الدولة في الفكر اليساري


محمد علي مقلد
الحوار المتمدن - العدد: 6553 - 2020 / 5 / 3 - 10:15
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

5 ــ الدولة في الخطاب اليساري
«لا توجد نظرية ماركسية مكتوبة عن الدولة». بهذه العبارة يختصر فالح عبد الجبار بحثه عن ماركس والدولة، الذي قدمه تكريماً لمهدي عامل في الذكرى السنوية لاغتياله، ثم ضمّنه في كتاب بعنوان، «ما بعد ماركس» منشورات الفارابي، 2010. وفي التفاصيل، يرى الباحث أن التراث الماركسي في موضوع الدولة يتمثل بثلاثة مراجع، الأول عبارة عن مجموعة ملاحظات متفرقة لماركس موزعة على أكثر من كتاب، الأساسي منها هو في نقد نظرية هيغل عن الدولة، المرجع الثاني هو كتاب إنغلز، أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، وهو دراسة تهتم بتاريخ نشوء الدولة، والثالث كتاب لينين، الدولة والثورة، الذي ينطوي على مساجلات لينين مع تيارات مختلفة عشية الثورة، وعنه يقول عبد الجبار»خلاصة ما أراه أن أهمية كتاب «الدولة والثورة» تكمن في انعدام أهميته، النظرية والعملية»(ص44).
رداً على ما اعتبره شكلاً من التفريط بأهمية ماركس، رد غسان الرفاعي، عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني لأكثر من نصف قرن، بكتاب صدر عن دار الفارابي أيضاً،عام 2013، بعنوان، «ماركس، دون دوغمائية، دون تفريط»، ثم ألحقه، عام 2017، بكتاب آخر صدر عن الدار ذاتها، بعنوان، ماركس... عن الدولة. في كتابه الأول، يناقش الرفاعي من يرى أنهم «يفرّطون» بالنظرية الماركسية، ويخص بالمساجلة والنقد فالح عبد الجبار وكتابه من غير أن يذكره بالإسم الصريح، بل بألقاب شتى مكررة عشرات المرات، مثل «باحثنا الكريم» و»رفيقنا الباحث» وزميلنا الباحث» و»باحثنا». وقد ركز نقاشه حول ظاهرة العولمة والقضايا المتعلقة بنظرية المعرفة والمادية التاريخية والمادية الجدلية، و»انعكاس الواقع المادي في دماغ الإنسان وتحوله إلى أشكال من الفكر...من خلال الرموز اللغوية والمعادلات العلمية والكتابة ...»(ص51). كما ناقش أيضاً موضوع العلم ومناهج البحث، معترضاً على ما توصل إليه «المفرّطون» وما رأى فيه إعلاناً صريحاً بإلغاء الفلسفة ونهاية الماركسية. وقد اكتفى، في كلامه عن الدولة، بإشارات متباعدة، رأى في الأولى أن «الدولة الحديثة، مهما كان شكلها، تمثل، في جوهرها، أداة رأسمالية، فهي دولة الرأسماليين»(121) ونقل في الثانية رأي محمد حشماوي القائل بأن العولمة تضعف سيادة الدولة القومية على مواردها وأولوياتها ورعاياها»(ص234)، ورأى في الثالثة أن الدولة هي «أحد مكونات البناء الفوقي الأخرى الذي تتطلبه البنية التحتية بسمات أساسية محددة. وهذا لا يقلل من خطورة الدور السياسي - الاجتماعي للدولة» مرجئاً نقاش موضوع الدولة أكثر من مرة «سنتناول موضوع الدولة بالبحث لاحقاً بتفصيل أكبر»(ص94)، «سنتناول موضوع الدولة بصورة أشمل في صفحات لاحقة»(ص100)، ثم يؤكد في نهاية بحثه على «أنه بات من الضروري تناول جملة من المسائل الرئيسة في البحث: كمسألة الدولة والقومية ومسائل الوعي السياسي... من أجل مواجهة استراتيجية العولمة»(ص244).
إذا كان غسان الرفاعي قد تناول في كتابه الأول القضايا النظرية التي طرحتها الماركسية كالمادية والمثالية والبنية التحتية والبنية الفوقية والعلم والإيديولوجيا، وجعل منها مرتكزاً لنقاش ظاهرة العولمة، فقد أراد لكتابه الثاني أن يشكل رداً على عبارة فالح عبد الجبار التي «تنفي وجود نظرية ماركسية مكتوبة عن الدولة»، فاختار الدخول إلى النقاش من ثغرة في بنية العبارة. فعبد الجبار لا ينفي وجد نظرية ماركسية عن الدولة، بل وجود نظرية مكتوبة. ما يعني أن من الممكن العثور عليها، غير مكتوبة. الحق يقال إن الرفاعي بذل جهداً نظرياً كبيراً ليستخرج من النصوص الماركسية موقفاً من الدولة، أو صورة للدولة الماركسية. غير أنه كرس صفحات الكتاب الثلاثماية، مرة جديدة، دفاعاً عن الماركسية ضد من حاول، من اليساريين، إعادة قراءتها بعين نقدية. فهو يأخذ على فالح عبد الجبار القول بمحدودية التحليلات الماركسية «كونها تعتمد على وقائع تجريبية ...نتيجة نشأتها الزمانية والمكانية» (ص270-271 والاقتباس من كتاب فالح عبد الجبار، ما بعد ماركس، ص21). كما يأخذ على فواز طرابلسي محاكمته «الثابت» (الماركسي المزعوم) أمام «المتغيرات»(م. ن)، وعلى عصام الخفاجي قوله» إن الماركسية الباقية كعمل نظري قد ماتت أو تكاد، حين ننظر إليها كمرجعية للعمل السياسي أو كبرنامج تهتدي به الحركات السياسية الفاعلة في زماننا»(ص261، نص الخفاجي مقتبس من: تأملات في الماركسية، حوار مفتوح في الحوار المتمدن، 29-9-2015).
فضلًا عن أن هذه النقاشات تتعلق بالجانب النظري الفلسفي، وهو أمر قررنا منذ البداية تفادي الخوض فيه، فإن المآخذ على «الرفاق المجددين» تحظى، في نظر غسان، بأسباب تخفيفية عائدة إلى «ثقل وفداحة الأزمة السياسية والمعنوية الناشئة عن انهيار التجربة الاشتراكية»(ص260)، رغم أنهم (الرفاق المجددين) يعزون فشل التجربة وانهيارها إلى النظرية الماركسية العامة نفسها(ص253). غير أن ظاهرة أخرى نشأت بين بعض اليساريين تمثلت في ميلهم نحو الليبرالية «التي أخذت تبرز في أبحاث ومواقف بعض المثقفين في بلداننا، ومنهم يساريون، بدأ يجد أصداء وانعكاسات جماهيرية، وذلك كرد فعل فكري وعاطفي على نظم الاستبداد- كما يسميها سمير أمين ومحمد علي مقلد- السائدة والجاثمة والمتحكمة في بلداننا والمستبيحة لكل مقدرات ومصالح شعوبنا» (ص241-242). هنا بالضبط يكون غسان الرفاعي قد دخل في موضوع الدولة من باب ماركسي. فكلامه يستبطن اعتراضاً على الاقتراح الليبرالي، «لأن الدولة الحديثة (الليبرالية) كما هو معلوم تاريخياً، هي السلطة التي تطلّبها نمط الإنتاج الرأسمالي وحققهما، حين بلغ تطوره درجة مكنته من الهيمنة الاقتصادية على أساس الإنتاج وفق مبدأ العامل الحر والأجر الحر وفائض القيمة والسوق الموحدة على أرض محددة ... فالهياكل الدستورية للدولة وقوانينها قامت، من حيث الأساس، من اجل تثبيت وشرعنة استمرار نظام الأجر الحر والستمرار تدفق فائض القيمة هذا...ولهذا يسمي غرامشي الدولة (المجتمع السياسي) بأنها لحظة القهر، أما المجتمع المدني فهو لحظة السلطة الإيديولوجية، وبالتقاء اللحظتين تتكرس الهيمنة المحصنة بالقهر»(ص243).
يظهر جلياً من خلال النص أن الخلط المفاهيمي (بين الدولة والسلطة- «الدولة الحديثة هي السلطة») هو أقصر سبل الاعتراض على الدولة وعلى الديمقراطية معاً، كما يبدو واضحاً أن الرفاعي، الداعي إلى تجديد الفكر الماركسي والخروج من الدغمائية والجمود العقائدي، يتمسك بالتأويلات ذاتها التي تنطلق من التفسير الطبقي، فلا ترى في الدولة غير أداة للقهر الطبقي، ما يفضي إلى الاستنتاج بضرورة تدمير الدولة الرأسمالية، الليبرالية، وتدميرها، خلافاً لما ينطوي عليه مصطلح الاضمحلال لا التدمير، كخطوة انتقالية إلى دولة تقودها الطبقة العاملة. وبذلك يكون الرفاعي قد أعاد التمسك بالمفاهيم السائدة عن الدولة في الممارسة النظرية الماركسية، انطلاقاً من تحميل الخارج مسؤولية التخلف. فهو يرى أن ظاهرة الاستبداد «لا تقررها بالأساس الظروف والشروط المادية التاريخية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الملموسة للمجتمع المعني وحده، بل تقررها، بالأساس، في شروط عالمنا الراهن، مجمل الشروط الخارجية المحيطة بذاك المجتمع»(ص242). هذه العبارة تجد تفسيرها في نظرية التحرر الوطني والفرضية القائلة بأن هذا العصر هو عصر الانتقال إلى الاشتراكية، أو في نظرية مهدي عامل عن نمط الانتاج الكولونيالي القائلة بأن الحل الوحيد لأزمات العالم الثالث ومنه العالم العربي يكمن في فك التبعية بالاستعمار كخطوة على بناء الحكم الوطني الديمقراطي ثم الاشتراكية ثم الشيوعية.
ملاحظة: فصل من كتاب أحزاب الله الصادر عن دار غوايات 2020