لماذا تراجع الاهتمام بمحطة 08 مايو 1983 النضالية، في أفق التغيير المنشود؟.....2


محمد الحنفي
الحوار المتمدن - العدد: 6568 - 2020 / 5 / 19 - 20:47
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

إلــــــــى:

ــ الأوفياء المنجزين لمحطة 08 مايو 1983، الذين منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، مستمرا على نفس نهج حركة 08 مايو 1983.

من أجل العمل على استحضار روح 08 مايو 1983 في الممارسة الحزبية المرحلية / الإستراتيجية.
من أجل اعتبار الاشتراكية العلمية، كوسيلة، وكهدف، حصنا منيعا لكل مناضلي حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي.

من أجل السعي الحثيث، في الممارسة التنظيمية، والجماهيرية، في أفق تحقيق الأهداف المرحلية / الإستراتيجية، المتمثلة في: التحرير ـ الديمقراطية ـ الاشتراكية.

محمد الحنفي

فمحاربة الحرية، لا يعني إلا تكريس العبودية، بمضامينها المختلفة، من منطلق اعتقاد مؤدلجي الدين الإسلامي/ أنهم أوصياء على الدين الإسلامي؛ لأن أدلجتهم للدين الإسلامي، التي ليست إلا تحريفا له، من أجل الوصول إلى السلطة، إما لفرض تأبيد الاستبداد القائم، أو من أجل فرض استبداد بديل.

ومحاربة الديمقراطية، باعتبارها (بدعة) غربية، تدخل في إطار ما يسميه الظلاميون، على اختلاف أنواعهم، ب (البدع)، انطلاقا مما يردد في مختلف مساجد المسلمين يوم الجمعة بالخصوص: (وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)؛ لأن كلمة بدعة، الذي يعني كل ما خالف ماجاء في القرءان، مما لم يتم نسخه، حتى وإن كان في بنية النص القرءاني، نجد أن الظلاميين، بتلويناتهم المختلفة، يدخلون فيه مجموعة من المفاهيم السياسية، والحقوقية، التي صارت واضحة، بعد ذلك، كما هو الشأن بالنسبة لمفهوم الديمقراطية، ومفهوم حقوق الإنسان، من منطلق: أن الديمقراطية تقتضي تمكين جميع أفراد المجتمع، من المساهمة الفعالة، في التقرير، والتنفيذ، على جميع المستويات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، لأن ذلك التمكين، يجعل الإنسان يشعر بمكانته، في عملية تشكيل الواقع، الذي يصير خاليا، بفعل ذلك، من الأمراض: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

وممارسة الديمقراطية، بمضامينها المختلفة، يمكن من تحقيق العداء الوارد في القرءان، بل يتناقض مع كل ممارسة تسعى إلى فرض الاستعباد، والاستبداد، والاستغلال، وما دام الأمر كذلك، فالديمقراطية، بمفهومها المذكور، مطلب اجتماعي / سياسي لكل البشعوب المقهورة. وما يذهب إليه الظلاميون، من كونها (بدعة) ناجم عن كونها تنير الطريق أمام الجماهير الشعبية الكادحة، حتى تستطيع معرفة ما يجب لها، وما يجب عليها، في الممارسة الديمقراطية الهادفة إلى وضع حد للاستعباد، والاستبداد، والاستغلال، بمظاهره الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

ومحاربة حقوق الإنسان، وحقوق العمال، التي يعتبرها الظلاميون، كذلك، (بدعة غربية)، يجب التصدي لها، حتى لا يتوسع العمل من أجل تحقيقها على أرض الواقع، وحتى لا تتحقق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، التي تتحول إلى اهتمام يومي، أو مطلب شخصي؛ لأن حقوق الإنسان، وحقوق العمال، ساهمت في بلورتها كل الأمم، والشعوب، من أجل وحدتها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والمدنية، والشغلية.
ولذلك، فحقوق الإنسان، وحقوق العمال، ليست غربية، بقدر ما هي إفريقية / أسيوية / أوروبية / أمريكية شمالية / جنوبية / أسترالية؛ لأن كل الأمم التي تعيش في القارات المذكورة، ساهمت، من خلال المنتظمات الدولية المختصة بحقوق الإنسان، وحقوق العمال، بعيدا عن المعتقدات، وعن اللغات، وعن الأعراق، وعن الألوان خاصة؛ لأن الإنسان: رجلا كان، أو امرأة، يستحق أن يتمتع بكل حقوقه الإنسانية، ولأن العاملين، والعاملات، في مختلف المجالات، يستحقن، ويستحقون التمتع بكل الحقوق الإنسانية، والشغلية. وهو ما يترتب عنه: أن الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وحقوق العمال، ليست غربية، وليست شرقية، وليست شمالية، وليست جنوبية. إنها لكل الأمم، التي ساهمت، عبر ممثليها، في المنتظمات الدولية، في بلورة مبادئ تلك الحقوق، بما في ذلك الدول الإسلامية، أو الدول التي يعتبر غالبية سكانها من المسيحيين، أومن الذين يومنون بالبوذية، أو الزرادشتية، وغيرها من المعتقدات المعتمدة في هذا العالم، والتي لا يوجد من المومنين بها، من يعتبر صكوك حقوق الإنسان، وحقوق العمال،، بدعة غربية، باستثناء مؤدلجي الدين الإسلامي، الموسومين بالظلاميين، لدورهم في الحقل الذي يفسح المجال أمام تسييد الإنسانية.

فلماذا يعتبر الظلاميون، بأنواعهم المختلفة، صكوك حقوق الإنسان، وحقوق العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، بدعة غربية؟

إن ثنائية الشرق، والغرب، لا يمكن أن تعكس إلا ثنائية التخلف / التقدم، كما تعكس ثنائية الإيمان / الكفر، وتعكس كذلك ثنائية المعتقد أو المذهب الواحد / تعدد المعتقدات أو المذاهب. وهي ثنائية تنفي طرفها الآخر، وتبين إلى أي حد يتمسك الظلاميون بالشرق، وبالإيمان، وبالاعتقاد الواحد، أو بالمذهب الواحد، كبؤرة كبرى للتخلف، الذي ينتج لهم الأتباع، والمجيشين المستعدين لتنفيذ أوامرهم، التي توصلهم إلى الحكم، والسيطرة على المجتمع، الذي يصير محكوما بعقلية العصور الوسطى، التي تحول دون تقدم أي بلد، ودون نهضة اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وسياسية، من أجل أن تدوم سيطرتهم على القطيع، الذي يمكنهم من رقاب الشعب، أي شعب، بما في ذلك الشعب المغربي.

ولذلك، فإن من مهام حزب الطبقة العاملة، أو حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، خوض صراع أيديولوجي، وسياسي مرير، ضد الظلاميين، بكل فئاتهم، وتوجهاتهم، وأحزابهم، وتقرير عدم فتح أي حوار معهم، وأن يفرز من بين مناضليه متخصصين في تفكيك الخطاب الظلامي، الذي ينتجه الظلاميون، الذين لا يكتفون بالسيطرة على القطيع، لتمتد سيطرتهم على الجامعات، بواسطة ذلك القطيع، من أجل الكشف عن التخلف الفكري، الذي يقود إلى إنتاج التخلف الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، حتى يتمكن حزب الطبقة العاملة، أو حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، عن طريق متخصصيه، في تقييد خطاب الظلاميين، على مستوى الأسس، وعلى مستوى المنطلقات، وعى مستوى المضامين التافهة لهذا الخطاب، وعلى مستوى النتائج، التي يريدون الوصول إليها، وتوظيف عملية التفكيك المعرفية / العلمية، في عملية المواجهة، وفي اختراق المعنيين، من أجل تفكيكهم، وجعلهم يبحثون عن الخلاص، من سيطرة الظلاميين على فكرهم، وعلى ممارستهم، في أفق توعيتهم، بخطورة تبعيتهم للظلاميين على مستقبلهم، وعلى مستقبل الشعب الذي ينتمون إليه، ثم إن الانتقال بهم إلى مستوى الوعي بالذات، وبالواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، وبموقعهم من علاقات الإنتاج، سعيا إلى جعلهم ينخرطون في الصراع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، ضد الظلاميين، وضد الطبقة الحاكمة، وسعيا إلى تحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، عن طريق انخراط القطاعات الإنتاجية، والخدماتية، في النقابة المناضلة، التي تقود الصراع بصدق، من أجل تمكين العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، من إدراك أهمية التطور، بدل الانحسار في خانة التخلف، وأهمية تعدد المعتقدات، التي لا علاقة لها بالأيديولوجية، وبالسياسة، بدل قيام الدين الواحد المؤدلج، أو المذهب الواحد المؤدلج، بالسيطرة على الواقع، في تجلياته المختلفة، وفي كل مجالاته، وأهمية النضال النقابي المستقل، والمناضل، بدل الانحسار في النقابات الحزبية، وأهمية الانخراط في حزب الطبقة العاملة، من أجل الانخراط في عملية التغيير الشامل للأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، حتى تصير جميعها، في خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وفي خدمة مصالح الشعب.

فماذا تغير حتى تم هذا التراجع؟

إن مشاركة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي في الانتخابات، يقتضي اعتبار المشاركة وسيلة، لإثبات أن المخزن الذي يتحكم في كل شيء، وأن الطبقة الحاكمة، لا يسعيان، أبدا، إلى احترام الخيار الديمقراطي، الذي ناضل من أجله حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، باعتباره حزبا للطبقة العاملة، وأن الديمقراطية المعتمدة في الانتخابات، هي ديمقراطية الواجهة، التي لا تتجاوز أن تكون محصورة في المحطات الانتخابية، وبعدما ينتهي أمر ديمقراطية الواجهة.

وإذا كانت الطبقة الحاكمة، ومعها الأحزاب التي كونتها الإدارة، وحزب الدولة، الذي تم تكوينه بقرار من الدولة، بالإضافة إلى الأحزاب الرجعية التقليدية، وأحزاب (اليسار) المتمخزن، أصبحت تراهن على ديمقراطية الواجهة، التي تكون نتائجها معروفة مسبقا، تحولت إلى أحزاب ممخزنة، لتصير جزءا لا يتجزأ من المخزن، كما أثبتت الشروط القائمة ذلك.

والفرق بين حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، الذي يعتبر المشاركة في الانتخابات مجرد تكتيك، يسعى إلى فرض حريتها، ونزاهتها، عن طريق جعلها انتخابات غير فاسدة، وغير مؤسسة على تسييد الفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، احتراما لكرامة الناخبين، ولإرادة الشعب المغربي، والانضباط لنتائجها، مهما كانت، وكيفما كانت.

أما أحزاب (اليسار) المتمخزن، فتعتبر الانتخابات استراتيجية، تهدف إلى تمكين المنتمين إلى تلك الأحزاب، من الوصول إلى المؤسسة المنتخبة، من أجل استغلال التواجد فيها، لتحقيق التطلعات الطبقية، لقيادات، ومرشحي (اليسار) المتمخزن، في حالة وصولهم إلى التحكم في المؤسسات المنتخبة، بالإضافة إلى التمتع بامتيازات أخرى.

وبناء على مار أينا، فمشاركة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، التي تتم في إطار تحالف اليسار الديمقراطي، ثم في إطار فيدرالية اليسار الديمقراطي، لا يمكن أن تكون إلا نضالية، تهدف إلى ممارسة الفضح من الداخل، كما يفعل، تماما، كل حزب من الأحزاب المكونة لفيدرالية اليسار الديمقراطي، وما يقوم به برلمانيا فيدرالية اليسار الديمقراطي، في الدورات البرلمانية العادية، لمجلس النواب المغربي، خير دليل على ذلك. وما تقوم به الفيدرالية من فضح للممارسات المتبنية للفساد، أثناء الحملات الانتخابية، على مستوى التراب الوطني، خير دليل على ذلك.

وانطلاقا من هذا المعطى، نجد أن روح 08 مايو 1983، حاضرة، وستبقى حاضرة، شئنا، أم أبينا، في الممارسة الحزبية اليومية، على جميع المستويات، وفي كل الأبعاد.

وما دام حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، يشد بالنواجذ، على أيديولوجية الطبقة العاملة، القائمة على أساس الاقتناع بالاشتراكية العلمية كوسيلة، وكهدف، وما دام الحرص على تحقيق الأهداف المرحلية / الإستراتيجية: (تحرير ـ ديمقراطية ـ اشتراكية)، كما سطرها الشهيد عمر بنجلون. وهو أمر يقتضي استحضار أهمية 08 مايو 1983، كمحطة للحسم مع اليمين الانتهازي، بقيادة المكتب السياسي في ذلك الوقت، الذي قاد عملية الانشقاق من الأعلى. وهو ما يجعل إحياء ذكرى 08 مايو 1983، وسيلة للتمسك بالأمهات، التي تغذي المناضلين الحزبيين، ومناضلي اليسار المناضل، بالقوة الأيديولوجية، والفكرية، والمنهجية، وهي ترفع شأن أي مناضل يساري / حزبي، في علاقته بالجماهير الشعبية، وإحياء محطة 08 مايو 1983، يفترض في كل أطراف اليسار، المساهمة في إحيائها، من أجل استعادة الأسس، والقيم، التي قادت إلى إنجاز هذه المحطة، وبصدق نضالي متميز، من أجل الفصل، بين من يختار الشعب، ومن ينحاز إلى المخزن، المتسلط على رقاب الشعب المغربي.

والذين أنجزوا المحطة النضالية الرائدة، في 08 مايو 1983، منهم من قضى نحبه، ومنهم من لا زال ينتظر. ولكن الحزب يستمر، والنضال يستمر، والعمل من أجل تحقيق الأهداف، يجب أن يستمر، ونحن لا يمكن إلا أن نشيد بمحطة 08 مايو 1983، التي قادها الرفاق: الفقيد أحمد بنجلون، وعبد الرحمان بنعمرو، وامبارك الطيب الساسي، ومحمد بوكرين، وامبارك المتوكل، والفقيد عرش بوبكر، واليزيد البركة، من أجل تصحيح مسار الحركة الاتحادية الأصيلة، والحسم نهائيا مع اليمين الانتهازي / الانتخابي / المتمخزن، وإلى ما لا نهاية، والذي أصبح بعض قيادييه ينتقدون انتهازية القائد اليميني فيه.