رأس المال: الفصل التاسع


كارل ماركس
الحوار المتمدن - العدد: 6509 - 2020 / 3 / 9 - 20:06
المحور: الارشيف الماركسي
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     



معدل وكتلة فائض القيمة
نفترض في هذا الفصل، كما فعلنا من قبل، أن قيمة قوة العمل، وبالتالي الجزء من يوم العمل الضروري لتجديد إنتاج قوة العمال وإدامتها، هي مقدار معين، ثابت.

وإذا انطلقنا من هذا الافتراض، فإن معدل فائض القيمة يتعيّن في آن واحد مع كتلة فائض القيمة الذي يقدمه العامل الواحد للرأسمالي في فترة محددة من الوقت. فمثلا لو أن العمل الضروري يبلغ 6 ساعات يومياً، ويتمثل بكمية من الذهب = 3 شلنات، وهذا يساوي تالراً واحداً، فإن التالر هو القيمة اليومية لقوة عمل واحدة، أي أنها تمثل قيمة رأس المال المدفوع سلفاً لشراء قوة عمل واحدة. وإذا كان معدل فائض القيمة = 100%، فإن رأس المال المتغير هذا، البالغ تالراً واحداً، ينتج مقداراً من فائض القيمة يبلغ تالراً، أي أن العامل يقدم يومياً كتلة من العمل الفائض تساوي 6 ساعات.

لكن رأس المال المتغير هو التعبير النقدي عن القيمة الكلية لجميع قوى العمل التي يستخدمها الرأسمالي في آن معا. وعليه فإن قيمته تساوي القيمة الوسطية لقوة عمل واحدة مضروبة بعدد قوى العمل المستخدمة. إذن، حين تكون قيمة قوة العمل معينة، فإن مقدار رأس المال المتغير يتناسب طرديا مع عدد العمال المستخدمين في آن واحد. فلو كانت القيمة اليومية لقوة عمل واحدة تساوي تالراً واحداً، فينبغي دفع رأسمال قدره 100 تالر سلفا بغية استغلال 100 قوة عمل ليوم واحد، أو ينبغي دفع (ن x تالر)، بغية استغلال (ن) من قوى العمل في يوم واحد.

وعلى النسق نفسه، إذا كان رأس المال المتغير البالغ تالر واحد، باعتباره القيمة اليومية لقوة عمل واحدة، ينتج فائض قيمة يومية قدره تالراً واحداً، فإن رأسمالا متغيراً قدره 100 تالر سوف ينتج فائض قيمة يومية قدره 100 تالر، وإن رأسمالا متغيرة قدره (ن x تالر)، سوف ينتج فائض قيمة يبلغ (ن x تالر). وعليه فكتلة فائض القيمة التي يتم إنتاجها يساوي حاصل ضرب فائض القيمة الذي يقدمه عامل واحد خلال يوم العمل في عدد العمال المستخدمين. ولكن بما أن معدل فائض القيمة يعين كتلة فائض القيمة التي ينتجها عامل واحد، حين تكون قيمة قوة العمل معينة، ينجم عن ذلك القانون الأول الآتي: إن كتلة فائض القيمة التي يتم إنتاجها تساوي مقدار رأس المال المتغير المدفوع سلفا مضروباً في معدل فائض القيمة؛ أو بتعبير آخر إن كتلة فائض القيمة تتحدد بالعلاقة الجامعة بين عدد قوى العمل التي يستغلها رأسمالي واحد في آن معا، ودرجة استغلال كل قوة عمل فردية (*).

لنرمز إلى كتلة فائض القيمة (ف) ونرمز إلى فائض القيمة الذي ينتجه عامل واحد في يوم وسطي (ف)، وإلى رأس المال المتغير المدفوع سلفاً لشراء قوة عمل واحدة ليوم واحد (م)، والمقدار الكلي لرأس المال المتغير (م)، والقيمة الوسطية لقوة العمل (س)، ودرجة استغلال قوة العمل ع = العمل الفائض/ ض = العمل الضروري، وعدد العمال المستخدمين (ن)، نحصل على ما يلي:

كتلة فائض القيمة (ف) = ف/ م X (م)
كتلة فائض القيمة (ف) = س x ع/ض x ن

إننا نفترض دوما ليس فقط أن قيمة قوة العمل الوسطية هي مقدار ثابت، بل نفترض أيضا أن العمال الذين يستخدمهم رأسمالي ما مختزلون إلى عمال وسطيين. وهناك حالات استثنائية لا يزداد فيها فائض القيمة الذي يتم إنتاجه زيادة طردية متناسبة مع عدد العمال المستغلين، ولكن قيمة قوة العمل، في حال كهذه، لا تظل ثابتة.
وعليه ففي إنتاج كتلة محددة من فائض القيمة، نجد أن انخفاض العوامل المقررة لهذه الكتلة يعوض عنه ارتفاع يطرأ على عامل آخر. فلو أن رأس المال المتغير هبط بنسبة تعادل نسبة ارتفاع معدل فائض القيمة الذي يطرأ في آن معا، فإن كتلة فائض القيمة تظل على حالها. ولو كان على الرأسمالي، انطلاقا من فرضيتنا السابقة، أن يدفع سلفا 100 تالر بغية استغلال 100 عامل ليوم واحد، وكان معدل فائض القيمة يبلغ 50%، فإن رأس المال المتغير هذا، البالغ 100 تالر يثمر فائض قيمة مقداره 50 تالراً، أو يثمر 100×3 = 300 ساعة عمل. وإذا تضاعف معدل فائض القيمة، أي أن يمدد يوم العمل من 6 إلى 12 ساعة، عوضا عن أن يمدد من 6 إلى 9 ساعات، ويقلص رأس المال المتغير في الوقت نفسه إلى النصف، أي يقلص إلى 50 تالراً، فإنه يثمر فائض قيمة قدره 50 تالراً، أي يثمر 50x 6= 300 ساعة عمل. إذن فإن تقليص رأس المال المتغير يمكن التعويض عنه بزيادة متناسبة في درجة استغلال قوة العمل، أي أن تخفيض عدد العمال المستخدمين يمكن التعويض عنه بتمديد متناسب في يوم العمل. وعلى هذا فإن عرض العمل الذي يمكن لرأس المال استغلاله يصبح، في حدود معينة، مستقلا عن عرض العمال (1). وعلى العكس من ذلك، فإن هبوطاً في معدل فائض القيمة يترك كتلة هذا الفائض على حالها، إذا ما ازداد مقدار رأس المال المتغير، أي عدد العمال المستخدمين، بنسبة مماثلة.

غير أن التعويض عن انخفاض عدد العمال المستخدمين، أو عن تخفيض مبلغ رأس المال المتغير المدفوع سلفاً، برفع معدل فائض القيمة، أو تمديد يوم العمل، له حدود يتعذر اجتيازها. إذ أيّاً كانت قيمة قوة العمل، وبالتالي سواء كان وقت العمل الضروري لإدامة العامل هو ساعتان أم عشر ساعات، فإن القيمة الإجمالية التي يستطيع العامل إنتاجها يومية، هي دائماً أقل من القيمة التي تتشيأ فيها 24 ساعة عمل، أي أقل من 12 تالراً أو 4 تالرات، إذا كان هذا المبلغ هو التعبير بالنقد عن 24 ساعة من العمل المتشیئ. وحسب فرضيتنا السابقة، حيث كانت 6 ساعات عمل ضرورية كل يوم لإعادة إنتاج قوة العمل نفسها أو التعويض عن قيمة رأس المال المدفوع سلفا على شرائها، فإن رأسمالا متغيرة قدره 500 تالر يستخدم 500 عامل، بمعدل فائض قيمة يبلغ 100%، أي في يوم عمل مؤلف من 12 ساعة، ينتج فائض قيمة مقداره 500 تالر في اليوم، أو ينتج 6×500= 3000 ساعة عمل. وإن رأسمالا مقداره 100 تالر، ويستخدم 100 عامل في اليوم بمعدل فائض قيمة يبلغ 200%، أي في يوم عمل مؤلف من 18 ساعة، ينتج كتلة من فائض القيمة تساوي 200 تالر، أي 12×100= 1200 ساعة عمل؛ غير أن القيمة الكلية للمنتوج اليومي، أي ما يعادل رأس المال المتغير المدفوع سلفاً زائداً فائض القيمة، لا يمكن أن يصل، في أي يوم، إلى 400 تالر أي لا يمكن أن يبلغ 24×100 ساعة عمل. فالحد المطلق ليوم العمل الوسطي -وهذا اليوم هو دائماً، أقل من 24 ساعة، بحكم الطبيعة- يضع حداً مطلقاً بوجه التعويض عن انخفاض رأس المال المتغير برفع معدل فائض القيمة، أي التعويض عن انخفاض عدد العمال المستغلين برفع درجة استغلال قوة العمل. وهذا القانون الثاني الجلي للعيان يتسم بالأهمية في توضيح العديد من الظواهر الناجمة عن ميل رأس المال (وهذا ما سنعالجه فيما بعد)، ميله إلى تقليص عدد العمال الذين يستخدمهم إلى أدنى حد ممكن، أي تقليص جزئه المتغير المحول إلى قوة عمل، وذلك في تناقض مع ميله الآخر إلى إنتاج أكبر كتلة ممكنة من فائض القيمة. وعلى العكس، نجد أنه إذا ما ارتفعت كتلة قوة العمل المستخدمة، أي إذا ارتفع مقدار رأس المال المتغير، ولكن ليس بنسبة انخفاض معدل فائض القيمة، فإن كتلة فائض القيمة المُنتجة تهبط.

وينشأ قانون ثالث عن تحديد كتلة فائض القيمة المنتجة بفعل عاملين هما: معدل فائض القيمة، ومقدار رأس المال المتغير المدفوع سلفاً. إن معدل فائض القيمة، أي درجة استغلال قوة العمل، وقيمة قوة العمل، أي مقدار وقت العمل الضروري، إذا كانا معلومين، فمن الواضح بداهة أنه كلما تعاظم رأس المال المتغير، تعاظمت کتلتا القيمة وفائض القيمة اللتان يتم إنتاجهما. وإذا كانت حدود يوم العمل معلومة، وكان جزؤه الضروري معلوماً بالمثل، فإن كتلتي القيمة وفائض القيمة اللتين ينتجهما رأسمالي واحد، تتوقفان بالبداهة، حصراً، على كتلة العمل التي يضعها قيد الحركة. غير أن كتلة العمل هذه تتوقف، حسب الشروط المفترضة آنفا، على كتلة قوة العمل، أي على عدد العمال الذين يستغلهم، وهذا العدد بدوره يتوقف على مقدار رأس المال المتغير الذي يدفعه الرأسمالي سلفاً. إذن، فكتل فائض القيمة التي يتم إنتاجها تتناسب تناسباً طرديا مع مقادير رؤوس الأموال المتغيرة المدفوعة سلفاً، إذا كان معدل فائض القيمة وقيمة قوة العمل كميتين معينتين. غير أننا نعرف أن الرأسمالي يقسم رأسماله إلى جزأين. جزء يوظفه في وسائل الإنتاج. وهذا هو الجزء الثابت من رأس المال. أما الجزء الآخر فينفقه على قوة العمل الحي. وهذا الجزء يؤلف رأسماله المتغير. وعلى قاعدة نمط الإنتاج الاجتماعي نفسه، يتباين تقسيم رأس المال إلى جزء ثابت وجزء متغير من فرع إلى آخر من فروع الإنتاج، بل إن هذا التقسيم يتغير داخل الفرع الإنتاجي الواحد بتغير الأسس التقنية، وبتغير التراكيب الاجتماعية لعمليات الإنتاج. ولكن أيا كانت النسب التي ينقسم رأسمال معين، بموجبها، إلى جزء ثابت وجزء متغير، سواء كانت نسبة الأخير إلى الأول هي 2:1 أو 10:1 أو 1: س، فإن القانون الذي صغناه قبل قليل لا يتأثر بذلك قيد شعرة. فبالاستناد إلى تحليلنا السابق، نعرف أن قيمة رأس المال الثابت تعود إلى الظهور في قيمة المنتوج، ولكنها لا تدخل في القيمة الجديدة التي تم إنتاجها. وبالطبع فإن استخدام 1000 عامل غزل يقتضي كمية أكبر من المواد الخام والمغازل، إلخ، مما يتطلبه استخدام 100 عامل غزل. ويمكن لقيمة وسائل الإنتاج الإضافية هذه أن ترتفع أو تهبط، أو تظل على حالها، أو أن تكون كبيرة أو صغيرة، فذلك كله لا يؤثر أي تأثير على عملية إنماء القيمة بواسطة قوى العمل التي تحرك وسائل الإنتاج. وعلى هذا فالقانون المذكور آنفا، يتخذ الآن الصيغة التالية: إن كتل القيمة وكتل فائض القيمة التي تنتجها رؤوس الأموال المختلفة – شريطة أن تكون قيمة قوة العمل معينة، وشدة استثمار قوة العمل متساوية – تتناسب طرديا مع مقادير الأجزاء المتغيرة من رؤوس الأموال هذه، أي مع الأجزاء التي تتحول إلى قوة عمل حي.

ويتناقض هذا القانون، كما هو جلي، مع كل التجربة المبنية على المظهر البرّاني. ويعرف الجميع أن صاحب مصنع غزل القطن الذي يوظف مقداراً كبيراً من رأس المال الثابت، ومقداراً قليلا من رأس المال المتغير، إذا ما حسبنا مجمل رأسماله على أساس النسبة المئوية، لا يضع في جيبه، بسبب ذلك، ربح أقل أو فائض قيمة أقل مما يضع صاحب المخبز، الذي يحرك مقداراً كبيراً من رأس المال المتغير، ومقداراً ضئيلا من رأس المال الثابت. ولحل هذا التناقض الظاهري، ينبغي توافر عدد من الحلقات الوسطية، مثلما يلزمنا، من وجهة نظر الجبر الأوليّ، عدد من الحدود الوسطية لفهم أن صفر/ صفر قد تمثل مقداراً واقعياً. ورغم أن الاقتصاد السياسي الكلاسيكي لم يصغ هذا القانون، فإنه يتمسك به غريزياً، ومرد ذلك أن هذا القانون هو نتيجة منطقية حتمية لقانون القيمة عموما. ويحاول هذا الاقتصاد الكلاسيكي عن طريق التجريد القسري؛ إنقاذ القانون من الاصطدام بتناقضات الظاهرة. وسنرى لاحقا (2)، كيف أن مدرسة ریکاردو أخفقت في تجاوز هذه العقبة الكأداء. أما الاقتصاد المبتذل الذي “لم يتعلم شيئة البتة” (**) حقا، فإنه يتمسك، في هذا الشأن وسواه، بمظهر الظاهرة وليس بالقانون الناظم للظاهرة. فهو يؤمن، بعكس سبينوزا، أن “الجهل سبب كاف” (***).
إن العمل الذي يحركه مجمل رأس المال الاجتماعي، يوما بعد يوم، يمكن اعتباره بمثابة يوم عمل جماعي واحد. فلو أن عدد العمال، على سبيل المثال، مليون عامل، وقوام يوم العمل الوسطي الذي يؤديه العامل هو 10 ساعات، فإن يوم العمل الاجتماعي يتألف من 10 ملايين ساعة. وإذ يكون أمد يوم العمل هذا محدداً، سواء أجرى تثبيت حدوده لاعتبارات اجتماعية أم جسدية، فلا يمكن زيادة مقدار فائض القيمة إلا بزيادة عدد العمال، أي زيادة السكان العاملين، ويؤلف نمو السكان، هنا، الحد الرياضي المقرر لما ينتجه مجمل رأس المال الاجتماعي من فائض قيمة. وعلى العكس من ذلك، إذا كان عدد السكان محدداً، فإن حد فائض القيمة يقرره التمديد الممكن ليوم العمل (3) وعلى أي حال، سوف نرى في الفصل التالي، أن هذا القانون لا ينطبق إلا على شكل فائض القيمة الذي عالجناه حتى اللحظة.
ونخلص من معالجتنا لموضوع إنتاج فائض القيمة، حتى الآن، إلى أنه ليس كل مبلغ من النقد، أو كل مقدار من القيمة، قابل للتحول إلى رأسمال على هوى المرء. فلكي يتحقق هذا التحويل لا بد من توافر حد أدنى معين سواء من النقد أو القيمة التبادلية بين يدي الفرد مالك النقد أو السلع. فالحد الأدنى من رأس المال المتغير هو سعر كلفة قوة عمل واحدة، تستخدم على مدار السنة، يوما إثر يوم، لإنتاج فائض القيمة. ولو كان هذا العامل مالكاً لوسائل الإنتاج الخاصة به، وكان قانعا بالعيش في مستوى عامل، فإنه لن يكون بحاجة إلى العمل أكثر من الوقت الضروري لإعادة إنتاج وسائل عيشه، وليكن ذلك 8 ساعات في اليوم. زد على ذلك أنه لن يحتاج من وسائل الإنتاج سوى ما يكفيه لثماني ساعات في اليوم. أما الرأسمالي الذي يدفعه لأداء 4 ساعات من العمل الفائض، بجانب هذه الساعات الثماني، فإنه يحتاج إلى مبلغ إضافي من النقد لشراء وسائل الإنتاج الإضافية. ويتوجب عليه وحسب فرضيتنا أعلاه أن يستخدم اثنين من العمال لكي يكون قادراً على العيش بمستوى عامل واحد، لا أفضل، من فائض القيمة الذي يستولي عليه كل يوم، أي لكي يكون قادراً على تلبية حاجاته الضرورية. وهنا يكون مجرد إدامة الحياة هي غايته من الإنتاج، لا زيادة الثروة؛ غير أن زيادة الثروة هي الغاية القائمة للإنتاج الرأسمالي. وحتى يعيش بضعف مستوى العامل الواحد، ويتمكن من تحويل نصف فائض القيمة المنتج إلى رأسمال، يتعين عليه أن يزيد عدد العمال ويرفع الحد الأدنى لرأس المال المدفوع سلفاً، 8 مرات. وبالطبع فإن بوسعه، شأن عامله، أن يزاول العمل هو أيضا، وأن يساهم مباشرة في عملية الإنتاج، ولكنه في هذه الحالة لن يكون أكثر من كائن هجين بين الرأسمالي والعامل، لن يكون أكثر من “رب عمل صغير” (*4). وإن درجة معينة من الإنتاج الرأسمالي، تشترط أن يستطيع هذا الرأسمالي تكريس كامل الوقت الذي يؤدي فيه وظيفته كرأسمالي، أي كرأسمال في إهاب شخص، في الاستيلاء على عمل الآخرين ومراقبته، وبيع منتوجات هذا العمل (4). لقد سعت الطوائف الحرفية في القرون الوسطى إلى الحيلولة، بالقوة، دون تحول المعلّم، في الحرف اليدوية، إلى رأسمالي، بتحديد عدد قليل من الأجراء الذين يحق لرب العمل الواحد استخدامهم في أقصى الأحوال. فمالك النقد أو السلع لا يتحول فعلا إلى رأسمالي، في حالات كهذه، إلا عندما يتجاوز الحد الأدنى من المبلغ المدفوع للإنتاج، بدرجة كبيرة، الحد الأقصى المسموح به في القرون الوسطى. ويتضح هنا، كما في العلوم الطبيعية، صحة القانون الذي اكتشفه هيغل في كتابه «المنطق» والذي ينص على أن التغيرات الكمية المحض تتحول، بعد تجاوزها نقطة معينة، إلى فوارق نوعية (5).

إن مقدار الحد الأدنى من القيمة الذي ينبغي للفرد مالك النقد أو السلع أن يتحكم به كي ينسلخ عن شرنقته ويتحول إلى رأسمالي، يتباين بتباين مراحل تطور الإنتاج الرأسمالي، كما يتباين في المرحلة الواحدة بتباين فروع الإنتاج تبعا لظروفها الخاصة وشروطها التقنية. فبعض فروع الإنتاج يقتضي، حتى لو كان الإنتاج الرأسمالي في فجر ولادته، مبلغاً من رأس المال لا يمكن له أن يتوافر، بعد، بين يدي فرد واحد. وهذا يفضي، جزئياً إلى قيام الدولة بدفع الإعانات إلى أرباب العمل الأفراد، كما حدث في فرنسا زمن كولبير، وكما يحدث في الكثير من الولايات الألمانية حتى يومنا هذا؛ ويفضي، جزئياً إلى إنشاء جمعيات تتمتع باحتكار قانوني لاستثمار فروع معينة في الصناعة والتجارة (6)، وهي السلف الأول للشركات المساهمة المعاصرة.

____________

(*) في الترجمة الفرنسية التي اجازها المؤلف ترد الجملة الأخيرة بالصيغة التالية: “أو بتعبير آخر فإنه [كتلة فائض القيمة المنتجة. ن. ع] يساوي قيمة قوة العمل الواحدة مضروبة في درجة استغلالها ومضروبة بعدد نوى العمل المستغلة في آن معا”. وهي العلاقة التي تعبر عنها المعادلة التي سيوردها المؤلف توّاً. [ن. برلین].
(1) يبدو أن الاقتصاديين المبتذلين يجهلون هذا القانون الأولي، فهم يتوهمون أنهم وجدوا في تحديد سعر قوة العمل في السوق بواسطة العرض والطلب، نقطة الارتكاز التي، على عكس أرخميدس، لا يحركون العالم بواسطتها، بل يوقفون بها حركته.
(2) سنقدم تفاصيل أخرى في المجلد الرابع.
(**) “لم يتعلم شيئا، ولم ينس شيئا”، هذا ما قاله تاليران بشأن المهاجرين الأرستقراطيين الذين عادوا إلى فرنسا مع عودة آل بوربون إلى دست الحكم عام 1815، وأخذوا يسعون إلى استعادة أراضيهم وفرض الالتزامات الإقطاعية على الفلاحين من جديد. [ن. برلین].
(***) في ملحق الجزء الأول من مؤلفه “الأخلاق”، (Ethik) يقول سبينوزا بأن الجهل ليس سببا كافياً، وذلك في معرض الرد على أصحاب النظرة الغائية – الأكليروسية القائلين بأن كل شيء في الطبيعة مقصود به تحقيق غاية معينة، وإن إرادة الله هي سبب من الأسباب لكل الظواهر، متذرّعين بحجة واحدة هي جهلهم لأسباب أخرى. [ن. برلین].
(3) “إن العمل الذي يؤديه المجتمع، وقته الاقتصادي، هو مقدار معين، ولنقل إنه 10 ساعات عمل لمليون شخص في اليوم، أي 10 ملايين ساعة… وزيادة رأس المال تواجه حدوداً. ويمكن بلوغ هذه الحدود، في أية فترة معينة، عن طريق التمديد الفعلي للوقت الاقتصادي المستخدم”. (بحث في الاقتصاد السياسي للأمم، لندن، 1821، ص 47-49).
(An Essay on the political economy of nations, London, 1821, p.47-49).
(*4) حرفيا: المعلم أو الأسطة (small master , kleiner Meister) كما هو دارج في عدد من اللهجات العامية. [ن. ع].
(4) “إن المزارع لا يستطيع الاعتماد على عمله الخاص وحده، وإن فعل، فإنني أؤكد أنه سيكون بذلك خاسراً. فوظيفته يجب أن تقتصر على المراقبة العامة للجميع: ينبغي أن يراقب الدرّاس، وإلا ضاع الأجر المدفوع لهذا وبقي القمح دون دراسة، وينبغي له أن يراقب الحاصدین، والقطافين، إلخ، وينبغي له أن يتفقد سياجات المزرعة باستمرار؛ وأن يتأكد من عدم وقوع إهمال، وهذا ما سيقع فيما لو قصر المزارع نفسه على العمل في موضع واحد دون غيره”، [ج. اربوثنوت]، بحث في الصلة بين السعر الحالي للمؤن وحجم المزارع، إلخ، بقلم مزارع، لندن، 1773، ص 12.
إن هذا الكتاب مثير للاهتمام حقا. ويمكن أن ندرس فيه أصل نشوء “المزارع الرأسمالي” (capitalist farmer) او “المزارع التاجر” (merchant farmer) حسبما يسميه المؤلف بوضوح، وأن نجد فيه تمجيداً ذاتياً لهذا، على حساب المزارع الصغير (small farmer) الذي لا هم عنده سوى الحفاظ على عيش الكفاف. إن طبقة الرأسماليين متحررة من ضرورة مزاولة العمل اليدوي، تحرراً جزئياً بادئ الأمر، ثم تحرراً كلياً، في آخر المطاف. (نص محاضرات في الاقتصاد السياسي للأمم. تأليف المحترم ريتشارد جونز، هيرتفورد، 1852، المحاضرة الثالثة، ص 39).
(Textbook of Lectures on the Political Economy of Nations. By the Rev. Richard Jones, Hertford, 1852, Lecture III, p. 39).

(5) إن النظرية الجزيئية المستخدمة في الكيمياء الحديثة، التي كان لوران وغيرهارت، أول من يصوغها علمياً، ترتكز على هذا القانون من دون سواه. [إضافة للطبعة الألمانية الثالثة: لتفسير هذا القول، وهو غامض عند غير الملمين بالكيمياء، نشير إلى أن المؤلف بتحدث، هنا، عن السلاسل المتماثلة من مركبات الكاربون، التي كان ش. غيرهارت أول من يطلق عليها هذه التسمية عام 1843، إذ إن لكل واحدة من هذه السلاسل صيغتها العامة بالرموز الجبرية. وهكذا فإن سلسلة البارافينات تتمثل في الصيغة 2+Cn2n، وصيغة الكحول العادي هي 20+CnH2n وصيغة الحوامض الدهنية الاعتيادية هي CnH2nO2، وكثير غير ذلك. ونجد في هذه الأمثلة المذكورة أعلاه أن الإضافة الكمية البسيطة للهيدروكربون ch2 إلى الصيغة الجزيئية تؤدي إلى نشوء مركّب مختلف نوعياً، في كل مرة. وبصدد دور لوران وغيرهارت في تحديد هذه الحقيقة الهامة (وهو دور بالغ به مارکس)، راجع کتاب کوب: تطور الكيمياء، میونیخ، 1873، ص 709-716، وكتاب شورلمر المعنون: نشوء وتطور الكيمياء العضوية، لندن، 1879، ص 54]. [ن. إنجلز].
(6) يسمي مارتن لوثر هذا النوع من المؤسسات بـ “الشركة الاحتكارية”.