رأس المال: الفصل الحادي عشر (44) التعاون


كارل ماركس
الحوار المتمدن - العدد: 6526 - 2020 / 3 / 29 - 22:00
المحور: الارشيف الماركسي
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


يبدأ الإنتاج الرأسمالي حقا، كما رأينا، عندما يستخدم رأسمال فردي واحد عددا كبيرة من العمال في آن واحد، مما يوسع نطاق عملية العمل ويثمر كميات كبيرة من المنتوجات. وإن عمل الكثير من العمال في وقت واحد بالذات وفي مكان واحد بالذات (أو، إن شئتم، في ميدان عمل واحد بالذات) لإنتاج صنف واحد بالذات من السلع، وتحت إمرة رأسمالي واحد بالذات، يشكل، من ناحية التاريخ والمفهوم، نقطة انطلاق الإنتاج الرأسمالي. أما من ناحية نمط الإنتاج نفسه، فالمانيفاکتورة مثلا لا تتميز في بداياتها عن الصنائع اليدوية للأصناف الحرفية المغلقة إلا بوجود عدد أكبر من العمال الذين يشغلهم رأس المال الواحد نفسه في وقت واحد. فهي مجرد توسيع لورشة المعلم الحرفي.

وهكذا، فالفرق في البداية كمي محض. وكما رأينا فإن كتلة فائض القيمة، التي ينتجها رأسمال معين، تساوي فائض القيمة الذي يخلقه عامل مفرد مضروباً بعدد العمال المشتغلين في آن واحد. وإن هذا العدد في ذاته ولذاته لا يؤثر أبدا على معدل فائض القيمة أو درجة استغلال قوة العمل؛ أما ما يتعلق بالتغيرات النوعية في عملية العمل فإنها تبدو على العموم غير ذات أهمية بالنسبة لإنتاج قيمة السلعة. وهذا ناجم عن طبيعة القيمة. فإذا كان يوم العمل المؤلف من 12 ساعة يتجسد في 6 شلنات، فإن 1200 يوم عمل من هذا النوع تتشيّأ في 6 شلنات x 1200 ففي الحالة الأولى يتجسد في المنتوج 12 x 1200 يوم عمل، وفي الحالة الأخرى 12 ساعة عمل. وفي إنتاج القيمة لا يزيد عدد العمال عن كونه كذا عددا من الأفراد؛ فمن وجهة نظر إنتاج القيمة لا يهم إطلاقا إذا كان 1200 عامل يقومون بالإنتاج فرادى، أم يعملون موحدين تحت إمرة رأس المال الواحد ذاته.

مع ذلك ثمة تغير، في حدود معينة. فالعمل المتشیئ في القيمة هو عمل من نوعية اجتماعية وسطية، هو تجلي قوة عمل وسطية. ولكن المقدار الوسطي هو على الدوام متوسط عدد من المقادير الفردية المختلفة من الصنف الواحد نفسه. وفي كل فرع من فروع الصناعة ينحرف العامل الفرد، بطرس أو بولس، بهذا القدر أو ذاك، عن العامل الوسطي. وإن هذه الانحرافات الفردية، التي تسمى “الأخطاء” في الرياضيات، تعوض بعضها بعضا وتزول بمجرد أن نأخذ عددا أكبر من العمال معاً. والمتملق السفسطائي المعروف إدموند بورك، يعرف من خبراته العملية بوصفه مزارعاً، أن كافة الاختلافات الفردية في العمل تزول حتى في “زمرة صغيرة جداً”، لا تزيد عن خمسة أُجراء زراعيين، وعليه فإن أول وأفضل خمسة أجراء زراعيين راشدين إنكليز مأخوذين سوية ينفذون معا في وقت واحد بالذات نفس العمل تماماً الذي ينفذه أي خمسة أجراء زراعيين إنكليز آخرين (1). ومهما يكن الأمر، فمن الجلي أن يوم العمل الجماعي لعدد كبير من العمال المستخدمين في آن واحد، مقسوماً على عدد هؤلاء العمال، هو في ذاته ولذاته، يوم عمل اجتماعي وسطي. ليكن يوم عمل فرد واحد 12 ساعة مثلا. وعليه فإن يوم عمل 12 عاملاً يعملون في وقت واحد هو يوم عمل كلي يبلغ 144 ساعة؛ ورغم أن عمل كل واحد من دزينة العمال هذه ينحرف إلى هذا الحد أو ذاك عن العمل الاجتماعي الوسطي، ورغم أن كل عامل مفرد يقتضي وقتا أطول أو أقصر بعض الشيء من أجل تنفيذ عمل واحد بالذات، فإن يوم عمل كل عامل مفرد، الذي يحتسب بنسبة من يوم العمل الكلي المؤلف من 144 ساعة، هو مع ذلك ذو نوعية اجتماعية وسطية. ولكن الرأسمالي الذي يستخدم دزينة عمال لا يرى يوم العمل إلا كيوم عمل كلي للدزينة. فيوم عمل كل عامل مفرد هو جزء لا يتجزأ من مكونات يوم العمل الكلي، بصرف النظر تماما عما إذا كان هؤلاء الإثنا عشر يكدّون بالتعاون معا، أم أن كامل الصلة بين أعمالهم تقتصر على أنهم يعملون لصالح رأسمالي واحد بالذات. أما إذا عمل هؤلاء العمال الإثني عشر في ستة أزواج عند ستة أرباب عمل صغار، فإن من باب المصادفة أن يستطيع كل واحد من أرباب العمل هؤلاء أن ينتج قدرة متساوية من القيمة، وبالتالي أن يحقق المعدل العام لفائض القيمة، فالانحرافات تقع في حالات فردية. فإذا استهلك العامل في إنتاج سلعة ما وقتا أكبر بكثير مما هو ضروري اجتماعياً، فإن وقت عمله الضروري فرديا ينحرف عن وقت العمل الضروري اجتماعياً، أو عن وقت العمل الوسطي، ولا يعود عمله عملاً وسطياً، كما أن قوة عمله لا تعد قوة عمل وسطية. ولسوف يتعذر بيع قوة العمل هذه، أو أن تباع بأقل من القيمة الوسطية لقوة العمل. وهكذا يفترض أن ثمة حد أدنى معين من مهارة العمل؛ وسنرى فيما بعد أن الإنتاج الرأسمالي يبتكر وسيلة لقياس هذا الحد الأدنى. ومع ذلك ينحرف هذا الحد الأدنى عن المعدل الوسطي رغم أنه يتعين على الرأسمالي، من جهة أخرى، أن يدفع القيمة الوسطية لقوة العمل. لذا فإن أحد أرباب العمل الصغار الستة المذكورين ينال فائض قيمة أكبر، وينال آخر فائض قيمة أقل من المعدل العام لفائض القيمة. وتلغي هذه الفوارق بعضها بعضا بالنسبة للمجتمع ككل، ولكن ليس بالنسبة لرب عمل مفرد. وعلى العموم، لا يتحقق قانون الإنماء الذاتي للقيمة بالكامل بالنسبة للمنتج المفرد إلا عندما يقوم هذا الأخير بالإنتاج كرأسمالي ويستخدم كثرة من العمال في وقت واحد، أي أن يحرك من البداية عملاً اجتماعياً وسطياً (2).

إن استخدام عدد كبير من العمال في وقت واحد يحدث ثورة في الشروط الموضوعية لعملية العمل وحتى في حالة عدم تغير أسلوب العمل. وإن المباني التي يعمل فيها الكثيرون، ومستودعات المواد الأولية، إلخ، والأوعية والأدوات والأجهزة وإلخ تخدم الكثيرين في آن واحد أو بالتناوب؛ وباختصار، بات قسم من وسائل الإنتاج يستهلك الآن في عملية العمل بصورة مشتركة. لكن القيمة التبادلية للسلع، وبالتالي لوسائل الإنتاج أيضا، لا ترتفع أبدأ بنتيجة الاستغلال المكثف لقيمتها الاستعمالية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى تتعاظم كتلة وسائل الإنتاج المستخدمة بصورة مشتركة. فالحجرة التي يعمل فيها 20 نساجاً على 20 نولاً يجب أن تكون أوسع من حجرة يعمل فيها نساج مستقل مع مساعدين اثنين، إلا أن بناء ورشة لعشرين عاملا يتطلب كمية عمل أقل من تشييد 10 ورش يتسع كل منها لإثنين؛ وبشكل عام فإن قيمة وسائل الإنتاج المتركزة للاستعمال المشترك على نطاق واسع لا تنمو طرديا مع نمو أبعادها وأثرها النافع. فوسائل الإنتاج المستخدمة بصورة مشتركة تنقل إلى المنتوج المفرد قسماً أقل من قيمتها، وذلك جزئياً لأن القيمة الكلية التي تنقلها تتوزع في آن واحد على كتلة أكبر من المنتوجات، وجزئياً لأنها، بالمقارنة مع وسائل الإنتاج المجزّأة، تدخل في عملية الإنتاج بقيمة مطلقة أكبر، ولكنها ذات قيمة نسبية أصغر، من ناحية مجال فعلها. وبذلك ينخفض ذلك الجزء المكون من قيمة رأس المال الثابت، فتنخفض، بما يتناسب مع مقداره، القيمة الإجمالية للسلعة أيضا. وتكون النتيجة كما لو أن وسائل إنتاج السلع أصبحت تنتج بكلفة أقل. وهذ الاقتصاد في استخدام وسائل الإنتاج لا ينجم إلا بفضل استهلاكها المشترك في صيرورة عمل الكثرة. وإن وسائل الإنتاج تكتسب طابعها هذا بوصفها شروطاً للعمل الاجتماعي، أو بوصفها شروط اجتماعية للعمل، بمجرد حضور الكثرة في مكان موحد، حتى وإن لم يتعاونوا في العمل، وذلك خلافاً لوسائل الإنتاج المبعثرة والمكلفة نسبيا عند العمال المستقلين الفرادى أو أرباب العمل الصغار. ويكتسب قسم من وسائل العمل هذا الطابع الاجتماعي حتى قبل أن تكتسبه عملية العمل نفسها.

وتمكن معاينة هذا الاقتصاد في وسائل الإنتاج من زاويتين. أولا، من حيث إنه يخفض كلفة السلع ويخفض بذلك قيمة قوة العمل. وثانياً من حيث إنه يغير نسبة فائض القيمة إلى إجمالي رأس المال المدفوع، أي إلى مجموع قيم جزئيه المكونين، الثابت والمتغير. ولن نتناول النقطة الأخيرة إلا في الجزء الأول من المجلد الثالث لهذا الكتاب حيث سندرج هناك أيضا، حفاظا على الترابط الداخلي للعرض، الكثير من الأمور الأخرى المتعلقة بالموضوع الذين نتطرق إليه هنا. وإن سير التحليل، يقتضي تجزئة الموضوع على هذا النحو، وهذا يتطابق مع روح الإنتاج الرأسمالي تماما. فشروط العمل في ظل الإنتاج الرأسمالي تواجه العامل كشيء مستقل، والاقتصاد فيها يبدو كعملية متميزة لا تمس هذا العامل إطلاقا، وبالتالي فهي منفصلة عن الطرائق التي ترفع إنتاجيته الفردية.

إن ذلك الشكل من العمل، الذي يعمل في ظله كثرة من الأشخاص بصورة نظامية جنبا إلى جنب وبالتفاعل فيما بينهم في عملية إنتاج واحدة بالذات، أو في عمليات إنتاج مختلفة ولكن مترابطة، يسمى: التعاون (3).

وكما أن القدرة الهجومية لسرية فرسان أو القدرة الدفاعية لفوج مشاة تختلف اختلافا جوهرياً عن مجموع قوى الهجوم والدفاع الفردية لفارس أو جندي مشاة، كذلك يختلف المجموع الميكانيكي لقوى العمال الفرادى عن تلك القوة الاجتماعية التي تنمو عندما تشترك أيادٍ كثيرة في وقت واحد في تنفيذ عملية واحدة غير مجزأة، عندما يقتضي الأمر مثلا رفع ثقل أو تدوير عجلة أو إزاحة عقبة من الطريق (4). وفي مثل هذه الحالات كلها نجد أن تأثير العمل الموحد عصي على قدرات فرد واحد، أو أنه لن يتحقق إلا بإنفاق وقت أطول بكثير، أو في نطاق محدود تماما. ولا يقتصر الأمر هنا على زيادة القدرة الإنتاجية الفردية بواسطة التعاون فحسب، بل خلق قدرة إنتاجية جديدة، هي، في ذاتها ولذاتها، قوة جماعية (5).

ولكن بالإضافة إلى تلك القوة الجديدة التي تنجم عن اندماج قوى كثيرة في قوة كلية واحدة نرى في غالبية الأعمال الإنتاجية أن الاحتكاك الاجتماعي المحض، يوقد التنافس ويحفز الطاقة الحيوية (animal spirits) مما يزيد الكفاءة الفردية للعاملين الفرادی، بحيث أن 12 شخصا ينتجون في يوم عمل جماعي مؤلف من 144 ساعة منتوجاً كلياً أكبر بكثير مما ينتجه 12 عاملاً مفرداً يعمل كل منهم 12 ساعة، أو مما ينتجه عامل واحد في 12 يوم عمل متوالية (6). مرد ذلك أن الإنسان حيوان بطبيعته، وإن لم يكن حيوانا سياسياً، كما يعتقد أرسطو (7)، فهو على أي حال حيوان اجتماعي.

وعلى الرغم من أن كثرة من العمال تزاول في آن واحد معاً عملاً واحداً بالذات أو عملا من النوع نفسه، فإن العمل الفردي لكل واحد على حدة، بوصفه جزءا من العمل الكلي، يمكن أن يمثل مع ذلك أطواراً مختلفة من عملية العمل، وأن موضوع العمل يجتاز هذه الأطوار بصورة أسرع نتيجة للتعاون. مثلا، إذا ألّف البناؤون سلسلة متصلة لرفع الأجر من قاع الصقالات حتى قمتها، فإن كل واحد منهم يفعل الشيء نفسه بالذات، مع ذلك فإن أفعالهم المنفردة تؤلف حلقات متصلة في عملية كلية واحدة، هي أطوار خاصة يجب على كل آجرّة أن تمر بها في عملية العمل، وبفضل ذلك فإن الأيدي الأربع والعشرين للعامل الكلّي تنقل الآجر إلى المكان المقصود بصورة أسرع مما لو قام كل واحد منهم بمفرده بارتقاء الصقالة تارة والهبوط منها تارة أخرى(8). ويجتاز موضوع العمل المسافة نفسها بوقت أقصر. ومن جهة ثانية يتحقق توحيد العمل أيضا في حالة الشروع بتشييد مبنى مثلا من جهات مختلفة في آن واحد رغم أن البنائين المتعاونين يزاولون العمل نفسه، أو النوع ذاته من العمل نفسه. وفي ظل يوم العمل الموحد المؤلف من 144 ساعة يتعرض موضوع العمل للمعالجة في وقت واحد من جهات مختلفة نظرا لأن العامل الموحّد أو الكلي يملك عيوناً وأيادي من الأمام ومن الخلف، ويعتبر، بحدود معينة، كلي الحضور، ويتم إنجاز المنتوج الكلي بصورة أسرع مما لو تولاه عامل مفرد يعمل 12 ساعة في اليوم لمدة 12 يوما، عملا أحادياً ضيقاً، وهنا تكتمل أجزاء مكانية مختلفة من المنتوج في وقت واحد.

لقد أكدنا أن الكثرة ينفذون سوية عملا مماثلا أو عملا من ذات النوع، لأن هذا النوع الأكثر بساطة من العمل الجماعي يضطلع بدور كبير حتى في أكثر أشكال التعاون رقياً. فإذا كانت عملية العمل معقدة فإن كتلة ضخمة من العمال المتعاونين تتيح، في ذاتها، توزيع العمليات المختلفة على شتى الأيادي وبالتالي تنفيذها في وقت واحد، وتقليص وقت العمل الضروري لإنجاز المنتوج الكلي (9).

تواجه كثرة من فروع الإنتاج لحظات حرجة، أي تلك الفترات الزمنية التي تحددها طبيعة عملية العمل ذاتها والتي ينبغي خلالها إحراز نتائج معينة في العمل. فإذا كان ينبغي مثلا جز صوف قطيع من الأغنام أو حصاد عدد معين من حقول القمح، فإن كمية المنتوج ونوعيته تتوقفان على ابتداء هذه العملية واختتامها في زمن معين. وإن الفترة الزمنية التي تتيح إنجاز عملية العمل تتحدد هنا مسبقا كما في صيد سمك الرنجة مثلا. وليس بمقدور الفرد أن يقتطع من اليوم الطبيعي أكثر من يوم عمل واحد، كأن يكون 12 ساعة مثلا، بينما يستطيع التعاون بين 100 شخص مثلا، مطّ يوم العمل المؤلف من 12 ساعة إلى يوم عمل مؤلف من 1200 ساعة. ويجري التعويض عن قصر الفترة المتاحة للعمل بضخامة كتلة العمل التي تزج في حقل الإنتاج في اللحظة المناسبة. وإن إنجاز المهمة في الوقت المناسب يتوقف هنا على الاستخدام المتزامن للكثير من أيام العمل الموحدة، وتتوقف مقادير النتيجة النافعة على عدد العمال؛ ولكن عدد هؤلاء الأخيرين هو دائما أقل من عدد أولئك العمال الذين كانوا سينفذون، وهم يعملون على انفراد، ذلك العمل نفسه خلال تلك الفترة الزمنية نفسها (10). وبسبب غياب مثل هذا التعاون تتلف سنوياً كمية كبيرة من القمح في غرب الولايات المتحدة، بينما تتلف كمية كبيرة من القطن في تلك الأقسام من الهند الشرقية التي دمر فيها الحكم الإنكليزي الجماعة المشاعية القديمة (11).
إن التعاون يتيح، في جانب، توسيع الحيز المكاني للعمل؛ وهذا ضروري في عمليات

عمل معينة بسبب الترابط المكاني لمواضيع العمل؛ أي أنه ضروري على سبيل المثال عند القيام بأعمال تجفيف المستنقعات وبناء السدود وأعمال الري وشق القنوات ومد الطرق البرية وسكك الحديد وإلخ. ومن جانب آخر، يتيح التعاون تقليص الحيز المكاني للإنتاج بصورة نسبية، أي بالمقارنة مع اتساع نطاق الإنتاج. وهذا التقليص للمجال المكاني للعمل مع توسيع نطاق تأثيره في آن واحد، الذي يجري بنتيجته تقليص كتلة من التكاليف غير المنتجة (**)، يتولد من تحشيد العمال، ودمج عمليات العمل المختلفة، وتركيز وسائل الإنتاج (12).

إن يوم العمل الموحد ينتج، بالمقارنة مع مقدار مساوٍ من أيام العمل الفردية، كتلاً أكبر من القيم الاستعمالية ويقلص بذلك وقت العمل الضروري من أجل إحراز نتيجة نافعة معينة. ويمكن التوصل إلى مثل هذه الزيادة في قدرة إنتاجية العمل بأساليب مختلفة في كل حالة على حدة؛ فإما أن يوم العمل الموحد يرفع القدرة الميكانيكية للعمل، أو أنه يوسع بقعة تأثيرها المكاني، أو أنه يقلص الحيز المكاني للإنتاج بالمقارنة مع توسيع نطاق الإنتاج، أو أنه يزج، في اللحظة الحرجة، كتلة كبيرة من العمل للتحرك في فترة زمنية وجيزة، أو أنه يوقد التنافس بين الأفراد ويذكي طاقتهم الحيوية، أو أنه يضفي على العمليات المتماثلة التي تقوم بها الكثرة طابع الاستمرار وتعدد الجوانب، أو أنه ينفذ العمليات المختلفة في وقت واحد، أو أنه يحقق اقتصاداً في وسائل الإنتاج بفضل الاستخدام الجماعي، أو أنه يكسب العمل الفردي طابع العمل الاجتماعي الوسطي؛ ففي جميع هذه الحالات تكون الإنتاجية الخاصة ليوم العمل الموحد بمثابة قدرة إنتاجية عمل اجتماعية، أو قدرة إنتاجية العمل الاجتماعي. فهذه القدرة الإنتاجية تنشأ من التعاون نفسه. وحين يتعاون العامل مع الآخرين وفق خطة فإنه يخلع قيوده الفردية وينمي قدراته كجنس بشري (13).
ليس بوسع العمال على العموم أن يتعاونوا مباشرة، من دون أن يحتشدوا سوية، فتجمعهم في مكان معين هو شرط لتعاونهم؛ وعليه فإن العمال المأجورين لا يمكن أن يتعاونوا ما لم يقم رأسمال واحد بعينه ورأسمالي واحد بعينه باستخدامهم في وقت واحد، أي ما لم يقم بشراء قوى عملهم في آن واحد معا. إذن، فإن القيمة الكلية لقوى العمل هذه، أو مجموع أجور هؤلاء العمال في يوم أو أسبوع، وإلخ، يجب أن تكون مجتمعة في جيب الرأسمالي قبل أن تجتمع قوى العمل هذه في عملية الإنتاج. وإن تسديد أجور 300 عامل دفعة واحدة، ولو عن يوم واحد فقط، يقتضي إنفاق رأسمال أكبر مما يدفع أسبوعياً إلى عدد أقل من العمال في سنة كاملة. وهكذا فإن عدد العمال المتعاونين، أو نطاق التعاون، يتوقف قبل كل شيء على مقدار رأس المال ذاك الذي يمكن لرأسمالي مفرد أن ينفقه على شراء قوة العمل، أي على مدى تحكم كل رأسمالي مفرد بوسائل عيش كثرة من العمال.

وما يصح على رأس المال المتغير يصح على رأس المال الثابت أيضا. فمثلا، إن نفقات المواد الأولية بالنسبة لرأسمالي لديه 300 عامل هي أكبر 30 مرة من إنفاق كل رأسمالي من أصل 30 رأسمالياً يستخدم كل واحد منهم 10 عمال. صحيح أن وسائل العمل المستخدمة بصورة جماعية لا تنمو من حيث حجم قيمتها أو من حيث كتلتها الشيئية، بنفس درجة نمو عدد العمال المشتغلين، ولكنها تنمو مع ذلك نموا كبيراً. وهكذا فإن تركز كتل كبيرة من وسائل الإنتاج في أيدي رأسماليين فرادى هو شرط مادي لتعاون العمال المأجورين، وأن مدى التعاون، أو نطاق الإنتاج، يتوقف على مدى هذا التركز.

في البداية، كان من الضروري توافر حد أدنى معين من رأس المال الفردي لكي يكون عدد العمال المستخدمين في آن واحد، وبالتالي حجم ما ينتج من فائض قيمة، كافياً لتحرر رب العمل نفسه من العمل الجسدي وتحويله من رب عمل صغير إلى رأسمالي، وإرساء العلاقة الرأسمالية رسمياً. أما الآن فهذا الحد الأدنى يعتبر شرطاً مادياً لتحويل الكثير من عمليات العمل الفردية، المشتتة، والمنفصلة، إلى عملية عمل اجتماعية موحدة.
ورأينا في البداية أيضا أن سيطرة رأس المال على العمل لم تكن سوى نتيجة رسمية لواقع أن العامل لا يكدح لنفسه بل للرأسمالي، وبالتالي تحت سيطرة الرأسمالي. ومع نمو تعاون كثرة من العمال المأجورين تصبح سيطرة رأس المال ضرورية لتنفيذ عملية العمل نفسها، وتغدو شرطاً فعلية للإنتاج. وتصبح إمرة الرأسمالي في ميدان الإنتاج ضرورية ضرورة إمرة الجنرال في ميدان المعركة.

إن كل عمل اجتماعي أو جماعي مباشر، يجري على نطاق كبير، يحتاج بهذه الدرجة أو تلك، إلى توجيه يكفل انسجام الأعمال الفردية وتنفيذ الوظائف العامة، الناجمة عن حركة الجسد الكلي للإنتاج التي تختلف عن حركة الأعضاء المستقلة في هذا الجسد. فعازف الكمان المنفرد يوجه نفسه بنفسه، أما الأوركسترا فتحتاج إلى مایسترو. وتصبح وظائف الإدارة والرقابة والتنسيق وظائف لرأس المال بمجرد أن يتحول العمل إلى عمل تعاوني. ولكن وظيفة الإدارة، باعتبارها وظيفة خاصة برأس المال، تكتسب سمات مميزة بطابعها.

إن الحافز المحرك والهدف المحدد لعملية الإنتاج الرأسمالي هما، قبل كل شيء، تحقيق أكبر قدر ممكن من الإنماء الذاتي لقيمة رأس المال (14)، أي أكبر إنتاج ممكن لفائض القيمة، وبالتالي أكبر استغلال رأسمالي ممكن لقوة العمل. ومع نمو كتلة العمال المشغلين في وقت واحد تنمو أيضا مقاومتهم، وينمو بالضرورة ضغط رأس المال لقهر هذه المقاومة. إن إدارة الرأسمالي ليست محض وظيفة خاصة تنجم عن طبيعة عملية العمل الاجتماعية ولا تتعلق بهذه العملية وحدها فحسب، بل هي في الوقت ذاته وظيفة لاستغلال عملية العمل الاجتماعية، وبصفتها هذه فهي محكومة بتناحر لا مفر منه بين المستغل ومادة استغلاله الأولية. وبموازاة نمو مدى وسائل الإنتاج، التي تواجه العامل المأجور كملكية غريبة، تنمو ضرورة ضبط استخدامها بصورة ملائمة (15). زد على ذلك أن تعاون العمال المأجورين يتحقق حصراً بفعل رأس المال الذي يستخدمهم في آن واحد. وإن ترابط وظائفهم ووحدتهم بوصفهم جسماً كلياً مُنتجا يقع خارجهم، في رأس المال الذي يجمعهم معا ويديمهم. لذا فإن ترابط أعمالهم يواجههم مثالياً بوصفه خطة، ويواجههم عملياً بوصفه سلطة الرأسمالي، جبروت إرادة غريبة تخضع نشاطهم لغايتها.

وإذا كانت الإدارة الرأسمالية ذات محتوى مزدوج بسبب ازدواج طابع العملية الإنتاجية المدارة نفسها باعتبارها، من جهة – عملية عمل اجتماعية لصنع منتوج، ومن جهة ثانية – عملية إنماء ذاتي لقيمة رأس المال، فإن هذه الإدارة هي استبدادية من حيث الشكل. ومع نمو التعاون على نطاق أوسع يطور هذا الاستبداد أيضا أشكاله الخاصة. ومثلما يتحرر الرأسمالي في البداية من العمل الجسدي بمجرد أن يبلغ رأسماله ذلك الحد الأدنى اللازم لبدء الإنتاج الرأسمالي الفعلي، فإنه يحيل وظائف الرقابة المباشرة والدائمة على العمال الفرادي وعلى زمر العمال إلى فئة خاصة من العمال المأجورين. ومثلما يلزم الجيش ضباط وضباط صف، كذلك تحتاج كتلة العمال المحتشدة للعمل معا بإمرة رأسمال واحد بالذات إلى الضباط الصناعيين (المدراء، managers)، وضباط الصف الصناعيين (المراقبين، النظارformen , overlookers , contre – maitres) الذين يصدرون الأوامر في أثناء عملية العمل باسم رأس المال. ويترسخ عمل الرقابة كوظيفة لهؤلاء على وجه الحصر. وعند مقارنة نمط إنتاج الفلاحين المستقلين أو الحرفيين المستقلين مع اقتصاد مزارع العبيد فإن الاقتصاد السياسي يدرج عمل الرقابة هذا كمصاريف إنتاج إضافية (faux frais de production) (16). وعلى العكس، عندما يعالج الاقتصاد السياسي نمط الإنتاج الرأسمالي فإنه يماثل بين وظيفة الإدارة، الناجمة عن طبيعة عملية العمل الجماعية وبين تلك الوظيفة نفسها باعتبارها محكومة بالطابع الرأسمالي، وبالتالي المتناحر، لهذه العملية (17). والرأسمالي لا يغدو رأسمالياً لأنه مدير صناعي، بالعكس، فهو قائد لأنه رأسمالي. وتغدو السلطة العليا في الصناعة صفة ملازمة لرأس المال مثلما كانت السلطة العليا في شؤون الحرب والقضاء في عصر الاقطاع صفة ملازمة للملكية العقارية (18).

إن العامل مالك لقوة عمله طالما بقي يساوم الرأسمالي بصفته بائعاً لهذه القوة، ولكنه لا يستطيع أن يبيع سوى ما يملك، سوى قوة عمله الفردية الخاصة. ولا تتغير هذه العلاقة أبدا لمجرد أن الرأسمالي يشتري 100 قوة عمل بدل أن يشتري واحدة، ويبرم عقداً مع مئة من العمال المتفرقين، بدل أن يبرم عقدا مع عامل واحد. وبمقدور الرأسمالي أن يستخدم هؤلاء العمال المئة من دون أن يزجهم في أي تعاون. إذن، فهو يدفع مقابل قيمة 100 قوة عمل مستقلة، ولكنه لا يدفع مقابل قوة العمل الموحدة لمائة. وإن العمال بوصفهم أشخاصاً مستقلين هم أفراد معزولون يدخلون في علاقة معينة مع رأس المال عينه، لا مع بعضهم بعضا. ولا يبدأ تعاونهم أول الأمر إلا في عملية العمل، لكنهم لا يعودون ملكا لأنفسهم في عملية العمل هذه. فهم بدخولهم هذه العملية يندمجون برأس المال. وحين يزاول العمال التعاون سوية، بوصفهم أعضاء في كيان عضوي فاعل، فلن يعودوا سوى نمط خاص لوجود رأس المال. من هنا فإن القدرة الإنتاجية، التي ينميها العامل بوصفه عاملاً اجتماعياً، تغدو القدرة الإنتاجية لرأس المال. وتتطور القدرة الإنتاجية الاجتماعية للعمل بلا مقابل بمجرد أن يزج العمال في شروط معينة، ورأس المال هو الذي يزجهم في هذه الشروط بالذات. ولما كانت القدرة الإنتاجية الاجتماعية للعمل لا تكلف رأس المال شيئا، ولما كان العامل لا يطور هذه القدرة من جهة أخرى قبل أن يغدو عمله ملكا لرأس المال، فإنها تبدو بمثابة قدرة إنتاجية تخص رأس المال بطبيعته كرأسمال، قدرة إنتاجية كامنة في رأس المال.

ويتجلى الأثر الهائل للتعاون البسيط في الصروح العملاقة التي شادها قدماء الآسيويين والمصريين والأتروسكيين وسواهم.

“حصل في سالف الزمان أن هذه الدول الآسيوية كانت تجد بحوزتها بعد تسديد نفقات مؤسساتها المدنية والعسكرية، فائضا يمكن لها أن تستخدمه لتشييد منشآت فخمة أو نافعة. وإن سيطرتها على أيادي وأذرع جل السكان غير الزراعيين… وحق الملك والكهان في امتلاك الفائض، وفّر الوسائل لتشييد تلك الصروح الجبارة التي تعج بها البلاد… وإن نصب التماثيل العملاقة ونقل الكتل الهائلة، مما يثير العجب، كان يعتمد على الاسراف في تبديد العمل البشري وحده تقريبا … وكان يكفي لذلك حشد عدد غفير وتركيز جهودهم. وهكذا نرى شعاباً مرجانية ضخمة تنبجس من أعماق المحيط لتشكل جُزراً ويابسة، على الرغم من أن كل مودع فرد (depositary) في هذه العملية هزيل، وضعيف، ومزرٍ. وليس لدى الشغيلة غير الزراعيين في مملكة آسيوية ما يسهمون به غير ما تبذله أجسامهم فردياً، ولكن قوتهم تكمن في كثرتهم، وأن سلطة تسيير هذه الجموع خلقت هذه الصروح العملاقة. وإن تركيز الموارد، التي يقتاتون عليها، في يدي فرد واحد أو أفراد قلائل هو الذي يتيح مثل هذه الأعمال الضخمة” (19).
إن جبروت الملوك الآسيويين والمصريين أو الثيوقراطيين الأتروسكيين، إلخ، قد انتقلت إلى الرأسمالي في المجتمع الحديث، سيّان إن كان رأسمالية فردية أم رأسمالية جماعية كما في الشركات المساهمة.

إن ذلك الشكل من التعاون في عملية العمل، الذي نراه في بدايات الحضارة البشرية، عند الأقوام التي تعتاش على الصيد (20) أو في المشاعات الزراعية في الهند مثلا، يقوم، من جهة، على الملكية الجماعية لشروط الإنتاج، ويقوم، من جهة أخرى، على أن الفرد الواحد لم يقطع بعد الحبل السري الذي يربطه بالقبيلة أو الجماعة المشاعية کارتباط النحلة المفردة بقفير النحل. وإن هاتين السمتين تميزان هذا النوع من التعاون عن التعاون الرأسمالي. وإن الاستخدام العرضي للتعاون واسع النطاق في العالم القديم وفي العصور الوسطى، وفي المستعمرات الحديثة، يرتكز على علاقات السيادة والخضوع المباشرين، بل على العبودية في الغالب. أما الشكل الرأسمالي للتعاون فهو يفترض، على العكس من ذلك، وجود العامل المأجور الحر الذي يبيع قوة عمله لرأس المال منذ البداية. ويتطور هذا الشكل تاريخياً في تضاد مع الاقتصاد الفلاحي والحرف المستقلة، سواء كانت هذه الحرف في شكل أصناف مغلقة أم لا (21). ولا يظهر التعاون الرأسمالي بالمقارنة معهما كشكل تاريخي خاص للتعاون، بل إن هذا التعاون يقف إزاءهما كشكل تاريخي خاص وسمة مميزة لعملية الإنتاج الرأسمالي.

ومثلما أن القدرة الإنتاجية الاجتماعية للعمل التي تتطور بفضل التعاون تبدو قدرة إنتاجية لرأس المال، فإن التعاون نفسه يبدو بمثابة شكل خاص لعملية الإنتاج الرأسمالي، وذلك على النقيض من عملية الإنتاج التي يقوم بها عمال مستقلون منعزلون، أو حتى أرباب عمل صغار. وهذا هو أول تغير يطرأ على عملية العمل الفعلية بعد خضوعها الرأس المال. ويقع هذا التغير بصورة تلقائية، عفوية. فاستخدام عدد غفير من العمال المأجورين في آن واحد وفي عملية عمل واحدة بالذات يشكل، باعتبارها شرطاً لهذا التغير، نقطة انطلاق الإنتاج الرأسمالي. وهي تتطابق مع وجود رأس المال نفسه. وعليه، إذا كان نمط الإنتاج الرأسمالي يبدو، من جهة، ضرورة تاريخية لتحول عملية العمل إلى عملية اجتماعية، فإن الشكل الاجتماعي لعملية العمل يبدو، من جهة أخرى، طريقة يستخدمها رأس المال لاستثمار هذه العملية على نحو أكثر ربحا عن طريق زيادة قدرتها الإنتاجية.

إن التعاون، بصورته البسيطة التي عالجناه بها حتى الآن، يقترن بالإنتاج واسع النطاق، ولكنه لا يؤلف شكلا مميزاً ثابتاً لعهد خاص من تطور نمط الإنتاج الرأسمالي. وأقصى ما يفعله أنه يظهر بهذا الشكل على نحو تقريبي في البدايات ذات الطابع الحرفي للمانیفاكتورة (22) وفي ذلك النوع من الزراعة الكبيرة الذي يتطابق مع حقبة المانيفاکتورة، من دون أن يتميز جوهرياً عن الاقتصاد الفلاحي إلا بكثرة العمال المستخدمين في وقت واحد وضخامة وسائل الإنتاج المتركزة. ويسود شكل التعاون البسيط عادة في تلك الفروع من الإنتاج التي يعمل فيها رأس المال على نطاق واسع، من دون أن يلعب تقسيم العمل والآلات أي دور هام.

إن التعاون يبقى الشكل الأساسي لنمط الإنتاج الرأسمالي، رغم أنه بصورته البسيطة لا يزيد عن كونه شكلا خاصاً إلى جانب أشكاله الأخرى الأكثر تطورا.

_____________

(1) “لا جدال في أن ثمة فرقة كبيرة بين قيمة عمل رجل وقيمة عمل رجل آخر، شأن الفروق في القوة والمثابرة والأمانة في الأداء. ولكنني على قناعة تامة، اعتمادا على أفضل ملاحظاتي، بأن أي خمسة أشخاص يقدمون بمجموعهم كمية عمل مساوية لعمل خمسة أشخاص آخرين، من العمر المذكور؛ أعني أنه بين هؤلاء الرجال الخمسة هناك واحد يتمتع بكل مزايا العامل الجيد، وآخر عامل رديء، أما الثلاثة الباقون ففي وضع وسطي، قريباً من الأول والثاني. وهكذا تجدون، حتى في مثل هذه الزمرة المؤلفة من خمسة أشخاص، تشكيلة كاملة لكل ما يمكن أن يقدمه خمسة رجال”. (إدموند بورك، انكار وتفاصيل عن الشخة، لندن، 1800، ص 15-16). (E, Burke, Thoughts and Details on Scarcity, London, 1800, p. 15-16).

قارن كذلك أقوال كيتله عن الفرد الوسطي. (انظر: كيتله، حول الإنسان ونمو قدراته، أو بحث في الفيزياء الاجتماعية). [ن. برلين].
(2) يفيدنا السيد البروفيسور روشر أن السيدة عقيلة البروفيسور استأجرت خياطة واكتشف أنها تنجز في يومين عملاً أكبر مما تنجزه خیاطتان تعملان معا عند السيدة زوجته في يوم واحد (*). كان حرياً بالسيد البروفيسور أن لا يدرس عملية الإنتاج الرأسمالي في غرفة الأطفال، وأن لا يعاینها في أوضاع تخلو من الشخصية الرئيسية، أي الرأسمالي.
(*) ف. روشر، أسس الاقتصاد القومي، الطبعة الثالثة، شتوتغارت، 1858، ص 88 – 89.

(3) (Concours des forces) (“اتحاد القوى”)، (دیستوت دو تراسي Destutt de Tracy، المرجع المذكور، ص 80).
(4) “ثمة الكثير من العمليات تبلغ من البساطة حداً يتعذر معه تقسيمها إلى أجزاء، ويتعذر تنفيذها بدون تعاون الكثير من الأيدي. وأذكر مثالا على ذلك تحميل جذع شجرة كبيرة في عربة… وباختصار كل ما يتعذر تنفيذه بدون تعاون عدد كبير من الأيدي في وقت واحد وفي عملية واحدة غير مجزأة”. (إي. جي. وایکفیلد، نظرة في فن الاستيطان، لندن، 1849، ص 168).
(E. G. Wakefield, A View of the Art of Colonization, London, 1849, p. 168).

(5) “إذا كان يستحيل إطلاقاً على شخص واحد أن يرفع ثقلا وزنه طنا، بينما لا يستطيع 10 أشخاص أن يفعلوا ذلك إلا بإجهاد قواهم كلها، فبإمكان 100 شخص أن يتوصلوا إلى ذلك بأن يحرك كل واحد منهم إصبعاً واحداً لا غير”. جون بيللرز، مقترحات لإنشاء كلية للصناعة، لندن، 1696، ص 21.

(6) “يجد المرء هنا”، (أي عندما يستخدم مزارع واحد في 300 إيكر العدد نفسه من العمال الذين يستخدمهم 10 مزارعين صغار في 30 إيكراً للواحد)، «الفائدة من زيادة عدد الأجراء، لا يدركها إلا أناس عملیون؛ فمن الطبيعي القول إن نسبة 1 إلى 4 هي كنسبة 3 إلى 12؛ ولكن هذه القاعدة لا تنطبق في الممارسة العملية. ففي أثناء الحصاد او بعض الأعمال الأخرى التي تقتضي، على عجل، زج الكثير من الأيدي العاملة سوية، يتحقق العمل بصورة أفضل وأيسر. وعلى سبيل المثال فإن سائقين اثنين، واثنين للتحميل، واثنين للمناولة بالمذراة، واثنين لجمع القش وبضعة أشخاص للتكديس أو العمل في البيدر ينفذون ضعف ما ينفذه نفس العدد من الأيدي العاملة المبعثرة ِفرقاً صغيرة في مزارع متفرقة». ([ج. اربوثنوت]، بحث في الصلة بين السعر الحالي للمؤن وحجم المزارع، بقلم مزارع، لندن، 1773، ص 7- 8).
(7) ينص تعريف أرسطو على أن الإنسان بطبيعته مواطن دولة – مدينة. وهذا تعريف يميز تحديدا العهود الكلاسيكية القديمة. بمقدار ما إن تعريف فرانكلين للإنسان بأنه صانع الأدوات، يميز عصر اليانكي.
(8) ينبغي أن نلاحظ بالإضافة إلى ذلك أن مثل هذا التقسيم الجزئي للعمل يمكن أن يحدث حتى حين ينخرط العمال في أداء المهمة ذاتها. فالبناؤون مثلا الذين يمررون الآجر من يد إلى يد وصولا إلى أعلى مراحل البناء ينفذون جميعا مهمة متماثلة، مع ذلك يوجد فيما بينهم نوع من تقسيم للعمل. ينحصر ذلك في أن كلا منهم يمرر الآجر لمسافة معينة، ولكنهم يوصلونه إلى المكان المقصود على نحو أسرع بكثير مما لو نقل كل منهم بصورة مستقلة الآجر لنفسه إلى الطابق الأعلى. (ف. سکاریك، نظرية الثروات الاجتماعية، الطبعة الثانية، باريس، 1839، ص 97-98).

(F. Skarbek, Théorie des richesses sociales, 2ème Éd, Paris, 1839, T.1, p. 97-98).
(9) “إذا اقتضى الأمر تنفيذ عمل معقد، وجب تنفيذ عمليات مختلفة، في آن واحد. فهذا يفعل شيئا وذاك شيئا آخر، ويسهم الجميع معا في إحراز النتيجة التي يتعذر تحقيقها على عاتق شخص واحد. فثمة من يجذّف، وآخر يدير الدفة، وثالث يصطاد السمك بالشباك أو بالحربة، وهكذا يتحقق نجاح يتعذر بدون مثل هذا التعاون”. (دیستوت دو تراسي، المرجع المذكور، ص 78).
(10) “إن لتنفيذها”، (الأعمال الزراعية) “في اللحظة الحرجة مفعول هائل”. [ج. اربوثنوت]، بحث في الصلة بين السعر الحالي، إلخ، ص 7.
([J. Arbuthnot], An inquiry into the connection between the present price, etc., p. 7).
“ليس في الزراعة من عامل أكثر أهمية من عامل الوقت”.. (ليبش، حول نظرية وممارسة الاقتصاد الزراعي، 1856).
(23Liebig , Uber Theorie and Praxis in der Landwirthschaft , 1856 , S)

(11) “إن الشر التالي، شر لا يكاد المرء يتوقعه في بلد يصدر من اليد العاملة أكثر من أي بلد آخر في العالم، ربما باستثناء الصين وإنكلترا، يكمن في استحالة إيجاد عدد كاف من الأيدي العاملة لجني القطن. ونتيجة ذلك أن قسماً كبيراً من المحصول يبقى بلا جني، بينما يلتقط القسم الآخر من الأرض بعد أن يكون قد تساقط القطن وفقد لونه وتعفن جزئياً. وهكذا فإن شح اليد العاملة في الموسم المطلوب يرغم المزارع على تقبل خسارة قسم كبير من المحصول الذي تصبو إنكلترا إليه”. (مجلة بنغال هورکارو، موجز نصف شهري لأخبار البلاد، 22 تموز/ يوليو، 1861).
(Bengal Hurkaru, Bi-Monthly Overland Summary of News, 22nd July, 1861).
(**) حرفياً: تكاليف غير مثمرة أو زائفة، وهو تعبير تقني اقتصادي استخدمه الاقتصاديون الفرنسيون في القرن التاسع عشر لوصف المصاريف غير المباشرة، أو غير المنتجة لكن الضرورية. [ن. ع].

(12) “بفضل تقدم الزراعة فإن كل تلك الكمية من رأس المال والعمل – ولربما أكثر من ذلك بكثير- التي كانت مبعثرة بصورة فضفاضة في 500 إيكر تتركز الآن لفلاحة 100 إيكر بصورة أكثر اتقان .. وعلى الرغم من أن رقعة المكان قد تقلصت بالقياس إلى الكمية المستخدمة من رأس المال والعمل، فإن نطاق الإنتاج قد اتسع بالمقارنة مع ذلك النطاق الإنتاجي الذي كان يقوم به عنصر منفرد في الإنتاج. (ر. جونز، بحث في توزيع الثروة، الفصل عن الريع، لندن، 1831، ص191).

(R. Jones, An essay on the distribution of Wealth, on rent, London, 1831, p. 191).

(13) “إن قوة الإنسان المفرد ضئيلة تماما، ولكن اتحاد عدد من هذه القوى الضئيلة يخلق قوة جماعية أكبر من مجموع تلك القوى الجزئية؛ وبفضل اتحادها تستطيع تقليص الوقت اللازم للفعل وتوسيع نطاقه”. جي. آر. كارلي، ملاحظة في كتاب ب. فيري، [تأملات في الاقتصاد السياسي، في طبعة كوستودي لمؤلفات الاقتصاديين الإيطاليين]، الجزء الخامس عشر، ص196.

(G.R. Carli, Note Zu: P. Verri, [Meditazioni sulla Economia Politica, Parte Moderna,] T.XV, p. 196).
(14) “الأرباح… هي الهدف الوحيد للأعمال”. (ج. فاندرلنت المرجع المذكور، ص 11). (15) أفادت الدورية سبکتاتور Spectator وهي مجلة إنكليزية مبتذلة، في عددها الصادر بتاريخ 26 أیار/ مايو عام 1866 أنه بعد اقامة نوع من المشاركة بين الرأسماليين والعمال في (wirework company) شركة مانشستر لإنتاج الأسلاك كانت النتيجة الأولى هي انخفاض مفاجئ في الضياعات حيث إن الرجال أدركوا أن ليس من مصلحتهم، شأنهم شأن أي رب عمل آخر، تبذير ما هو ملك لهم، ولعل الضیاعات، بعد الديون المعدومة، هي أضخم مصدر للخسائر في الصناعة”. وتكتشف هذه المجلة ذاتها النقص الجذري التالي في التجارب التعاونية في روشديل (***): “لقد برهنت أن بإمكان الاتحادات العمالية أن تنجح في إدارة الدكاكين والمعامل وكافة أشكال المصانع تقريبا، ولقد حسّنت وضع العمال أنفسهم إلى حد كبير جدا، ولكنها (!) لا تترك على الاطلاق مكاناً ملحوظاً لأرباب العمل”. [يا للفظاعة!] (!Quelle horreur):
“They showed that associations of workmen could manage shops, mills and almost all forms of industry with success, and they immensely improved the condition of men, but then they did not leave a clear place for masters”.

[(***) التجارب التعاونية في روشديل: بتأثير أفكار الاشتراكيين بادر عمال روشديل (شمال مانشستر) بإنشاء جمعية رواد المساواة، وكانت في البداية تعاونية استهلاكية، ثم دخلت ميدان الإنتاج، وبذلك بدأت أول حركة تعاونية في إنكلترا وبلدان أخرى. ن. برلین].
(16) يشير البروفيسور کایرنز إلى وجود الرقابة على العمل، (superintendence of labour) کسمة مميزة للإنتاج العبودي في الولايات الجنوبية من أميركا الشمالية، بعد ذلك يضيف قائلا: “إن الفلاح المالك” (في الشمال) “الذي يستملك كامل منتوج عمله لا يحتاج إلى ما يحفزه على الكد. فالرقابة هنا نافلة”، (کایرنز Cairnes، المرجع المذكور، ص 48-49).
(17) إن السير جيمس ستیوارت، الذي يتميز على العموم بعين لاقطة ترى السمات الاجتماعية المميزة لمختلف أنماط الإنتاج، يقول: “لماذا تدمر المشاريع الصناعية الكبرى الصناعة المنزلية الصغيرة، إن لم يكن للاقتراب من بساطة العبيد؟”. ([ج. ستيورات]، مبادئ الاقتصاد السياسي، ص 167-168).
([James Steuart], Principles of Political Economy, London, 1767, V.I, p. 167-168).
(18) بإمكان أوغست كونت ومدرسته أن يبرهنوا بصورة جيدة أيضا على الضرورة الأبدية للسادة الاقطاعيين كما برهنوا على الضرورة الأبدية للسادة الرأسماليين.
(19) ر. جونز، مقرر محاضرات، إلخ، هيرتفورد، 1852، ص 77 – 78.
(R. Jones, Text-book of lectures etc., Hertford, 1852, p. 77-78.)
إن مجموعة الآثار الآشورية والمصرية القديمة وغيرها الموجودة في لندن والعواصم الأوروبية الأخرى تتيح لنا أن نرى بأم العين عمليات العمل التعاونية هذه.
(20) لعل س. لينغيه كان محقا في كتابه نظرية القوانين المدنية Théorie des Lois Civiles عندما يسمي الصيد أول شكل للتعاون، وقنص البشر (الحرب) أول أشكال الصيد.
(21) إن الاقتصاد الفلاحي الصغير والإنتاج الحرفي المستقل يشكلان في جانب، قاعدة الإنتاج الاقطاعي، ولكنهما يستمران في الوجود جزئياً، بعد تفسخه، إلى جانب الإنتاج الرأسمالي. وفي الوقت ذاته يشكلان الأساس الاقتصادي للجماعة المشاعية القديمة في أوج ازدهارها، أي بعد زوال الملكية المُشاعة الشرقية الأصلية، وقبل سيطرة العبودية على زمام الإنتاج تماما.
(22) “أوليس جمع مهارة واجتهاد وتنافس الكثيرين في عمل واحد متماثل هو الطريق لتطويره قُدُماً؟ ولولا ذلك، هل كان بوسع إنكلترا أن ترتقي بصناعتها الصوفية إلى مثل هذا المستوى من الكمال؟”. (ج. بيركلي، المتسائل، لندن، 1750، ص 56، الفقرة 521).
(Berkeley, The Querist, London, 1750, p. 56, § 521).