهذا ما يتضح في مرحلة الصناعة الكبرى. فالمضخات مثلا التي جفف بها الهولنديون بحيرة هارلم خلال عامي 1836 – 1837 كانت مصممة على غرار مبدأ المضخات العادية، سوى أن محركات بخارية عملاقة كانت تدفع إسطواناتها بدل اليد البشرية. وإن منفاخ الحداد العادي والبعيد عن الكمال لا يزال حتى الآن يحوّل في إنكلترا في بعض الأحيان إلى منفاخ آلي بمجرد وصل ذراعه بمحرك بخاري. والمحرك البخاري نفسه، مثلما كان عليه لدى اختراعه أول مرة أواخر القرن السابع عشر، أي خلال مرحلة المانيفاکتورة، ومثلما استمر عليه حتى ثمانينات القرن الثامن عشر (9)، لم يفض إلى أي ثورة صناعية. بل على العكس، فإن ابتداع آلات تنفيذ العمل هو الذي حتم تثوير المحرك البخاري. وما إن يغدو الإنسان محض قوة محركة للآلة، بدل أن يعالج موضوع العمل بأداة، فإن ارتداء القوة المحركة لبوس عضلات بشرية محض مصادفة يمكن استبدالها بالرياح والمياه والبخار وغير ذلك. وبالطبع، أن ذلك لا ينفي أن مثل هذا التغيير يتطلب تعديلات تقنية كبيرة في الآلية التي صنعت أصلا لاستخدام القوة البشرية بمثابة محرك. وفي أيامنا هذه فإن الآلات التي ينبغي أن تشق طريقها، مثل ماكنات الخياطة وآلات صنع الخبز، إلخ، تصمم بحيث تدار بقوة بشرية أو قوة ميكانيكية صرف على حد سواء إلا إذا كان الغرض من الآلة يمنع استخدامها على نطاق ضيق.

إن الآلة التي تنطلق منها الثورة الصناعية إنما تقصي العامل الذي يشتغل بأداة واحدة فقط، لتحل محله آلية تدير كتلة من الأدوات المتطابقة أو المتجانسة وتحركها قوة محركة واحدة مهما كان شكل هذه الأخيرة (10). ها نحن أمام الآلة، ولكن بوصفها مجرد عنصر بسيط في الإنتاج الآلي.

إن زيادة حجم آلة العمل وعدد أدواتها المنفذة بالتساوق تتطلب آلية حركة أكبر، وهذه الآلية تحتاج بغية التغلب على مقاومتها الذاتية إلى قوة محركة تفوق القوة البشرية، هذا دون أن نذكر أن الإنسان ليس بالوسيلة المثلى لإنتاج حركة منتظمة، متواصلة. ومثلما افترضنا أن الإنسان لا يعمل سوى كقوة محركة بسيطة، وأن الآلة – الأداة قد حلت محل أداته اليدوية، فإن بوسع قوى الطبيعة أن تحل محله كقوة محركة أيضا. ومن بين جميع القوى المحركة الكبرى، الموروثة من مرحلة المانيفاکتورة، كانت قوة الحصان هي الأسوأ، والسبب، أن للحصان رأسا في جانب، وأنه، في جانب آخر، باهظ الكلفة ولا يمكن استخدامه في المعامل إلا في نطاق محدود (11). ومع ذلك كان استخدام الحصان واسعاً في مرحلة طفولة الصناعة الكبرى، وهذا ما تدل عليه ليس فقط شكاوى المهندسين الزراعيين عصر ذاك، بل وأيضا أسلوب التعبير عن العزم الميكانيكي بقوة الحصان حتى يومنا هذا. أما الرياح فهي غير ثابتة إطلاقا ولا تخضع للسيطرة؛ وعدا عن ذلك طغى استخدام القوة المائية في إنكلترا، مهد الصناعة الكبرى، خلال حقبة المانيفاکتورة. ففي القرن السابع عشر بذلت محاولة لتحريك أسطوانتين وحجري رحى طاحون بواسطة عجلة مائية واحدة. إلا أن زيادة حجم آلية نقل الحركة اصطدمت بعدم كفاية طاقة المياه، وكان ذلك واحدة من الظروف التي حفزت على دراسة قوانين الاحتكاك بصورة أدق. كذلك، أدى عدم انتظام فعل القوة المحركة في طواحين الهواء، التي كانت تدار بدفع وسحب عتلة رافعة، إلى نظرية وتطبيق دولاب الموازنة (12) الذي لعب فيما بعد دورا هاما في الصناعة الكبرى. على هذا النحو عملت مرحلة المانيفاکتورة على تطوير العناصر العلمية والتكنيكية الأولى للصناعة الكبرى. كانت آلة غزل آرکرایت تُحرك بالمياه بادئ الأمر. ولكن استخدام طاقة المياه كقوة محركة أساسية كان محفوفاً بمختلف الصعاب. فقد كان من المستحيل زيادة دفق المياه حسب الرغبة، أو سد النقص فيها؛ كما كانت تشح أحيانا، لكن الأهم أنها كانت ذات طابع محلي صرف (13). وباختراع واط الثاني الذي يدعى بالمحرك البخاري المزدوج، تم إيجاد أول محرك يستهلك الفحم والماء لينتج طاقة محركة بنفسه، محرك خاضع للسيطرة البشرية كلياً، محرك منقول ووسيلة نقل، وهو حضري، وليس ريفياً كالدولاب المائي، وبذا يتيح تركيز الإنتاج في المدن بدلا من بعثرته في الريف كما هو حال دولاب الماء (14)، وأخيراً كان استخدامه التقني عاماً شاملا، ولا يتأثر موقع استقراره بالظروف المحلية إلا قليلا. وتتجلى عظمة عبقرية واط في مواصفات براءة الاختراع التي حصل عليها في نيسان/ أبريل عام 1784 والتي تصف محركه البخاري ليس كاختراع يتوخى غايات خاصة، بل كوسيلة عامة لخدمة الصناعة الكبرى. وذكر واط بعض الاستخدامات، التي لم يوضع بعضها، كالمطرقة البخارية، موضع التطبيق إلا بعد ما يزيد على نصف قرن. إلا أنه كان يشك في إمكانية استخدام المحرك البخاري في الملاحة البحرية. وعرض أخلافه من شركة بولتون وواط في المعرض الصناعي بلندن عام 1851 محركة بخارية عملاقة من أجل عابرات المحيط (Ocean steamers).

وما إن تحولت الأدوات من امتدادات لجسم الإنسان إلى امتدادات لجهاز آلي، إلى أدوات لآلة العمل، حتى اكتسب المحرك الآلي شكلا مستقلا، متحرراً تماما من قيود القدرة البشرية. وبهذا تنزل آلة العمل المفردة، التي عالجناها حتى الآن، إلى مرتبة عنصر بسيط في الإنتاج الآلي. وبات بوسع محرك آلي واحد أن يدير الآن الكثير من آلات العمل في آن واحد. ومع ازدياد عدد آلات العمل التي تدار في وقت واحد، تنمو المحركات الآلية أيضا، وتتسع معها آلية نقل الحركة إلى جهاز متشعب.

ولا بد لنا الآن من التمييز بين شيئين: تعاون كثرة من الآلات المتجانسة، ومنظومة الآلات.

ففي الحالة الأولى يصنع المنتوج كله بآلة عمل واحدة بالذات. فالآلة تنفذ سائر العمليات المتنوعة التي كان حرفي واحد ينفذها بأداته، كالنساج بنوله، أو التي كان حرفيون ينفذونها على التوالي بأدوات مختلفة، إما فرادى أو كأعضاء في مانیفاكتورة (15). ففي المانيفاکتورة الحديثة للمغلفات البريدية، مثلا، يطوي عامل الورقة بالمطواة، ويفرش آخر الصمغ، ويثني ثالث الغلاف الذي يطبع عليه الشعار، ويختم رابع الشعار وإلخ، وفي كل من هذه العمليات الجزئية كان يتوجب نقل كل مغلف من يد إلى أخرى. وثمة آلة مفردة لصنع المغلفات تنفذ الآن جميع هذه العمليات دفعة واحدة وتصنع 3000 مغلف بل أكثر في الساعة. وعرضت في المعرض الصناعي بلندن عام 1862، آلة أميركية لصنع أكياس الورق، وهي تقطع الورق وتفرش الصمغ وتطوي وتنتج 300 كيس في الدقيقة. إن هذه العملية بأسرها كانت مجزأة في المانيفاکتورة، وتنفذ بتتابع معين، أما الآن فإن آلة عمل واحدة تنفذها بمركب من أدوات مختلفة. وسواء كانت آلة العمل هذه مجرد نسخة ميكانيكية جديدة عن الأداة الحرفية المعقدة، أم مركب من أدوات مانیفاكتورية بسيطة، متنوعة ومتخصصة، يعود التعاون البسيط إلى الظهور مجددا في المصنع، أي في الورشة القائمة على الإنتاج الآلي، لكنه يتجلى بالدرجة الأولى بمثابة تجميع مكاني لآلات عمل متجانسة تدور في آن واحد (ونحن نترك العامل هنا خارج الاعتبار). وعلى سبيل المثال يتكون مصنع النسيج من الكثير من أنوال الحياكة الآلية، ومصنع الخياطة من الكثير من ماكنات الخياطة المتكدسة في مبنى واحد. ولكن ثمة ها هنا وحدة تقنية، حيث إن آلات العمل المتماثلة تتلقى النبضات في وقت واحد وبقدر متساو من ضربات قلب المحرك الأساسي التي تأتي عبر آلية لنقل الحركة، وهي آلية مشتركة كسائر الآلات في جانب، حيث تتفرع عنها تشعبات خاصة بكل آلة تنفيذ. ومثلما أن مجموعة الأدوات تكون بمثابة أعضاء لآلة العمل، فإن مجموعة آلات العمل تكون بمثابة أعضاء متماثلة في جهاز الحركة عينه.

ولكن منظومة الآلات بالمعنى الفعلي، لا تحل محل الآلة المستقلة، المفردة، إلا عندما يمر موضوع العمل بسلسلة مترابطة من العمليات الجزئية المتدرجة والتي تنفذها سلسلة من آلات تنفيذ متباينة ومكملة لبعضها بعضا. وهنا يظهر من جديد التعاون المميز اللمانيفاکتورة، القائم على أساس تقسيم العمل، لكنه يتمثل الآن في تجميع آلات عمل ذات وظائف جزئية، وإن الأدوات الخاصة بالعمال الجزئيين – في مانيفاکتورة الصوف، مثل أدوات الندف، والتمشيط والجز والغزل وإلخ – تتحول الآن إلى أدوات في آلة عمل متخصصة، وتشكل كل آلة تنفيذ عضواً خاصاً ذا وظيفة خاصة في جهاز آلي مركّب. وتقدم المانيفاکتورة بالتمام والكمال الأساس الطبيعي لتقسيم وبالتالي تنظيم عملية الإنتاج لكل فرع صناعي يستخدم هذا الجهاز الآلي المركب لأول مرة (16). بيد أن ثمة فرقاً جوهرياً يبرز في الحال. ففي المانيفاکتورة يتوجب على العمال، فرادى أو جماعات، أن ينفذوا كل عملية جزئية خاصة يدوية بأدواتهم. وإذا كان العامل يخضع للعملية، فإن العملية بدورها قد تكيفت سلفاً مع العامل. لكن هذا المبدأ الذاتي في تقسيم العمل غائب عن الإنتاج الآلي. فهاهنا يجري النظر إلى العملية، في ذاتها ولذاتها، بصورة موضوعية، حيث تحلل إلى أطوارها المكونة، ويجري حل مشكلة تنفيذ كل عملية جزئية، وربط هذه العمليات الجزئية المتباينة، بالتطبيق التقني للميكانيك والكيمياء وإلخ (17)، علما بأن الحل النظري لا بد وأن يتطور الآن، كما في السابق، بفضل تكدس الخبرة العملية المطبقة على نطاق واسع. وتقدم كل آلة جزئية المادة الأولية للآلة التي تليها مباشرة؛ وبما أن الآلات تعمل جميعا في آن واحد فإن المنتوج يجتاز، دوما، مختلف مراحل عملية تكوينه، وينتقل من طور الإنتاج هذا إلى ذاك. وكما أن التعاون المباشر بين العمال الجزئيين في المانيفاکتورة يخلق تناسبا كمياً معيناً بين زمر العمال الخاصة، كذلك تتطلب منظومة الآلات المقسمة تناسباً محدداً في العدد والحجم والسرعة، کیما تستطيع الآلات الجزئية أن تشتغل سوية دون انقطاع. وإذ تغدو آلة العمل، منظومة متمفصلة من آلات عمل فردية متباينة، أو مجموعات من هذه الآلات، فإنها تزداد كمالا بازدیاد استمرارية العملية الكلية، أي كلما قلت الانقطاعات في انتقال المادة الأولية من أول إلى آخر طور في العملية، نعني كلما ازداد انتقالها من أحد أطوار الإنتاج إلى غيره، بالآلة لا بيد الإنسان. إذا كان فصل كل عملية خاصة في المانيفاکتورة مبدأ يفرضه تقسيم العمل نفسه، فإن المصنع المتطور يفرض مبدأ وصل العمليات الخاصة.

إن منظومة الآلات، سواء كانت قائمة على التعاون البسيط لآلات عمل متماثلة، كما في النسيج، أم على الجمع بين آلات متباينة، كما في الغزل، تشكل في ذاتها ولذاتها جهازا أوتوماتيكية (Automaten) كبيراً يدفعه محرك أساسي واحد، ذاتي الحركة. ورغم أن المنظومة ككل قد تتلقى الدفع من محرك بخاري، فإن بعض آلات التنفيذ قد تحتاج إلى معونة العمال لتنفيذ بعض الحركات، مثلما كان الحال مع تحريك مغازل المول قبل اختراع المغزل ذاتي الحركة (self – acting mule). ولا يزال ذلك ضرورية بالنسبة للغزول الناعمة؛ أو أن أقساماً معينة من الآلة تحتاج إلى توجيه العامل، على غرار الأداة، من أجل تنفيذ عملياتها كما كان عليه الأمر في صناعة بناء الآلات قبل تحول الدعامة المنزلقة (slide – rest) إلى جهاز ذاتي (self – actor). وعندما تقوم آلة العمل بجميع الحركات الضرورية لمعالجة المادة الأولية بدون تدخل الإنسان ولا يلزمها سوى معونة تكميلية، فإننا نجد أمامنا منظومة أوتوماتيكية للآلات، يمكن تطوير تفاصيلها باطراد. وعلى سبيل المثال فإن الجهاز الذي يوقف آلة الغزل أوتوماتيكياً حالما ينقطع خيط واحد، والمغلاق الأوتوماتيكي (self- acting stop) الذي يوقف النول البخاري المحسن حالما يفرغ المكوك من خيوط اللحمة نهائياً، هما اختراعان حديثان تماما. ويصلح مصنع الورق المعاصر لأن يكون مثالا على اتصال الإنتاج كما على تطبيق المبدأ الأوتوماتيكي. وفي إنتاج الورق يمكن أن ندرس على العموم بصورة مثمرة ومفصلة الاختلاف بين شتى أنماط الإنتاج المرتكزة إلى قاعدة مختلفة من وسائل الإنتاج، علاوة على دراسة الصلة بين علاقات الإنتاج الاجتماعية وأنماط الإنتاج المختلفة؛ فصناعة الورق الألمانية القديمة نموذج للإنتاج الحرفي، أما هولندا في القرن السابع عشر وفرنسا في القرن الثامن عشر فهما نموذج للمانيفاکتورة فعلا، بينما إنكلترا المعاصرة هي نموذج للمصنع الأوتوماتيكي في هذا الفرع؛ علاوة على ذلك يوجد في الصين والهند حتى يومنا هذا شكلان آسيويان قديمان مختلفان لصناعة الورق هذه.

ويكتسب المصنع الآلي شكله الأكثر تطورا بوجود منظومة متمفصلة من آلات العمل التي يأتيها الدفع من جهاز أوتوماتيكي مركزي عبر آليات نقل الحركة. وعوضا عن الآلة الواحدة يبرز هذا العملاق الآلي ليحتل بجسده مباني المصنع برمته، وأن جبروته الشيطاني يختفي بادئ الأمر وراء الحركات الوئيدة، الموزونة، لأطرافه الجبارة، لكنه يندفع أخيراً في دوران راقص، سريع ومحموم، بأطرافه العاملة، التي لا تعد ولا تحصى.

لقد ظهرت المغازل الآلية والمحركات البخارية إلى الوجود قبل ظهور العامل المتخصص في إنتاجها، تماما مثلما أن البشر ارتدوا الملابس قبل ظهور الخياط. ولكن اختراعات فركانسون وارکرایت وواط وسواهم ما كان لها أن تتحقق إلا لأن هؤلاء المخترعين وجدوا في متناولهم عدداً معتبراً من العمال الميكانيكيين المهرة الذين انجبتهم مرحلة المانيفاکتورة. وكان قسم من هؤلاء العمال يتألف من حرفيين مستقلين من مهن مختلفة، وكان القسم الآخر يتكدس في المانيفاکتورات حيث يسود، كما أشرنا سابقا، تقسيم عمل صارم تماما. وبازدياد عدد الاختراعات وتنامي الطلب على الآلات المبتكرة أخذت صناعة بناء الآلات تنشطر إلى فروع مستقلة عديدة من جانب، وتطور، من جانب آخر، تقسيم العمل في مانيفاکتورات بناء الآلات، على نحو مطرد. ونلمح هنا في المانيفاکتورة الأساس التقني المباشر للصناعة الكبرى. فقد أنتجت المانيفاکتورة الآلات التي تمكنت بها الصناعة الكبرى من إزاحة الإنتاج الحرفي والمانيفاکتوري عن تلك الفروع التي استولت عليها بادئ الأمر. وعليه، فإن المصنع الآلي نما عفوياً على أساس مادي غير موائم. وكان على المصنع الآلي ذاته عند بلوغه درجة معينة من التطور أن يزيل هذا الأساس المادي الذي وجده في البداية جاهزاً، ثم طوّره في شكله القديم، كي يرسي لنفسه أساسا مادياً جديداً يتناسب مع نمط إنتاجه الخاص. ومثلما أن الآلة المفردة هي أشبه بالقزم طالما اعتمدت حركتها على الإنسان، ومثلما أن المنظومة الآلية ما كان لها أن تتطور دون قيود قبل مجيء المحرك البخاري وحلوله محل القوى المحركة السابقة – الحيوان والرياح وحتى المياه – كذلك فإن تطور الصناعة الكبرى بقي مشلولا طالما ظلت وسيلة الإنتاج المميزة لهذه الصناعة، أي الآلة، تدين بوجودها إلى القوة والمهارة الشخصية، نعني طالما بقيت تعتمد على قوة العضلات وحدّة البصر وبراعة اليد التي يدير بها العامل الجزئي داخل المانيفاکتورة، أو الحرفي خارجها، أداته القزمة. ولو صرفنا النظر عن غلاء الآلات المصنوعة على هذا النحو – وهو اعتبار يهيمن على رأس المال كحافز واع – فإن اتساع فروع الصناعة التي تستخدم الآلات، وتغلغل الآلات في فروع إنتاج جديدة، بقيا مرهونين تمامة بنمو ذلك الصنف من العمال الذي يمكن له، بسبب الطابع شبه الفني لمهنته، أن ينمو على نحو مندرج لا بقفزات. وعند بلوغ الصناعة الكبرى درجة معينة من التطور، تدخل في تضاد تقني مع مرتكزها الحرفي والمانيفاکتوري. فهي تواجه مهمة حل القضايا التقنية التي تنشأ بصورة طبيعية في مجرى التطور، مثل: ازدياد حجم المحركات الأساسية، وحجم آلية نقل الحركة وحجم آلات

التنفيذ، وازدياد تعقيد وتنوع أجزاء آلات التنفيذ ودقتها الفائقة؛ وذلك بمقدار ما تبتعد هذه الأخيرة عن نموذجها الحرفي الأصلي المقرر لبنائها وتكتسب شكلا طليقة لا تحده سوى مهمتها الآلية؛ واتساع تطور المنظومات الأوتوماتيكية، ثم حتمية استخدام مواد صعبة المعالجة، كالحديد بدل الخشب (18) – إن حل سائر هذه المهمات الناشئة بصورة طبيعية واجه عقبة كأداء تتمثل في نواقص القدرات الشخصية للعامل، التي ما كان بوسع طاقم العمل الجماعي الموحد في المانيفاکتورة أن يكسر قيودها إلا بصورة جزئية، دون أن يزيلها جوهرية. وما كان بوسع المانيفاکتورة قط أن تصنع مبتكرات مثل آلة الطباعة الحديثة والنول البخاري الحديث وآلة التمشيط الحديثة.

وإن تحول نمط الإنتاج، في ميدان من ميادين الصناعة، يحتم تحولا في ميادين أخرى. وينطبق ذلك بالدرجة الأولى على فروع الصناعة التي يفضي تقسيم العمل الاجتماعي إلى عزلها، ودفعها إلى إنتاج سلعة قائمة بذاتها، لكنها تؤلف مع ذلك طوراً من أطوار عملية إجمالية واحدة. على سبيل المثال فإن الغزل الآلي أوجب النسيج الآلي، وهذان بدورهما أذكيا ثورة ميكانيكية – كيميائية في قصر ونقش وصباغة الأقمشة. ومن جهة أخرى أدت الثورة في غزل القطن إلى اختراع المحلج (gin)، أي آلة فصل ألياف القطن عن البذور، مما أتاح إنتاج القطن على النطاق الواسع المطلوب حاليا (19). ولكن علاوة على ذلك فإن الثورة في نمط إنتاج الصناعة والزراعة هي بالذات ما حتم الثورة في الشروط العامة لعملية الإنتاج الاجتماعية، أي في وسائل الاتصال ووسائط النقل. فوسائل الاتصال والنقل في مجتمع محوره (Pivot)، حسب تعبير فورييه، الزراعة الصغيرة والصناعة التكميلية المنزلية وحرف المدن، كانت أصغر من أن تلبي حاجات الإنتاج في مرحلة المانيفاکتورة المتميزة بتقسيم متشعب للعمل الاجتماعي، وتركيز هائل لوسائل العمل والعمال، وأسواق المستعمرات، مما أدى في الواقع إلى تثويرها. وعلى الغرار نفسه تحولت وسائل النقل والاتصال، الموروثة من مرحلة المافياكتورة، إلى قيود قاسية تكبل الصناعة الكبرى المتميزة بوتيرة إنتاج محمومة ونطاق هائل، واندفاع دائم الكتل رأس المال والعمال من مجال إنتاج إلى آخر، وروابط جديدة بأسواق العالم. وبمعزل عن التحول الهائل في بناء السفن، تكيفت بالتدريج نظم الاتصال والنقل لنمط إنتاج الصناعة الكبرى بفضل نظام البواخر النهرية وسكك الحديد والبواخر عابرة المحيط وخطوط التلغراف. إلا أن الكتل الهائلة من الحديد التي بات يلزم صهرها، ولحامها، وقصها وثقبها وقولبتها، اقتضت بدورها آلات عملاقة لم يكن بوسع قطاع صناعة الآلات في العهد المانيفاکتوري أن يبنيها.

هكذا توجب على الصناعة الكبرى أن تتولى وسيلة الإنتاج المميزة لها، أي الآلة نفسها، وأن تنتج الآلات بواسطة الآلات. وما إن فعلت ذلك حتى أرست الأساس التكنیكي المناسب ووقفت على قدميها بالذات. ومع نمو الإنتاج الآلي في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، أخذت الآلات في واقع الأمر تتولى صنع آلات التنفيذ، بصورة تدريجية. أما خلال العقود الأخيرة فقد أدى مد سكك الحديد على نطاق هائل واتساع الملاحة البخارية عبر المحيطات إلى ابتداع تلك الآلات الضخمة التي تستخدم في صنع المحركات الأساسية.

كان أهم شرط إنتاجي لصنع الآلات بواسطة الآلات هو توافر المحرك الآلي القادر على مضاعفة عزم القوة إلى أي حد، والخضوع للسيطرة التامة. وكانت هذه الآلة موجودة أصلا بصورة المحرك البخاري. ولكن كان من الضروري أيضا أن يتم آلياً صنع بعض الأشكال الهندسية الدقيقة الأجزاء الآلات مثل: المستقيم، والمسطح، والدائري، والأسطواني، والمخروطي والكروي. وقد حل هنري مودسلي هذه القضية، في العقد الأول من القرن التاسع عشر باختراع الدعامة المنزلقة (slide- rest)، التي سرعان ما تحولت إلى جهاز أوتوماتيكي، وثقلت بشكلها المعدل هذا من المخرطة، والتي كانت مخصصة لها في البداية، إلى آلات أخرى لبناء الآلات. إن العتلة الميكانيكية لا تحل محل أداة خاصة، بل محل اليد البشرية بالذات التي ترسم شكلا معيناً بمسك وتمرير وتوجيه آلة القطع نحو أو فوق مادة العمل، كالحديد مثلا. وهكذا أصبح بالإمكان اضفاء أشكال هندسية على أجزاء الآلة، “بدرجة من السهولة والدقة والسرعة لا تباريها الخبرة المتراكمة في يد أمهر عامل”(20).

ولو عاينا الآن ذلك الجزء من الآلات المستخدمة في بناء الآلات، والذي يؤلف أداة التنفيذ الآلية بالمعنى الدقيق للكلمة، لظهرت لنا الأداة الحرفية مجدداً ولكن بأبعاد عملاقة. فمثلا، إن الجزء المنفذ من الآلة الثاقبة هو مثقاب ضخم يدفعه محرك بخاري، ولكن لولا هذا المثقاب لما أمكن إنتاج أسطوانات المحركات البخارية الضخمة والمكابس الهيدروليكية. وإن المخرطة الآلية هي نسخة عملاقة عن المخرطة العادية التي تُدار بالقدم؛ وآلة الكشط هي بمثابة نجار حديدي يعالج الحديد بأداة كالتي يعالج بها النجار الخشب؛ والأداة التي تقطع الخشب في ترسانات بناء السفن في لندن هي شفرة عملاقة؛ وأداة المقص الآلي الذي يقطع الحديد، كما يقطع مقص الخياط الجوخ، هي مقص هائل، والمطرقة البخارية تعمل برأس يشبه رأس المطرقة العادية ولكنه يبلغ من الثقل مبلغا لا يقدر على رفعه حتى الإله تور نفسه (21). وتزن واحدة من هذه المطارق البخارية، وهي من اختراع ناسميث، أكثر من 6 أطنان وتهوي عمودية من ارتفاع 7 أقدام على سندان زنته 36 طنا. وبوسع هذه الآلة أن تسحق بسهولة صخرة من الغرانيت، كما تستطيع، بالسهولة ذاتها أن تدق مسماراً في قطعة من الخشب اللين بعدة ضربات خفيفة (22).

تكتسب وسيلة العمل، باعتبارها آلة، نمط وجود مادي يشترط الاستعاضة عن القوة البشرية بقوى الطبيعة، وعن الأساليب الروتينية التجريبية بالاستخدام الواعي للعلوم الطبيعية. إن تجزئة وربط عملية العمل الاجتماعية في المانيفاکتورة أمر ذاتي محض، فهو تجميع عمال جزئيين، أما الصناعة الكبرى فإنها تكتسب في منظومة الآلات كياناً عضوياً للإنتاج ذا طابع موضوعي تماما، يواجه العامل كشرط مادي مسبق للإنتاج. وفي التعاون البسيط، بل حتى في التعاون المتخصص من جراء تقسيم العمل، تبدو إزاحة العامل الاجتماعي (**) للعامل المفرد أمراً تصادفياً بهذا القدر أو ذاك. أما الآلات فإنها لا تؤدي وظائفها، ما عدا بعض الاستثناءات التي سيرد ذكرها فيما بعد، إلا في يدي العمل الاجتماعي المشترك، أو العمل الجماعي، مباشرة. وبالتالي فإن الطابع التعاوني لعملية العمل يغدو هنا ضرورة تكنیكية تمليها طبيعة وسيلة العمل ذاتها.

________________

(1) كان من الأجدر بميل أن يقول: “أي كائن بشري لا يقتات على کدّ الآخرين”، (of any human being not fed by other people ‘ s labour)، ذلك لأنها زادت عدد الوجهاء المتبطرين زيادة كبرى.

(2) أنظر على سبيل المثال: هاتن، منهاج الرياضيات. (Hutton , Course of Mathematics
(3) “من وجهة النظر هذه يمكن أيضا رسم خط دقيق يفصل بين الأداة والآلة: فالمجرفة والمطرقة والإزميل، إلخ، وتراكيب العتلات واللوالب التي يعتبر الإنسان القوة المحركة لها مهما كانت درجة تعقيدها … تندرج جميعا تحت مفهوم الأداة؛ أما المحراث الذي يجره الحيوان، وطواحين الهواء وغيرها فينبغي إدراجها في عداد الآلات”. (فیلهلم شولتس، حركة الإنتاج، زیوریخ، 1843، ص 38). .(38 .Wilhelm Schultz, Die Bewegung der Produktion , Zurich , 1843 , S) إن هذا الكتاب جدير بالثناء من نواح عدة.
(4) جرى استخدام آلات الغزل قبله ايضا، وإن كانت أبعد ما تكون عن الكمال، ولعلها بدأت على الأرجح في إيطاليا. وإن أي تاريخ نقدي للتكنولوجيا يمكن أن يبين على العموم كيف أن أي اختراع، مهما يكن شأنه، من اختراعات القرن الثامن عشر، قلما يعود إلى هذا الفرد الواحد أو ذاك. ولكن لا وجود حتى الآن لمثل هذا الكتاب. ولقد عُني داروين بتاريخ التكنولوجيا الطبيعية، أي نشوء أعضاء النبات والحيوان التي تضطلع بدور أدوات إنتاج حياة هذه الكائنات. أوليس تاريخ تكون الأعضاء الإنتاجية للإنسان الاجتماعي، تاريخ الأساس المادي لكل تنظيم اجتماعي خاص، جدير باهتمام مماثل؟ أوليس من الأسهل كتابته طالما أن تاريخ البشرية، حسب تعبير نیکو، يتميز عن تاريخ الطبيعة باننا صنعنا الأول ولم نصنع الثاني؟ إن التكنولوجيا تكشف عن علاقة الإنسان النشطة بالطبيعة، والعملية المباشرة لإنتاج حياته، فتكشف بذلك عن عملية إنتاج العلاقات الاجتماعية في هذه الحياة وما ينبع عنها من تصورات روحية. وإن تناول أي تاريخ للدين، مجردة من هذا الأساس المادي، هو غير نقدي. وبالطبع فإن استخلاص النواة الأرضية من التصورات الدينية الضبابية عن طريق التحليل أسهل بكثير من أن نستخلص، على العكس، الأشكال المقدسة الموائمة من علاقات الحياة الفعلية. لكن هذا الأخير هو المنهج المادي الوحيد، وبالتالي المنهج العلمي الوحيد. وإن نواقص المادية المجردة للعلوم الطبيعية، التي تنفي العملية التاريخية، تتكشف في التصورات التجريدية والإيديولوجية لأصحابها ما إن يغامروا بالخروج من دائرة تخصصهم.
(5) في الشكل الأولي لنول النسيج الآلي على وجه الخصوص نتعرف من النظرة الأولى على نول النسج القديم. ولكن بعد أن طرأ على شكله الحديث تعديل جلي.
(6) ابتداء من عام 1850 تقريبا شرعت إنكلترا في إنتاج أعداد متزايدة من الأدوات لآلات تنفيذ العمل إنتاجاً آلياً، وإن جرى ذلك على يد منتجين آخرين غير صناعيي الآلات. ومن بين الآلات التي تصنع أدوات التنفيذ الآلية هناك المحرك الأوتوماتيكي لصنع البكرات (automatic bobbin – making engine)؛ ومحرك صنع أدوات التمشيط ( Card – setting engine)، وآلات صنع الأمشاط والمغازل الآلية (mule) و(throstle).
(*) آلة غزل من ابتكار المخترع جيس مارغريفز عام 1764- 1767، وقد أطلق على الآلة اسم ابنته: جيني. [ن. برلین].
(7) يقول موسى المصري: “لا تكم الثور في دراسه”(م). أما المحسنون المسيحيون الألمان فكانوا يعلقون على رقاب الأقنان الذين كانوا يستخدمونهم كقوة محركة عند طحن الحبوب، أطواقاً خشبية لمنع أيديهم من إيصال الطحين إلى الفم.
[(م) التوراة، سفر التثنية، الإصحاح الخامس والعشرون. ن. برلین].
(8) إن الافتقار إلى مساقط المياه في جانب، ودرء فيض المياه في جوانب أخرى، هو ما حمل الهولنديين على استخدام الرياح بمثابة قوة محركة. أخذ الهولنديون أصلا طاحونة الهواء عن المانيا التي أثار فيها هذا الاختراع صراعاً جدياً بين النبلاء والقساوسة والإمبراطور بصدد المسألة التالية: لمن “تعود” الرياح من هؤلاء الثلاثة، وقيل في المانيا إن الهواء يستعبد، في حين أن الهواء حرر هولندا. فهو لم يستعبد الهولنديين، بل استعبد لهم الأرض. ومنذ عام 1836 كان في هولندا قيد العمل 12 ألف طاحونة هواء تعادل قوتها ستة آلاف حصان بخاري، وقد منعت تحول ثلثي أراضي البلد إلى مستنقعات من جديد.

(9) حقا، لقد تحسن هذا كثيرة على يد واط في أول محرك بخاري له، أي المحرك الأحادي، لكنه بقي في هذا الشكل محض محرك بسيط لضخ المياه العذبة والمالحة.
(10) “إن جمع كل هذه الأدوات البسيطة، وتدويرها، بمحرك مشترك واحد، يؤلف الآلة”. (باباجBabbage ، المرجع نفسه، ص [136]).

(11) في كانون الأول/ ديسمبر 1859 ألقى جون تشالمرز مورتون في جمعية الفنون بحثا بعنوان “عن القوى المستخدمة في الزراعة”. ومما جاء فيه: “إن أي تحسين يزيد قيعان الأرض انتظاماً، يوسع إمكانية استخدام المحرك البخاري لتوليد قوة ميكانيكية صرفة… وتنشأ الحاجة إلى قوة الحصان حيثما توجد سياجات عوجاء وعقبات أخرى تمنع الفعل المنتظم. وتختفي هذه العوائق من يوم إلى آخر. أما العمليات التي تتطلب ممارسة الإرادة أكثر مما تتطلب ممارسة القوة الجسدية، فإن القوة الوحيدة الصالحة للاستخدام هي تلك التي تخضع في كل لحظة لعقل الإنسان – نعني القوة البشرية”. وبعد ذلك يرجع السيد مورتون قوة البخار وقوة الحصان والقوة البشرية إلى وحدة القياس المستخدمة في المحركات البخارية، أي القوة القادرة على رفع ما زنته 33,000 باون إلى ارتفاع قدم في الدقيقة، ويقدر كلفة قوة الحصان البخاري الواحد: 3 بنسات في الساعة عند استخدام المحرك البخاري و1/2, 5 بنسات في الساعة عند استخدام الحصان. زد على ذلك، أن الحفاظ على صحة الحصان تفرض أن لا يعمل أكثر من 8 ساعات في اليوم. وباستخدام قوة البخار لفلاحة الأرض يمكن الاستغناء عن 3 أحصنة على الأقل من بين كل 7 أحصنة، وذلك بكلفة سنوية لا تزيد عن كلفة هذه الأحصنة المستغني عنها خلال ال 3 أو 4 أشهر التي تستخدم فيها فعلياً. وأخيراً، ففي تلك العمليات الزراعية التي تتيح استخدام قوة البخار، يؤدي هذا الأخير إلى تحسين نوعية المنتوج بالقياس إلى قوة الحصان. وإن تنفيذ عمل الآلة البخارية، يتطلب استخدام 66 عاملاً بكلفة إجمالية تبلغ 15 شلنا في الساعة، بينما يتطلب تنفيذ عمل الحصان استخدام 32 عاملا بكلفة إجمالية قدرها 8 شلنات في الساعة.
(12) فاولهابر، 1625 [التحسينات الآلية] .(,1625Faulhaber Mechanische Verbesserung) ؛ دي کو، سالومون، De Cous , Salomon ، 1688 [انظر كتاب: هيرو الاسكندري – كتاب الهواء والماء والفنون، فرانکفورت، 1688. ن. برلین].
(13) إن اختراع التوربينات الحديثة حرر الاستثمار الصناعي لطاقة المياه من قيود سابقة كثيرة.

(14) في الأيام الأولى لظهور مانیفاكتورات النسيج كان موقع المعمل مرهوناً بوجود مساقط مياه كافية لتدوير الدولاب المائي؛ ورغم أن ظهور المعامل المائية كان بداية تفكك الصناعة المنزلية، إلا أن هذه المعامل… المقامة بالضرورة على ضفاف الأنهار بمساحات تبعدها عن بعضها بعضا في الغالب، كانت جزء من نظام ريفي أكثر منه حضري؛ وبحلول طاقة البخار محل الطاقة المائية أخذت المعامل تتركز في المدن وفي أماكن وفرة الماء والفحم الضروريين لتوليد البخار. إن المحرك البخاري هو أبو المدن الصناعية. (آ. ريدغريف، في تقارير مفتشي المصانع، نيسان – أبريل، 1860، ص 36).
(A. Redgrave, in Reports of the Insp. of Fact, for 30th April, 1860, p. 36).
(15) من وجهة نظر تقسيم العمل في المانيفاکتورة لم تكن الحياكة عملا يدوياً بسيطاً، بل معقداً، ولذلك فإن النول الآلي هو آلة تنفذ عمليات متعددة تماما. وإنه لمن الخطأ عموما تصور أن الآلات الحديثة استحوذت في البداية على تلك العمليات التي بسطها تقسيم العمل في المانيفاکتورة. وجرى في مرحلة المانيفاکتورة فصل الغزل عن الحياكة كفرعين جديدين، وجرى تحوير وتطوير أدوات كل فرع، إلا أن عملية العمل نفسها، لم تتجزّأ، وبقيت حِرفية، إن نقطة انطلاق الآلة ليس العمل، بل وسيلة العمل.
(16) قبل عصر الصناعة الكبرى كانت مانیفاكتورة الصوف هي السائدة في إنكلترا. ولذلك شهدت إجراء القسم الأعظم من التجارب في النصف الأول من القرن الثامن عشر. وإن الخبرة المكتسبة في مجال الصوف نفعت القطن الذي تتطلب معالجته آلية عملية تحضيرية أقل صعوبة؛ وبالمقابل تطورت صناعة الصوف الآلية لاحقاً اعتمادا على صناعة غزل ونسج القطن بصورة آلية. لكن نظام المصانع لم يشمل بعض عناصر مانیفاكتورة الصوف، مثل تمشيط الصوف، إلا في العقود الأخيرة. “إن استخدام القوة الآلية لتمشيط الصوف… الذي انتشر على نطاق واسع منذ ادخال آلة لتمشيطه، ولا سيما ماكنة ليستر … قد أسفر من دون شك عن حرمان عدد كبير من الناس من العمل. ففي السابق كان تمشيط الصوف يجري باليد، وعلى الأغلب في بيت الممشط. أما الآن فإن التمشيط يجري عادة في المصنع، وبذا أزيح العمل اليدوي باستثناء بعض أنواع العمل الخاصة التي لا تزال الأفضلية فيها للصوف الممشط يدوياً. وإن الكثير من الممشطين اليدويين للصوف قد وجدوا عملا لهم في المصانع، ولكن منتوج الممشط اليدوي ضئيل بالمقارنة مع منتوج الآلة بحيث أن عددا كبيرة جدا من الممشطين بقي بلا عمل”. (تقارير مفتشي المصانع، 31 تشرين الأول/ أكتوبر، 1856، ص 16).

(17) “إن مبدأ نظام المصانع يقوم إذن في الاستعاضة عن… تقسيم أو تجزئة العمل بين الحرفيين بتجزئة العملية أو تدرجها حسب عناصر تكوينها الأساسية”. (أور، فلسفة المانيفاکتورات، ص 20).
(Ure, Philosophy of Manufactures, p. 20).
(18) كان النول الآلي معمولا من الخشب أساسا، أما النول المحسن، الحديث، فمعمول من الحديد. أما إلى أية درجة يؤثر الشكل القديم لوسيلة الإنتاج بادئ الأمر، فذلك ما يتضح من شكلها الجديد بادئ الأمر عند المقارنة السطحية بين النول البخاري الحديث والنول القديم، ومقارنة المنفاخ الحديث في مصاهر مصانع الحديد مع أول نسخة آلية خرقاء عن المنفاخ العادي؛ ولعل المقارنة الأشد سطوعاً هي مثال القاطرة، فقبل اختراع القطار الحديث، جرت محاولة لصنع قاطرة بقدمين ترفعهما بالتعاقب على غرار الحصان. ولكن بعد التطور اللاحق لعلم الميكانيك وتراكم الخبرة العملية أخذ شكل الآلة يتحدد بصورة كلية بمبادئ الميكانيك ويتحرر بذلك تماما من الشكل القديم لتلك الأداة التي انبثقت عنها الآلة.
(19) التعديلات التي أدخلت على آلة حلج القطن (gin) التي اخترعها الأميركي الشمالي إيلي ويتني بقيت حتى الآونة الأخيرة أقل شأنا بكثير من أية آلة أخرى من مخترعات القرن الثامن عشر. وفي العقود الأخيرة (قبل عام 1867) تمكن أميركي آخر، هو السيد إيمري من الباني بولاية نيويورك، من إجراء تحسين بسيط وفعال بدرجة واحدة أدى إلى جعل آلة ويتني بالية.
(20) صناعة الأمم، لندن، 1855، الجزء الثاني، ص 239. ,The Industry of Nations

, London) (239 .part II , p ,1855 وورد هنا أيضا: “مهما بدا هذا الملحق المضاف إلى المخرطة بسيطاً وقليل الأهمية للوهلة الأولى فليس من المبالغة، كما نعتقد، القول إن تأثيره على تحسين وانتشار الآلات كان عظيماً أيضا كتأثير التحسينات التي أدخلها واط على المحرك البخاري. ولقد أسفر إدخاله فوراً عن تطوير ورخص سائر الآلات وأعطى دفعة لاختراعات وتحسينات جديدة”.
(21) هناك آلة لطرق محاور عجلات التدوير (paddle- wheel shafts) في لندن تدعى “تور”، وهي تطرق محورة زنته 16 طن بالسهولة التي يطرق بها الحداد حدوة حصان.
(22) إن آلات معالجة الخشب، التي يمكن استخدامها على نطاق صغير أيضا، هي من اختراع الأميركيين في الغالب.
(**) العامل الاجتماعي، هو العامل المتحد أو العامل الجماعي أو العامل الكلي الذي يظهر في المانيفاکتورة من خلال جمع عمال جزئيين. [ن. ع].