رأس المال: الفصل السابع/ معدل فائض القيمة - ثالثا – “الساعة الأخيرة” عند سنيور


كارل ماركس
الحوار المتمدن - العدد: 6465 - 2020 / 1 / 15 - 09:49
المحور: الارشيف الماركسي
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

في صباح يوم جميل من عام 1836، دُعي ناساو و. سنيور الذي يمكن اعتباره درّة (*) الاقتصاديين الإنكليز، والشهير كذلك بـ “علمه” الاقتصادي وأسلوبه الجميل، دعي من أوكسفورد إلى مانشستر، ليتعلم في الأخيرة الاقتصاد السياسي الذي كان يعلمه في الأولى. لقد اختاره الصناعيون نصيراً ومدافعاً عنهم، ليس فقط ضد قانون المصانع (**) الذي شرع لتوه، وإنما أيضا ضد خطر أكبر، هو التحريض الداعي لتقليص يوم العمل إلى 10 ساعات. واكتشفوا بحسهم العملي المرهف المعتاد أن البروفيسور العليم “بحاجة إلى لمسات كثيرة تسبغ عليه الكمال”، (wanted a good deal of finishing)، وهذا ما دفعهم للكتابة إليه. وعمد البروفيسور، من جانبه، إلى صياغة الدرس الذي تلقاه من صناعيي مانشستر في كتيب بحمل العنوان التالي: رسائل حول تأثير قانون المصانع على صناعة القطن، لندن، 1837 Letters on the Factory Act, as it affects the cotton manufacture. ونجد في هذا الكراس أشياء كثيرة من بينها المقطع الوعظي التالي:
“بموجب القانون الحالي لم يعد مسموحاً لأي مصنع يستخدم أشخاصاً دون سن الثامنة عشرة … بأن يعمل أكثر من 1/2، 11 ساعة في اليوم، أي 12 ساعة خلال الأيام الخمسة الأولى، و9 ساعات يوم السبت. والآن، فإن التحليل (!) التالي سوف يبين أن الربح الصافي، في مصنع يعمل على هذا النحو، يأتي برمته من الساعة الأخيرة.
سأفترض أن ثمة صناعياً يوظف 100 ألف جنيه: 80 الف جنيه في الأبنية والآلات، و20 ألفا في المواد الأولية والأجور. وإذا افترضنا أن رأس المال يقوم بدورة واحدة سنوية، وأن الأرباح الإجمالية هي 15 في المائة فإن العائدات السنوية للمصنع ينبغي أن تكون سلعاً تبلغ قيمتها 115 ألف جنيه … إن كلا من أنصاف الساعات الثلاثة والعشرين (*3) من العمل تنتج 5/115 أي 1/23 من العائد السنوي البالغ 115 ألف جنيه، وإذا جعلنا هذا العائد السنوي 23/23 (وهذا يساوي كامل الـ 115 الف جنيه ( 115,000constituting the whole) فإن 20/23، أي 100 ألف من 115 ألف جنيه، تعوض عن رأس المال فقط، وهناك 1/23 (أي 5 آلاف من 15 ألف جنيه) التي تؤلف الربح الإجمالي (*4) تعوض عن التلف التدريجي للمعمل والآلات. أما الـ 2/23 الباقية، أي نصفا الساعة الأخيران المتبقيان من الثلاثة والعشرين نصف ساعة، في كل يوم، فإنهما ينتجان ربحا صافية قدره 10 في المائة. وعليه إذا كان بالوسع تشغيل المصنع 13 ساعة بدلا من 1/2، 11 ساعة مع إضافة 2600 جنيه إلى رأس المال المتداول، فإن الربح الصافي سوف يزيد على الضعف (شريطة بقاء الأسعار ثابتة). أما إذا جرى تقليص ساعات العمل بمقدار ساعة واحدة في اليوم (مع بقاء الأسعار ثابتة) فإن الربح الصافي يزول – أما إذا قُلّص يوم العمل ساعة ونصف الساعة فإن الربح الإجمالي (*5) يزول هو الآخر (1).
والبروفيسور الموقر يسمي هذا “تحليلاً”، فإذا كان يصدّق عويل الصناعيين، ويعتقد أن العمال ينفقون أفضل جزء من النهار لإنتاج، أو على وجه الدقة لإعادة إنتاج قيمة الأبنية والآلات والقطن والفحم، إلخ. أو التعويض عنها، فإن تحليله يكون زائداً عن اللزوم.
وكان عليه أن يجيب بكل بساطة: “أيها السادة إذا شغلتم مصانعكم عشر ساعات بدلا من 1/2، 11 ساعة فإن الاستهلاك اليومي من القطن والآلات، إلخ، سينخفض بنفس النسبة، أي ساعة ونصف الساعة، شريطة بقاء الظروف الأخرى على حالها. فأنتم تكسبون بالضبط بمقدار ما تخسرون، وأن عمالكم سوف ينفقون في المستقبل ساعة ونصفاً أقل مما كانوا ينفقونه من قبل في إعادة إنتاج قيمة رأس المال المدفوع أو التعويض عنه” – أما إذا كان لا يصدق أقوالهم على علاتها، ويرى بصفته خبيراً في أمور كهذه، أن من الضروري القيام بتحليل، فقد كان عليه، عندئذ، في مسألة تنحصر في العلاقة بين الربح الصافي وطول يوم العمل، أن يعمد قبل كل شيء إلى أن يلتمس الصناعيين بأن لا يخلطوا في كومة واحدة الآلات والأبنية والمواد الأولية والعمل، وأن يتكرموا بوضع رأس المال الثابت، المستثمر في الأبنية والآلات والمواد الأولية، إلخ، على هذه الجهة من الحساب، ورأس المال المدفوع في الأجور على الجهة الأخرى. ولو وجد البروفيسور عند ذاك أن العامل، وفق حسابات الصناعيين، يقوم بإعادة إنتاج أجوره أو التعويض عنه في نصفي ساعة عمل، فإن على المحلل أن يمضي على النحو التالي: ينتج العامل أجوره، حسب معطياتكم، في الساعة ما قبل الأخيرة، وينتج لكم في الساعة الأخيرة فائض القيمة أو الربح الصافي. والآن بما أنه ينتج قيمة متساوية في فترات زمنية متساوية، فإن منتوج الساعة ما قبل الأخيرة لا بد من أن يمتلك نفس قيمة منتوج الساعة الأخيرة. زد على ذلك أنه لا ينتج أي قيمة أخرى على الإطلاق إلا إذا أنفق العمل، وكمية عمله تقاس بوقت عمله. وأنتم تقولون إن هذه المدة هي 1/2، 11 ساعة في اليوم. إنه ينفق جزءا من هذه المدة في إنتاج أجوره أو التعويض عنها، وينفق الجزء الآخر في إنتاج ربحكم الصافي. وهو لا يفعل شيئاً، البتة، أكثر من هذا خلال يوم العمل. ولكن بما أن أجوره، حسب افتراضكم، وفائض القيمة الذي ينتجه، هما متساويان في القيمة، فمن الجلي أنه ينتج أجوره في 3/4، 5 الساعة الأولى وينتج ربحكم الصافي في 3/4، 5 الساعة الثانية. ثم بما أن قيمة الخيوط المنتجة في ساعتين تساوي مجموع قيمة أجوره وقيمة ربحكم الصافي، فقيمة هذه الخيوط يجب أن تقاس بـ 1/2، 11 ساعة عمل، وتقاس قيمة الخيوط المنتجة في الساعة ما قبل الأخيرة بـ 3/4، 5 الساعة، أما قيمة الخيوط المنتجة في الساعة الأخيرة فتقاس أيضا بـ 3/4، 5 الساعة كذلك (ditto).
ونأتي الآن إلى نقطة حساسة، فانتبهوا! إن ساعة العمل ما قبل الأخيرة، شأن الأولى، هي ساعة عمل اعتيادية لا أكثر ولا أقل (ni moins Ni plus,)! فكيف، إذن، يستطيع الغازل أن ينتج في ساعة واحدة قيمة، على شكل خيوط، تجسد 5 ساعات وثلاثة أرباع الساعة من العمل؟ الواقع أنه لا يقوم بمعجزة كهذه. فالقيمة الاستعمالية التي ينتجها في ساعة واحدة هي كمية معينة من الخيوط. وقيمة الخيوط هذه تقاس بـ 3/4،5 الساعة من العمل، منها 3/4،4 الساعة كانت متجسدة من قبل، من دون عون منه، في وسائل الإنتاج، في القطن والآلات وما إلى ذلك، في حين أن 4/4، أي الساعة المتبقية، هي الشيء الوحيد الذي أضافه. ولما كان أجره يتج في 3/4، 5 الساعة من العمل، وأن منتوج الخيوط في ساعة غزل يحتوي على 3/4، 5 ساعة عمل، فليس ثمة شعوذة سحرية في النتيجة التالية، وهي أن القيمة التي يخلقها بـ 3/4، 5 الساعة من الغزل تعادل قيمة الخيوط المغزولة في ساعة واحدة. إنكم مخطئون تماما إن كنتم تعتقدون أن العامل يضيع ذرة واحدة من يوم العمل في إعادة إنتاج قيم القطن والآلات، وهلمجرا، أو “التعويض” عنها. على العكس، فبسبب أن عمله يحول القطن والمغازل إلى خيوط، بسبب أنه يغزل، تنتقل قيم القطن والمغازل إلى خيوط من تلقاء ذاتها. وتتمخض هذه النتيجة عن نوعية عمله لا عن كمّيته. صحيح أنه سينقل إلى الخيوط قيمة بهيئة قطن، خلال ساعة، أكثر مما ينقله في نصف ساعة، بيد أن ذلك لا يقع إلا لأنه يغزل، في ساعة، كمية من القطن أكبر مما يغزل في نصف ساعة. ها أنتم ترون إذن، أن قولكم بان العامل ينتج، في الساعة ما قبل الأخيرة، قيمة أجوره وفي الساعة الأخيرة ربحكم الصافي، لا يعني سوى أنه توجد في الخيوط التي استغرق إنتاجها ساعتين من العمل، سواء كانت هاتان آخر أو أول ساعتين في يوم عمله، توجد 1/2، 11 ساعة عمل متجسدة فيها، أي ما يعادل يوم عمل کاملا. أما القول بأنه خلال الـ 3/4، 5 الساعة الأولى ينتج العامل اجوره وفي الـ 3/4، 5 الساعة الأخيرة ينتج ربحكم الصافي، فهذا لا يعني سوى أنكم تدفعون ثمن الساعات الأولى لا ثمن الساعات الأخيرة. وحين أتحدث عن دفع ثمن العمل، عوضا عن دفع ثمن قوة العمل، فما ذلك إلا لأُسایر لغتكم الدارجة. والآن أيها السادة إذا قارنتم وقت العمل الذي تدفعون لقاءه بذلك الذي لا تدفعون لقاءه، ستجدون أن النسبة بينهما مثل نصف يوم عمل إلى نصف يوم عمل، وهذا يعطينا نسبة: 100%، وهي نسبة مئوية جميلة تماما. وليس ثمة أدنى شك في أنكم إذا جعلتم ما عندكم من «أذرع» تكدّ 13 ساعة عوضا عن 1/2، 11 ساعة، ودمجتم العمل المنجز خلال الساعة ونصف الساعة الإضافية، كما هو متوقع منكم، بالعمل الفائض المحض، فإن هذا الأخير سوف يرتفع من 3/4، 5 إلى 1/4، 7 ساعة عمل، ويرتفع معدل فائض القيمة من 100% إلى 2/23، 126%. ولكنكم تغالون في التفاؤل إن كنتم تأملون في أن إضافة 1/2، 1 ساعة إلى يوم العمل سوف ترفع المعدل من 100% إلى 200% بل وأكثر، بتعبير آخر “تجعله يزيد على الضعف”. ومن جهة أخرى – وقلب الإنسان شيء عجيب، خصوصا إذا كان يحمله في حافظة نقوده – أنكم تغالون في التشاؤم إن كنتم تخافون من أن تقليص ساعات العمل من 1/2، 11 إلى عشر ساعات، سوف يودي بربحكم جميعه. كلا أبدا. فإن بقيت كل الظروف الأخرى ثابتة، سيهبط فائض القيمة من 3/4، 5 ساعة إلى 3/4، 4 ساعة، وهذه فترة زمنية تدُر معدل فائض قيمة مربحاً تماما وهو بالتحديد 14/23، 82% غير أن هذه “الساعة الأخيرة” الكارثية التي نسجتم حولها أساطير أكثر مما نسج الألفيون (*6) عن يوم القيامة، إن هي إلا “هراء” (all bosh). وإن ضاعت فلن تجردكم من ربحكم الصافي، كما لن تجرد الأولاد والفتيات الذين تستخدمونهم من “صفاء الروح” (2).
وعندما تدق «ساعتكم الأخيرة» فعلا تذكروا بروفيسور جامعة أوكسفورد. والآن أيها السادة، أتمنى أن نلتقي ثانية في عالم آخر أفضل، ولكن ليس قبل ذلك. وداعاً (ً (Addio!(3). … لقد ابتكر سنيور صرخة حرب “الساعة الأخيرة” في عام 1836. ثم جاء جيمس ويلسون، وهو اقتصادي رسمي بارز دو منزلة رفيعة، ليطلق الصرخة نفسها في صحيفة إيكونوميست اللندنية، الصادرة في 15 نيسان/ إبريل 1848: ولكن ضد لائحة الساعات العشر هذه المرة.

____________________

(*) – حرفيا: کلاورین (Clauren)، وهو هاینریش کلاورین (1771- 1854) كاتب روايات وقصص قصيرة عاطفية. [ن. ع].
(**) – المقصود، هنا، قانون المصانع الصادر في إنكلترا عام 1833 – ويتطرق إليه الفصل العاشر (يوم العمل) من هذا المجلد. [ن. برلین].
(*3) – إن يوم العمل مؤلف من 11.5 ساعة، ولتفادي الكسر فقد حوله سنيور إلى أنصاف ساعات جاعلاً المقدار 23 نصف ساعة. [ن. ع].
(*4) – في الأصل الإنكليزي المقتبس يتحدث عن 5 آلاف من المجموع الكلي للعائد. أما في النص الألماني فقد حوّرها مارکس إلى: (5 آلاف من إجمالي الربع البالغ 15 ألفا) ربما لتبسيط الحساب. [ن. ع].
(*5) – الربح الإجمالي (gross profit) أو الربح الكلي وفقا لحسابات سنيور يبلغ 15 في المائة، وقد حسم منه 5 في المائة عوضا عن اندثار الآلات والأبنية واعتبر الباقي أي 10 في المائة بمثابة ربح صاف (net profit). [ن. ع].
(1) – سنيور. إننا ندع جانباً أفكاراً أخرى غريبة لا علاقة لها بغرضنا، ولن نتطرق، مثلا، إلى الزعم القائل بأن الصناعيين يدخلون في عداد ربحهم، سواء الربح الإجمالي (Brutto) أو الصافي ((Netto المبلغ اللازم للتعويض عن تلف وبلى الآلات، أو، بتعبير آخر، التعويض عن جزء من رأس المال. كما أننا نغفل أية مسالة تتعلق بدقة ارقام سنيور، صحتها أو خطئها.
وقد اوضح ليونارد هورنر في رسالة إلى السيد سنيور، إلخ، لندن، 1837، أن لا قيمة لهذه الأرقام أكثر من التحليل المزعوم، كان ليونارد هورنر واحداً من مفوضي التفتيش في المصانع (Factory Inquiry Commissioners) عام 1833، ثم مفتشاً أو بالأصح رقيباً على المصانع حتى عام 1859. وقد أسدى هذا الرجل خدمة جليلة لا تنسى إلى الطبقة العاملة الإنكليزية. وخاض غمار معركة طويلة على امتداد سني حياته، لا مع الصناعيين الساخطين فقط، وإنما مع الوزراء أيضا، الذين كان عدد أصوات السادة الصناعيين في مجلس العموم، بنظرهم، اهم بما لا يقاس من عدد الساعات التي تكدّ خلالها “الأيادي” في المصانع.
إضافة إلى الحاشية: عدا عن الأخطاء الجوهرية في المحتوى، نجد أن عرض سنیور مشوَّش. فما كان يريد أن يقوله فعلا، هو هذا: إن الصناعي يشغل العامل 1/2، 11 ساعة أو 23 نصف ساعة في اليوم. وعلى غرار يوم العمل، فإن سنة العمل تتألف هي الأخرى من 1/2، 11 ساعة او 23 نصف ساعة مضروبة بعدد أيام العمل في السنة، واستنادا إلى هذه الفرضية، نجد أن الـ 23 نصف ساعة عمل تثمر متوجة سنوية يبلغ 115 ألف جنيه، وان نصف ساعة من العمل تثمر 1/23 X 115 ألف جنيه، وأن 20 نصف ساعة تنتج 20/23 x 115 ألف جنيه، وهذه تساوي 100 ألف جنيه، وهي لا تعوض عن شيء عدا رأس المال المدفوع. وتبقى ثمة 3 أنصاف الساعة فقط من العمل، تنتج 3/23 X 115ألف = 15 الف جنيه، ويؤلف هذا المقدار الربح الإجمالي، ومن هذه الثلاثة أنصاف الساعة، ثمة نصف ساعة تنتج 1/23 X 115 ألف = 5 آلاف جنيه، تعوض عن اندثار المصنع والآلات، أما نصفا الساعة المتبقيان، ونعني بهما الساعة الأخيرة، فتنتج 2/23 × 115 الف = 10 آلاف جنيه، تؤلف الربح الصافي. وفي النص نجد أن سنيور يحول نصفي الساعة الأخيرين (20/23) من المنتوج إلى أجزاء من يوم العمل نفسه.
(*6) – الألفيون ( Millinarians,Chiliasten) أصحاب عقيدة صوفية فحواها أن المسيح سيبعث حيا وأنه يملك في العصر الألفي على الأرض، فيقيم العدل والمساواة والرفاه بين الجميع. وقد انتشرت على نحو واسع جداً، وعادت إلى الظهور في عقائد مختلف الشيع خلال العصور الوسطى. [ن. برلين].
(2) – لئن كان سنيور، من جهة، قد أثبت أن الربح الصافي الذي يجنيه الصناعي ووجود صناعة القطن الإنكليزية وسيطرة إنكلترا على أسواق العالم تتوقف على “ساعة العمل الأخيرة”، فإن الدكتور أندرو اور في: فلسفة المانيفاکتورة، ص 406، قد برهن أن الأطفال والقاصرين ممن هم دون سن الثامنة عشرة إذا صُرفوا من العمل قبل ساعة، إلى العالم الخارجي الذي يحفل بالطيش والقسوة، عوضا عن استبقائهم اثنتي عشرة ساعة كاملة في الجو الدافئ والأخلاقي النقي في المعمل، فإن الكسل والرذيلة ستزيل كل أمل في خلاص أرواحهم. ولم يكلّ مفتشو المصانع، منذ عام 1848، عن غمز ولمز السادة أصحاب المصانع، ساخرين من هذه “الساعة الأخيرة”، هذه الساعة القاتلة. وهكذا نقرأ في تقرير للسيد هوويل مؤرخ في 31 أيار/ مايو 1855: “لو كانت هذه الحسابات العبقرية صحيحة (يستشهد بأرقام سنيور)، فهذا يعني أن جميع مصانع القطن في المملكة المتحدة كانت تخسر منذ عام 11850. (تقارير مفتشي المصانع لنصف السنة المنتهية في 30 نيسان/إبريل 1855، ص 19-20).
وبعد تصديق البرلمان على لائحة الساعات العشر في عام 1848، لفّق أرباب بعض مصانع غزل الكتان، وهي قليلة ومتباعدة ومبعثرة في أرجاء البلاد على تخوم مقاطعتي دورسيت وسومیرسیت، لفّقوا التماساً مضادّاً للائحة القانون، وقعه بعض عمالهم بالإكراه. وتنص إحدى عبارات الإلتماس على ما يلي: “إن الموقعين على هذا الإلتماس يرون، بصفتهم آباء، أن ساعة فراغ إضافية لن تزيد إلا في فساد أخلاق أبنائهم، ويعتقدون بأن الكسل ام الرذيلة”. وبصدد هذا الموضوع يقول تقرير المصانع المؤرخ في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1848 “إن جو مصانع الكتان، الذي يعمل فيه أولاد هؤلاء الآباء الأفاضل المفعمين بالرقّة، مليء بالغبار ونسل الكتان مما يتخلّف عن المواد الأولية، بحيث أن الوقوف في غرف الغزل عشر دقائق فقط يبعث على الضيق تماما، ولا يمكن للمرء أن يمكث هناك من دون أن يعاني إحساساً مؤلماً، ومرد ذلك أن العينين والأذنين والمنخرين والفم سرعان ما تمتلئ بسحب من غبار الكتان التي لا مفر منها. ويقتضي العمل نفسه، بسبب السرعة المحمومة التي تمر بها الآلة، مزاولة الحركة والمهارة من دون انقطاع، والخضوع لانتباه لا يكلّ، ويبدو أن من القسوة أن ندع الآباء يسمون أطفالهم بـ “الكسل”. فباستثناء وقت وجبات الطعام، يبقى الأطفال مغلولین 10 ساعات في مهنة كهذه، وجوّ كهذا… إن هؤلاء الأطفال يعملون وقتا أطول مما يعمل الشغيلة في القرى المجاورة… إن هذه الأقوال الجارحة عن الكسل والرذيلة، ينبغي أن تعرى بأنها منتهى النفاق، وأخزى أنواع الرياء… إن ذلك القسم من الجمهور الذي صعق، قبل 12 عاماً خلت، من الثقة التي جرى بها الإعلان جهارة وبصورة جدية، بتخويل مرجع من الثقاة [المقصود الاقتصادي سنيور. ن. ع]، بأن مجمل الربح الصافي الذي يتلقاه الصناعي ينبع من عمل الساعة الأخيرة، وإن تقليص يوم العمل ساعة واحدة سوف يقضي على ربحه الصافي، نقول إن ذلك القسم من الجمهور لن يصدق عينيه إلا بصعوبة، حين يرى الآن أن الاكتشاف الأصلي لفضائل الساعة الأخيرة، قد طرأت عليه تحسينات كثيرة وبات يتضمن الأخلاق (Moral) إلى جانب الربح (Profit)، بحيث إذا تقلص عمل الأطفال إلى عشر ساعات كاملة، فإن أخلاقهم سوف تنعدم سوية مع انعدام الربح الصافي لأرباب عملهم، ما دام الاثنان، الربح والأخلاق، يتوقفان على هذه الساعة الأخيرة، هذه الساعة القاتلة، (راجع تقرير مفتشي المصانع، المؤرخ 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1848، ص 101).
ويعرض هذا التقرير بعض الأمثلة على “أخلاق” و”فضائل”، ونقاوة ضمير هولاء الصناعيين أنفسهم، وما يمارسونه من أحابيل وحيل ومداهنة ووعيد وتزوير، لحمل بعض العمال الضعفاء في التوقيع على التماس من هذا النوع، وعرضه على البرلمان بوصفه التماسا جاء من فرع صناعي بكامله، أو من المقاطعة كلها. وما يميز الوضع الراهن للعلم الاقتصادي المزعوم، أنه لا سنيور نفسه، الذي أعلن فيما بعد، عن دعمه المتحمس لقانون المصانع، وهذا شيء يشرفه، ولا خصومه، من أولهم حتى آخرهم، استطاعوا قط تفسير الاستنتاجات المغلوطة في “الاكتشاف الأصيل”. إنهم يلجأون إلى الخبرة العملية، ولكن السؤالان كيف (why) ومن أين (wherefore) ما يزالان لغزاً يكتنفه الغموض.
(3) – مع ذلك فإن رحلة البروفيسور المتنور إلى مانشستر لم تخل من نفع. ففي كُتيبه المذكور رسائل حول قانون المصانع، يجعل الربح الصافي بأكمله، بما في ذلك الربح، والفائدة، بل حتى “شيء أكثر من ذلك” (Something more)، يتوقف على ساعة وحيدة غير مدفوعة الأجر من ساعات عمل العامل! وقبل عام من ذلك كان قد اكتشف في مؤلفه الموسوم موجز في الاقتصاد السياسي Outlines of Pol, Econالذي وضعه كمرشد الطلاب جامعة أوكسفورد والمتعلمين المتحذلقين، وذلك في معارضته لقانون ریکاردر في تحديد القيمة بواسطة العمل، “اكتشف” أن الربح يأتي من عمل الرأسمالي والفائدة من زهده، أو بتعبير آخر من تقشفه (Abstinent). لقد كانت الحيلة قديمة إلا أن الكلمة (التقشف) جديدة. وقد ترجمها السيد روشر على نحو صائب إلى الألمانية بكلمة تقشف (Enthaltung). غير أن بعض مواطنيه الأقل تضلعاً باللاتينية، مثل فيرته وشولتس وميخيل وآخرون، قد ألبسوها لباس الرهبان وجعلوها “زهدأ” (Entsagung).