رأس المال: الفصل التاسع (42) - معدل وكتلة فائض القيمة (ج 2)


كارل ماركس
الحوار المتمدن - العدد: 6513 - 2020 / 3 / 13 - 21:24
المحور: الارشيف الماركسي
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     



لن نتوقف عند تفاصيل التغيرات الحاصلة في العلاقة بين الرأسمالي والعامل المأجور في مجرى عملية الإنتاج، كذلك لن نسهب في شرح التطور الذي حصل في رأس المال نفسه. وحسبنا التأكيد، هنا، على بعض النقاط الرئيسة.

إن رأس المال، كما رأينا، غدا، في عملية الإنتاج، مُسيِّراً للعمل، أي مُسيّراً لقوة العمل الفاعلة ذاتياً، أي مسيراً للعامل نفسه. ويولي الرأسمالي، رأس المال هذا المتجسد في إهاب إنسان، اهتمامه على أن ينفذ العامل العمل بصورة مرضية، وبدرجة الشدة المتوخاة.

ثم تطور رأس المال، بعدئذ، إلى علاقة قسرية، ترغم الطبقة العاملة على أداء عمل يزيد عما تتطلبه الدائرة الضيقة لحاجات عيشها هي ذاتها. إن رأس المال، بوصفه العنصر الذي يولد نشاط الآخرين، ويعتصر فائض القيمة ويستغل قوة العمل، يفوق في طاقته وتجاوزاته، وشراسته، وكفاءته كل أنظمة الإنتاج السالفة التي كانت قائمة على العمل القسري المباشر.

في البدء، يُخضع رأس المال العمل ضمن الظروف التقنية التي تحيط بهذا الأخير تاريخياً كما هي عليه. لذا فإنه لا يقوم بتغيير نمط الإنتاج على الفور. وعليه فإن إنتاج فائض القيمة في الشكل الذي عالجناه تواً، أي عن طريق تمديد يوم العمل بكل بساطة، ظهر بصورة مستقلة عن أي تغيير في نمط الإنتاج نفسه. إذ لم يكن هذا الإنتاج لفائض القيمة في المخابز القديمة أقل فاعلية منه في مصانع غزل القطن الحديثة.

ولو تأملنا عملية الإنتاج من وجهة نظر عملية العمل البسيطة، لوجدنا أن العامل لا يواجه وسائل الإنتاج بصفتها رأسمال، بل بوصفها وسائل ومواد لنشاطه الهادف المنتج. ففي الدباغة، على سبيل المثال، يتعامل مع الجلود باعتبارها موضوعاً بسيطاً من مواضيع عمله. إنه لا يدبغ جلد الرأسمالي. غير أن الصورة تختلف منذ أن نعالج عملية الإنتاج من وجهة نظر عملية إنماء القيمة. فوسائل الإنتاج تتحول، على الفور، إلى وسائل امتصاص عمل الآخرين. ولم يعد العامل يستخدم وسائل الإنتاج، بل إن وسائل الإنتاج هي التي تستخدم العامل. وبدلا من أن يستهلكها كعناصر شيئية لنشاطه الإنتاجي، تشرع هي باستهلاكه كخميرة ضرورية لسيرورة حياتها الخاصة، وسيرورة حياة رأس المال تكمن في حركته كقيمة تنمي، وتضاعف ذاتها باستمرار. إن الأفران وورش العمل التي تهجع ساكنة في الليل، دون أن تمتص ذرة من العمل الحي، ليست أكثر من “خسارة صرف” (mere loss) تحيق بالرأسمالي. لذا فإن الأفران والورش تؤلف “حقوقاً مشروعة” في انتزاع “عمل الليل” من قوى العمل. إن مجرد تحول النقد إلى عناصر شيئية لعملية الإنتاج، إلى وسائل إنتاج، يمنح هذه الأخيرة الحق القانوني والحق الإلزامي في الاستيلاء على عمل الآخرين، وعلى العمل الفائض للآخرين. وثمة مثال سوف يبين، في خاتمة المطاف، كيف ينعكس في وعي الرأسماليين هذا الانقلاب للأدوار الخاص بالإنتاج الرأسمالي والمميز له، هذا التشويه الكامل للعلاقة بين العمل الميت والعمل الحي، بين القيمة والقوة خالقة القيمة. أثناء تمرّد أرباب المصانع الإنكليز بين أعوام 1848 و1850. كتب

“رئيس واحدة من أقدم المؤسسات وأكثرها احتراما في غرب اسكتلندا، هي شركة السادة كارلايل وأولاده وشركاه، لصناعة غزول الكتان والقطن في بيسلي، وقد مضى على وجود الشركة زهاء قرن، إذ باشرت العمل في عام 1752، وظلت أسرة كارلايل تديرها لأربعة

أجيال”.
كتب “هذا السيد (الجنتلمان) البالغ الذكاء” رسالة (1) نشرت في صحيفة غلاسكو ديلي ميل Glasgow Daily Mail في الخامس والعشرين من نيسان/ إبريل 1849، بعنوان “نظام المناوبة”، وجاء فيها من جملة ما جاء، هذا المقطع الموغل في سذاجته:

“دعونا الآن… نتأمل الشرور التي ستنجم عن تقليص عمل المصنع إلى 10 ساعات… إنها تعني إنزال أفدح الضرر وأخطره بمستقبل مالك المصنع وبملكيته. فإذا كان هذا (يقصد «عماله») يعمل في السابق 12 ساعة، وقلصت هذه إلى 10 ساعات، فإن كل 12 آلة أو منزلا في مؤسسته سوف تتقلص إلى 10 مغازل، وإذا ما عنّ له بيع مؤسسته، فإن قيمة الاثني عشر مغزلاً سوف تقدر بقيمة 10 مغازل، بحيث أن كل مصنع في البلاد سوف يفقد سُدس قيمته” (2). إن ذهن هذا الرأسمالي من غرب إسكتلندا، المتوارث لأربعة أجيال، يخلط خلطاً كبيراً بين قيمة وسائل الإنتاج، من مغازل وما إلى ذلك، وبين قدرة هذه الوسائل، من حيث هي رأسمال، على إنماء قيمتها الذاتية، أي على التهام كمية معينة من عمل الآخرين المجاني، كل يوم، بحيث أن رئيس مؤسسة كارلايل وشركاه، يتوهم، فعلا، إنه إذا ما باع مصنعه، فإنه لن تدفع له قيمة المغازل فحسب، بل ستدفع له، بالإضافة إلى ذلك، قيمة الإنماء الذاتي للقيمة، أي لن تدفع له قيمة العمل المتجسد فيها والضروري لإنتاج مغازل من هذا النوع فحسب، بل ستدفع له قيمة العمل الفائض الذي تساعد هذه المغازل على امتصاصه كل يوم من الأسكتلنديين الشجعان في بيسلي؛ ولهذا السبب بالذات يعتقد هذا السيد أن تقليص يوم العمل بمقدار ساعتين، سوف يفضي إلى خفض سعر بيع 12 آلة غزل، إلى ما يعادل سعر 10 آلات!

_______________

(1) تقارير مفتشي المصانع، 30 نيسان/إبريل، و184، ص 59.

(2) المرجع السابق، ص 60. إن مفتش المصانع، المدعو ستیوارت، وهو اسكتلندي المولد، مأخوذ تماما، على عكس مفتشي المصانع الإنكليز، بطريقة التفكير الرأسمالية هذه؛ ويقول حول هذه الرسالة التي يدرجها في تقريره، بافتتان، إنها الأكثر نفعا من البيانات التي قدمها أي من مالكي المصانع العاملين بنظام المناوبة، إلى أولئك المعنيين بالقضية نفسها، وهي البيان الأكثر دقة في إزالة التحيزات المسبقة لدى البعض من هؤلاء الذين يضمرون الريبة إزاء أي تغيير يراد إدخاله على ترتيب ساعات العمل..