راهنية أفكار لينين.. كتابة أولية حول الثورة


بندر نوري
2020 / 2 / 29 - 19:30     

يدور جدل كبير في أوساط اليسار في العالم حول مدي راهنية أفكار لينين وخاصة أفكاره حول الثورة للتعبير عن المتغيرات الموجودة في عصرنا الراهن، عصر الراسمالية المتأخرة. هذا المقال لا يستهدف إعادة قراءة لينين في هذه العجالي رغم الأهمية الثورية لمثل هذه القراءة النقدية للتراث اللينيني وإكتشاف ما سيخبرنا به عن الثورة والتغيير الثوري في عالم اليوم بل يستهدف تسليط الضوء علي ثورة 1905 وما أضافته لمفهوم الثورة علي مستوي العالم حيث أن الموقف من ثورة 1905 كان واحد من أسباب ظهور تيارين داخل الحزب الإشتراكي الديمقراطي وهما التيار البلشفي والمنشفي.
رغم أن أسباب الإنقسام تمتد من الموقف من الثورة أو مفهوم الثورة لتشمل قضايا تنظيمية داخلية بسبب التنازلات التي قدمتها القيصرية في روسيا عقب ثورة 1905 وظهور الإنفراجة النسبية مما دعي المناشفة لطرح وجهة وصفها لينين بالتصفوية، بسبب الإرتهان التام علي جهاز الحزب الشرعي ومحاولة التخلص من الهيكل السري للحزب (لينين وبناء الحزب).
إرهاصات ثورة 1905 بدات بإضرابات عمال الحديد مطالبة بتقليص ساعات العمل، تحسين ظروف العمل (الصحة المهنية) والخدمات الصحية للطبقة العاملة (تاريخ الديمقراطية.. تفسير ماركسي). وما لبثت أن إنتشرت هذه العدوي الثورية إنتشار الهشيم في النار حيث تضامن معهم عمال بطرسبورغ وإتسعت رقعة المطالب أيضا لتشمل حرية التعبير والإنتخاب، مما دعي بالقيصر للتعامل بكل عنف مع هذه التجمعات السلمية، ونتج عن هذا العنف قتل وجرح ما لا يقل عن 1000 من العمال (نفس المصدر). عرف ذلك اليوم بالأحد الدامي وإمتدت اثاره إلي كل المدن الروسية الرئيسية في شكل إضرابات وثورة مزارعين في الأرياف. تتم تتويج هذه الحراكات بتكوين مجلس عمال بتروجراد في يوم 13 أكتوبر والذي تكون من 226 من الممثلين للعمال العاملين بالمصانع بموجب عامل مقابل 500 من العمال (تمثيل نسبي) (تاريخ الديمقراطية.. تفسير ماركسي).
يستطرد بريان روبر ويقول رغم ان سوفييت بتروغراد لم يصمد سوي أيام من يوم 13 أكتوبر و حتي 3 ديسمبر الا أنه في هذه الفترة الوجيزة قد دعا لاضرابين للعمال في أكتوبر ونوفمبر وساهم في نضال العمال الضروس من أجل تحسين مرتباتهم، بيئة العمل وإنتزاع حقوقهم الديمقراطية. كما تم تكوين سوفيتات عمال في موسكو وأغلب المدن الكبيرة في نفس الفترة. أثبتت تجربة ثورة 1905 الإمكانيات الثورية الهائلة التي تتمتع بها الطبقة العاملة الصناعية بوجودها في المصانع الكبيرة في معظم المدن الكبيرة في روسيا مما أشار بوضوح لإمكانية أن تلعب دورا كبيرا في الثورة ضد القيصر. كما أثبت أحداث 1905 الإمكانيات الثورية الكامنة في المزارعين والتي تجلت في ثوراتهم ضد النبلاء (تاريخ الديمقراطية.. تفسير ماركسي). لكن يظل الدرس المهم المستفاد بالنسبة للبلاشفة هو عدم قدرة البرجوازية علي قيادة الثورة وخاصة بعد أن وافقت علي التنازلات الشحيحة التي قدمتها القيصرية بتكوين المجلس التشريعي عديم الصلاحيات والذي عرف بالدوما. كانت أحداث ثورة 1905 وتبعاتها مفصلية حيث تحالف المناشفة مع القيصر في برلمان 1905 (الدوما)، وتم تشكيل حكومة مؤقتة من الليبرالين والمناشفة والإشتراكيين الثوريين مرتبطة بالنبلاء والقيصر مما أبعدها من قضايا ثورة 1905 الأساسية، الأرض للفلاحين (إعادة توزيع ملكية الأراضي)، ديمقراطية أماكن العمل، والسلام وفشلت حتي في توفير الخبز للمواطنين!!. بينما عمل البلاشفة علي تنظيم العمال والمزارعين والجنود في مجالس العمال (السوفيتات) في المدن المختلفة تحضيرا لثورة أكتوبر 1917. حيث ساهم وضوح الخط الثوري للبلاشفة وموقفهم من السلطة في قدرتهم علي التغلغل وسط العمال وتنظيمهم حيث تم تكوين 77 مجلس عمالي في 77 مدينة، لدرجة أن ممثلي مجلس مدينة برتوغراد وحدها المنتخبين من العمال بلغ 1100 عامل (كل 500 عامل يمثلهم عامل واحد كما أسلفت). فشل الحكومة المؤقتة في تحقيق مطالب ثورة 1905 كان من العوامل الأساسية في زيادة نفوذ البلاشفة وسط العمال ورفعهم لشعار الأرض الخبز والسلام (تاريخ الديمقراطية.. تفسير ماركسي).
كما أشارت هذه الأحداث لهشاشة سلطة القيصر وعدم قدرتها علي مواجهة المد الثوري، بالإضافة إلي الأهمية القصوي التي تمثلها وجود قيادة ثورية لاي حراك ثوري.
نظريا ألهبت هذه التجربة المنظرين الماركسيين خاصة روزا لوكسمبورغ ولينين عن دور الممارسة العملية للطبقة العاملة ومشاركتها في تنظيم الإضرابات في التحولات الدراماتيكية في الوعي الجمعي الطبقي للطبقة العاملة. ومن هذه التجربة صاغت روزا لوكسمبورغ السجالية الرئعة ضد برنشتاين حول دور المحاولات الفاشلة للطبقات العاملة في الوصول للنضج الكافئ الذي يمكنها من الإستيلاء علي السلطة (The sublime object of ideology).
الإنقسام الذي حدث بين المناشفة والبلاشفة حول الموقف من ثورة 1905 ساهم في بلورة نظرية الثورة عند البلاشفة والتي لها مرجعيتها أيضا في أحداث كومونة باريس عام 1871. وأيضا ساهم هذا الموقف في التمييز بين نظرية الثورة عند الأحزاب الشيوعية وبين أحزاب الإشتراكيين الديمقراطيين والتي تمثل أحزاب العمال إمتدادا طبيعيا لها. أي بين تلك التي تهدف من الثورة تغيير كامل للنظام الراسمالي وبين التي تهدف إلي البقاء وإدامة النظام الراسمالي لكن مع السيطرة علي عواقب هذا النظام وتبعاته المدمرة.
كان موقف المناشفة من ثورة 1905 حسب بريان روبر أن روسيا غير مكتملة التطور إجتماعيا وإقتصاديا وأن الطبقة العاملة صغيرة من حيث العدد وغير قادرة علي بناء الإشتراكية. لذا فان دور الإشتراكيين في نظر المناشفة ينحصر في العمل علي الدفع بثورة برجوازية تتطيح بالقيصر وتقدم تنازلات للطبقة العاملة من جهاز الدولة الديمقراطي. بمعني ضرورة المرور باللوحة الخماسية (شيوعية بدائية، عبودية، إقطاع، راسمالية، إشتراكية) وبالتحديد ضرورة المرور بمرحلة التحديث البرجوازي من أجل تطوير القوي المنتجة حتي تتمكن من بناء الإشتراكية وهي نظرية الثورة عند معظم الأحزاب الشيوعية العربية فهي رؤية منشفية بإمتياز وإن إدعت التمسك بالماركسية اللينينية في فترات مختلفة إلا أنها تخلت عنها أخيرا وأعلنت إنسجامها المنشفي الكامل.
مقابل ذلك كان موقف لينين والبلاشفة رفض أطروحة دعم الثورة البرجوازية وقدرة البرجوازية علي قيادة الثورة بسبب صلاتها المتعددة من ناحية المصالح الإجتماعية والطبقية بالنبلاء رغم تسليمهم بتخلف روسيا وعدم قدرة الطبقة العاملة علي بناء الإشتراكية، مما يدل علي فهم البلاشفة العميق لتاريخ الثورات البرجوازية حيث مرت جميع هذه الثورات بمراحل تم فيها قطع طريق الثورة بتحالف جزء من فئات البرجوازية وخاصة البرجوازية التجارية مع النبلاء حيث ساهمت الطبقات الكادحة من العمال والحرفيين والعبيد في إستمرار جذوة الحراك الثوري. حيث كان طرح لينين والبلاشفة سلطة ثورية من العمال والمزارعين للقضاء علي بقايا الإقطاع وبناء الديمقراطية البرجوازية (تاريخ الديمقراطية.. تفسير ماركسي).
الموقف الأكثر ثورية كان من قبل تروتسكي والذي رفض الطرحين السابقين وطرح بأن في مسيرة أي صراع ثوري الطبقة التي تلعب الدور القيادي داخل التحالف الطبقي هي التي ستستحوذ علي السلطة السياسية وفند أطروحات لينين والبلاشفة طارحا بأن الطبقة العاملة أن أتت علي السلطة تحت أي مظلة سياسية يجب أن تبدا المسير في بناء الإشتراكية. وأضاف تروتسكي بان دور الإشتراكيين هو المساعدة في جعل الثورة دائمة وإسقاط نظام القيصر وبناء الإشتراكية. أطروحة تروتكسي للثورة الدائمة هي نفس الأطروحة التي تبناها لينين في أبريل 1917 بعد تراجعه عن الأطروحة الأولي المذكورة أنفا وكانت لها دور كبير في نجاج ثورة أكتوبر 1917 العظيمة (تاريخ الديمقراطية.. تفسير ماركسي).
أيضا تبعات ثورة 1905 إمتدت لتشمل الطروحات النظرية والعملية لكيفية الوصول للإشتراكية، حيث يتردد صدي إنقسام ما بعد ثورة 1905 في الجدل الكبير الذي يدور حول تقدم مرشح الحزب الديمقراطي بيرني ساندرز سباق الفوز ليكون مرشح الحزب لخوض غمار الإنتخابات الرئاسية الأمريكية السؤال القديم المتجدد حول كيفية الوصول للإشتراكية، وتحديدا سؤال هل يمكن بناء الإشتراكية من داخل النظام الراسمالي، بمعني بنفس أليات النظام الراسمالي من ديمقراطية ليبرالية وعبر هياكل الدولة البرجوازية في مرحلتها الليبرالية الجديدة؟ أم أن بناء الإشتراكية يستلزم الطريق الثوري الذي يقضي علي النظام الراسمالي ويتخلق الجديد الإشتراكي علي أنقاضه؟. حيث طرح لينين أن الوصول للإشتراكية يجب أن يكون عبر ثورة إجتماعية تقضي علي علاقات الإنتاج الراسمالية والإستغلال المرتبط بها، بالإضافة إلي ذلك تتجاوز تنظيم جهاز الدولة الحديث المرتبط بإعادة إنتاج الراسمالية كنظام إقتصادي وإجتماعي تاريخي، لذا طرح ضرورة تنظيم المجتمع في مجالس عمالية (سوفيتات) كتنظيم لجهاز الدولة في الفترة الإنتقالية (المعبر لمرحلة إضمحلال وزوال الدولة) يعبر عن مصالح الطبقة العاملة. لذا كان من الطبيعي إتساقا مع الرؤية الفلسفية الماركسية أن يطرح لينين عدم إمكانية بناء الإشتراكية من داخل النظام الراسمالي وهياكله وتحديدا طرح إستحالة ذلك من داخل الديمقراطية الليبرالية كونها تمثل الإطار الأيدولوجي والسياسي المصمم أصلا لاعادة إنتاج النظام الراسمالي (الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي). الطرح اللينيني للثورة يوضح بجلاء ضرورة تحطيم جهاز الدولة القديم- تحطيم وليس هيكلة بل يمتد مفهوم تحطيم جهاز الدولة اللينيني لضرورة بناء هياكل جديدة وتنظيم جديد لجهاز الدولة من أحشاء القديم. علي سبيل المثال ما يتم في واقع التغيير المتوافق حوله في حالة السودان حيث تم التراجع حتي من إعادة هيكلة الدولة السودانية والإكتفاء باستبدال الأفراد مع الإحتفاظ بذات الهياكل القديمة لانها تعبر عن مصالح الراسمالية التداولية التي قادت الإنتفاضة بإمتياز.ما يحدث في سودان ما بعد إنتفاضة ديسمبر يعبر عن واقع التسوية التي قطعت طريق الثورة منذ تكوين المجلس العسكري ومرورا بالتوقيع علي الإتفاق السياسي والوثيقة الدستورية. فالحفاظ علي التشكلية الإجتماعية والإقتصادية الحالية (التابعة) وتعميق التبعية للمحاور والإمبريالية العالمية هو الأساس المادي لإستمرار الطائفية والمليشيات العسكرية* (لوردات الحرب التي تعمل علي مراكمة راس المال عبر تصدير البشر لاتون الحرب الإقليمية كنوع من الرق الجديد، وبوضع اليد علي مصادر الثروات الطبيعية التي تهرب للسوق العالمي بأبخس الأسعار، ويتم كل ذلك بتهيئة الأجواء عبر دولة ما بعد الليبرالية الجديدة المضمحلة) التي يتناقض وجودها مع بناء جهاز دولة حديث برجوازي (الدولة المدنية-العلمانية).
بينما ذهب المناشفة في الإتجاه الإصلاحي أي إمكانية بناء الإشتراكية بواسطة الديمقراطية الليبرالية التي تعمل من خلال تنظيم جهاز الدولة البرجوازي (الفصل بين السلطات) وكانت النماذج العملية علي ذلك بناء راسمالية دولة في دول الرفاه الإجتماعي طرحت ضرورة محاولة السيطرة علي سلبيات النظام الراسمالي بدل الطرح الراديكالي ببناء نظام إجتماعي وسياسي نقيض وهو الإشتراكية لذا كان من الطبيعي أن تنتهي أنظمة اليسار الأوربي والإشتراكية الديمقراطية بتبني الليبرالية الجديدة بشكل كامل.
بالقاء نظرة علي نظرية الثورة عند أحزاب اليسار في المنطقة نجد أنها في خطي كارل كاوتسكي والمناشفة حذو الحافر بالحافر في طريق الإرتماء في أحضان الليبرالية الجديدة وتعمل علي إعادة إنتاج الراسمالية بحجة ضرورة المرور بالراسمالية من أجل تطوير القوي المنتجة حتي تكون قادرة بناء علي الإشتراكية.
يستخلص مهدي عامل مستندا علي التراث الماركسي واللينيني و بعد دراسته لانماط الإنتاج الراسمالية المتميزة في بلدان الجنوب (نمط الإنتاج التابع)، إلي أن هذا النمط يتميز بمجاورة أنماط إنتاج ماقبل راسمالية جنبا إلي جنب مع أنماط إنتاج راسمالية وذلك لدور الإستعمار في قطع طريق التطور الثوري، حيث تتميز هذه التشكيلة الإجتماعية الإقتصادية بسيطرة الأيدولوجية الدينية كالية أساسية من اليات إعادة إنتاج السيطرة الطبقية. وهي الألية التي تستخدمها الطبقات السائدة في أنماط الإنتاج ما قبل راسمالية وتحديدا في مرحلة الإقطاع لاعادة إنتاج وجودها في السلطة، بالإضافة إلي أجهزة القمع الطبقية المباشرة من شرطة وجيش وأمن. ويؤكد عامل الإستحالة النظرية لتطبيق اللوحة الخماسية في بلدان الجنوب التي تتميز بنمط الإنتاج التابع حيث لايمكن التحول من نمط إنتاج راسمالي متميز إلي راسمالي!!. (مقدمات نظرية). مما يفتح الإمكانية النظرية للتحول مباشرة للإشتراكية حيث تعتبر مهمة إستعادة الديمقراطية وبناء الإشتراكية مهمة تاريخية واحدة لا مهمتان حسب رؤية مهدي عامل. فكل إمكانية للثورة تطرح الضرورة النظرية والعملية للتحول الإشتراكي في حالة نضج العامل الذاتي من وجود حزب ثوري يعمل علي تنظيم العمال والكادحين و متسلح بالنظرية الثورية فلا حركة ثورية بلا نظرية ثورية كما قال لينين.
لإجلاء الموقف الثوري والإصلاحي من التغيير الثوري لابد من التطرق سريعا كيف أن الأجهزة الأيدولوجية تعمل علي التعمية الأيدلولجية باليات مختلفة في كل مرحلة من مراحل الراسمالية. فالراسمالية المتأخرة تبدو وكأنها قد تخلصت من الايدولوجيا للأبد وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسيطرة القطب الواحد، حيث عملت المؤسسات الأيديولوجية لليبرالية الجديدة على خلق بديهيات كونية (common sense) تتلخص في نهاية عهد الايدولوجيات ونهاية التاريخ مع الانتصار الساحق لاصولية السوق الحر، تم الترويج لذلك عبر كتاب ومفكرين مثل فرانسيس فوكوياما الدي يعتبر الأكثر تأثيرا خاصة على اليسار الجديد او اليسار المتوهم. وتم ذلك عن طريق السيطرة على المؤسسات الإعلامية، وغزو المؤسسات المالية لمراكز البحوث والمؤسسات الاكاديمية للترويج لمذهب اقتصادي وايدولوجي بعينه، كما تم الاعتماد على خلق مفكرين وناشطين وشخصيات عامة وتلميعهم عبر ترشيحهم لجائزة نوبل (منذ هايك وميلتون فريدمان ومرورا بنيلسون مانديلا واوباما ووصولا لترشيح الاء صلاح لجائزة نوبل للسلام) وجوائز مختلفة أصبحت مكرسة للترويج لليبرالية الجديدة. تجلت هذه الاتجاهات في التغيرات التي حدثت في مفهوم الايدولوجيا حيث سادت ايدولوجيا الاعتقاد غير المباشر حسب جيجك، فهو يعتبر ان العالم الان يعتقد اكثر من اي وقت مضي لكن لا يجرؤ على الاعتقاد بشكل مباشر (الحياد المتوهم) (The sublime object of ideology). علي مستوي الممارسة الايدولوجية للصراع الطبقي يتجلي ذلك في موقف الانتخابات الرئاسية الفرنسية حيث طرح مرشح الرئاسة والرئيس الحالي امانويل ماكرون بعد انشقاقه من الحزب الاشتراكي الفرنسي وتكوينه حزب عابر للايدولوجيات سمي بحزب الي الامام، تم الترويج في الحملة الانتخابية لماكرون بواسطة المؤسسات المالية التي تقف خلف ترشحه على صغر سنه (٣٨ سنة)، وبالتاكيد مدلولية حياده الايدولوجي المتوهم على بداية عهد جديد في الممارسة السياسية او نهاية عهد الممارسة السياسية القديمة او النادي السياسي القديم (بلغة الناشطين) وهو نفس ما تم الترويج له في السودان عام ٢٠١٣ بعد ظهور التنظيمات الشبابية مثل التغيير الان وتكوين حكومة الظل. واسترسل بعض الكتاب الأكاديمين -معطوبي المواهب سوي مطاردة الفند العابر للقارات- بأن ذلك يعني نهاية عهد سياسة الأحزاب وبداية عهد سياسة مابعد الحداثة او سياسة بدون سياسة politics without politics، فلا عجب ان نفس الكتاب ينظرون للفترة الانتقالية بدعم من المعونة الامريكية!. نفس رؤية الحياد الايدولوجي المتوهم (البراغماتية إحدى تجليات الوهم الايدولوجي) تم طرحه في اعلي مراحل تسييس الصراع الطبقي والاجتماعي اي في حراك ثورة ديسمبر حيث أصبح جزء اساسي من شعارات الثورة المطالبة بحكومة تكنوقراط اي حكومة محايدة سياسيا وايدولوجيا. وهو حياد ايدولوجي وسياسي متوهم بامتياز رغم محاولة تسويق حالة الحياد الايدولوجي بتكوين أحزاب وصرف مبالغ ضخمة مثل حزب بناء السودان الذي يسترشد بتجربة فرنسا في استشراف عهد جديد في الممارسة السياسية لكن هل كل هنالك ثمة جديد في تجربة فرنسا؟ بعد شهور معدودة تجلي الوجه الحقيقي لماكرون في تنفيذ السياسات الليبرالية الجديدة واكتشفت خدعة الحياد الايدولوجي والسياسي مما أدي إلي خروج الالاف للشوارع فيما عرف بمظاهرات السترات الصفراء التي تستمر الان للأسبوع ٦٨، نفس التجربة تقريبا كانت في إنتفاضة ديسمبر حيث سقط قناع الحياد السياسي والايدولوجي وظهرت حقيقة ايدولوجية اصولية السوق الحر والليبرالية الجديدة بشكل واضح في استكمال ما بدأته الجبهة الإسلامية من تنفيذ سياسات التكيف الهيكلي.
الخلاصات التي يمكن تدوينها من المتغيرات المذكورة هي أن الحياد الايدولوجي المتمظهر في التقسيمات الزائفة للاحزاب الي أحزاب ايدولوجية وبرامجية او ادعاء ذلك هو ايدولوجيا بامتياز، لأن البرامج نفسها تعج بالمحمول الايدولوجي او هي خلاصة مركزة للمحمول الايدولوجي. بالإضافة إلى ذلك أن ما يخبرنا به لينين عن واقع اليوم هو السير في عكس اتجاه اليسار المتوهم في تخفيف الحمولة الأيديولوجية وسيطرة الميوعة الأيديولوجية للمزيد من الوضوح الايدولوجي وكشف زيف ايدولوجيا الحياد الايدولوجي على المستوى النظري والممارسي وليس التماهي معه، وذلك بخوض الصراع الأيدولوجي ضد الإتجاهات الإصلاحية والإنتهازية التي تعمل علي إعادة إنتاج الراسمالية و لا تري في كل أمكانية للثورة إمكانية للتحول الإشتراكي.
ما يستفاد من التراث اللينيني حول مفهوم الثورة هو ضرورة العمل وسط أفراد المؤسسة العسكرية تحديدا الجنود وصغار الضباط، حيث حدد لينين الجنود والمزارعين كفئات إجتماعية ثورية ضمن التحالف الثوري بقيادة الطبقة العاملة مما ساهم بشكل أساسي في نجاح ثورة أكتوبر 1917. حيث ساهم التراث النظري والممارسي اللينيني الثوري في كشف زيف تناقض عسكري-مدني ليس كتناقض مخادع فقط بل أيضا يخفي ويطمس الطبيعة الطبقية والإجتماعية للصراع السياسي حيث أن المصالح الطبقية لكبار الضباط قوي الهبوط الناعم من البرجوازية المعولمة والبرجوازية الصغيرة متجانسة تماما, بينما صغار الضباط والجنود أعلنوا إنحيازهم البطولي للثورة قبل أن يتمكن تحالف البرجوازية (العسكرمدنية) من تنظيف الجيش من كل جيوب المقاومة.
أيضا يخبرنا التراث اللينيني الثوري بضرورة مواجهة اتجاهات سياسة الفضاءات المفتوحة وسياسة ما بعد الحداثة بالمزيد من التنظيم القائم على الأساس الطبقي والاجتماعي، تنظيم الطبقة العاملة وتحالفاتها مع الكادحين في قيادة الحراك الثوري ودفعه في اتجاه الممارسة علي المستوى السياسي الذي يطرح مهام بناء الإشتراكية والديمقراطية كمهمة تاريخية واحدة وملحة.
مراجع:
1. لينين وبناء الحزب – الان وودز
2. تاريخ الديمقراطية.. تفسير ماركسي – بريان. س روبر. Pluto press 2013
3. The sublime object of ideology.. Slavoj Zizek
4. مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الإشتراكي في حركات التحرر الوطني.. مهدي عامل
5. الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي.. لينين.
6. مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الإشتراكي في حركات التحرر الوطني.
7. البلشفية طريق الثورة كتاب لان وودز.