ملاحظات نقديّة ماركسيّة لخطاب رئيس تونس الجديد إبّان حفل أداء القسم


ناظم الماوي
2019 / 10 / 26 - 03:02     

قد كان الناس و سيظلّون أبدا ، فى حقل السياسة ، أناسا سذجا يخدعهم الآخرون و يخدعون أنفسهم ، ما لم يتعلّموا إستشفاف مصالح هذه الطبقات أو تلك وراء التعابير و البيانات و الوعود الأخلاقية و الدينية و السياسية و الإجتماعية . فإنّ أنصار الإصلاحات و التحسينات سيكونون أبدا عرضة لخداع المدافعين عن الأوضاع القديمة طالما لم يدركوا أن قوى هذه الطبقات السائدة أو تلك تدعم كلّ مؤسسة قديمة مهما ظهر فيها من بربرية و إهتراء .
( لينين ، " مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكوّنة الثلاثة " )
--------------------------------------
من المهمّ أوّلا أن نبيّن بالمعنى الأساسي ما نعينيه حين نقول إنّ الهدف هو الثورة ، و بوجه خاص الثورة الشيوعية . الثورة ليست نوعا من التغيير فى الأسلوب و لا هي تغيير فى منحى التفكير و لا هي مجرّد تغيير فى بعض العلاقات صلب المجتمع الذى يبقى جوهريّا هو نفسه . الثورة تعنى لا أقلّ من إلحاق الهزيمة بالدولة الإضطهادية القائمة و الخادمة للنظام الرأسمالي – الإمبريالية و تفكيكها – و خاصّة مؤسساتها للعنف و القمع المنظّمين ، و منها القوات المسلّحة و الشرطة و المحاكم و السجون و السلط البيروقراطية و الإدارية – و تعويض هذه المؤسسات الرجعية التى تركّز القهر و العنف الرجعيين ، بأجهزة سلطة سياسية ثوريّة و مؤسسات و هياكل حكم ثوريّة يرسى أساسها من خلال سيرورة كاملة من بناء الحركة من أجل الثورة ، ثمّ إنجاز إفتكاك السلطة عندما تنضج الظروف...

( بوب أفاكيان ، " العصافير ليس بوسعها أن تلد تماسيحا ، لكن بوسع الإنسانية أن تتجاوز الأفق ، الجزء الثاني "
" بناء الحركة من أجل الثورة " ، " الثورة " 2011 ؛ الفصل الثالث من كتاب " الأساسي من خطابات بوب أفاكيان و كتاباته " ، ترجمة و تقديم شادي الشماوي ).
----------------------

قمنا بجولة بين سطور عدد لا بأس به من المقالات و التعليقات بالجرائد و على الأنترنت على خطاب رئيس تونس الجديد أمام مجلس نواب الشعب يوم الأربعاء 23 أكتوبر 2019 ، و لا حظنا غياب التناول الماركسي لما رود على لسان هذا الرئيس الجديد ما فرض علينا حمل قلمنا على ان يخطّ على الأقلّ مقالا مقتضبا في الغرض . و في هذا المقال لن نفصل القول في الكثير من المسائل السياسيّة و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي يثرها هذا الخطاب و إنّما سنكتفى بتسليط شيء من الضوء و إن بعجالة على اهمّ الأفكار التي تعدّ من وجهة نظر ماركسيّة مغالطة بيّنة للجماهير الشعبيّة وجب نفض الغبار عليها كي تتجلّى الحقائق مساهمة منّا في دفع القرّاء إلى كسب الوعي العلمي و الطبقي الشيوعي و الثوري حقّا .
تميّز الخطاب الذى نتناول بالنقد بنبرة إنتصاريّة و شحنة عاطفيّة صدمت أكثر من ملاحظ و معلّق سياسي و بلغ الأمر بملقى الخطاب أن بالغ حدّ الإنفصال عن الواقع و التحليق في عالم الأوهام و تشويه الحقائق تشويها فجّا و قد تجلّى ذلك في مسائل نصطفى منها للنقاش أهمّها .
1- أوهام " الثورة " :
يعدّ صاحب الخطاب أنّ " ما يعيشه التونسيّون و التونسيّات اليوم أذهل العالم بأسره ..." و في هذا مبالغة تتجنّى على الواقع فالكثير من التونسيّين و التونسيّات الذين يقارب عددهم حسب الإحصائيّات الرسميّة نصف المسجّلين في الانتخابات و قاطعوها ، فضلا عن غيرهم مّمن ليسوا مسجّلين أو لا يسمح لهم سنّهم بذلك ، لا يأبهون لحفل التنصيب هذا و لا يعيشونه و إن إهتمّت منهم فئة بالحدث فلمعرفة ما سيأتى من نتائج في قادم الأيّام ، و منهم و إن كانوا لا يمثّلون الأغلبيّة و الحقّ يقال ، يعتبرون ما يجرى من تنصيب فصلا من فصول مسرحيّة الإيهام بالتغيير و بالتالى ما وقع لم يذهلهم أبدا فكيف يذهل العالم بأسره ؟ هذا من ناحية ، معلومة هي نسبيّا محدوديّة صلوحيّات الرئيس في النظام السياسي التونسي و حسب الدستور، فلا يوهمنّ أحد الجماهير بتغيير ثوري و ثورة و الحال أنّ مجلس نواب الشعب و بقيّة مؤسّسات الدولة التنفيذيّة و التشريعيّة و القضائيّة و الأمنيّة و العسكريّة بيد الرجعيّة صراحة !
أمّا أنّ هذا أذهل العالم بأسره فمن اليسير إدراك تهافت هكذا زعم حالم و من يشكّ للحظة في هذا التهافت ، ننصحه بإلقاء نظرة و لو كانت خاطفة على ما جرى و يجرى ( قبل ما عاشته و بعد ما عاشته تونس من انتخابات ) في بلدان العالم من الجزائر إلى لبنان عربيّا ، مثلا ، إلى فنزويلا و البرازيل و بوليفيا من أمريكا اللاتينيّة ... حتّى لا نشير إلى الفليبين و الهند مثلا أين ستنفجر ملايين الجماهير التي يقودها الشيوعيّون الماويّون في حرب الشعب لإعادة صياغة العالم ، من أجل عالم شيوعي ، منذ عقود و الأكيد أنّ المناضلين و المناضلات هناك إلى جانب الجماهير التي تعدّ الملايين ستنفجر ضحكا ساخرا إن بلغ مسامعها زعم الرئيس الجديد لتونس !
ثمّ يمضى الخطيب في خطابه ليعلّل ما زعم أنّه ذهول العالم بأسره بانّ " الشعب إستنبط طرقا جديدة في إحترام كامل للشرعيّة "، و لسائل أن يسأل : ما هي هذه الطرق الجديدة المستنبطة التي لا تُذكر بالتفصيل ؟ في أفضل الأحوال يكون المصرّح بهكذا كلام يشير إلى بعض جهود أنصاره في الحملة الإنتخابيّة و تضحياتهم من مثل قطع مسافات على الأرجل و على ظهر الحمير إلخ . و في الحقيقة ما هذا لا بالمستنبط و لا ب" غير المسبوق في التاريخ " و يكفى إلقاء نظرة على تجارب البلدان المذكورة أعلاه من أفريقيا و أمريكا و آسيا ( حتّى لا نذكر المسيرة الكبرى كملحمة تاريخيّة قادها الشيوعيون الصينيّون و على رأسهم ماو تسى تونغ ) لا غير للتأكّد من أنّ هذه المبالغة المثاليّة تشوّه الحقيقة و تغالط الجماهير العريضة.
و في السياق عينه ، تصل المبالغة حدّ إعتبار ذلك " ثورة حقيقيّة بأدوات الشرعيّة ذاتها " ما يمثّل صنفا من الضحك على ذقون السامعين و المشاهدين المطّلعين و الملمّين بشيء من التاريخ و من السياسة محلّيا و عالميّا و الذين يفقهون حقّا معنى الثورة بما هي تغيير طبقي جذري للمجتمع و نمط الإنتاج و خلق دولة جديدة على أنقاذ القديمة . و بالمناسبة لا يسعنا إلاّ أن ننبّه إلى أنّ أدوات الشرعيّة المتباهى بها ، أفرزت " ثورات " أخرى في تاريخنا القطري و العربي و في تاريخ العالم . فالإخوان المسلمون في تونس يعدّون كسبهم للإنتخابات التشريعيّة " ثورة " ( قد يسمها بعضهم بالإسلاميّة ) و الشيء نفسه حصل في مصر و قبلها في السودان و خبرت الجماهير الشعبيّة ما أتت به هذه " الثورات " من وبال عليها . و عالميّا ن هتلر قد بلغ السلطة بالشرعية و هذا لا يشكّ فيه إلاّ فاقد بمداركه العقليّة و الحال كذلك بالنسبة لنظام ترامب / بانس الفاشي في الولايات المتّحدة الأمريكيّة . هذا لا يعنى أنّ رئيس تونس الجديد إخواني أو فاشي و إنّما يعنى أنّ الشرعيّة المتباهي بها هنا هي شرعيّة دولة الإستعمار الجديد مثلما انّ الشرعيّة في الولايات المتحدّة شرعيّة برجوازية إمبرياليّة و هذه الشرعيّات و دولها هي المشكل المتسبّب في مصائب الإنسانيّة عبر الكرة الأرضيّة و ليست الحلّ و مدحها يعنى ضمن ما يعنيه مدح الدول الإمبريالية و دول الإستعمار الجديد و الطبقات الرجعيّة الواقفة وراءها !
و ينتهى صاحب الخطاب في ما يشبه الهذيان إلى لخبطة فكريّة تكثّفت في هذه الجملة " الثورات الثقافيّة ليست كتبا تنشر أو مناشير توزّع بل هي وعي جديد ". من قال إنّ الثورات الثقافيّة كتبا تنشر أو مناشيرا توزّع ؟ ليعارض قوله بالوعي ؟ علما و أنّ الكتب و المناشير من وسائل الإتّصال للتثقيف و الصراع من أجل حصول وعي قد يكون رجعيّا أو بالعكس قد يكون ثوريّا . إنّ هذه الصيغة الخطابيّة المهتزّة تستنقص بلا مراء دور الكتاب و المناشير و من ثمّة تستنقص من دور المثقّفين و تهمّشهم فحسبها لا دور لهم في صنع و صياغة الوعي الذى لا ندرى تبعا لكلام الخطيب المثالي من أين يأتي هذا الوعي و ما الدوافع التي تجعله " يتفجّر بعد سكون و إنتظار طويل " ، " بوعي الشعب بأنّه قادر على تغيير مساره " ! يبدو أنّنا أمام نظريّة وعي جديدة ملخّصها يتفجّر الوعي عندما يعى الشخص أنّه قادر على التغيير فليدرسها من يشاء و يقارنها بنظريّة المعرفة الماركسيّة مثلا !
و حتّى في ما يتّصل بتونس و حملة الانتخابات الرئاسيّة ، فأنصار من بات رئيسا جديدا إستخدموا هم ذاتهم الكتب ، فصولا أو فقرات أو أقوال إلخ كما إستخدموا المناشير بشكا أو آخر و شبكات الإتّصال الإجتماعيّة تزخر بالأمثلة التي تشهد على ذلك لمن له عيون ليرى . حقيقة هنا و ضلال هناك ، هذه مغالطة تستهدف دور المثقّفين و المثقّفات في رفع وعي الجماهير العريضة و بالتالى تسعى إلى تأبيد الوعي المتدنّى لدي الطبقات و الفئات الشعبيّة ليسهل تضليلها و قد وقف لينين ضد الخداع و خداع النفس و إلى جانب الوعي و الحقيقة في المقولة التي صدّرنا بها مقالنا و البون شاسع بين من يسعى إلى تسليح الجماهير بالوعي العلمي و الطبقي الشيوعي لترتقي بممارستها و تصبح ثوريّة فتصنع التاريخ حقّا و بين من يريد تركها عفويّة في ردود فعلها تكون لقمة سائغة للدعاية و المغالطات الرجعيّة و الخضوع لدول الإستعمار الجديد و الدول الإمبرياليّة و من هنا للإستغلال و الإضطهاد الجندري و الطبقي و القومي !


2- خطاب إطلاقي مثالي مضلّل :
و ما إنفكّ الرئيس الجديد يغرس غرسا في خطابه أساسا كلمتين إثنتين هما " الكلّ " و" الجميع " ( "الكلّ" أو " كلّ" لما يناهز 27 مرّة و "الجميع " أو جميع لما يناهز 5 مرّات ، إضافة إلى مفردتي " بأسره " مرّتان و " جمعاء " مرّتان ) و هذا في مسعى محموم يستهدف أوّلا و بالذات غرس صورة الجامع بمعنى رئيس التونسيّين و التونسيّات كافة و مطبّق القانون على المواطنين و المواطنات دون إستثناء ، بيد انّه سقط في مبالغات جعلت الخطاب مهزوزا و غير عاكس للواقع. فعندما توجّه بالشكر نال شكره أنصاره و غيرهم من المنتخبين و نسي ، و كانّهم مرمى غضبه ، أكثر من نصف المسجّلين في الإنتخابات و إختاروا المقاطعة موقفا لأسباب متنوّعة و ليست أبدا واحدة فقاطعوا الانتخابات الرئاسيّة في دورتها الأولى و الانتخابات التشريعيّة ؛ ثمّ قاطع أزيد من أربعين بالمائة منهم الدورة الثانية للإنتخابات الرئاسيّة ما يعنى ما يقارب نصف المجتمع هو الذى يدير الرئيس الجديد ظهره إليه .( هذا جانب آخر من هذه " الثورة الحقيقيّة " ! ).
و إلى جانب ذلك ، بلغ خطاب التعميم و التمويه بالكل و الجميع و باسره و جمعاء ، حدّ المغالطة الواضحة الجليّة . و من ذلك ما مرّ بنا من " أذهل العالم بأسره " و إليه نضيف سقطات أخرى على سبيل المثال لا الحصر :
أ- " إنّ الجميع هنا يحمل أمانة ، كلّ من موقعه " . و بهذا الكلام المتوجّه لجميع الحضور يبيّض الرئيس الجديد وجوه نواب و غيرهم يمكن بلا تردّد وسمهم بالمجرمين في حقّ الشعب لسنوات طوال ، غايته على ما يبدو مغازلتهم كيما يتفاعلوا بالإيجاب مع مقترحاته المستقبليّة مقابل تلميع سمعتهم . و يتناسى صاحب هذه المغازلة السياسيّة أنّه و إن قام بعض النواب بما صار مشهورا بالسياحة الحزبيّة ، التنقّل من حزب إلى آخر داخل الكتل البرلمانية ، فإنّ غالبا لكلّ حزب أو مجموعة أو كتلة أو أحيانا فرد نواياه و " أماناته " و رأيناها تتجسّد على ارض الواقع في المجالس النيابيّة لقعد تقريبا فالرجعيّون لم يصبحوا تقدّميّين أو ثوريّين لأنّ الرئيس الجديد قال إنّهم يحملون أمانة أو إنّه " لا حقّ لأحد ، في أن يخيّب آماله " (الشعب) فتخييب آمال الشعب أو الجماهير الشعبيّة نتيجة طبيعيّة لتطبيق البرامج الرجعيّة التي تخدم آمال و تطلّعات الطبقات الرجعيّة السائدة . و العهدتين البرلمانيّتين الأخيرتين تشهدان بذلك . أكيد انّ البون شاسع جدّا في الفهم المتباين ل" الأمانة " و لآمال الشعب حتّى في صفوف الرجعيّة و أحزابها و مجموعاتها فما بالك مع الأشخاص أو المجموعات التقدّميّة . من اوكد واجبات حامل أمانة النزاهة أن يفصح عن هذه الحقيقة لتنوير وعي الجماهير و ليس العكس فنشر الأوهام لا يخدم سوى خدم دولة الإستعمار الجديد و من يقف وراءها من إمبريالية و تحالف طبقي رجعي محلّي .
ب - " و ليستحضر الجميع في كلّ آن و حين ، شهداء الثورة و جرحاها " . تاركين جانبا التعليق على الثورة و مفهومها و أنّ ما حدث هو إنتفاضة شعبية و قد خضنا كثيرا في الموضوع في كتاباتنا السابقة ، نجعل بؤرة تركيزنا هنا مفردة " الجميع " الغريبة من لدن من يدّعى " الوعي " و " الثورة " و الأمانة " و نسرع إلى الشرح فنقول إنّ الإنسان المدرك لمجريات الصراع الطبقي في تونس يتفطّن بيسر إلى أنّه فضلا عن المجرمين المباشرين في حقّ الشهداء و الجرحى و أهاليهم ، هناك طيف من القوى ن أحزابا و منظّمات و أشخاص متنفّذين ، يسعون جهدهم إلى حماية المجرمين و طي الملفّ الذى لم ينته البتّ فيه بعدُ ، دون أن يعاقب الجناة و دون أن ينال الشهداء و الجرحى و أهاليهم مختلف حقوقهم المشروعة . و من الذين يعملون جاهدين على تغيب " شهداء الثورة و جرحاها " أحزاب و نواب سيشكّلون على الأرجح الأغلبيّة في مجلس نواب الشعب الجديد و في الحكومة القادمة . و تجاهل هذه القوى و مواقفها لسنوات من هذه القضيّة يساوى بالبساطة كلّها السباحة في عالم الأوهام المثاليّة بعيدا عن الواقع المادي الملموس الذى تخاض فيه الصراعات الفعليّة المطلوبة تكريما للشهداء و الجرحى . و في هذا الباب تجدر الإشارة أيضا إلى أنّ جملة الرئيس الجديد هذه لا تبعث على الإطمئنان البتّة فالإستحضار لا يعنى التعهّد بالسعي الدؤوب لنيل المتضرّرين حقوقهم في أقرب وقت ممكن ! الجملة إذن مراوغة و مغالطة !
ت - و من المغالطات الأخرى التي توخّاها الرئيس الجديد مغالطتان تطالان المرأة و القضيّة الفلسطينيّة فالأساليب الإطلاقيّة الهلاميّة سمحت له بالحديث عن المساواة و" ما أحوج المرأة إلى مزيد دعم حقوقها وخاصة منها الاقتصادية والإجتماعيّة " في الوقت التي وقف عمليّا بوضوح رافضا المساواة في الإرث و هذا الحقّ الاجتماعي و الاقتصادي من الحقوق الجوهريّة التي لا تتمتّع بها النساء في تونس و الأنكى من الرفض أنّه إتّكأ على آيات قرآنيّة توصف بالقطعيّة ، أليس هذا غريب من مدّعى الدفاع عن المساواة و العدالة و الدولة المدنيّة ! و أمّا في ما يخص فلسطين فالكلام الإنشائي المجرّد لا يسمن من جوع فمن هو الرئيس التونسي الجديد ( بمعنى وزنه العالمي ) ليعلن أنّه " آن الأوان للإنسانيّة جمعاء أن تضع حدّا لهذه المظلمة التي تتواصل لأكثر من قرن " ؟ هذا من جهة و من جهة ثانية ، ألم يستوعب صاحب هذه الجملة حقيقة موضوعيّة مفادها أنّ الإنسانيّة راهنا منقسمة إلى مجتمعات طبقيّة و ليست موحّد و أنّ حفنة من الدول الإمبرياليّة تهيمن على بقيّة شعوب العالم في البلدان المستعمرة و شبه المستعمرة و المستعمرات الجديدة و تستغلّها و تضطهدها خدمة لمصالحها و في هذا الخضمّ يقوم الكيان الصهيوني بدور كلب حراسة في الشرق الأوسط لدى الإمبريالية العالمية و لا مجال لأن يتنازل الإمبرياليّون و الصهاينة عن مصالحهما ، ما لم يفرض ذلك عليهم فرضا و بالقوّة . و قد سبق إلى مضمون مثل هذه الجملة قادة عالميّون من شتّى بلدان أمريكا اللاتينيّة و آسيا و افريقيا و لم يجد ذلك نفعا ، فلماذا يعيد علينا رئيس تونس الجديد ن هذه الأماني الخاوية !
3- الدولة و القانون و الخطاب البرجوازي الكلاسيكي :
أ- و ننطلق مع نقاش جمل عن الدولة و القانون في منتهى الأهمّية لفهم حدود مشروع الرئيس الجديد فنورد جملة إطلاقيّة مثاليّة مضلّلة أخرى هي " ليكن الجميع واثقا أنّه لا مجال لأي عمل خارج إطار القانون " . و لئن بدت معبّرة عن نوايا طيّبة و موجّهة ضد متجاوزى القانون ، فإنّ " الجميع " تشمل كافة التونسيّين و التونسيّات الذين قد يعبّر بعضهم عند سماع هذه الأمور عن الفرح و الحبور و قد يرغد و يزبد غضبا آخرون و عددهم ليس بالقليل فقد يتوجّس متنفّذون و رجال أعمال خيفة من ذلك و يهرعون إلى أخذ الإجراءات الوقائيّة و الى الإستعداد إلى الضغط و مواجهة أيّ طوارئ ، و العدد الأكبر ممّن قد يتضرّر من التطبيق الأعمى للقانون مثلما توحى به الجملة هم العاملين في أسفل سلّم الاقتصاد الموازي بما هو مصدر رزقهم و منعه قانونيّا يخرب بيوتهم و يزيد في عدد العاطلين عن العمل ، علما و أنّ الاقتصاد الموازي يمثّل نسبة تفوق الخمسين بالمائة من الإقتصاد التونسي ، و يفرض سؤال نفسه : ما هي الحلول السحريّة الخفيّة التي ستكرّس لمعالجة هذه المعضلة بتطبيق القانون على " الجميع " دون إلحاق الضرر بالمفقّرين أصلا ؟ الواقع من حولكم و جملة الرئيس الجديد أمامكم فإحكموا بمدى صحّتها من عدمه و مدى تأثير ذلك على أوسع الجماهير .
و لننظر إلى القانون من زاوية أخرى ، و ببساطة نطرح سؤال هل أنّ القانون يخدم مصالح الطبقات الشعبيّة ؟ أو هل يساوى تطبيق القانون خدمة مصالح الطبقات الشعبيّة ؟ و لنضرب مثالا توضيحيّا : هل أنّ قانون الماليّة ( ميزانيّة الدولة ) الماضي كان يخدمها ؟ هل أنّ قانون الماليّة القادم سيخدمها ؟ و في حال كان قانونا ظالما ، يكون تطبيقه عين التضارب مع إدّعاء الدفاع عن العدالة و المساواة ( بصورة مجرّدة برجوازيّة حتّى ) . و الشيء نفسه ينسحب على بقيّة القوانين .
و قد يسخر مواطن عادي يفهم اللغة العربيّة و متابع شيئا للشأن السياسي ( حتّى لا نحيل على ذوى الإطّلاع الواسع على هكذا مواضيع من أخصّائيّين و سواهم ) من جملة تعبّر عن تشوّش فكري كبير ألا وهي " مرافق الدولة يجب أن تبقى خارج حسابات السياسة " ( و المقصود بمرافق الدولة هنا " المرافق العموميّة " و لا نجد تفصيلا آخر في منطوق نصّ الخطاب و نقدرّ أنّ على رأسها التعليم و الصحّة العموميّين ). فما يطلبه الرئيس الجديد ضرب من ضروب الخيال بمعنى أنّه من غير الممكن فصل مرافق الدولة و وضعها خارج حسابات السياسة . الدولة سياسة و مرافقها سياسة فأين المفرّ ؟ الحفاظ على هذه المرافق و تطويرها سياسة و تهميشها و تفكيكها سياسة أخرى . و مهما كان التعاطي مع هذه المرافق سياسة لا محالة هي السياسة التربوية أو السياسة الصحّية إلخ . و كأنّنا بصاحب الجملة التي نناقش قاطن في عالم آخر فيه شؤون عامة معزولة عن السياسة و الحال أنّ السياسة هي في تعريف من تعريفاتها المتداولة إدارة الشأن العام ( وهي لينينيّا تعبير مكثّف عن الاقتصاد ) . يبدو أنّ صاحب الجملة يشتم بشكل ما السياسيّين و السياسة وهو في موقع سياسي بإمتياز ، وهو رئيس جديد لدولة الإستعمار الجديد !
و ليعلم من يرغب في ذلك أنّه ثمّة سياسة و ثمّة سياسة ؛ ثمّة حسابات سياسة جيّدة و مفيدة لخدمة مصالح أوسع الجماهير الشعبيّة سواء في التعليم او في الصحّة أو في غيرهما من القطاعات وهذا مطلب شعبي ، و ثمّة حسابات سياسيّة جيّدة و مفيدة لخدمة أعداء الشعب . و الخلط المثالي لتلك الجملة عن المرافق العامة و السياسة يربك الفهم الصحيح لعلاقة الدولة و مرافقها بالسياسة و يساهم في تشويه وعي الجماهير لا في تنوير عقولها .
ب - و مربك كذلك و في غاية الخطورة على وعي أبناء و بنات شعبنا و على المناضلين و المناضلات منه من أجل عالم آخر ، ضروري و ممكن ، عالم شيوعي تنتفى فيه الطبقات و ينتفى فيه الإستغلال والإضطهاد الجندري و الطبقي و القومي، قول إنّ " الدولة التونسيّة بكلّ مرافقها ، هي دولة التونسيّين و التونسيّات " كيف ذلك ؟ سيتساءل من لم يدرك بعدُ كنه المشكل .
يعلّمنا علم الاجتماع و علم التاريخ ، كما يعلّمنا علم الثورة البروليتاريّة العالمية ، علم الشيوعية ، أنّ الدولة ظهرت في فترة معيّنة من تاريخ المجتمعات البشريّة وتضمحلّ إن توفّرت شروط إضمحلالها ( وهو موضوع لا يتّسع المجال للخوض فيه ) و أنّ الدولة جهاز قمع طبقة أو طبقات لطبقة أو طبقات أخرى فقد نشأت مع نشوء المجتمعات الطبقيّة عقب المجتمعات المشاعيّة البدائيّة كأداة لإخضاع قسم من المجتمع إلى قسم آخر بالقوّة . و هذا ما شرحه بإستفاضة و إقتدار إنجلز في كتابة " أصل العائلة و الملكيّة الخاصة و الدولة " المعتمد على بحوث علميّة راسخة و ما فتأت تتأكّد إستنتاجاتها . و مطبّقا على واقع الحال ، على المجتمع التونسي ( كم على ايّة مجتمعات طبقيّة ) ، الدولة - بجيشها و شرطتها و سجونها و مختلف دواوينها و سلطها التنفيذية و التشريعية و القضائيّة ...- جهاز قمع بيد الطبقات السائدة وهي راهنا طبقات رجعيّة متحالفة مع الإمبريالية و بإختصار شديد هي دولة الإستعمار الجديد و بالتالى هي دولة أعداء الشعب و ليس " دولة التونسيّين و التونسيّات " و مرافق الدولة تتحكّم فيها و في سياساتها الطبقات السائدة . و الرئيس الجديد إختار العمل في إطار دولة الإستعمار الجديد و في إطارها القانوني ( و مع ذلك يعتبر نجاحه في انتخابات هذه الدولة ثورة ! ثورة غريبة عجيبة دون ثوريّين أصلا ! ) فهو عندئذ رئيس دولة الإستعمار الجديد و من موقعه هذا يسعى إلى إيهام الجماهير بأنّ دولة أعدائهم دولتهم هم و بأنّ مؤسّسات هذه الدولة محايدة فوق الطبقات ( دولة القانون في معنى من معانيها ) .
و في محاولة أخرى لتمرير خطاب برجوازي كلاسيكي ممجوج عن حياد رئيس دولة الإستعمار الجديد ، أكّد أنّ على " رئيس الدولة ... أن يكون جامعا للجميع و عليه أن يعلو فوق كلّ الصراعات الظرفيّة و الضيّقة " . توصيف الصراعات بالظرفيّة و الضيّقة موضوع خلاف في الغالب الأعمّ و بغضّ الطرف عن الصراعات " الضيّقة " التي يعسر حصر معناها دون أمثلة معطاة ، نلفت النظر إلى أنّ مثلا ، قانون المالية – ميزانيّة الدولة غالبا ما يكون محور صراع ظرفي ذلك أنّ إجراءاته تنال مباشرة من المقدرة الشرائيّة للجماهير الشعبيّة ( أسعار ، أداءات ...) ، فهل سيفى الرئيس الجديد، كما صرّح، بوعده ويعلو فوق هذه الصراعات الظرفيّة ؟ و من المستفيد من ذلك ؟ سؤال حريّ بأن يفكّر فيه من إنتخبوا هذا الرئيس !
من ركائز الخطاب البرجوازي عبر العالم قاطبة ، تقديم الدولة على أنّها فوق الطبقات و أنّ رئيس الدولة فوق الصراعات و الطبقات و هذا خطاب مضلّل وجب على الباحثين عن الحقيقة فضحه رفعا لراية هذه الحقيقة قصد تمكين الجماهير الشعبيّة من رفع مستوى وعيها و الخروج من تحت كلاكل الأفكار الرجعيّة المضلّلة .
ختاما، نستشفّ ممّا تقدّم أنّ الرئيس الجديد لتونس ينفخ في ما جدّ في الإنتخابات الرئاسيّة الأخيرة ليحوّلها بعصى سحريّة إلى ثورة فريدة من نوعها تُدرس و قد تدرّس في العالم بأسره فتورّط في مبالغات مجافية للواقع و طمس الحقائق بهذا الصدد و كذلك بصدد جوانب متعلّقة بالطبقات و الصراع الطبقي و الدولة . و كرئيس لدولة الإستعمار الجديد ، قدّم خطابا مضلّلا يخدم مصالح الطبقات الرجعيّة المتحالفة مع الإمبرياليّة العالميّة و سوّق مفاهيما برجوازيّة بالية على أنّها مفاتيح " صنع تاريخ جديد " . إلى حدّ الآن ، ما يقدّمه الرئيس الجديد من خدمات جليلة لدولة الإستعمار الجديد – إعادة الأمل لقسم من الشباب و إعادته إلى حضيرة الدولة و النظام الذين يئس منهما و مواصلة تضليله بخطاب منمّق لكن مخادع – تجعل الرجعيّين في مجملهم يصفّقون له ، يبقى السؤال من سيستفيد من الآخر أكثر من صاحبه : دولة الإستعمار الجديد أم الرئيس بتحقيق بعض الإصلاحات لمصلحة فئات ما ؟ الأرجح هو أنّ دولة الإستعمار ستمتصّ رحيق الشعبيّة الظرفيّة للرئيس و تستعمله لإكساب شرعيّة على سياساتها الأساسيّة – و قد تقدّم تنازلات طفيفة - ثمّ ستلفظه لفظ النواة .
في عصر الإمبريالية و الثورة الإشتراكية ، المشكل هو دول الإستعمار الجديد التي تقف وراءها الإمبرياليّة و الطبقات الرجعيّة المحلّية و النظام الاقتصادي و الاجتماعي الذى تفرضه و تحافظ عليه هذه الدول المتحالفة مع الدول الإمبريالية الأوروبية و الأمريكية و الآسيويّة ؛ و الحلّ ليس أقلّ من الثورة الإشتراكية بتيّاريها الثورة الوطنيّة الديمقراطية / الديمقراطية الجديدة في المستعمرات و أشباه المستعمرات و المستعمرات الجديدة و الثورة الإشتراكية في البلدان الراسمالية الإمبريالية، و تكون هذه الثورات بقيادة أحزاب الطبقة العاملة و إيديولوجيّتها و غايتها الأسمى تحقيق المجتمع الشيوعي على الصعيد العالمي . ولا بدّ للطليعة الثوريّة و الجماهير الثوريّة من التسلّح بالنظريّة الثوريّة لإيجاد حركة ثوريّة حقّا و هذه النظريّة الثوريّة اليوم هي الشيوعيّة الجديدة / الخلاصة الجديدة للشيوعية ، شيوعية اليوم الأكثر تقدّما و رسوخا علميّا . و من يرنو إلى التسلّح بهذا السلاح من أجل الكفاح في سبيل تحرير حقيقي للإنسانيّة قاطبة من كافة ألوان الإستغلال و الإضطهاد الجندري و الطبقي و القومي ، يحتاج إلى إستيعاب علم الشيوعية هذا و في مؤلّفاتنا المتوفّرة على صفحات موقع الحوار المتمدّن على الأنترنت و بمكتبته ما قد يساعف في تحقيق ذلك . ( و طبعا كتب شادي الشماوي منبع لا ينضب بهذا المضمار وهي متوفّرة أيضا على موقع الحوار المتمدّن ).
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
ثلاثة ملاحق :
(1)
كلمة رئيس الجمهورية المنتخب قيس سعيد بمجلس نواب الشعب الأربعاء 23 أكتوبر 2019
السيّد رئيس مجلس نواب الشعب بالنيابة، السيّد رئيس الجمهوريّة الأسبق، السيّد رئيس الحكومة والسّادة والسيّدات، السّادة رؤساء الحكومة السابقين، السادة رؤساء الهيئات الدستوريّة، السّادة والسيّدات ممثلي الهيئات الوطنيّة والأحزاب السياسيّة، أصحاب السعادة، سفراء ورؤساء البعثات الديبلوماسيّة والمنظّمات الإقليميّة المعتمدة في تونس، سماحة مفتي الجمهوريّة، السيّد كبير الأحبار بتونس، السيّد رئيس الأساقفة بتونس، السادة والسيّدات الضيوف الكرام من المغرب ومن كلّ أشقاءنا وأصدقائنا في العالم،
يا أبناء شعب تونس العزيز داخل حدود هذا الوطن وفي كلّ أنحاء العالم،
إنّ ما يعيشه التونسيون والتونسيات اليوم أذهل العالم بأسره لأنّ الشعب استنبط طرقا جديدة في احترام كامل للشّرعيّة، لم يسبقه إليها أحد، هو ارتفاع شاهق غير مسبوق في التاريخ، بل هي ثورة حقيقية بمفهوم جديد لأنّ الثورات تقوم كما هو مألوف ضدّ الشرعيّة ولكن ما حصل في تونس هو ثورة حقيقيّة بأدوات الشرعيّة ذاتها، ثمّ هي ثورة ثقافيّة غير مسبوقة أيضا، والثورات الثقافيّة ليست كتبا تنشر، أو مناشير توزّع بل هي وعيّ جديد، أو هي وعيّ يتفجّر بعد سكون ظاهر وانتظار طويل، هي لحظة تاريخيّة يتغيّر فيها مسار التاريخ، بوعيّ الشعب بأنّه قادر على تغيّير مساره، في الإتّجاه الذي يريد، استعصى على الكثيرين في تونس بل في العالم بأسره فهم هذه اللحظة التاريخيّة، ولا شكّ أنّهم سيدرسون، بل بدؤوا يدرسون المثال التونسي، في مؤسّسات البحوث والدّراسات، كما لا شكّ كذلك، أنّهم سيراجعون عديد المفاهيم التي استقرّت في الفكر السياسي، منذ عشرات العقود، يمكن من هذا المكان بل في كلّ مكان أن نتوجّه لكلّ التونسيون والتونسيات، رجالا ونساءا، شيوخا وأطفالا، شبابا وكهولا، في تونس وفي كلّ أسقاع العالم، بأسمى آيات الشكر، على ما بذلوه من جهود مضنية في المدن وفي القرى، في الأرياف وفي الجبال، وفي السهول، تحت أشعّة الشمس الحارقة، وتحت الأمطار المتهاطلة على ظهور الدّواب، وعلى الأقدام، لأنّهم أقرّوا العزم على المضيّ قُدُما في صنع تاريخ جديد، بل هم آثروا الموت، من أجل الحياة.
آثروا الحريّة، والكرامة ولن يرضوا عنهما بديلا، شكرا أيضا لمن أراد اختيار طريق أخرى، وانتخب بكلّ حريّة، من ارتأى اختياره، شكرا لا يرتقي وصف إلى صفته، إلى أبناء هذا الوطن العزيز، الذي أذهل العالم بما استنبطه من أدوات غير تقليديّة، انطلاقا من إيمانه العميق، بمواصلة شقّ الطريق التي بدء في شقّها، في شهر ديسمبر من سنة 2010، إنّ الجميع هنا يحمل أمانة، كلّ من موقعه والأمانة آمانات، أمانة الإستجابة لأبناء هذا الشعب، في الحرّية وفي الكرامة، فقد طال الإنتظار ولا حقّ لأحد، في أن يخيّب آماله، شعبنا يريد أن يعبُر الجسر، بل هو بدء العبور، فوق هذا الجسر الذّي شيّده، بدمه وعرقه من اليأس إلى الأمل، من ضفّة الإحباط إلى ضفّة البناء، والعمل، لم يكتفي الشعب التونسي في هذه الأيام الخالدة، بدولة القانون. بل تحوّل إلى مجتمع القانون، الكلّ حريص على فرض إحترامه حتى الأطفال في الصفوف الأولى من التعليم الإبتدائي، إنّ الأمانة أيضا التي لاشكّ بأنّ الجميع يشعر بثقل أوزارها، هي الحفاظ على الدّولة التونسيّة، الكلّ سيمرّ ويمضي، والدولة هي التي يجب أن تستمرّ وتبقىّ، الدولة التونسيّة بكلّ مرافقها، هي دولة التونسيّين والتونسيات، على قدم المساواة، وأوّل المبادئ التي تقوم عليها، هي المرافق العموميّة التي تقوم عليها، أوّل المبادئ هو الحياد، الكلّ حرّ في قناعاته واختياراته، ولكنّ مرافق الدّولة يجب أن تبقى خارج حسابات السياسة، فمثل هذه الحسابات هي كالحشرات في الثّمار، مآلها التعفّن قبل السقوط، وليس أخطر على الدول والمجتمعات من تآكلها من الدّاخل، إنّ الأمانة أيضا هي الحفاظ على مكتسبات المجموعة الوطنيّة، وثرواتها، كلّ واحد من أبناء هذا الوطن العزيز يجب أن يكون قدوة ولا مجال للتّسامح في أيّ ملّيم واحد من عرق أبناء هذا الشعب العظيم.
وليستحضر الجميع في كلّ آن وحين، شهداء الثورة وجرحاها، وكلّ الشهداء الذّين ضحوا بأنفسهم فداء لهذا الوطن ومازال العلم المُفدّى عند ذويهم مخضّبا بدمائهم الطاهرة الزكيّة، لقد آثروا الموت على أن يعيشوا حياة الظلم والهوان، آثروا الموت لوضع حدّ لإهدار المال العام وشبكات الفساد، ومن الأمانات وليست أقلّها، الوقوف متّحدين في مواجهة الإرهاب والقضاء على كلّ أسبابه، أنّ رصاصة واحدة من إرهابي ستُقابل بوابل من الرصاص الذي لا يحدّه حدّ ولا إعصار، وتحيّة متشدّدة لقوّاتنا المسلّحة العسكريّة و لقوّات الأمن الداخلي، وللدّيوانة، الذين يواجهون بالحديد والنار الإرهاب، وكلّ أنواع الجريمة وارتفعت أرواح العديد منهم إلى الرفيق الأعلى، في السموات العلى، لا يتّسع المُقام هنا للحديث عن الأمانات كلّها، فشعبنا أمانة ودولتنا أمانة وأمننا أمانة، وأنّاتُ الفقراء والبؤساء أمانة، بل إنّ إبتسامة رضيع في المهد أمانة، فلنحمل هذه الأمانات كلّها بنفس الصدق والعزم وما ذلك علينا بكثير، السيّدات والسّادة، أيّها الملئ الكريم من تونس وخارج تونس، ومن ضيوفها، ليس هناك ما يدعو إلى توجيه رسائل لأنّه تمّ توجيهها من منابر عدّة وكانت مضمونة الوصول، إنّ لمن أراد عدم تسلّمها بل أعرضها للسّمع أو أراد تشويه الفحوى والمضمون، ليكن الجميع واثقا أنّه لا مجال لأيّ عمل خارج إطار القانون، وليكن الجميع على يقين أنّ الحرّية التي دفع شعبنا ثمنها غاليا من أجل الوصول إليها، وممارستها في إطار الشرعيّة، لن يقدر أحد على سلبه إيّاها تحت أيّ ذريعة، أو تحت أيّ مسمّى، ومن كان يهزّه الحنين للعودة إلى الوراء فهو يلهث وراء سراب ويسير ضدّ مجرى التاريخ، ولتطمئنّ القلوب أيضا، في هذا السياق أنّه لا مجال أيضا للمساس بحقوق المرأة وما أحوج المرأة إلى مزيد دعم حقوقها، وخاصّة منها الإقتصاديّة والإجتماعيّة، فهي تكابد في البيوت وفي المعامل وفي المكاتب وفي الحقول، وكرامة الوطن هي من كرامة مواطنيه ومواطناته على السّواء، إنّ شعبنا العظيم الذي يتطلّع إلى الحرّية، يتطلّع بنفس القوّة والعزم إلى العدل، فقد ضاقت الصدور، من الظلم والحيث في كلّ المجالات، بل إنّ الأطفال صاروا ينتحرون او يفكّرون في الإنتحار، آن الأوان لتصوّر سبل جديدة، لتحقيق آمال شعبنا، في الشغل وفي الحريّة وفي الكرامة الوطنيّة، كما ليس هناك من شكّ على الإطلاق بأنّ المنظّمات الوطنيّة، يمكن أن تكون قوّة إقتراح، فوطنيّة أعضائها لا يشوبها ريْب، وقدرتهم على تقديم الحلول، وفتح آفاق جديدة، أشدّ وأقوى لتجاوز كلّ الأزمات، إنّ شعبنا العظيم يوجّه إلى الجميع اليوم رسالة واضحة مفادُها، أنّه يريد المساهمة في تخطّي كلّ الحواجز لأنّ من إفتدى الوطن بالدّم مستعدّ لأن يفتديَه بالعمل والمال، فقد أعلن الكثيرون في تونس وخارج تونس، عن إرادتهم للتّبرّع كلّ شهر بيوم عمل لمدّة خمس سنوات، حتى تفيض خسائر الدّولة، وحتى نتخلّص من التداين والقروض، فالتونسيون والتونيسيات، في حاجة فقط إلى علاقة ثقة جديدة بين الحكّام والمحكومين، فليساهم الجميع في هذه العلاقة التي افتقدوها منذ زمن بعيد، إنّ آمالهم كبيرة وحقوقهم مشروعة وليس لأحد الحقّ في أن يتجاهلها أو يتناساها، ومن الرسائل التي يتّجه توجيهها في هذا الموقف ومن هذا المكان بالرغم من أنه ليس هناك ما يدعو إلى إرسالها، إثر كلّ انتخابات لأنّ تونس دولة مستمرّة بمؤسّساتها، لا بـالأشخاص الذين يتولون إدارتها، وأنّ الدولة التونسيّة ملتزمة بكلّ معاهداتها الدوليّة، وإن كان من حقّها أن تطالب بتطويرها في الإتّجاه الذي يراعي مصالح شعبنا ومصالح كلّ الأطراف، وأهمّ من المعاهدات المكتوبة والبنود والفصول هو التفاهم بين الأمم والشعوب، من أجل الإنسانيّة جمعاء، ولا حاجة للتّأكيد مجدّدا على أنّ امتدادنا الطبيعي مع أشقّائنا في المغرب العربي وفي إفريقيا وفي الوطن العربي، ومع أصدقائنا شمال المتوسّط ومع كلّ من يقاسم شعبنا طموحاته وآماله في كلّ مكان، وستبقى تونس منتصرة لكلّ القضايا العادلة وأوّلها قضيّة شعبنا في فلسطين، والحقّ الفلسطينيّ لن يسقط، كما يتوهّم الكثيرون بالتقادُم، لأنّ فلسطين ليست قطعة أرض مرسمّة في سجّلات الملكيّة العقّاريّة، بل ستبقى في وجدان كلّ أحرار تونس وحرائرها، منقوشة في صدورهم، وماهو منقوش في الصدور لن تقدر عن فسخة القوّة أو الصفقات، ليس هذا الموقف موقفا ضدّ اليهود على الإطلاق فقد حميْناهم في تونس حينما كانوا ملاحقين وسنحميهم، بل هو موقف ضدّ الإحتلال وضدّ العنصريّة، وآن الأوان للإنسانيّة جمعاء أن تضع حدّا لهذه المظلمة التي تتواصل لأكثر من قرن، إنّنا نتطلّعوا إلى عالم جديد وإلى المساهمة في صناعة تاريخ جديد، يُغلّب فيه البُعد الإنساني، على سائر الأبعاد الأخرى، أيّتها السيّدات أيّها السّادة، يا شعبنا العظيم في كلّ مكان، الكلّ يعلم أنّ تحدّياة كبيرة والمسؤوليات جسيمة ولكنّ إرادة شعبنا العظيم وإصراره على رفعها وتخطّيها هي التي ستذلّل كلّ العقبات، والمسؤوليّة الأولى لرئيس الدّولة هو أن يكون دائما رمزا لوحدتها، ضامنا لـ إستقلاليتها ولـ إستمراريتها، وساهرا على إحترام دستورها، عليه أن يكون جامعا للجميع وعليه أن يعلو فوق كلّ الصراعات الظرفيّة والضيّقة، ولا فضل لأحد على أحد، إلاّ بحبّ هذا الوطن العزيز والاستجابة لمطالب شعبنا حتى نسلّمه الرّاية الوطنيّة إلى أجيال سوف تأتي من بعدنا، لترفعها أعلى وأعلى تحت كلّ سماء ولنجلس معا في مقعد صدق في هذه الحياة الدّنيا، لنجلس معا في مقعد صدق عند مليك مقتدر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
--------------------------------------------------
(2)

تونس : تصوّروا فوز حمه الهمّامي الأمين العام لحزب العمّال التونسي أو أي متمركس آخر في إنتخابات رئاسة دولة الإستعمار الجديد !

[ هذا المقال نشر سابقا تحت عنوان " الإنتخابات وأوهام الديمقراطية البرجوازية : تصوّروا فوز الجبهة الشعبية فى الإنتخابات التشريعية و الرئاسية لسنة 2014 " و نعيد نشره اليوم لأنّنا نعتقد أنّ فائدته لا تزال عظيمة في توضيح النظرة الشيوعية الثوريّة للإنتخابات و الأوهام البرجوازية . و نقترح على القرّاء دراسة بقيّة مقالات العدد 22 من نشريّة " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! " الصادر في ديسمبر 2004 ( وهو متوفّر للتنزيل من مكتبة الحوار المتمدّن و محتوياته نشرت كمقالات على صفحات الحوار المتمدّن و تجدونها في الموقع الفرعي لناظم الماوي على الموقع ذاته ) إذ فيه كما تقرأون في مقدّمة العدد إيّاه الموضوعة كملحق لهذا المقال عددا آخر من المقالات التي تفضح المغالطات و الأوهام البرجوازية و تقدّم البديل الشيوعي الثوري الحقيقي . كما نقترح دراسة مقال آخر نشرناه على صفحات الحوار المتمدّن و عنوانه : " تونس : رغم إنتفاضتها الشعبيّة ، لماذا لم يتغيّر في الأساس وضع الجماهير بل إزداد سوء ؟ " ]


الإنتخابات وأوهام الديمقراطية البرجوازية : تصوّروا فوز الجبهة الشعبية فى الإنتخابات التشريعية و الرئاسية لسنة 2014.

ناظم الماوي

الحوار المتمدن-العدد: 4573 - 2014 / 9 / 13 - 20:57
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


الإنتخابات وأوهام الديمقراطية البرجوازية : تصوّروا فوز الجبهة الشعبية فى الإنتخابات التشريعية و الرئاسية لسنة 2014.

-" هذه الإشتراكية إعلان للثورة المستمرّة ، الدكتاتورية الطبقية للبروليتاريا كنقطة ضرورية للقضاء على كلّ الإختلافات الطبقية ، و للقضاء على كلّ علاقات الإنتاج التى تقوم عليها و للقضاء على كلّ العلاقات الإجتماعية التى تتناسب مع علاقات الإنتاج هذه ، و للقضاء على كلّ الأفكار الناجمة عن علاقات الإنتاج هذه ".

( كارل ماركس ؛ " صراع الطبقات فى فرنسا من 1848 إلى 1850" ، ذكر فى الأعمال المختارة لماركس و إنجلز ، المجلّد 2 ).

- " و يترفّع الشيوعيّون عن إخفاء آرائهم ومقاصدهم ، و يعلنون صراحة أنّ أهدافهم لا يمكن بلوغها و تحقيقها إلاّ بدكّ كلّ النظام الإجتماعي القائم بالعنف . فلترتعش الطبقات الحاكمة أمام الثورة الشيوعية . فليس للبروليتاريا ما تفقده فيها سوى قيودها و أغلالها و تربح من ورائها عالما بأسره."

( ماركس و إنجلز – " بيان الحزب الشيوعي " ، الفقرة الأخيرة )

============================

-" إنّ الإستعاضىة عن الدولة البرجوازية بدولة بروليتارية لا تمكن بدون ثورة عنيفة "

( لينين ؛" الدولة و الثورة " - ص 23 )

- " إن أشكال الدول البرجوازية فى منتهى التنوع ، و لكن كنهها واحد : فجميع هذه الدول هي بهذا الشكل أو ذاك و فى نهاية الأمر ديكتاتورية البرجوازية على التأكيد . و يقينا أن الإنتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية لا بد و أن يعطى وفرة و تنوعا هائلين من الأشكال السياسية ، و لكن فحواها ستكون لا محالة واحدة : ديكتاتورية البروليتاريا ."

( لينين ؛" الدولة و الثورة " - ص 37)
==================================

-" يعتبر الجيش ، حسب النظرية الماركسية حول الدولة العنصر الرئيسي فى سلطة الدولة. فكلّ من يريد الإستيلاء على سلطة الدولة و المحافظة عليها، لا بدّ أن يكون لديه جيش قوي ..."
( ماو تسى تونغ ؛ " قضايا الحرب و الإستراتيجية " ، ( 6 نوفمبر- تشرين الثاني- 1937)، المؤلفات المختارة ، المجلّد الثاني)

-" الواقع أنه ليس في العالم إلا حرية ملموسة وديمقراطية ملموسة، وليس هناك حرية مجردة وديمقراطية مجردة . فإذا تمتعت الطبقات المستثمِرة بحرية استثمار الشغيلة ، في مجتمع يدور فيه النضال بين الطبقات ، حرم الشغيلة من حرية مناهضة الاستثمار . وإذا تمتعت فيه البرجوازية بالديمقراطية حرمت منها البروليتاريا والشغيلة. إن بعض البلدان الرأسمالية تسمح بوجود الأحزاب الشيوعية بصورة شرعية ، ولكن بالقدر الذي لا يؤدي إلى الإضرار بمصالح البرجوازية الأساسية ، أما إذا تجاوز الأمر هذا الحد فلن تسمح بوجودها .
إن من يطالبون بالحرية المجردة وبالديمقراطية المجردة يعتبرون الديمقراطية غاية بحد ذاتها ولا يسلمون بأنها وسيلة . قد تبدو الديمقراطية في بعض الأحيان كأنها غاية ، ولكنها ليست هي في الحقيقة إلا وسيلة فالماركسية تشير إلى أن الديمقراطية جزء من البناء الفوقي ، وأنها تدخل في باب السياسة . وهذا معناه أن الديمقراطية ، في آخر الأمر ، تخدم القاعدة الاقتصادية . ونفس التفسير ينطبق على الحرية . فالديمقراطية والحرية نسبيتان وليستا مطلقتين ، ولقد ظهرتا وتطوّرتا عبر عصور التاريخ . "
( ماو تسى تونغ - " حول المعالجة الصحيحة للتناقضات بين صفوف الشعب " ، دار النشر باللغات الأجنبيّة ، بيكين 1966 ).

==============================

-" جوهر ما يوجد فى الولايات المتحدة ليس ديمقراطية و إنّما رأسمالية - إمبريالية و هياكل سياسية تعزّز الرأسمالية - الإمبريالية . و ما تنشره الولايات المتحدة عبر العالم ليس الديمقراطية و إنّما الإمبريالية و الهياكل السياسية لتعزيز تلك الإمبريالية ."
( " الثورة " عدد 43 ، 16 أفريل 2006 – الفصل الأوّل من كتاب" الأساسي من خطابات بوب أفاكيان و كتاباته "
ترجمة و تقديم شادي الشماوي )

- " من المهمّ أوّلا أن نبيّن بالمعنى الأساسي ما نعينيه حين نقول إنّ الهدف هو الثورة ، و بوجه خاص الثورة الشيوعية . الثورة ليست نوعا من التغيير فى الأسلوب و لا هي تغيير فى منحى التفكير و لا هي مجرّد تغيير فى بعض العلاقات صلب المجتمع الذى يبقى جوهريّا هو نفسه . الثورة تعنى لا أقلّ من إلحاق الهزيمة بالدولة الإضطهادية القائمة و الخادمة للنظام الرأسمالي – الإمبريالية و تفكيكها – و خاصّة مؤسساتها للعنف و القمع المنظّمين ، و منها القوات المسلّحة و الشرطة و المحاكم و السجون و السلط البيروقراطية و الإدارية – و تعويض هذه المؤسسات الرجعية التى تركّز القهر و العنف الرجعيين ، بأجهزة سلطة سياسية ثوريّة و مؤسسات و هياكل حكم ثوريّة يرسى أساسها من خلال سيرورة كاملة من بناء الحركة من أجل الثورة ، ثمّ إنجاز إفتكاك السلطة عندما تنضج الظروف..."
( بوب أفاكيان ؛ "العصافير ليس بوسعها أن تلد تماسيحا ، لكن بوسع الإنسانية أن تتجاوز الأفق ، الجزء الثاني "
" بناء الحركة من أجل الثورة " ، " الثورة " 2011 ؛ الفصل الثالث من كتاب " الأساسي من خطابات بوب أفاكيان و كتاباته "
ترجمة و تقديم شادي الشماوي )

مقدّمة :
سياسة العصا و الجزرة سياسة جذورها ضاربة فى تاريخ الصراع الطبقي وهي لا تبرح تتمظهر بتسميات جديدة فى عصرنا هذا ، عصر الإمبريالية و الثورة الإشتراكية . فالدول السائدة فى وقتنا الحاضر ، والتى هي أجهزة قمع طبقة أو طبقات لأطبقة أو طبقات أخرى ، تتخذ بوجه عام شكلين هما الدكتاتوريّة المفتوحة – العسكريّة أو التيوقراطية – و الديمقراطية البرجوازية و قد تمزج بينهما حسب الظروف و الأوضاع و موازين القوى و طبيعة القوى المتعامل معها ... و فى تونس ، ( و فى مصر و غيرها من البلدان أيضا ) لمست الجماهير الشعبيّة لمس اليد مراوحة دولة الإستعمار الجديد بين العصا و الجزرة ، بين القمع المفضوح والسافر و الوعود الزائفة و مسرحيّة الإنتخابات و الديمقراطية و أحداث سليانة و 9 أفريل بالعاصمة و الهجوم على دور الإتحاد العام التونسي للشغل و سواها كثير و كثير جدّا و ليس أقلّه الإغتيالات السياسية ، تكشف لمن يرغب فى رؤية الحقيقة الموضوعيّة لممارسة دولة الإستعمار الجديد للديمقراطية ، بشكل من الأشكال و إلى حدود لا نودّ التوغّل فى تفاصيلها هنا ، فى صفوف الطبقات الرجعيّة و الدكتاتورية تجاه أعدائها و تجاه الجماهير الشعبية . هذا من جهة و من جهة أخرى ، نظّمت القوى الرجعية و الإصلاحية و الإمبريالية العالمية مسرحيّة إنتخابات بفضلها أصبغت الشرعيّة على السلطة و فسادها و قمعها و إضطهادها للجماهير الشعبيّة و زرعت أوهام إمكانيّة تحقيق المطالب و المصالح الأساسية لهذه الجماهير عبر الإنتخابات . و دفعت الطبقات الشعبية ثمنا باهضا سياسيّا و إجتماعيّا و إقتصاديّا لمشاركة جزء مهمّ منها فى تلك المسرحيّة .
و يقع الآن تجهيز طبخة إنتخابيّة أخرى تسعى إلى إمتصاص الغضب الشعبي و مدّ الممثّلين الجدد لدولة الإستعمار الجديد بدم جديد و نفس عميق لمدّة سنوات يمكّنهم من مزيد خداع الجماهير الشعبية و تكريس السياسات اللاوطنية واللاديمقراطية و اللاشعبية للطبقات الرجعية و الإمبريالية العالمية . و يهمّنا فى هذا السياق أن نتناول هذه القضيّة فى هذا المقال من زاوية جديدة بعدما تناولناها فى مقالات سالفة من عدّة جوانب و الزاوية الجديدة التى نقترحها هي المضي بمنطق اليسار الإصلاحي المتمركس إلى نهايته فنتصوّر فوز الجبهة الشعبية فى الإنتخابات التشريعية و الرئاسيّة لسنة 2014 .

1- فرضيّة مستبعدة راهنا :

قبل كلّ شيء ، نوضّح أنّنا وإن كنّا سنخوض فى فرضيّة فوز الجبهة الشعبيّة فى تلك الإنتخابات ، فإنّنا ننبّه من منطلق مادي جدلي إلى واقع أنّ هذه الفرضيّة غير ممكنة التحقّق راهنا ، غير ممكنة التحوّل إلى واقع راهنا لجملة من الأسباب المعقّدة و المتشابكة العالمية و المحلّية و السياسيّة و الإيديولوجية لعلّ أهمّها مباشرة أنّ القوى اليمينيّة لا زالت قويّة و قويّة جدّا و فاعلة على كافة المستويات تقريبا ( تعزّزها قوى وسطيّة فى غالبيتها الساحقة أقرب إلى اليمين منها إلى اليسار ) وهي قادرة على التحكّم إلى درجة كبيرة و بشتّى وسائلها الضخمة فى ما ستؤول إليه نتائج مسرحية الإنتخابات مثلما فعلت بشكل أو آخر فى الإتخابات السابقة ( طبعا بتشكيلات و تحالفات جديدة تظلّ جوهريّا يمينية ) ، و أنّ الجبهة الشعبيّة خسرت بإنشقاقاتها و أخطائها الفادحة جزءا من إشعاعها المحدود أصلا وتأثيرها لم يكتسح قطاعات واسعة من الجماهير العريضة و لم تبن قاعدة جماهيريّة صلبة . و إذن ببساطة فوز الجبهة الشعبيّة مستبعد دون أن يعني ذلك أنّها ستمحى محوا من المشهد السياسي جراء خسارة جديدة ، بالعكس ستكون عنصرا من عناصر الديكور الذى سيكمّل معزوفة " الديمقراطية " من خلال منحها بعض المقاعد فيبقى أمل الفوز يوما ما قائما و ينفخ فيه لتستمرّ عمليّة نشر أوهام الديمقراطية البرجوازية .

2- رئيس دولة الإستعمار الجديد !
لنفترض جدلا نجاح الجبهة الشعبيّة فى الإنتخابات الرئاسية نجاحا ساحقا – وهو أمر يدخل ضمن الخيال العلمي فى الأوضاع العالمية و المحليّة الراهنة – فما الذى سيحدث ؟ بمعنى هل ستحقّق هذه الجبهة " الإستقلال " الوطني و تعالج المشاكل الجوهريّة التى تعاني منها الطبقات الشعبية ، مثلا ؟
فى الأساس و قبل الإنتخابات و قبل الحصول على تأشيرة أي حزب من الأحزاب للعمل القانوني ، يتم الإمضاء على إحترام مؤسسات دولة الإستعمار الجديد و إلتزاماتها فى علاقاتها الخارجيّة و إتفاقيّأتها الدوليّة إلخ و فى توجّهاتها الإقتصادية المركزية ... وبالتالى ، قبل أن يبلغ ممثّل الجبهة الشعبيّة سدّة الرئاسة ، يكون قد إلتزم بحدود معيّنة أو لنقلها بكلمات أخرى بخطوط حمراء تجعله تحت طائلة القانون الجاري به العمل و رجل دولة ، رجل دولة الإستعمار الجديد يتحرّك ضمن المجال المتاح له دون أن يخرج عن نطاق دولة الإستعمار الجديد . و فى حال إنتخابه رئيسا للدولة يكون رئيس دولةالإستعمار الجديد لا أكثر و لا أقلّ مهما إختلف نوعيّا أو كمّيا عن سابقيه فى الخطاب والبرنامج و التاريخ و هكذا .
و لسائل أن يسأل ماذا لو تنكّر ممثّل الجبهة الفائز فى الإنتخابات الرئاسيّة لتعهّداته و حاول شقّ عصا الطاعة والقفز فى الهواء قفزة بهلوانية ليهدّد بقرارات أو برامج أو سياسات المصالح الجوهريّة لدولة الإستعمار الجديد و الطبقات الرجعية و الإمبريالية العالمية التى تمثّلأ هذه الدولة مصالحها و تخدمها ؟
للجواب شقّان . أوّلا ، يعدّ هكذا إنقلاب أضغاث أحلام لا غير . و من له أدنى المعطيات عن مواقف الجبهة الشعبية و سياساتها فى السنوات الأخيرة و هو ملمّ بالجوهر الإصلاحي لحزب العمّال التونسي منذ تأسيسه يدرك جيّدا مدى صحّة ما نذهب إليه . فعلى سبيل المثال ، هل شقّت هذه الجبهة الإصلاحيّة عصا الطاعة عند إغتيال قادتها فى مناسبة أولى و ثانية ؟ لا . و الأعدهى أنّها تورّطت فى سلسلة تنازلات لا تحصى حفاظا على " الوحدة الوطنية " و " إنقاذا للبلاد " ( إقرأ ، إنقاذ دولة الإستعمار الجديد ) عبر " الحوار الوطني " ؛ و التحالف مع قوى رجعيّتها معلومة و هلمجرّا .
و فى البداية ، فى خطابها التحريضي الشفوي ( إجتماع قصر المؤتمرات بالعاصمة مثلا ) كانت ترفع شعار " إسقاط النظام " و تتاجر به و عمليّا و شيئا فشيئا لم تفعل سوى المساهمة فى صيانة النظام القائم و قدّمت له التنازلات وراء التنازلات . فلا شكّ إذن فى أن يكون الإنقلاب على إلتزامات رجال دولة الإستعمار الجديد من أضغاث الأحلام .
و الشقّ الثاني من الجواب يكمن فى عمليّة بسيطة – فى الأوضاع العالمية و المحلّية الراهنة - تجريها الطبقات الرجعية المتحالفة مع الإمبريالية العالمية لإزاحة هذا الرئيس المتنطّع( إن إنقلب على إلتزاماته ) بالطرق التآمريّة المعهودة و المبتكرة جميعها ، اللميّة منها و العسكرية و ما جدّ فى مصر خير دليل على ذلك .
و مجمل القول أنّه فى أفضل الحالات ، حالة فوز ممثّل الجبهة الشعبيّة فى الإنتخابات الرئاسيّة سيتحوّل من رجل دولة الإستعمار الجديد إلى رئيس دولة الإستعمار الجديد فيخدم رئيسيّا أراد ذلك أو ابى مصالح الرجعيّة و الإمبريالية و يساهم أكثر فى تشويه صورة الماركسية لدى الجماهير التى سيشاهد و تلمس عن كثب أنّ مثل هذه الوجوه " اليساريّة " تسلك ذات السياسات الجوهرية الرجعية الإضطهادية و الإستغلالية لدولة الإستعمار الجديد .
3- مجلس / برلمان صوريّ لإصباغ الشرعيّة على السياسات الرجعية :
لنفترض جدلا هنا أيضا نجاح الجبهة الشعبيّة فى كسب غالبيّة المقاعد فى الإنتخابات التشريعيّة لسنة 2014 – وهو أمر غير وارد واقعيّا فى الوقت الراهن لأسباب شرحنا أهمّها أعلاه .
لدى المثقّفين المتابعين للشأن السياسي معرفة جيّدة و أحيانا دقيقة بكيفيّة سير البرلمانات . ففى تونس ، على سبيل المثال ، من المعلوم كيف أنّه منذ عهد الحبيب بورقيبة إلى عهد زين العابدين بن علي ، كانت القرارات المصيريّة و الحاسمة تتّخذ خارج قبّة هذه المؤسسة و ما على هذه الأخيرة إلاّ تزكيتها ( و التاريخ يزخر بالأمثلة المسجلة لذلك ) . و الشيء نفسه إنطبق على المجلس التأسيسي الذى كانت تتحكّم فيه الترويكا بقيادة حزب النهضة / النكبة الإسلامي الفاشيّ فكانت القرارات و السياسات الأهمّ تتخذ فى إجتماعات مغلقة لقيادة هذه الترويكا بالتنسيق مع السفارات الأمريكية و الفرنسية أو فى إطار " حوار وطني " تفرض عليه الترويكا شروطها وترعاه الإمبريالية العالمية .
و قد إضطرّت إضطرارا هذه القوى المتحكّمة فى المجلس الـتأسيسي فى عدّة مناسبات إلى التراجع عن قرارات و سياسات معيّنة تحت ضغط الشارع و نضالات الجماهير عبر البلاد قاطبة أحيانا . و قد سجّلت الجماهير الشعبيّة مدى السخافات التى كانت تميّز سير هذا المجلس و مدى " ديمقراطيّته " و فساده و خدمته للرجعيّة و إستهانته بمعاناة الجماهير و تطلّعاتها .
و من الأكيد أنّ حصول الجبهة الشعبيّة على غالبيّة المقاعد فى الإنتخابات التشريعيّة سيخلق وضعا مختلفا شكليّا إلاّ أنّه لن يكون مختلفا نوعيّا جوهريّا فى ما يتّصل بأمّهات قرارات دولة الإستعمار الجديد و سياساتها و توجّهاتها . ( و لن نتطرّق هنا لإمكانية الصراعات فى صفوف الجبهة و تصدّعات محتملة و إنقلاب عدد صغير أو كبير من ممثّليها على برنامجها الإصلاحي أصلا ).
الإلتزامات القانونيّة لأحزاب الجبهة الشعبيّة و برامجها الإصلاحيّة أصلا لن تسمحا لها بتجاوز الخطوط الحمراء لتسلك نهجا يخدم مصالح الجماهير الشعبيّة و يضرّ بالمصالح الأساسيّة للطبقات الحاكمة و الإمبريالية العالمية . و إن تجرّأ حتى جزء من ممثّلى هذه الجبهة على ذلك و كان بمقدوره تكوين أغلبية و الإنقلاب على التعهّدات و لو جزئيّا ) سيتعرّض قبل كلّ شيء إلى ردود فعل قويّة من داخل الجبهة ذاتها ، ردود فعل قد تصل حدّ تجميد عضويّة هؤلاء أو طردهم من صفوفها ، و ستتعرّض الجبهة إن لم تقم باللازم إلى شيء من الضغوطات المحلّية و العالميّة ووسائل شراء الذمم و التهديد و الوعيد و المؤامرات السياسية و إن لم يفلح ذلك فى تركيعها و أرجاعها إلى جادة الصواب يتمّ اللجوء إلى العصا الغليظة أو إلى العصا و الجزرة معا أو المراوحة بينهما .
جهاز من أجهزة دولة الإستعمار الجديد ليس بوسعه إلاّ خدمة مصالح الطبقات الرجعيّة و الإمبريالية الواقفة وراء هذه الدولة و فى حال خروجه عن السيطرة يتقدّم العامود الفقري للدولة أي الجيش ليعيد الأمور إلى نصابها بأن يلغي هذه المؤسسة مؤقّتا أو يعيد تشكيلها وفق معايير جديدة إلخ . و لنا فى ما حدث فى مصر دليل على ذلك ( مع عدم التغافل عن الفرق بين الفاشيين الإسلاميين و اليسار الإصلاحي و إن كان كلاهما يقدّمان أجلّ الخدمات لدولة الإستعمار الجديد ).
4- ماذا أثبتت تجارب السنوات الأخيرة ، عربيّا ؟
ننطلق من تونس أين أثبتت التجربة منذ الإنتخابات الرئاسيّة الأخيرة أن الرئيس المنتخب كان محدود الصلوحيّات عن وعي و دراية منه جراء تحالفه مع النهضة / النكبة الإسلامية الفاشيّة و كان يخضع بلا شكّ لإملاءات الترويكا التى يقودها الإسلاميّون الفاشيّون و التى تتتحرّك تبعا لإلتزاماتها تجاه الإمبريالية العالمية . و عن حق أطلق عليه عموم الشعب " الطرطور " الذى كان هو و الترويكا فى خدمة دولة الإستعمار الجديد حتى حين كانت تعتدى صراحة و بوقاحة على " حقوق الإنسان " التى كان ينادى سابقا الرئيس " الطرطور " و يعدّ نفسه فارسا من فرسانها . فنستخلص مرّة أخرى أنّ حتى الذين كانوا لا يكفّون ليل نهار عن التبجّح بالدفاع عن " حقوق الإنسان " يصمتون صمت القبور لمّا تساد أمامهم و يتعلّق الأمر بتطبيقهم لإلتزامات تحالفات سياسية رجعية .
و الجبهة الشعبيّة وهي خارج الحكم رأيناها تقدّم التنازلات تلو التنازلات للرجعية – و حزب العمّال التونسي مضى أشواطا كبيرة فى ذلك إيديولوجيّا و سياسيّا و قد خضنا فى هذا فى مقالات سابقة – و تعقد تحالفات رجعيّة ولا يتوقعنّ أحد يعتبر نفسه واقعيّا أن بلوغ رئاسة دولة الإستعمار الجديد لن يفرض مزيد التنازلات التى تطلبها الدوائر الرجعيّة و الإمبريالية ضمانا لمصالحها الأساسية .
و أثبت الواقع المعيش أنّ المجلس التأسيسي كان لعبة بين أيدى تحالف يقوده الإسلاميّون الفاشيّون الذين حاولوا من خلاله تمرير أقصى ما يمكن تمريره من مفاهيمهم و رؤاهم و برامجهم ليصبغوا دولة الإستعمار الجديد بلونهم و يعدّوا العدّة لدفعها نحو إتّخاذ شكل فاشي تيوقراطي كما سعى إلى ذلك الإخوان المجرمون الإسلاميّون الفاشيّون فى مصر . و كانت المصالح الشعبيّة الأساسيّة آخر شغل من مشاغل غالبيّة أعضاء ذلك المجلس و كيف لا تكون و هم ملتزمون بالبرنامج الإقتصادي و الإجتماعي الذى أملته الإمبريالية العالمية و نال موافقة الطبقات الرجعية الحاكمة زمن بن علي و طوّره السبسي و نقلته عنه النهضة / النكبة الإسلامية الفاشية نقلا تقريبا حرفيّا .
لقد كان هذا المجلس أيضا وسيلة مزيد تفقير الجماهير و إثراء الإنتهازيين و الرجعيين .
و لا نخال الجبهة الشعبيّة قادرة على أو تتجرّأ على ( وهي لا تنوى ذلك حسب برامجها ) كسر طوق النظام الإقتصادي و الإجتماعي السائد و مواجهة الطبقات الرجعيّة و الإمبريالية و الإنقلاب على إلتزاماتها تجاه دولة الإستعمار الجديد .

و فى مصر ، سمحت الإمبريالية و الطبقات الرجعية و جيشها للإخوان الإسلاميين الفاشيين بالمشاركة فى السلطة بشروط حدّدها بكلّ وضوح الجيش ، العامود الفقري لدولة الإستعمار الجديد و ترك لهم مجال الإلتفاف على النضالات الشعبيّة . و لمّأ سعى الرئيس المنتخب إلى إصباغ الدولة شيئا فشيئا بصبغة دينيّة تيوقراطية صر يحة موسّعا من سلطاته إلخ تململ جزء من الشعب و إستغلّ الجيش الوضع لينظّم إنقلابا بموجبه عاد إلى دفّة الحكم و أجرى إنتخابات جديدة على مقاسه و بمعاييره ليجعل حكمه شرعيّا .
و السلطة التشريعيّة الإخوانية الإسلاميّة الفاشيّة التى وقفت وراء الرئيس المنتخب و الذى وقعت إزاحته لم تخدم مصالح الجماهير الشعبيّة بل واصلت خدمة الطبقات الرجعيّة عموما و فئات منها القريبة منها خاصة و ما إنفكّت تخدم عمليّا ، على عكس ما تتشدّق به ، مصالح الإمبريالية العالمية و الصهيونية بشكل سافر فضحته شعبيّا المواقف و القرارات المتّصلة بالكيان الصهيوني .
و فى ليبيا و العراق لا الرؤساء و لا المجالس التشريعيّة ( مهما إختلفت أسماؤها و تنوّعت ) خدمت مصالح الجماهير الكادحة بل ظلّت فى خدمة طبقات رجعيّة – أو فئات رجعيّة دون أخرى – متحالفة مع الإمبريالية العالمية ... و بات جليّا فى ليبيا و العراق درس أنّ السلطة تنبع من فوّهة البندقيّة و من يملك جيشا يحكم فى المناطق التى تقع تحت سيطرة جيشه و لو أنّ الجيوش المتنازعة هناك جميعها جيوش رجعية .

5- و ماذا أثبتت التجارب العالمية ؟
بهذا المضمار نودّ أن نقتطف فقرات من النقطة الرابعة بالفصل الخامس من كتابنا " حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحدّ حزب ماركسي مزيّف " نعتقد أنّها تفى بالغرض و ننصح الباحثين عن الحقيقة دراسة الكتاب مليّا :
2- " إلى أين تفضى الأوهام الديمقراطية البرجوازية ؟ : دروس من التجارب العالمية :

... لقد سبق لدولة الإستعمار الجديد فى تونس أن وظّفت الأوهام الديمقراطية البرجوازية فى فترة مزالي و فى السنوات الأولى من حكم بن علي وهي اليوم وعلى نطاق أوسع توظّف ذات الأوهام الديمقراطية البرجوازية لتضليل الشعب و مغالطته. فى الماضي ، لم تحرّر هذه الأوهام الشعب و لن تحرّره لا حاضرا و لا مستقبلا بل بالعكس ساهمت فى تأبيد الدولة الراعية لهذه الأوهام . و الشيء نفسه حصل و يحصل فى أكثر من بلد عربي ، مغربا و مشرقا.

و نظرا لكوننا شيوعيين ماويين نسلّط شيئا من الضوء بداية على تجربة ماوية حديثة جدّا إغتالتها أوهام الديمقراطية البرجوازية و نقصد التجربة النيبالية. فقد قاد الحزب الشيوعي النيبالي (الماوي) الثورة الديمقراطية الجديدة / الوطنية الديمقراطية و حرب الشعب هناك وفق المبادئ الماوية و حقّق إنتصارات عظيمة بالغا بعد سنوات عشر ( 1996-2005) من التضحيات الجسام و المعارك الشرسة على جميع الأصعدة تحرير ما يناهز الثمانين بالمائة من البلاد و بناء سلطة جديدة و جيش شعبي قويّ و تحطيم جزء هام من الدولة القديمة ، دولة الإقطاع و الكمبرادور المتحالفين مع الإمبريالية. غير أنّه لصعوبة الواقع الموضوعي و تعقّده و لقصور فى الرؤية المادية الجدلية و لقراءة خاطئة للتجارب الإشتراكية السابقة و الدروس التى ينبغى إستخلاصها منها ، طفقت قيادة الحزب تنزلق فى الإنحرافات الخطيرة و تبتعد عن المنهج القويم و السليم للثورة و سقطت فى 2006 فى مستنقع الديمقراطية البرجوازية فتحالفت مع أحزاب برجوازية صغيرة و أخرى برجوازية كمبرادورية لتشارك فى النهاية فى لعبة الإنتخابات و إيقاف حرب الشعب و التعهّد بحلّ جيش التحرير الشعبي و أجهزة السلطة و الدولة الجديدة . و توصّل الحزب النيبالي إلى الفوز فى الإنتخابات و تشكيل حكومة مع حلفاء لكن فى نفس الوقت جرى تفكيك السلطة الجديدة ، الدولة الجديدة و وقعت خيانة الثورة. و النتيجة اليوم بعد عدّة سنوات ، تحوّل هذا الحزب الذى بات تحريفيّا برجوازيّا منذ ندوته المنعرج سنة 2005 إلى أداة فى خدمة دولة الإستعمار الجديد التى لم يحطّمها فحطّمته و جعلته يعمل على إصلاحها و وترميمها تحسينها لا غير.

و أدّت الأوهام البرجوازية و التحريفية فى بلد آخر ، أندونيسيا فى أواخر ستينات القرن العشرين إلى سلوك الحزب الشيوعي هناك طريق البرلمانية بدعوى تدعيم الشقّ الوطني فى السلطة و إنتهت العملية بمأساة و يالها من مأساة : إغتيال و قتل عشرات الآلاف من الشيوعيين و الشيوعيات و غيرهم على أيدى جيش دولة الإستعمار الجديد.

و إلى الشيلي زمن آلاندي أين إتبع الماركسيون المزيفون الطريق السلمي لتداول السلطة و توصّل التحالف بين هؤلاء و الإشتراكيين إلى الإنتصار فى الإنتخابات و حاول الرئيس المنتخب الجديد الإقدام على إصلاحات ، و نعيدها إصلاحات ، مثل تأميم مؤسسات مسّت إلى درجة معيّنة المصالح الجوهرية لدولة الإستعمار الجديد و الطبقات الواقفة وراءها فأسرعت الرجعية و الإمبريالية إلى إستخدام أهمّ جهاز من أجهزة الدولة و عمادها الجيش لتنظّم إنقلابا قاده بينوشي وتسبّب فى سفك دم الآلاف و تشريد مئات الآلاف و إغراق البلاد فى جوّ من الإرهاب الفاشستي دام عقودا . و لمّا شاخ بينوشي و إهترأت سلطته عالجت الرجعية و الإمبريالية الأمر بمرحلة إنتقال ديمقراطي برجوازي لم يغيّر من جوهر النظام الإقتصادي - الإجتماعي شيئا و ظلّ الإضطهاد و الإستغلال الخبز اليومي للبروليتاريا و الكادحين فى الشيلي.

بهذا القدر من الأمثلة نكتفى لنستنتج أنّ فى المستعمرات و أشباه المستعمرات و المستعمرات الجديدة ، لا تجارب " الإنفتاح" و لا " الإنفتاح الديمقراطي" و لا تجارب " الإنتخابات الحرّة و النزيهة " أنجبت "ديمقراطية " أو " ثورة ديمقراطية " أو " ثورة ديمقراطية إجتماعية " بمعنى الديمقراطية البرجوازية من النمط المشاهد فى البلدان الرأسمالية الإمبريالية ، كلّ ما فعلته هو مغالطة البروليتاريا و الجماهير الكادحة و تأبيد إضطهادها و إستغلالها ، علما و أنّ الديمقراطية البرجوازية القديمة عُدّت منذ عقود غير ممكنة التحقيق فى عصر الإمبريالية و الثورة الإشتراكية مثلما بيّن ذلك ماو و شرحنا فى مقالنا " الديمقراطية القديمة و الديمقراطية الجديدة " المثبت كملحق لهذا العمل.

و حقّا لا مناص من إعلاء حقيقة لخّصها ماو تسى تونغ فى جملة :

" بدون جيش شعبي ، لن يكون هناك شيء للشعب . "

( " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ" ، الصفحة 105) . ( إنتهى المقتطف )

و هكذا ، الجبهة الشعبيّة بأحزابها و منظّماتها المكوّنة لها ، يلعبون بالنار التى قد تحرقهم – و قد حرقت بعدُ بعض القيادات - و ينشرون الأوهام بصدد طبيعة الدولة و الديمقراطية / الدكتاتورية البرجوازية ليقنعوا المناضلين و المناضلات و الجماهير الواسعة بما لا يتناسب والواقع ، بأوهام ديمقراطية برجوازية تحجب لبّ حقيقة الديمقراطية / الدكتاتوريّة البرجوازية و حقيقة الدولة الطبقيّة فيتوهّم المناضلون و المناضلات أنّهم يحاربون الرجعيّة و الإمبريالية و هم فى الواقع يخدمونهما و تتوهّم الجماهير أنّ هذا الحزب الإصلاحي أو ذاك و هذه الجبهة الإصلاحيّة أو تلك ستعالج المشاكل الأساسية للإضطهاد و الإستغلال فى المجتمع لكنّها ستصاب مرارا و تكرارا بالإحباط – إن لم تتفطّن لمسرحية الإنتخابات و تسلك طريقا شيوعيّا ثوريّا بمقدوره أن يؤدّي فعلا إلى تلبية حاجيات الجماهير الشعبيّة و تحقيق طموحاتها .
6- طبيعة الدولة : جهاز قمع طبقة ( أو طبقات ) لطبقة ( أو طبقات ) أخرى :
و بما أنّنا لا نرغب فى تكرار ماقلناه فى مواضع و مقالات أخرى بشأن هذه المسألة ، نكتفى بالتذكير بجزء لا غير ممّا خطّه قلمنا فى ذات كتابنا عن حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد كحزب ماركسي مزيّف :
" راينا أن لينين من مبرزي أفكار ماركس بشأن تحطيم الدولة القديمة و إنشاء دولة جديدة على أنقاضها تجسّد دكتاتورية البروليتاريا كمرحلة إنتقالية من الرأسمالية إلى الشيوعية و رأينا أن الحزب الموحّد يتنكّر لضرورة تحطيم الدولة القديمة رغم أنّه يتكلّم عن نظام الإستعمار الجديد .

قال لينين : " برأي ماركس ، الدولة هي هيئة للسيادة الطبقية ، هيئة لظلم طبقة من قبل طبقة أخرى ، هي تكوين " نظام" يمسح هذا الظلم بمسحة القانون و يوطده، ملطّفا إصطدام الطبقات." ( لينين ، " الدولة و الثورة " ، دار التقدّم موسكو ، الطبعة العربية ، الصفحة 8).

ماركسيّا و لينينيّا ، الدولة ليست جهازا محايدا بل هي جهاز لسيطرة طبقة ( او طبقات) على طبقة ( أو طبقات أخرى) و دولة الإستعمار الجديد فى تونس دولة طبقية تمثّل و تخدم مصالح الكمبرادور و الإقطاع المتحالفين مع الإمبريالية العالمية . بيد أنّ هذا الحزب الجديد و قياداته المتقلّبة مع كلّ ريح ينزعون عن الدولة طابعها الطبقي كلّما عنّ لهم ذلك خدمة لخطّ الحزب الإيديولوجي و السياسي الإنتقائي . فالهدف الذى يكرّرونه هو" تفكيك الدكتاتورية " و آليّاتها ما يملى علينا التوقّف وقفة لنقول لأصحاب هذا الحزب: أيها المحترمون متى لم تكن الدولة " دكتاتورية "؟ كلّ دولة أداة قمع و سيطرة طبقية و بالتالي دكتاتورية، و حتّى الدولة الإشتراكية الحقيقية ذاتها التى تسمّى دكتاتورية البروليتاريا أداة قمع و سيطرة طبقية و إن كانت تختلف عن الدول الأخرى فى كونها تسعى جاهدة من أجل تجاوز الإختلافات الطبقية و علاقات الإنتاج و العلاقات الإجتماعية و الأفكار المتناسبة معها ، التى أفرزت الإنقسام إلى طبقات و من ثمّة هي تسعى جاهدة من أجل إضمحلالها و إضمحلال أي جهاز مختصّ فى القمع الطبقي .

" إن أشكال الدول البرجوازية فى منتهى التنوع ، و لكن كنهها واحد : فجميع هذه الدول هي بهذا الشكل أو ذاك و فى نهاية الأمر ديكتاتورية البرجوازية على التأكيد . و يقينا أن الإنتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية لا بد و أن يعطى وفرة و تنوعا هائلين من الأشكال السياسية ، و لكن فحواها ستكون لا محالة واحدة : ديكتاتورية البروليتاريا ."

( لينين ؛ " الدولة و الثورة " ، دار التقدّم موسكو ، الطبعة العربية ، الصفحة 37 )." ( إنتهى المقتطف )

و إذن إن فازت الجبهة الشعبية فى الإنتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة – و هذا كما قلنا ليس أكثر من إفتراض ، من إمكانيّة غير قابلة للتحوّل إلى واقع فى الأوضاع العالمية و المحلّية الراهنة و لأسباب شرحنا أهمّها فى ما مرّ بنا – فإنّها ستمارس سلطة دولة الطبقات الرجعيّة ضد الطبقات الشعبيّة شاءت ذلك أم أبت ، حتى و إن أدخلت بعض الإصلاحات و التعديلات الطفيفة على التوجّهات الجوهريّة للخيارات السياسيّة و الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافيّة لهذه الدولة ؛ و إلاّ سيقع الإنقلاب عليها بطريقة أو أخرى و إستبعادها من الحكم بصورة أو أخرى .

7- الطبيعة الطبقيّة للديمقراطية / الدكتاتوريّة :
تعلّمنا المادية الجدليّة كما طوّرها لينين و خاصّة ماو تسيى تونغ أنّ لكلّ شيء و لكلّ ظاهرة أو سيرورة طبيعة مزدوجة و فى الدول الطبقيّة كلّ ديمقراطية دكتاتورية بمعنى أنّها ديمقراطية بالنسبة لطبقات معيّنة و دكتاتوريّة ضد طبقات أخرى فالديمقراطية البرجوازية ديمقراطية بالنسبة للطبقات الحاكمة و دكتاتورية ضد البروليتاريا و الطبقات الشعبية ؛ و الديمقراطية البروليتارية ديمقراطية للطبقات الشعبية بقيادة البروليتاريا الثورية و دكتاتورية ضد البرجوازية و أعداء الشعب . لهذا إخترنا و إصطفينا منذ مدّة الآن إستعمال مصطلح الديمقراطية / الدكتاتوريّة كتعبير مركّز عن هذه الطبيعة الطبقيّة المزدوجة لكلّ ديمقراطية .
و مثلما حرّف و يحرّف المتمركسون تعاليم ماركس و إنجلز و لينين و ستالين و ماو تسى تونغ بشأن الدولة ، حرّفوا و يحرّفون أيضا تعاليمهم بشأن الديمقراطية التى يحوّلونها بعصا سحريّة إلى غاية فى حدّ ذاتها ( لمغالطة الجماهير الواسعة ) و يطمسون طبيعتها الطبقيّة بما يصبّ فى نهاية المطاف فى مصلحة الطبقات الرجعية و الإمبريالية السائدة . و قد أوردنا فى ذات كتابنا المذكور أعلاه و تحديدا بالنقطة الثانية من الفصل الثاني الفقرات التالية نطلعكم عليها هنا لأنّها فى تقديرنا تصيب كبد الحقيقة فى ما يتعلّق بالموضوع الذى نحن بصدده :

" الديمقراطية "الخالصة " أم الديمقراطية الطبقية ؟

فى هذا الباب أيضا كسائر التحريفيين و البرجوازيين المروّجين لحياد جهاز الدولة يطعن مؤسّسو الحزب الوطني الديمقراطي الموحّد الطبيعة الطبقية للديمقراطية مثلما طعنوا الطبيعة الطبقية للدكتاتورية . و قد بلغت بهم الهلوسة البرجوازية الصغيرة حدّ إعتبار ما جدّ فى تونس " ثورة ديمقراطية " و " ثورة ديمقراطية إجتماعية " دون إضافة أي نعت طبقي ( هذا بقطع النظر عن كون ما جدّ ليس ثورة أصلا بل هو إنتفاضة شعبية و قد حبّرنا بعض الصفحات من قبل بهذا المضمار.) و قد بلغ بهم الإستهتار بالحقيقة و الغرق فى مستنقع أوهام الديمقراطية البرجوازية أن جعلوا من " الديمقراطية " فى عداء سافر للينينية ، فى الصفحة 6 من عدد جوان 2011 من " الوطني الديمقراطي " مطلب البشرية جمعاء" و " مفهوما إنسانيا كونيا " .

و من يسلك نهج نزع الطبيعة الطبقية للديمقراطية و يغالط المناضلات و المناضلين و الجماهير الشعبية العريضة يحوّر الماركسية تبعا للإنتهازية و بالتأكيد ليس من تلامذة لينين و إنّما من أعدائه فلينين كان صارما حاسما فى فهمه الطبقي لطبيعة الديمقراطية :

" طالما هناك طبقات متمايزة ، - و طالما لم نسخر من الحسّ السليم و التاريخ ، - لا يمكن التحدث عن " الديمقراطية الخالصة" ، بل عن الديمقراطية الطبقية فقط ( و نقول بين هلالين إنّ " الديمقراطية الخالصة" ليست فقط صيغة جاهلة تنم عن عدم فهم لنضال الطبقات و لجوهر الدولة على حدّ سواء ، بل هي أيضا صيغة جوفاء و لا أجوف، لأنّ الديمقراطية، ستضمحلّ ، إذ تتطور فى المجتمع الشيوعي و تتحوّل إلى عادة، و لكنها لن تصبح أبدا ديمقراطية " خالصة".

إنّ " الديمقراطية الخالصة " ليست سوى تعبير كاذب للبيرالي يخدع العمّال . إنّ التاريخ يعرف الديمقراطية البرجوازية التى تحلّ محلّ النظام الإقطاعي ، و الديمقراطية البروليتارية التى تحلّ محلّ الديمقراطية البرجوازية " )."

و إذا و بإختصار شديد بكلمات لينين ، مفهوم مؤسسى الحزب الوطني الديمقراطي الموحّد و كوكبة نقّاد الشيوعيّة الثورية من أمثالهم " صيغة جوفاء و لا أجوف " و " تعبير كاذب للبيرالي يخدع العمّال ". " ( إنتهى المقتطف ) .
و من هنا الديمقراطية / الدكتاتورية التى تمارسها اليوم دولة الإستعمار الجديد هي ديمقراطية الطبقات الرجعيّة والإمبريالية العالمية وهي ديمقراطية / دكتاتورية موجّهة فى الوقت نفسه و بالضرورة فى المجتمع الطبقي ضد الجماهير الشعبيّة . هي ديمقراطيّة فى صفوف الرجعية و الإمبريالية و دكتاتوريّة ضد أعدائهما ، ضد الطبقات المستغَلّة و المضطَهَدة . هذه هي الديمقراطية / الدكتاتورية التى يريد الإصلاحيّون من المناضلينو المناضلات و الفئات و الطبقات الشعبيّة الإيمان بها والتى تريد الجبهة الشعبيّة الركوع لها و تقديسها و خدمتها . هذه هي الأوهام الديمقراطية البرجوازية التى غرق فيها الإصلاحيّون و يبغون إغراق الجميع فيها .

8- ما فهمه الإسلاميّون الفاشيّون و لا يريد فهمه المتمركسون :
نستهلّ هذه النقطة بالإشارة إلى مواقف شهيرة لزعيم حركة النهضة / النكبة الإسلامية الفاشيّة فى السنوات الأخيرة . و لعلّ القرّاء تذكّروا بعدُ ما صرّح به فى فيديو راج كثيرا على شبكة التواصل الإجتماعي و أسال الكثير من الحبر فى الجرائد و نقصد تصريحاته فى لقاء له مع مجموعة من " السلفيين " ( إسلاميين فاشيين آخرين ) ، من أنّ عليهم الإنتظار قليلا وعدم المضي بسرعة نحو إعلان إمارات إسلامية ( أو " الخلافة السادسة " – حسب ما جاء على لسان حمّادي الجبالي فى الساحل زمن كان وزيرا أوّلا ) لأنّ الجيش غير مضمون بعدُ . لقد أدرك الظلامّيون حقيقة كثّفها ماو تسى تونغ فى جملة شهيرة و لا أشهر هي " من فوّهة البندقية تنبع السلطة السياسية " .
و عليه يجب على الشيوعيين أن يدركوا حقيقة أنّه لكي تظفر ثورة حقيقة و ننتصر على أعداء الجماهيرالشعبيّة ، فى المستعمرات و أشباه المستعمرات و المستعمرات الجديدة ، هناك حاجة موضوعيّة إلى :
" حزب قوي النظام مسلّح بالنظرية الماركسية - اللينينية ، يستخدم أسلوب النقد الذاتي و يرتبط بجماهير الشعب ، و جيش يقوده مثل هذا الحزب ، و جبهة متحدة تضمّ مختلف الطبقات الثورية و الجماعات الثورية و يقودها مثل هذا الحزب - هذه هي الأسلحة الرئيسية الثلاثة التى ننتصر بها على العدوّ. "
( ماو تسى تونغ ؛ " الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية" ( 30 يونيو – حزيران – 1949) ، المؤلفات المختارة ، المجلّد الرابع.)
فتجربة السودان و بعدها تجربة الجزائر ( و غيرها من التجارب الأخرى ) علّمت الإخوان المجرمين ، الإسلاميين الفاشيين أنّه لقيام دولة يحكمونها هم ثمّ’ حاجة إلى جيش موالي لهم يكون قوامها و عامودها الفقري .
وقد أعرب زعيم النهضة / النكبة الإسلامية الفاشيّة قبل ذلك عن فكرة صارت معروفة و متداولة هي أنّ الأفكار تحتاج إلى قوّة تسندها و لعمرى دلالة ذلك لا أجلى منها .
وقد سبق أن لجأت هذه الحركة الإسلاميّة الفاشيّة إلى العنف و تشكيل مليشيات لتفرض سلطتها و أفكارها و رؤاها وبرامجها و لتتحكّم فى جزء هام من الجامعة التونسية فى ثمانينات القرن العشرين . و لا تزال قيادات منها تفتخر بالعمليّات العنيفة التى نفّذتها الحركة فى أكثر من مكان داخل الجامعة التونسية وخارجها . و أضف إلى ذلكأنّها وهي فى السلطة و تتراّس الحكومة و تصدر الأوامر لقوّات القمع لم تتوانى عن تشكيل مليشياتها الخاصة التى عاثت فى الأرض فسادا ( من ذلك وقائع 9 أفريل بالعاصمة تونس و الهجوم على دورالإتحاد العام التونسي للشغل و تعنيف و تهديد المناضلين و المناضلات ) . و إلى يومنا هذا ، ما برحت هذه الحركة الفاشيّة تشكّل مليشيات تنشط حاليّا بشكل سرّي نوعا ما .
و ما إنفكّت هذه الحركة الإخوانيّة الإسلامية الفاشيّة تمدّ يد العون لجناح آخر من الإسلاميين الفاشيين أخذ يشكّل عمليّا جيشا لإقامة إمارات بهدف بناء دولة إسلامية هو " أنصار الشريعة " و تنسّق معه و تعبّد له طريق التسلّح و إرتكاب الإغتيالات و التموقع فى مناطق جبليّة معيّنة و تحميه من العقاب القانوني و تهرّب عناصره إن لزم الأمر ...لأنّ " الجيش " ، جيش دولة الإستعمار الجديد و من ورائه غالبيّة الطبقات الرجعية و الإمبريالية العالمية لم يتبنّى مشروعهم الذى يسعون لفرضه بالطرق جميعها تبنّيا تاما فيعملون مع أجنحة أخرى إسلاميّة فاشيّة على إضعافه و تشتيت قواه ليزداد الإسلاميّون الفاشيون قوّة حتّى عسكريّا فتضطرّ الجيش إلى تقديم تنازلات أو الإتفاق معهم أو إلحاق الهزيمة به و هدفهم هو إقامة دولة تيوقراطية ( " خلافة سادسة " ، قال حمّادي الجبالي و يردّها الكثير من الإسلاميين الفاشيين ) كشكل من أشكال دول الإستعمار الجديد التى لا تقطع مع الإمبريالية العالمية بل تعمل فى إطارها النظام الإمبريالي العالمي كما هو الحال فى إيران أو السعوديّة إلخ .
لقد أدرك الظلاميّون حقيقة طبيعة الدولة الطبقيّة و طبيعة الجيش و من ثمّة سعوا ويسعون جاهدين إلى إستمالة جيوش دول الإستعمار الجديد أو تعويضها بجيش يكون دعامة دولهم الأوتوقراطية الإسلامية الفاشية ، بينما يغرق المتمركسون فى اللهاث وراء سراب و أوهام الديمقراطية البرجوازية و يديرون ظهرهم للطبيعة الطبقيّة للدولة و للجيش و الديمقراطيّة فيخونون المصالح الطبقيّة الأساسية للطبقات الشعبيّة و طموحاتها و يخونون الثورة البروليتارية العالمية وهدفها الأسمى الشيوعية على الصعيد العالمي بما يضمن تحرير الإنسانيّة من كافة أنواع الإضطهاد و الإستغلال الجندري و الطبقي والقومي .
و لا يفوتنا هنا أن نثير سؤالا بحجم الجبال فى إعتقادنا ألا وهو ماذا سيفعل المتمركسون الإصلاحيّون الغارقون فى أوهام الديمقراطيّة البرجوازيّة لو خيّرت الطبقات الرجعية و الإمبريالية وضع مقاليد السلطة بين أيدى الجيش أو ساند الجيش ( و من ورائه الطبقات الرجعية و الإمبريالية العالمية ) إرساء دولة أوتوقراطية دينية سدّا للطريق أمام تنامي موجات حركة ثوريّة أو تصدّع صفوف التحالف الطبقي الحاكم ، كما حصل ذلك فى السودان فى ثمانينات القرن الماضي ، أو تمكّنت المجموعات المسلّحة الإسلامية الفاشيّة من فرض نفوذها و تبخّرت أوهامهم الديمقراطية البرجوازية ؟ نترقّب من هؤلاء إجابات إن كانت لهم الجرأة على نقاش هذه النقطة المتعلّقة بجيش دولة الإستعمار الجديد و ضرورة جيش ثوري لبناء دولة جديدة ثوريّة .
9- التحريفية و الإصلاحية و علاقة البنية الفوقيّة بالبنية التحتيّة :
لن نتعمّق هنا فى بحث هذه المسألة من كافة جوانبها و بالعودة إلى المصادر الماركسية الكلاسيكية و نقد التحرفيين إلخ ، حسبنا هنا أن نشير بوضوح و إن بشكل مقتضب إلى تشويه المتمركسين العلاقة المادية الجدلية بين البنية التحتيّة و البنية الفوقيّة خدمة لمآربهم الإصلاحية البرجوازية .
معلوم ماركسيّا و ماديّا جدليّا أن واقع الناس هو الذى يحدّد أفكارهم و أنّ البنية التحتيّة تحدّد البنية الفوقيّة ومن الإضافات الخالدة لماو تسى تونغ هو تشديده على مدى العلاقة الجدلية للبنيتين و تأثير البنية الفوقية فى البنية التحتيّة لا سيما فى المجتمع الإشتراكي لعوامل ليس هنا مجال تفصيلها . و قد رصدنا فى دراستنا للتحريفية و الإصلاحية و الخطوط الإيديولوجية و السياسية للمتمركسين تشويههم الفظّ للعلاقة الصحيحة بين البنية التحتيّة و البنية الفوقيّة حيث يفصلون بينهما و كأنّ – كما لرأينا - الدولة و الديمقراطية و القوانين و ما إلى ذلك من البنية الفوقيّة لدولة الإستعمار الجديد لا تعكس و لا تخدم القاعدة الإقتصادية الإجتماعية للمجتمع من علاقات الإنتاج و علاقات التوزيع و الملكية .
يتخيّل الإصلاحيّون أنّهم عند بلوغهم المشاركة فى أجهزة دولة الإستعمار الجديد سيكون بوسعهم تحقيق برامجهم إن مسّت من المصالح الأساسية للطبقات الحاكمة المتحالفة مع الإمبريالية العالمية دون معارضة شديدة من الطبقات الرجعيّة و الإمبريالية العالمية و بقيّة أجهزة الدولة و على رأسها الجيش . يتخيّلون ذلك و يوهمون الجماهير الشعبيّة و المناضلات و المناضلين بإمكانيّة إنجاز المهام الوطنيّة و الديمقراطية للثورة الوطنية الديمقراطية فى إطار دولة الإستعمار الجديد و علاقات الإنتاج و التوزيع و الملكية القائمة .
ليس المسك بالسلطة السياسيّة أو بجزء منها وحده هو الذى يخوّل تثوير مجتمع و بنيته التحتيّة والفوقيّة ، بل هناك حاجة أكيدة إلى إمتلاك دولة و عاموها الفقري جيش ثوري من طراز جديد يفرضات فرضا على الطبقات الرجعية و بالقوّة أحيانا التغيير الثوري المرجوّ فى البنيتين . تستطيع أن تكون تمسك بسلطة الحكومة أو السلطة التشريعية ( مثلما حصل فى أندونيسيا فى أواسط الستينات ، مع الحزب الشيوعي هناك ) لكنّك لا تمسك بسلطة الدولة برمّتها فالسلطة السياسية تنبع من فوّهة البندقيّة و إن كان غيرك يمسك بالبندقية و أنت لا تملك بندقية – جيشا – لعليك السلام الذى ترجم تاريخيّا فى أندونيسيا بمجازر لمئات الآلاف من الشيوعيين و غيرهم الثوريين على أيدى سوهرتو والجيش الذى قاد الإنقلاب.
الإصلاحات و البرامج الإصلاحيّة و القوى الإصلاحية لا تعالج المشكل المتمثّل على وجه الضيط فى دولة الإستعمار الجديد و البنية التحتية و الفوقية للمجتمع الذى يحتاج ثورة لا إصلاحات ، ولا تنشأ دولة جديدة ثوريّة تقودها الطبقات الثوريّة و على رأسها البروليتاريا و هدفها الأسمى الشيوعية على النطاق العالمي ؛ أقصى ما تفعله هو إدخال تغييرات بسيطة فى هذا المجال أو ذاك أمّا البنية التحتيّة الإقتصادية الإجتماعية الأساسية التى تعيد إنتاج المجتمع بالإستعانة بالدولة و بقيّة البنية الفوقيّة فلن تشهد تغييرا راديكاليّا بل ستظلّ هي هي .
و ما الذى يحصل عندما يسعى الإصلاحيّون إلى التدخّل فى جوهر علاقات الإنتاج و التوزيع و الملكيّة ؟ تاريخيّا حصل أمران إثنان : أولهما تراجع الإصلاحيين عن مشاريعهم " الطموحة أكثر من اللازم " تحت الضغط المحلّي و الدولي و تأقلمهم مع المصالح الأساسيةّ لدولة الإستعمار الجديد فيظلّون فى الحكم لفترة تطول أو تقصر حسب الظروف فى خدمة الطبقات الرجعيّة و الإمبريالية العالمية ( أفريقيا الجنوبيّة بعد الأبرتايد ) و ثانيهما ، يستبعدون من الحكم بمؤامرات متنوّعة ( نيكارغوا و ما جدّ قبل سنوات عديدة من إستبعاد الجبهة الساندينية من الحكم قبل أن تعود إليه مؤخّرا بعد الكثير و الكثير من التنازلات على الكثير و الكثير من المستويات) أو يسحقون بالقوّة سحقا ( الشيلي و تجربة آلندى والحزبين الإشتراكي و الشيوعي هناك فى سبعينات القرن العشرين ) ...
إنّ من لم يدرك عمق الحقيقة التالية التى لخّصها ماو تسى تونغ و ينطلق منها فى نضاله ، لن يكون ثوريّا حقّا :
" إنّ الإستيلاء على السلطة بواسطة القوة المسلّحة و حسم الأمر عن طريق الحرب ، هو المهمة المركزية للثورة و شكلها الأسمى . و هذا المبدأ الماركسي اللينيني المتعلّق بالثورة صالح بصورة مطلقة، للصين و لغيرها من الأٌقطار على حدّ سواء ."
( " قضايا الحرب و الإستراتييا " ( 6 نوفمبر - تشرين الثاني - 1938) ، المؤلفات المختارة ، المجلّد الثاني)
العالم يصرخ من أجل الثورة البروليتارية العالمية بتيّاريها : الثورة الديمقراطية الجديدة / الوطنية الديمقراطية فى المستعمرات و أشباه المستعمرات و المستعمرات الجديدة و الثورة الإشتراكية فى البلدان الرأسمالية – الإمبريالية . و هذه الثورة اللازمة موضوعيّا و تاريخيّا و التى هي وحدها القادرة على المضيّ نحو الشيوعية و تحرير الإنسانيّة لن تنجزها القوى الإصلاحيّة و لن تنجزها طبعا دول الإستعمار الجديد و لا الدول الإمبريالية بل هي نقيضها ، عدوّها اللدود. و من يساهم فى ترميم البنية التحتيّة و البنية الفوقيّة السائدين و إعادة هيكلة دولة الإستعمار الجديد و بالتالى تأبيد إستغلال و إضطهاد الطبقات الكادحة ، يقدّم أجلّ الخدمات للطبقات الرجعية و الإمبريالية و فى نهاية المطاف شاء أم أبا يعزّز قوى الثورة المضادة و النظام الإمبريالي العالمي و يقف فى صفّ أعداء الثورة البروليتارية العالمية و هدفها الأسمى الشيوعية على الصعيد العالمي .

خاتمة :
المشكل يتمثّل بلا ريب و فى الأساس فى دولة الإستعمار الجديد برمّتها و فى الطبقات الرجعية و الإمبريالية العالمية التى تمثّل هذه الدولة مصالحها و تخدمها على حساب مصالح الطبقات الشعبيّة . و الحلّ هو تحطيم هذه الدولة القديمة و تشييد دولة جديدة ثوريّة بجيش جديد ثوري تخدم المصالح الآنيّة و البعيدة المدى للطبقات الشعبيّة و على رأسها البروليتاريا و غايتها الأسمى الشيوعية على النطاق العالمي ، عبر ثورة ديمقراطية جديدة / وطنية ديمقراطية تنجز عموما وفق إستراتيجيا حرب الشعب الماوية كجزء من الثورة البروليتارية العالمية .
و المتمركسون الناشرون لأوهام الديمقراطية / الدكتاتورية البرجوازية حتى و إن توصّلوا بفضل مسرحيّة الإنتخابات إلى المشاركة فى الحكم وأمسكوا ببعض من مقاليد السلطة لن يستطيعوا تجاوز إطار دولة الإستعمار الجديد بمؤسساتها المركزيّة القائمة و يتواصل إستغلال الجماهير الشعبيّة و إضطهادها . و لن يُحلّ المشكل .
يتصوّر الإصلاحيّون و يصوّرون للمناضلات و المناضلين أنّهم حسنا يفعلوا بإستغلال " الديمقراطية " و المشاركة فى" الإنتخابات " لخدمة الطبقات الشعبيّة لكن فى الواقع يطرح بإلحاح سؤال من يستغل من؟ هل يستغلّ الإصلاحيّون أجهزة دولة الإستعمار الجديد أمهي التى تستغلّهم ؟ وقد شرحنا هنا ما شرحنا من حقائق مبنيّة على وقائع ملموس و قد حلّلنا بالملموس الواقع الملموس ، الإجابة العلميّة و الموضوعية هي أنّ دولة الإستعمار الجديد تستغلّ الإصلاحيين من المتمركسين لتترميم صفوفها و إصباغ الشرعيّة على حكم الدولة الرجعيّة .
و من هنا يترتّب على الشيوعيين و الشيوعيّات الحقيقيين أن يكونوا شيوعيين و شيوعيّات قولا وفعلا و يقاوموا دولة الإستعمار الجديد برمّتها و ينشروا أرقى فهم شيوعي اليوم ، شيوعية اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية ، فى صفوف الجماهير الشعبيّة و يعملوا وسعهم لتحقيق ما يمكن تحقيقه راهنا من مراكمة القوى و وضع أسس صلبة و راسخة تعدّ أرضيّة التقدّم بخطوات جبّأرة مستقبلا نحو المساهمة فى الثورة البروليتارية العالمية و تحرير الإنسانيّة .
و " تعنى الخلاصة الجديدة إعادة تشكيل و إعادة تركيب الجوانب الإيجابية لتجربة الحركة الشيوعية و المجتمع الإشتراكي إلى الآن ، بينما يتمّ التعلّم من الجوانب السلبية لهذه التجربة بابعادها الفلسفية والإيديولوجية و كذلك السياسية ، لأجل التوصّل إلى توجه و منهج و مقاربة علميين متجذّرين بصورة أعمق و أصلب فى علاقة ليس فقط بالقيام بالثورة و إفتكاك السلطة لكن ثمّ ، نعم ، تلبية الحاجيات المادية للمجتمع و حاجيات جماهير الشعب ، بطريقة متزايدة الإتساع ، فى المجتمع الإشتراكي – متجاوزة ندب الماضى ومواصلة بعمق التغيير الثوري للمجتمع ، بينما فى نفس الوقت ندعم بنشاط النضال الثوري عبر العالم و نعمل على أساس الإقرار بأن المجال العالمي و النضال العالمي هما الأكثر جوهرية و أهمّية ، بالمعنى العام – معا مع فتح نوعي لمزيد المجال للتعبير عن الحاجيات الفكرية و الثقافية للناس ، مفهوما بصورة واسعة ، و مخوّلين سيرورة أكثر تنوّعا و غنى للإكتشاف و التجريب فى مجالات العلم و الفنّ و الثقافة و الحياة الفكرية بصفة عامة ، مع مدى متزايد لنزاع مختلف الأفكار و المدارس الفكرية و المبادرة و الخلق الفرديين و حماية الحقوق الفردية ، بما فى ذلك مجال للأفراد ليتفاعلوا فى " مجتمع مدني " مستقلّ عن الدولة – كلّ هذا ضمن إطار شامل من التعاون و الجماعية و فى نفس الوقت الذى تكون فيه سلطة الدولة ممسوكة و متطوّرة أكثر كسلطة دولة ثورية تخدم مصالح الثورة البروليتارية ، فى بلد معيّن وعالميا و الدولة عنصر محوري ، فى الإقتصاد و فى التوجّه العام للمجتمع ، بينما الدولة ذاتها يتمّ بإستمرار تغييرها إلى شيئ مغاير راديكاليا عن الدول السابقة ، كجزء حيوي من التقدّم نحو القضاء النهائي على الدولة ببلوغ الشيوعية على النطاق العالمي . "
( بوب أفاكيان ؛ " القيام بالثورة و تحرير الإنسانية ، الجزء الأوّل " ؛ " الثورة " عدد 112 ، 16 ديسمبر 2007 . )
============================================== سبتمبر 2014







(3)
مقدمة - لا حركة شيوعية ثورية دون ماوية ! ( عدد 22 / ديسمبر 2014) –
الإنتخابات التشريعية و الرئاسية فى تونس و أوهام الديمقراطية البرجوازية
ناظم الماوي
الحوار المتمدن-العدد: 4676 - 2014 / 12 / 29 - 02:02
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية

لا حركة شيوعية ثورية دون ماوية !
( عدد 22 / ديسمبر 2014)
الإنتخابات التشريعية و الرئاسية فى تونس و أوهام الديمقراطية البرجوازية
ناظم الماوي

( ملاحظة : العدد بأكمله – نسخة بى دى أف - متوفّر بمكتبة الحوار المتمدّن )

مقدّمة العدد 22 :

رمال متحرّكة . هكذا نعت و ينعت بوب أفاكيان ، رئيس الحزب الشيوعي ، الولايات المتحدةالأمريكية وصاحب الخلاصة الجديدة للشيوعية ، فى عدد من كتاباته ما مثّلته و ما تمثّله الإنتخابات و الديمقراطية البرجوازية بالنسبة للشيوعيين .
و بالفعل تاريخيّا ، إبتلعت هذه الرمال المتحرّكة أحزابا عريقة كانت ثورية وكانت لها قاعدة شعبية نسبية فى وقت من الأوقات و أفسدتها الأوهام الديمقراطية البرجوازية فتغيّر لونها و أضحت أحزابا تحريفية برجوازية بعدما كانت أحزابا بروليتارية . هذا ما حصل للحزب الشيوعي الفرنسي و الحزب الشيوعي الإيطالي مثلا خاصة أثناء الحرب العالمية الثانية و بعدها . و ذات هذه الرمال المتحرّكة إبتلعت الكثير من حركات التحرّر الوطني من السلفادور إلى غواتيمالا إلى جنوب أفريقيا إلخ .
و قد غرق فى أوهام الديمقراطية البرجوازية حتى بعض الماركسيين – اللينينيين – الماويين وتجربة الثورة الماوية فى النيبال أفضل مثال على ذلك حيث إنساق الحزب الشيوعي النيبالي ( الماوي )، بعدما هيمن عليه خطّ تحريفي أواسط العقد الأوّل من القرن الواحد و العشرين ، خلف تلك الأوهام ففكّك سلطة قواعد حمراء و جيشا أحمر لينخرط فى لعبة الديمقراطية البرجوازية فكانت النتيجة خيانة الشيوعية و خيانة الطبقات والفئات الشعبية وخدمة ترميم الدولة الرجعية ، دولة الإستعمار الجديد هناك ، و إعادة هيكلتها على حساب المضطهَدين و المستغَلّين ...
و نقترح على من يرنو التعمّق النظري فى علم الشيوعية و الموقف البروليتاري الثوري من الديمقراطية البرجوازية وأوهامها ، إضافة إلى دراسة بعض نصوصنا المخصّصة للقضيّة فى أعداد " لا حركة شيوعية ثورية دون ماويّة ! " ، دراسة كتابي لينين " الدولة و الثورة " و" الثورة البروليتارية والمرتدّ كاوتسكي" و كتاب ماو تسى تونغ " حول الديمقراطية الجديدة " و النصوص الماوية خلال الصراع ضد التحريفية المعاصرة السوفياتية منها والأمريكية و الفرنسية و الإيطالية و اليوغسلافية و منها على سبيل الذكر لا الحصر :
- عاشت اللينينية (أفريل 1960)
- لنتحد تحت راية لينين الثورية (أفريل 1960)
- الى الأمام على طريق لينين العظيم (أفريل 1960) - الخلافات بين الرفيق تغلياتي و بيننا (ديسمبر1962) - مرة أخرى حول الخلافات بين الرفيق تغلياتى و بيننا (1963)
- أصل الخلافات و تطورها بين قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي و بيننا (1963)
- سياستان للتعايش السلمى متعارضتان تماما (1963) - إقتراح حول الخط العام للحركة الشيوعية العالمية (1963)
- من أين أتت الخلافات؟ رد على توريز و رفاق آخرين ( فيفري 1963) - الثورة البروليتارية وتحريفية خروتشوف . - اللينينية و التحريفية المعاصرة (1963)
- شيوعية خروتشوف المزيفة و الدروس التاريخية التى تقدمها للعالم (جويلية 1964)
- لينينية أم امبريالية اشتراكية ؟ ( أفريل 1970)

و بالطبع لا مناص لمن يتطلّع حقّا إلى دراسة جدّية لإضافات الماويين بعد ماوتسى تونغ و خسارة الصين الإشتراكية عقب إنقلاب 1976 التحريفي و إعادة تركيز الرأسمالية هناك ، من تفحّص كتابات بوب أفاكيان سواء منها تلك التى نشرت فى العدد 17/ 1992 من مجلّة " عالم نربحه " ( مجلّة الحركة الأممية الثورية ) تحت عنوان " الديمقراطية : بوسعنا إنجاز أفضل من ذلك " أو الكتاب السابق لذلك العمل " الديمقراطيّة : أليس بوسعنا أن ننجز أفضل من ذلك ؟ " و الذى ترجم شادي الشماوي فصلا منه ( فصل " أوهام الديمقراطية " ) ونشره بموقع حوار المتمدّن بعنوان " من الولايات المتحدة الأمريكية تحليل لأوهام الديمقراطية البرجوازية " ، و ما تلاهما من مؤلّفات مثل " حول ديمقراطية البروليتاريا و دكتاتورية البروليتاريا – نظرة مختلفة راديكاليا لقيادة المجتمع " سنة 2003 و " الشيوعية وديمقراطية جيفرسون " سنة 2008 ... وغير ذلك ممّا يتوفّر على موقع الأنترنت
www.revcom.us
و فى عدد نشريّتنا هذا ، تجدون قراءات لكيف أنّ هذه الرمال المتحرّكة ( الإنتخابات و الديمقراطية البرجوازية و أوهامها ) إبتعلت وتبتلع فرق اليسار الإصلاحي و حتى تلك التى تدّعى الثورية ، و لكيف عرّت هذه الإنتخابات حقيقة أنّ " الشيوعيين " فى القطر ( و عربيّا عامة ) باتوا منذ زمن بلا شيوعية و فى المقابل بالطبع تعثرون على الموقف البديل الشيوعي الماوي الثوري المعتمد على شيوعية اليوم ، الشيوعية الأكثر رسوخا علميّا و الأكثر تقدّما ، الخلاصة الجديدة للشيوعية .
و المقالات الخمسة لهذا العدد هي :

1- خروتشوفيّة " اليسار " الإصلاحي
2- الإنتخابات و أوهام الديمقراطية البرجوازية : تصوّروا فوز الجبهة الشعبية فى الإنتخابات التشريعية و الرئاسية لسنة 2014
3- تونسُ الإنتخاباتِ و الأوهامِ الديمقراطية البرجوازيةِ و الشيوعيين بلا شيوعيّة
4- الإنتخابات فى تونس : مغالطات بالجملة للجماهير الشعبية من الأحزاب اليمينية و اليسارية الإصلاحية
5- إلى الماركسيّات والماركسيين الشبّان: ماركسيين ثوريين تريدوا أن تكونوا أم إصلاحيين؟

و لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! والماوية الثورية اليوم هي الخلاصة الجديدة للشيوعية !
--------------------------------------------------------------------------------------------------------



تعليقات الفيسبوك