رأس المال: الفصل الثاني عشر (48) تقسيم العمل والمانيفاكتورة


كارل ماركس
الحوار المتمدن - العدد: 6558 - 2020 / 5 / 8 - 11:26
المحور: الارشيف الماركسي
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     



تقسيم العمل والمانيفاكتورة
رابعاً – تقسيم العمل في المانيفاکتورة وتقسيم العمل في المجتمع
تناولنا في البداية منشأ المانيفاکتورة، ثم عناصرها البسيطة – العامل الجزئي وأداته – وأخيراً، آليتها الكلية. دعونا الآن نبحث بإيجاز العلاقة بين التقسيم المانيفاکتوري للعمل، والتقسيم الاجتماعي للعمل الذي يشكل الأساس العام لكل إنتاج سلعي.

إذا أخذ المرء العمل وحده بعين الاعتبار، لأمكن له أن يسمي تقسيم الإنتاج الاجتماعي إلى أجناسه الكبرى، كالزراعة والصناعة، إلخ، بالتقسيم العام للعمل، وانقسام مجالات الإنتاج هذه إلى أنواع وفروع بالتقسيم الخاص للعمل، وتقسيم العمل في الورشة بالتقسيم الفردي للعمل (1).
إن تقسيم العمل في المجتمع وما يقابله من حصر الفرد بمجال مهني معين، ينطلق شأنه شأن تقسيم العمل في المانيفاکتورة، من نقطتين متضادتين في التطور. ففي نطاق العائلة (2) – ومع التطور اللاحق في حدود القبيلة أيضا – ينشأ تقسيم طبيعي للعمل من جراء الفوارق في الجنس والعمر، أي على قاعدة فيزيولوجية صرفة، ثم يجد مادة تشعبه في اتساع الجماعة المشاعية، وازدياد عدد السكان، وبخاصة اندلاع النزاعات بين القبائل المختلفة وخضوع قبيلة لأخرى. من جهة أخرى، كما أشرت من قبل (*)، ينشأ تبادل المنتوجات في نقاط الاحتكاك بين العوائل والقبائل والجماعات المشاعية المختلفة، ففي بداية الحضارة البشرية لم يكن الأفراد، بل العوائل والقبائل، هم الذين يواجهون بعضهم بعضا على قدم المساواة. وتجد الجماعات المشاعية المختلفة وسائل إنتاج مختلفة ووسائل عيش مختلفة في بيئتها الطبيعية. من هنا اختلاف نمط إنتاجها، ونمط حياتها ومنتوجاتها. وإن هذه الفوارق الفطرية الناشئة هي التي تؤدي، عند احتكاك الجماعات المشاعية، إلى تبادل المنتوجات وتحويلها التدريجي اللاحق إلى سلع. والتبادل لا يخلق فوارق بين مجالات الإنتاج، بل يقيم الصلة بين المجالات المختلفة، ويحولها بذلك إلى فروع في الإنتاج الاجتماعي الكلي، تعتمد على بعضها بعضا بهذه الدرجة أو تلك. هاهنا ينشأ التقسيم الاجتماعي للعمل بفعل التبادل بين مجالات إنتاج مختلفة عن بعضها في الأصل ومستقلة أيضا عن بعضها. وهناك، حيث يشكل التقسيم الفيزيولوجي للعمل نقطة الانطلاق، فإن الأعضاء الخاصة، الملتحمة في كل متراص ومباشر، تنفك ثم تنفصل – وتبادل السلع مع الجماعات المشاعية الغريبة يقدم الدافع الرئيسي لهذا التفكك – وتستقل عن بعضها إلى درجة لا تبقى معها صلة بين الأعمال المتفرقة سوى تبادل المنتوجات كسلع. فما كان مستقلا من قبل يفقد هذا الاستقلال أولا، وما كان تابعاً من قبل، يكتسب استقلاله ثانية.

إن انفصال المدينة عن الريف هو الأساس لأي تقسيم متطور للعمل يقوم على تبادل السلع (3). ويمكن القول إن مجمل التاريخ الاقتصادي للمجتمع يتلخص في حركة هذا التضاد، غير أننا لن نتوقف عنده الآن.

ومثلما أن استخدام عدد معين من العمال في وقت واحد هو الشرط المادي المسبق لتقسيم العمل في المانيفاکتورة، فإن حجم وكثافة السكان هو شرط مسبق لتقسيم العمل في المجتمع، فالكثافة السكانية تلعب الدور نفسه الذي يلعبه التحشيد في ورشة واحدة (4). ولكن كثافة السكان شيء نسبي. فبلد قليل السكان نسبياً بوسائل مواصلات متطورة، يمتلك كثافة سكان أكبر من بلد أكبر سكانياً ولكن بوسائل مواصلات متدنية؛ وبهذا المعنى فإن كثافة السكان في الولايات الشمالية للاتحاد الأميركي هي أعلى مما هي في الهند مثلا (5).
وبما أن إنتاج السلع وتداولها يشكلان المقدمة العامة لنمط الإنتاج الرأسمالي، فإن تقسيم العمل المانيفاکتوري يقتضي أن يكون تقسيم العمل في المجتمع قد بلغ درجة معينة من النضج. وعلى العكس، فإن تقسيم العمل في المانيفاکتورة يؤثر بالمقابل على تقسيم العمل في المجتمع فيطوره ويضاعفه. وبتنوع أدوات العمل تتنوع على نحو متزايد المهن التي تصنع هذه الأدوات (6). وعندما تستولي المانيفاکتورة على فرع مهني، مرتبط في حينه بمهن أخرى كفرع رئيسي أم ثانوي يشغله منتج واحد، فإن هذه المهن تنفصل وتستقل عن بعضها في الحال. أما إذا استولت المانيفاکتورة على مرحلة من مراحل إنتاج سلعة ما فإن مراحل الإنتاج المختلفة هذه تنقلب إلى حرف مستقلة. ولقد أشرنا سابقا إلى أنه حيثما يكون المصنوع النهائي محض تجميع ميكانيكي لمنتوجات جزئية، يمكن للأعمال الجزئية بدورها أن تنفصل لتصبح حرفة يدوية مستقلة. ولكي يبلغ تقسيم العمل في المانيفاکتورة درجة أكثر كمالا فإن الفرع الإنتاجي عينه – ينقسم إلى مانیفاكتورات عديدة، بل حتى جديدة أحيانا تبعا لاختلاف المواد الأولية والأشكال المتباينة التي قد تتخذها مادة أولية واحدة بالذات.. وعلى سبيل المثال كانت فرنسا وحدها تنتج في النصف الأول من القرن الثامن عشر أكثر من 100 نوع من المنسوجات الحريرية، وكان ثمة قانون في أفينيون ينص أن: «على كل متدرب أن يكرس نفسه دوماً لتعلم نوع واحد من الصنعة وأن لا يتعلم في وقت واحد أساليب صنع عدة أصناف». إن التقسيم الاقليمي للعمل الذي يقصر فروعاً معينة من الإنتاج في أقاليم معينة من البلد، يتلقى تحفيزاً جديداً من نظام المانيفاکتورات الذي يستغل كل المزايا الخاصة (7). وإن اتساع السوق العالمية والنظام الاستعماري، اللذين يدخلان في دائرة الشروط العامة لوجود المرحلة المانيفاکتورية، يقدمان مادة غنية لتقسيم العمل في المجتمع، في هذه المرحلة. وليس هذا بالمكان المناسب لأن ندرس على أي نحو يستولي تقسيم العمل، ليس فقط على المجال الاقتصادي، بل على سائر المجالات الأخرى في المجتمع ويرسي الأساس في كل مكان لنظام اختصاص أحادي، وتخصص ضيق، يحطم الإنسان إلى شظايا، مما دفع فيرغسون، أستاذ آدم سميث إلى أن يهتف: “نحن أمة عبيد لا مواطنين أحراراً!” (8).

ولكن رغم كثرة التشابهات والترابطات بين تقسيم العمل في صلب المجتمع وتقسيم العمل في صلب الورشة فإنهما مختلفان لا بالدرجة فحسب، بل وفي الجوهر أيضا. وتُظهر التشابهات بلا مراء وجود صلة باطنية تربط بين مختلف فروع الأعمال. فمربي المواشي مثلا ينتج الجلود، والدباغ يحولها إلى جلود مدبوغة، والإسكافي يحول الجلود المدبوغة إلى أحذية. ولا يصنع أحدهم غير منتوج مرحلي، أما الشكل النهائي المكتمل فهو منتوج مشترك لهذه الأعمال المنفردة. علاوة على ذلك، هناك فروع أعمال أخرى تقدم لمربي المواشي وللدباغ وللإسكافي وسائل إنتاجه. ويمكن للمرء أن يتخيل، على غرار آ. سميث، أن هذا الفرق الذي يميز هذا التقسيم الاجتماعي للعمل عن التقسيم المانيفاکتوري يمثل اختلافاً ذاتياً، في نظر المراقب الذي يمكن أن يرى في المانيفاکتورة كل الأعمال الجزئية مترابطة في المكان، في حين أن تبعثر فروع الأعمال على مساحة واسعة وضخامة أعداد المشتغلين في كل فرع تحجب هذه الروابط في المجتمع (9). ولكن ما الذي يعقد الصلة بين الأعمال المستقلة لمربي المواشي والدبّاغ والإسكافي؟ إنه وجود منتوجاتهم الخاصة كسلع. بالمقابل، ما الذي يميز تقسيم العمل في المانيفاکتورة؟

ما يميزه أن العامل الجزئي لا ينتج أي سلعة (10)، وأن المنتوج الجماعي لسائر العمال الجزئيين هو الذي يصير سلعة (11). وإن تقسيم العمل في صلب المجتمع يجري بتوسط شراء وبيع منتوجات مختلف فروع الأعمال؛ أما ترابط شتى الأعمال الجزئية داخل المانيفاکتورة فينجم عن بيع قوى عمل مختلفة لرأسمالي واحد يستخدمها كقوة عمل موحدة. فتقسيم العمل في المانيفاکتورة يفترض تركيز وسائل الإنتاج في يدي رأسمالي واحد، أما تقسيم العمل في المجتمع فيفترض تبعثر وسائل الإنتاج بين كثرة من منتجي السلع المستقلين. وفي المانيفاکتورة ثمة قانون حديدي يقرر العدد النسبي، أو التناسب، لخضوع شتّى كتل العمال لشتى الوظائف؛ أما في المجتمع فإن اللعب الحر للمصادفة والنزوة الاعتباطية يفعل فعله في توزيع منتجي السلع ووسائل إنتاجهم على مختلف فروع العمل الاجتماعي. صحيح أن ميادين الإنتاج المختلفة تنزع باستمرار إلى التوازن، وذلك، من جهة، لأن على كل منتج سلع أن ينتج قيمة استعمالية، أي أن يلبي حاجة اجتماعية معينة، – لكن مدى هذه الحاجات متباين كمياً، وهي تترابط باطنياً في نظام عفوي – ومن جهة أخرى فإن قانون قيمة السلع يقرر مقدار ما يمكن للمجتمع أن ينفقه من وقت العمل المتاح لإنتاج كل صنف معين من السلع. بيد أن هذا الميل الدائم في شتى ميادين الإنتاج نحو التوازن لا يأتي إلا كرد فعل على التقويض الدائم لهذا التوازن. إن تقسيم العمل في الورشة يرتكز على قاعدة منهجية قبلية (a priori)، أما تقسيم العمل داخل المجتمع فيرتكز على قاعدة بَعْدية (a posteriori)، تبرز كضرورة طبيعية، باطنية، عمياء، لتتجاوز النزوة الاعتباطية المنفلتة لمنتجي السلع، وتظهر حسية في التقلبات البارومترية لأسعار السوق. إن تقسيم العمل في المانيفاکتورة يفترض سلطة الرأسمالي المطلقة على البشر الذين يشكلون مجرد أعضاء في الآلية الكلية العائدة له؛ أما التقسيم الاجتماعي للعمل فيضع منتجي السلع المستقلين في مواجهة بعضهم بعضا، حيث لا يعترفون بأية سلطة عدا سلطة المنافسة، عدا القسر الناشئ عن ضغط مصالحهم المتبادلة – مثلما أن حرب الجميع ضد الجميع (bellum omnium contra omnes)(**) في مملكة الحيوان، تؤمن شروط وجود سائر الأجناس، بهذا القدر أو ذاك. وإن الوعي البورجوازي الذي يحتفي بتقسيم العمل المانيفاکتوري، وتثبيت العامل مدى الحياة بعملية واحدة، وخضوع العامل الجزئي خضوعاً مطلقاً لرأس المال، باعتباره تنظيما يزيد القدرة الإنتاجية للعمل، – إن هذا الوعي البورجوازي نفسه يشجب بالحدة نفسها أي رقابة اجتماعية واعية وأي ضبط لعملية الإنتاج الاجتماعية باعتباره اعتداء على حقوق الملكية المقدسة وحرية الرأسمالي الفرد وعبقريته الفذّة. ومما له دلالته الكبيرة أن المدافعين المتحمسين عن نظام المصانع لا يجدون استنكارا على التنظيم العام للعمل الاجتماعي أشد من القول إن هذا التنظيم قد يحول المجتمع بأسره إلى مصنع.

إذا كانت فوضى تقسيم العمل في المجتمع واستبداد تقسيم العمل في المانيفاکتورة يشترطان بعضهما بعضا في مجتمع نمط الإنتاج الرأسمالي، فإن الأشكال المبكرة من المجتمع، التي يتطور فيها انفصال المهن عفوياً، ويتبلور ثم يترسخ بموجب القانون آخر المطاف، تقدم من جهة أولى صورة عن تنظيم منهجي للعمل الاجتماعي وفق خطة ملزمة، وتنفي تماما، من جهة أخرى، تقسيم العمل في الورشة أو أنها لا تسمح بنشوئه إلا على نطاق ضيق، على نحو متباعد وعرضي (12).
وعلى سبيل المثال، فإن الجماعة المشاعية الهندية الصغيرة الموغلة في القدم، التي لا يزال بعضها موجوداً حتى اليوم، تقوم على الملكية الجماعية للأرض، وعلى الجمع المباشر بين الزراعة والحرفة، وعلى تقسيم ثابت للعمل يخدم بمثابة خطة جاهزة وقاعدة التأسيس مشاعة جديدة. وكل مشاعة مثل هذه هي وحدة إنتاج كاملة ذات اكتفاء ذاتي، ويشمل مجال إنتاجها بين 100 إلى عدة آلاف إيكر. ويجري إنتاج الكتلة الرئيسية من المنتوج من أجل الاستهلاك المباشر للمشاعة نفسها، وليس كسلعة، ولذلك فالإنتاج نفسه لا يتوقف على تقسيم العمل الناجم عن تبادل السلع في المجتمع الهندي بأسره. وإن فائض المنتوج هو الذي يتحول إلى سلعة، ولا يحصل ذلك إلا بصورة جزئية في يدي الدولة التي تذهب إليها منذ غابر الأزمان كمية معينة من المنتوج كريع عيني. ويجد المرء في مختلف أنحاء الهند أشكالا مختلفة من المشاعات. ففي المشاعات من الطراز الأبسط تجري زراعة الأرض بصورة جماعية ويوزع المنتوج بين أعضاء المشاعة، في حين أن كل عائلة تشتغل بالغزل والنسيج، وغير ذلك، بصورة مستقلة كحرفة منزلية إضافية. وإلى جانب هذه الكتلة المشتغلة بعمل متماثل نجد: “رئيس” المشاعة الذي يجمع وظائف القاضي والشرطي وجابي الضرائب في شخص واحد؛ ونجد كذلك ماسك السجلات الذي يتولى الحساب في الزراعة والمساحة ويسجل كل ما يتصل بذلك؛ ومسؤول ثالث يلاحق المجرمين ويحرس المسافرين الغرباء ويرافقهم من قرية إلى أخرى؛ ورجل الحدود الذي يحرس حدود المشاعة من اعتداء المشاعات المجاورة؛ وناظر المياه الذي يوزع المياه من الخزانات العامة لري الحقول؛ والبرهمي الذي يؤدي الشعائر والطقوس الدينية؛ ومعلم المدرسة الذي يعلم أطفال المشاعة القراءة والكتابة على الرمل؛ وبرهمي التقويم أي المنجم الذي يحدد وقت البذار والحصاد وبشكل عام ساعات النحس والحظ لمختلف الأعمال الزراعية؛ وهناك الحداد والنجار اللذان يصنعان ويصلحان كافة الأدوات الزراعية؛ وصانع الفخار الذي يصنع الآنية الفخارية للقرية كلها؛ والحلاق ؛ والغسال الذي ينظف الملابس؛ وصائغ الفضة، وفي بعض الحالات الشاعر الذي ينوب عن صائغ الفضة في بعض المشاعات وعن معلم المدرسة في بعضها الآخر. وهذه الدزينة من الأشخاص تعيش على حساب المشاعة كلها. وإذا ازداد عدد السكان تأسست مشاعة جديدة على طراز القديمة في أرض عذراء. وتكشف آلية المشاعة عن تقسيم منهجي للعمل، إلا أن تقسيم العمل على غرار المانيفاکتورة مستحيل نظرا لأن الحداد والنجار وغيرهما يواجهون سوقاً ثابتة، ونجد في أفضل الحالات، تبعا لحجم القرى، بدلا من الحداد الواحد أو صانع الفخار الواحد، وإلخ، اثنين أو ثلاثة (13). وإن القانون الناظم لتقسيم العمل في المشاعة يفعل فعله بقوة قانون لا مرد له من قوانين الطبيعة: في حين أن أي حرفي معين، كالحداد أو غيره مثلا، ينفذ جميع العمليات الخاصة بمهنته بأسلوب تقليدي، ولكن بصورة مستقلة تماما ومن دون الخضوع لأية سلطة داخل ورشته. وإن بساطة الكيان العضوي في هذه المشاعات المكتفية ذاتياً، التي تعيد إنتاج نفسها على الدوام بالشكل نفسه، وحتى لو صادف أن دمرت عرضا، تجدها تنهض من جديد، في الموضع ذاته وبالأسم ذاته (14)، إن هذه البساطة تكشف عن سر ثبات المجتمعات الآسيوية، الذي يتباين بصورة صارخة مع انحلال وعودة نشوء الدول الآسيوية والتبدل السريع في سلالاتها على الدوام. وتظل بنية العناصر الاقتصادية الأساسية لهذا المجتمع بمنأى عن العواصف التي تهب في عالم السياسة الملبد بالغيوم.
سبق لي القول إن قوانين الأصناف الحرفية المغلقة، بتحديدها الصارم لعدد المساعدين الذين يحق للمعلم الفرد استخدامهم، تعيق بصورة مقصودة تحوله إلى رأسمالي. وما كان بإمكان المعلم استخدام مساعديه إلا في الحرفة التي كان هو نفسه معلماً فيها. وكانت النقابة الحرفية تحمي نفسها بكل غيرة من تطاولات رأس المال التجاري – هذا الشكل الحر والوحيد من رأس المال الذي يقف في مواجهة الأصناف الحرفية. وكان بوسع التاجر أن يشتري أي سلعة عدا شراء العمل كسلعة. وما كانت النقابات تتساهل معه إلا كشارٍ بالجملة لمنتوجات الحرفة. وإذا كانت الظروف الخارجية تستدعي تقسيماً جديداً للعمل، فإن الأصناف الحرفية الموجودة تفكك نفسها إلى فروع أصغر أو تؤسس أصنافاً حرفية جديدة إلى جانب القديمة ولكن من دون دمج الحرف المختلفة في ورشة واحدة. إذن، على الرغم من أن فصل وعزل وتطوير المهن في إطار التنظيم النقابي الحرفي تشكل المقدمة المادية لمرحلة المانيفاکتورة، إلا أن تنظيم النقابات الحرفية نفسه كان يستبعد التقسيم المانيفاکتوري للعمل. وعلى العموم كان العامل ملتحماً بوسائل إنتاجه على نحو وثيق التحام الحلزون بالمحارة، وبالتالي فإن الأساس الأول للمانيفاکتورة كان غائباً، ألا وهو انفصال وسائل الإنتاج بهيئة رأسمال في مواجهة العامل.

وفي حين أن تقسيم العمل على نطاق المجتمع بأسره – بتوسط تبادل السلع أم بدونه – هو سمة مميزة لأشد التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية تبايناً، فإن التقسيم المانيفاکتوري للعمل هو إبداع خاص تماما بنمط الإنتاج الرأسمالي.

__________

(1) «إن تقسيم العمل، يبتدئ بفصل أكثر المهن تنوعاً، ليصل إلى تقاسم عدة عمال أعمال صنع المنتوج الواحد نفسه، كما في المانيفاکتورة». (شتورخ، دروس في الاقتصاد السياسي، طبعة باريس، المجلد 1، ص 173).
لدى الشعوب التي بلغت درجة معينة من الرقي الحضاري ثلاثة أنواع من تقسيم العمل: الأول، الذي نسميه بالعام، ينحصر في تقسيم المنتجين إلى زراع وصناع وباعة، وهذا يتطابق مع الفروع الأساسية الثلاثة للإنتاج الوطني؛ والثاني، الذي يمكن تسميته بالخاص، هو تقسيم كل مجال من مجالات الإنتاج إلى أنواع… وأخيراً، التقسيم الثالث للعمل، الذي يمكن تسميته بتقسيم الشغل أو العمل بالمعنى الحرفي للكلمة، في الحِرف أو المهن المنفردة … كما في غالبية المانيفاکتورات وورش العمل». (سکاربك، Skarbek، المرجع المذكور، ص 84-85).
(2) [حاشية للطبعة الثالثة. أجرى المؤلف لاحقاً دراسات عميقة عن الحالة البدائية للبشر قادته إلى الاستنتاج بأن العائلة لم تتطور إلى عشيرة في البدء، بل إن القبيلة، على العكس، كانت الشكل البدائي، العفوي لتطور الاجتماع البشري القائم على قرابة الدم، وعليه فإن الأشكال المختلفة للعائلة لم تتطور إلا فيما بعد، بعدما أخذت الروابط القبلية بالانحلال. ف. انجلز].
(*) راجع الطبعة الألمانية الحالية، ص 102، [الطبعة العربية، ص 123-124. ن. ع].
(3) قدم السير جيمس ستيورات أفضل معالجة لهذه النقطة. ومما يدل على قلة شهرة مؤلفه في الوقت الراهن، رغم صدوره قبل كتاب آدم سميث ثروة الأمم (Wealth of Nations) بعشر سنوات، هو أن المعجبين بمالتوس لا يعرفون أن الطبعة الأولى من كتابه عن السكان (Population) مقتبسة بالكامل تقريبا، (باستثناء القسم الخطابي من الكتاب) من ستيوارت وكذلك من القسّين والاس وناونرند.
(4) “ثمة كثافة سكان موائمة لكل من التفاعل الاجتماعي وحشد القوى المفضي إلى زيادة مردود العمل”. (جیمس میل، عناصر الاقتصاد السياسي، لندن، )1821.
“عندما يزداد عدد العمال… تتعاظم القدرة الإنتاجية في المجتمع بصورة طردية مع حاصل ضرب هذا النمو في نتائج تقسيم العمل. ت. هودجسکین، الاقتصاد السياسي الشعبي.
(5) بسبب ارتفاع الطلب على القطن بعد 1861 اتسع إنتاج القطن على حساب إنتاج الرز في بعض أقاليم الهند الشرقية كثيفة السكان. وقد استشرت المجاعة في بعض الأنحاء، بسبب نقص وسائل المواصلات وبالتالي غياب الصلات الطبيعية، ولم يكن بالإمكان التعويض عن نقص إنتاج الرز في اقليم ما يجلبه من الأقاليم الأخرى.
(6) في هولندا مثلا أصبح إنتاج الأنوال المكوكية يشكل فرعاً خاصاً في الصناعة منذ القرن السابع عشر.
(7) “أوَليست صناعة الصوف الإنكليزية مقسمة إلى أقسام أو فروع مختلفة متركزة في أماكن معينة حيث ينحصر الإنتاج بكامله أو بمعظمه فيها: فالأقمشة الناعمة تنتج في سومرست شایر، والخشنة في بورکشایر، والمزدوجة العرض في أكستر، والحرير في سادبري، والقماش المجعّد في نوريتش، والكتان الصوفي في كندال، والبطانيات في ويتني وإلخ”. (بيركلي، المتسائل، 1750، الفقرة 520).
(Berkeley, The Querist, 1750, 8520).

(8) آدم فيرغسون، تاریخ المجتمع المدني، إدنبره، 1767، المجلد الرابع، الجزء الثاني، ص 285.
(A Ferguson, History of Civil Society, Edinburgh, 1767, Part IV, sect II, p. 285).
(9) يقول آدم سميث إن تقسيم العمل في المانيفاکتورات الفعلية أعظم لأن “المستخدمين في كل فرع من فروع العمل على اختلافها يمكن أن يحشدوا في الغالب في ورشة عمل واحدة، ويخضعوا في الحال لرقابة ناظر. وعلى العكس ففي المانيفاکتورات الفخمة (!)، المعدة لتلبية حاجات هائلة لأكبر عدد من الناس، فإن كل فرع منفرد من فروع العمل يستخدم عددا من العاملين يبلغ من الضخامة حداً يتعذر معه جمعهم في ورشة واحدة… وإن تقسيم العمل أبعد ما يكون عن الوضوح”. آ. سميث، ثروة الأمم، المجلد الأول، الفصل 1.
وإن المقطع الشهير من ذلك الفصل نفسه والذي يبدأ بعبارة: “انظروا إلى رفاه أبسط حرفي عامي أو عامل میاوم في بلد متمدن ومزدهر، إلخ”. ثم يستمر بعد ذلك ليصف ضخامة أعداد وأنواع الأعمال التي تسهم في إشباع حاجات العامل البسيط، – إن هذا المقطع مستنسخ حرفياً تقريباً من الملاحظات التي أضافها ب. مانديفيل لكتابه، حكاية النِحَل، أو آثام خاصة، منافع عامة.. (Fable of the Bees, or Private Vices , Publick Benefits) (صدرت الطبعة الأولى بلا ملاحظات في عام 1705، وصدرت الطبعة الأخرى مع الملاحظات في عام 1714).
(10) “لم يعد ثمة شيء يمكن أن نسميه المكافأة الطبيعية للعمل الفردي. فكل عامل لا ينتج سوى جزء من كل، وبما أن كل جزء لا يملك لذاته هو أية قيمة أو فائدة، فليس ثمة ما يمكن للعامل أن يمسكه ويقول: هذا منتوجي، وسأحتفظ به لنفسي”. (الدفاع عن العمل ضد ادعاءات رأس المال، لندن، 1825).
إن صاحب هذا المؤلف الممتاز هو هودجسكين الذي اقتطفنا منه سابقاً.
(11) حاشية للطبعة الثانية: جرى إيضاح هذا الفارق بين التقسيم الاجتماعي والمانيفاکتوري للعمل إلى أميركيي الشمال (اليانكي) بصورة عملية، فمن الضرائب الجديدة التي فرضتها واشنطن أثناء الحرب الأهلية كان هناك رسم قدره 6% على “جميع المنتوجات الصناعية”. وطرح سؤال: ما هو المنتوج الصناعي؟ جواب المشرع: يكون الشيء منتوجاً حين يصنع، (when it is made)، وهو مصنوع حين يكون جاهزاً للبيع. وهذا واحد من أمثلة كثيرة. كانت مانیفاكتورات نیویورك وفيلادلفيا تصنع، في السابق المظلات مع كل لوازمها. ولكن بما أن المظلة هي مركب تجميع (Mixtum compositum) لأجزاء متباينة تماما، فإن صنع هذه الأجزاء أصبحت بالتدريج منتوجات لفروع إنتاج مستقلة وقائمة في أماكن مختلفة. وكانت منتوجاتها الجزئية تدخل كسلع مستقلة إلى مانیفاكتورة المظلات التي اقتصر عملها على التجميع. ولقد أطلق الأميركيون الشماليون (اليانكي) على مثل هذا النوع من المنتوجات تسمية المواد المجمعة (assembled articles)، وهي تستحق هذه التسمية فعلا لإنها تتيح تجميع الضرائب أيضا. وهكذا، فالمظلة تجمع، 6% كضريبة على سعر كل عنصر من عناصرها و6% أخرى على السعر الكلي.
(**) مقولة شهيرة في كتاب توماس هوبز: اللوياثان، لوصف احتراب البشر في حالة الفطرة السابقة للمدنية. [ن. برلین].

(12) “من الممكن… أن نثبت القاعدة العامة التالية: كلما تضاءلت السلطة المفروضة على تقسيم العمل في المجتمع، كلما ازداد تطور تقسيم العمل داخل الورشة واشتد خضوعه هناك لسلطة فرد واحد. وهكذا تتناسب السلطة في الورشة والسلطة في المجتمع تناسباً عكسياً لجهة تقسيم العمل”. (کارل مارکس، [بؤس الفلسفة، باريس، 1847]، ص 130-131).
(13) المقدم مارك ويلكس، صور تاريخية من جنوب الهند، لندن، 1810 – 1817، المجلد الأول، ص 118 – 120
(Mark Wilks, Lieutenant Colonel. Historical Sketches of the South of .120 – 118 vo India, London, 1810-1817, V. I, p. 118-120).
من الممكن العثور على وصف جيد لمختلف أشكال الجماعات المشاعية الهندية في كتاب: جورج کامبل، الهند الحديثة، لندن، 1852. .(1852 ,George Campbell, Modern India , London)
(14) “في ظل هذا الشكل البسيط… عاش سكان البلاد منذ غابر الأزمان. فالحدود بين القرى لم تتغير إلا فيما ندر، ورغم أن الخراب كان يحل بها أحيانا، أو تُفقر تماما بسبب الحرب والمجاعة والأوبئة، إلا أنها كانت تعود من جديد بالإسم نفسه، وفي الحدود نفسها، وبالمصالح نفسها، حتى بالعائلات نفسها، لتستمر في الوجود دهوراً. ولا يكترث قاطنو القرى بانهيار الممالك او تفككها؛ وطالما بقيت القرية سالمة فلا اكتراث لهم بيد أية سلطة تقع ولأي سید تؤول؛ ويبقى اقتصادها الداخلي على حاله”. (ت. ستامفورد رافلز، الملازم الراحل حاکم جاره، تاریخ جاوه، لندن، 1817، المجلد الأول، ص 285).
(Th. Stamford Raffles, Late Lieut, Gov. of Java, The history of Java, London, 1817, V.I., p. 285).