الدولة بين المفهوم الماركسي و المفهوم التحريفي – 2 - من تجلّيات تحريفية حزب العمّال التونسي و إصلاحيّته في كتاب الناطق الرسمي بإسمه ، - منظومة الفشل -


ناظم الماوي
2019 / 10 / 23 - 13:43     

الدولة بين المفهوم الماركسي و المفهوم التحريفي – 2 - من تجلّيات تحريفية حزب العمّال التونسي و إصلاحيّته في كتاب الناطق الرسمي بإسمه ، " منظومة الفشل "
ناظم الماوي
--------------------------------------------------
" هذه الإشتراكيّة إعلان للثورة المستمرّة ، الدكتاتوريّة الطبقيّة للبروليتاريا كنقطة ضرورية للقضاء على كلّ الإختلافات الطبقية ، و للقضاء على كلّ علاقات الإنتاج التى تقوم عليها و للقضاء على كلّ العلاقات الإجتماعية التى تتناسب مع علاقات الإنتاج هذه ، و للقضاء على كلّ الأفكار الناجمة عن علاقات الإنتاج هذه ".
( كارل ماركس ، " صراع الطبقات فى فرنسا من 1848 إلى 1850" ، ذكر فى الأعمال المختارة لماركس و إنجلز ، المجلّد 2 ، الصفحة 282 ).

-----------------------------------------

" و سيكون واجب القادة على وجه الخصوص أن يثقّفوا أنفسهم أكثر فأكثر فى جميع المسائل النظريّة و أن يتخلّصوا أكثر فأكثر من تأثير العبارات التقليديّة المستعارة من المفهوم القديم عن العالم و أن يأخذوا أبدا بعين الاعتبار أنّ الاشتراكيّة ، مذ غدت علما ، تتطلّب أن تعامل كما يعامل العلم ، أي تتطلّب أن تدرس . و الوعي الذى يكتسب بهذا الشكل و يزداد وضوحا ، ينبغى أن ينشر بين جماهير العمّال بهمّة مضاعفة أبدا..."
( انجلز ، ذكره لينين فى " ما العمل؟ " )
------------------------------------
" قد كان الناس و سيظلّون أبدا ، فى حقل السياسة ، أناسا سذّجا يخدعهم الآخرون و يخدعون أنفسهم، ما لم يتعلّموا إستشفاف مصالح هذه الطبقات أو تلك وراء التعابير و البيانات و الوعود الأخلاقية و الدينية و السياسية و الإجتماعية . فإنّ أنصار الإصلاحات و التحسينات سيكونون أبدا عرضة لخداع المدافعين عن الأوضاع القديمة طالما لم يدركوا أن قوى هذه الطبقات السائدة أو تلك تدعم كلّ مؤسسة قديمة مهما ظهر فيها من بربرية و إهتراء . "
( لينين ، " مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكوّنة الثلاثة " )
---------------------------
"... حين أزاحت الماركسية النظريّات المعادية لها ، و المتجانسة بعض التجانس ، سعت الميول التي كانت تعبر عنها هذه النظريّات وراء سبل جديدة . فقد تغيّرت أشكال النضال و دوافعه ، و لكن النضال إستمرّ . و هكذا بدأ النصف الثاني من القرن الأوّل من وجود الماركسيّة ( بعد 1890 ) بنضال التيّار المعادى للماركسيّة في قلب الماركسيّة .
...لقد منيت الإشتراكيّة ما قبل الماركسيّة بالهزيمة ، وهي تواصل النضال ، لا في ميدانها الخاص ، بل في ميدان الماركسيّة العام ، بوصفها نزعة تحريفيّة .

... إنّ نضال الماركسيّة الثوريّة الفكري ضد النزعة التحريفيّة ، في أواخر القرن التاسع عشر ، ليس سوى مقدّمة للمعارك الثوريّة الكبيرة التي ستخوضها البروليتاريا السائرة إلى الأمام ، نحو إنتصار قضيّتها التام ، رغم كلّ تردّد العناصر البرجوازية الصغيرة و تخاذلها . "
( لينين ، " الماركسيّة و النزعة التحريفيّة " )
--------------------------------------------
" إنّ ديالكتيك التاريخ يرتدى شكلا يجبر معه إنتصار الماركسيّة في حقل النظريّة أعداء الماركسيّة على التقنّع بقناع الماركسيّة ."
( لينين ، " مصائر مذهب كارل ماركس التاريخيّة " المخطوط في مارس 1913 ، ( الصفحة 83 من " ضد التحريفيّة ، دفاعا عن الماركسية " ، دار التقدّم موسكو )
---------------------------------------------------------
" إنّ ميل المناضلين العمليين إلى عدم الإهتمام بالنظرية يخالف بصورة مطلقة روح اللينينيّة و يحمل أخطارا عظيمة على النظريّة تصبح دون غاية ، إذا لم تكن مرتبطة بالنشاط العملي الثوري ؛ كذلك تماما شأن النشاط العملي الذى يصبح أعمى إذا لم تنر النظريّة الثوريّة طريقه . إلاّ أنّ النظريّة يمكن أن تصبح قوّة عظيمة لحركة العمّال إذا هي تكوّنت فى صلة لا تنفصم بالنشاط العملي الثوري ، فهي ، وهي وحدها، تستطيع أن تعطي الحركة الثقة وقوّة التوجّه و إدراك الصلة الداخليّة للحوادث الجارية ؛ وهي ، وهي وحدها ، تستطيع أن تساعد النشاط العملي على أن يفهم ليس فقط فى أي إتّجاه و كيف تتحرّك الطبقات فى اللحظة الحاضرة ، بل كذلك فى أيّ إتّجاه وكيف ينبغى أن تتحرّك فى المستقبل القريب . إنّ لينين نفسه قال و كرّر مرّات عديدة هذه الفكرة المعروفة القائلة :
" بدون نظرية ثورية ، لا حركة ثوريّة " ( " ما العمل ؟ " ، المجلّد الرابع ، صفحة 380 ، الطبعة الروسية ) "
( ستالين ، " أسس اللينينية - حول مسائل اللينينية " ، صفحة 31 ، طبعة الشركة اللبنانية للكتاب ، بيروت )
-------------------------------------
" إن الجمود العقائدى و التحريفية كلاهما يتناقضان مع الماركسية . و الماركسية لا بد أن تتقدم ، و لا بدّ أن تتطور مع تطور التطبيق العملى و لا يمكنها أن تكف عن التقدم . فإذا توقفت عن التقدم و ظلت كما هي فى مكانها جامدة لا تتطور فقدت حياتها ، إلا أن المبادئ الأساسية للماركسية لا يجوز أن تنقض أبدا ، و إن نقضت فسترتكب أخطاء . إن النظر إلى الماركسية من وجهة النظر الميتافيزيقة و إعتبارها شيئا جامدا ، هو جمود عقائدي ، بينما إنكار المبادئ الأساسية للماركسية و إنكار حقيقتها العامة هو تحريفية . و التحريفية هي شكل من أشكال الإيديولوجية البرجوازية . إن المحرفين ينكرون الفرق بين الإشتراكية و الرأسمالية و الفرق بين دكتاتورية البروليتاريا و دكتاتورية البرجوازية . و الذى يدعون اليه ليس بالخط الإشتراكي فى الواقع بل هو الخط الرأسمالي . "
( ماو تسي تونغ ، " خطاب فى المؤتمر الوطنى للحزب الشيوعي الصيني حول أعمال الدعاية "
12 مارس/ أذار 1957 " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " ، ص21-22 )
-------------------------------------
كلّ ما هو حقيقة فعلا جيّد بالنسبة للبروليتاريا ، كلّ الحقائق يمكن أن تساعد على بلوغ الشيوعية .
( " بوب أفاكيان أثناء نقاش مع الرفاق حول الأبستيمولوجيا : حول معرفة العالم و تغييره " ، فصل من كتاب " ملاحظات حول الفنّ و الثقافة ، و العلم و الفلسفة " ، 2005)
==========================================
مقدّمة :
من تابع و يتابع كتاباتنا سيتفطّن دون عناء إلى كون هذا المقال يتنزّل ضمن مشروع نقدي للخطّ الإيديولوجي و السياسي لحزب العمّال التونسي و بالتالى ليس مقالا منفردا مناسباتيّا من ناحية و لا هو من ناحية أخرى، كافيا شافيا لوحده للبتّ نهائيّا في المسألة و إنّما هو لبنة من لبنات سلسلة من المقالات السابقة و محطّة من محطّات سلسلة مقالات لاحقة تمّت البرمجة لها على أنّنا لا نتعهّد للقرّاء بإنجازها و إصدارها في تاريخ معيّن ذلك أنّنا نشتغل وفق أولويّات خاصة .
في السنوات الأخيرة ، صدرت لنا على صفحات الحوار المتمدّن عدّة مقالات ناقدة و لسياسات حزب العمّال التونسي ومواقفه و أفكاره و اليوم نغتنم فرصة إعادة قراءة كتاب السيّد جيلاني الهمّامي المنشور سنة 2017 عن الثقافيّة للطباعة و النشر و التوزيع، تونس و الذى قدّم له السيّد حمّه الهمّامي ، لنقطع خطوة ضروريّة أخرى في مشروعنا النقدي فالكتاب يحمل في طيّاته مواقفا تعدّ وليمة بالنسبة للنقد الماركسي لن نفوّتها لا لشيء إلاّ لأنّها تكشف جوانبا هامة بل غاية في الأهمّية من الخطّ الإيديولوجي و السياسي التحريفي و الإصلاحي لهذا الحزب سيما و أنّ هذه المواقف خطّها قلم قيادي من أعلى قيادات هذا الحزب .
و لا يندرج هذا بتاتا ضمن الترف الفكري أو المناكفات و المهاترات الفكريّة أو التهجّم الشخصيّ و ما شاكل ذلك كما يحلو لبعض مشوّهي الصراع على الجبهة النظريّة و السياسيّة الزعم و إنّما يندرج ضمن المساهمة في القيام بالواجب الشيوعي المتأكّد والملحّ في دحض و تعرية التحريفيّة و الدغمائيّة بشتّى ألوانهما المهيمنتين على الحركة الشيوعية العربيّة و العالميّة و المعرقلتين إلى درجة كبيرة نشوء الحركات الثوريّة و نموّها و تطوّرها ، و في إعلاء راية الشيوعية الثوريّة لتكون سلاحنا العلمي البّتار في كفاحنا البروليتاري الجبّار في سبيل الثورة الشيوعية و تحرير الإنسانيّة من كافة أشكال الإستغلال و الإضطهاد الطبقيّة و الجندريّة و القوميّة ، و الغاية الأسمى هي المجتمع الشيوعي على الصعيد العالمي.
حيال تشويه الماركسيّة و تحريفها تشويها و تحريفا منقطعا النظير ، يتلخّص واجبنا و تتلخّص أوكد المهام الملقاة على عاتقنا في المساهمة قدر الإمكان في رفع تحدّى إزاحة الغبار عن التعاليم الشيوعية الحقيقية ، الشيوعية الثوريّة ( فمثلما أعرب عن ذلك إنجلز في خطابه على قبر ماركس، كان ماركس قبل كلّ شيء ثوريّا ) و عن تطوّرها ككلّ العلوم . و لن نملّ من ترديد ، سنمعن و نتمادى في ترديد ، أنّنا ننطلق في أعمالنا النقديّة من الشيوعيّة الجديدة أو الخلاصة الجديدة للشيوعية التي طوّرها طوال عقود من النضال النظري و العملي محلّيا و عالميّا بوب أفاكيان كونها شيوعيّة اليوم ، قمّة ما بلغته أسس الشيوعية من رسوخ علمي و تطوير تأسيسا على تقييم نقدي لتاريخ الحركة الشيوعية العالمية و دفاعا عن الجانب الصائب الرئيسي في نظريّاتها و ممارساتها و القطع مع الأخطاء وهي ثانوية و إن كانت جدّية و الجانب غير العلمي الذى علق بها منذ بداياتها الأولى و معالجة للمشاكل الجديدة الطارئة ؛ وإستفادة من مراكمات النضالات الشيوعية و الصراعات الطبقية عبر العالم قاطبة و من عدّة مجالات من النشاطات الإنسانية الأخرى.
و" تعنى الخلاصة الجديدة إعادة تشكيل و إعادة تركيب الجوانب الإيجابية لتجربة الحركة الشيوعية و المجتمع الإشتراكي إلى الآن ، بينما يتمّ التعلّم من الجوانب السلبية لهذه التجربة بابعادها الفلسفية والإيديولوجية و كذلك السياسية ، لأجل التوصّل إلى توجه و منهج و مقاربة علميين متجذّرين بصورة أعمق و أصلب فى علاقة ليس فقط بالقيام بالثورة و إفتكاك السلطة لكن ثمّ ، نعم ، تلبية الحاجيات المادية للمجتمع و حاجيات جماهير الشعب ، بطريقة متزايدة الإتساع ، فى المجتمع الإشتراكي – متجاوزة ندب الماضى ومواصلة بعمق التغيير الثوري للمجتمع ، بينما فى نفس الوقت ندعم بنشاط النضال الثوري عبر العالم و نعمل على أساس الإقرار بأن المجال العالمي و النضال العالمي هما الأكثر جوهرية و أهمّية ، بالمعنى العام – معا مع فتح نوعي لمزيد المجال للتعبير عن الحاجيات الفكرية و الثقافية للناس ، مفهوما بصورة واسعة ، و مخوّلين سيرورة أكثر تنوّعا و غنى للإكتشاف و التجريب فى مجالات العلم و الفنّ و الثقافة و الحياة الفكرية بصفة عامة ، مع مدى متزايد لنزاع مختلف الأفكار و المدارس الفكرية و المبادرة و الخلق الفرديين و حماية الحقوق الفردية، بما فى ذلك مجال للأفراد ليتفاعلوا فى " مجتمع مدني " مستقلّ عن الدولة – كلّ هذا ضمن إطار شامل من التعاون و الجماعية و فى نفس الوقت الذى تكون فيه سلطة الدولة ممسوكة و متطوّرة أكثر كسلطة دولة ثورية تخدم مصالح الثورة البروليتارية ، فى بلد معيّن وعالميا و الدولة عنصر محوري ، فى الإقتصاد و فى التوجّه العام للمجتمع ، بينما الدولة ذاتها يتمّ بإستمرار تغييرها إلى شيء مغاير راديكاليا عن الدول السابقة ، كجزء حيوي من التقدّم نحو القضاء النهائي على الدولة ببلوغ الشيوعية على النطاق العالمي . "
( بوب أفاكيان ،" القيام بالثورة و تحرير الإنسانية "، الجزء الأوّل ، جريدة " الثورة " عدد 112 ، 16 ديسمبر 2007 .)
و من يتطلّع إلى تفسير العالم تفسيرا علميّا و تغييره تغييرا شيوعيّا ثوريّا ، عليه / عليها بدراسة و إستيعاب و تطبيق و تطوير هذه الخلاصة الجديدة للشيوعية ، الشيوعية الجديدة و نقترح عليه / عليها التفحّص النقدي لأدبيّات أنصار الخلاصة الجديدة للشيوعية و أدبيّات مناهضيها التى ترجمها و نشرها بموقع الحوار المتمدّن شادي الشماوي ، و التفحّص النقدي لجدالات ناظم الماوي بهذا المضمار وهي منشورة كذلك على صفحات الحوار المتمدّن و بمكتبة هذا الموقع على الأنترنت. و كإطلالة أولى على الشيوعيّة الجديدة أو الخلاصة الجديدة للشيوعيّة الآن و هنا و دون تأخير ، وثّقنا كملحق لعملنا هذا نصّا يلخّص فيه بوب أفاكيان نفسه التوّجه والمنهج والمقاربة الجوهريّين و العناصر الأساسيّة للخلاصة الجديدة للشيوعيّة .

و لا نزيد عن هذا كيما لا نطيل عليكم ، ولنطلق فورا سهم النقد الماركسي و ندعه يتجّه إلى هدفه و يصيبه فيكشف جوانبا من المستور من التحريفيّة و الإصلاحيّة لدى حزب العمّال التونسي ، و ذلك وفق المحاور الآتى ذكرها :
1- لخبطة فكريّة بداية من العنوان ،
2- الدولة بين المفهوم الماركسي و المفهوم التحريفي،
3- أشكال حكم دولة الإستعمار الجديد و أوهام إمكانيّة إصلاحها لخدمة الشعب،
4- من أوهام الحزب التحريفي و الإصلاحي الديمقراطية البرجوازية ،
5- تجلّيات منهج مثالي ميتافيزيقي مناهض للمادية الجدليّة ،
6- السياسات التي يقترحها جيلاني الهمّامي إصلاحيّة و ليست ثوريّة ،
7- ثمّة فشل و ثمّة فشل !
خاتمة :
--------------------------------------------

2- الدولة بين المفهوم الماركسي و المفهوم التحريفي للناطق الرسمي باسم حزب العمّال :

مثلما مرّ بنا ، يساوى السيّد جيلاني الهمّامي بين المنظومة و بين الدولة و كأنّهما شيء واحد و قد راينا أنّ مقصده من المنظومة هو السلطتين التنفيذيّة و التشريعيّة ( رئاسة و حكومة و برلمانا ) و بالتالى نسمح لأنفسنا بأن نعتبر أنّه يفهم الدولة على أنّها هتين السلطتين و قد نقبل حتّى بأن يضيف إليهما السلطة القضائيّة ( تحدّث بالصفحة 74 عن إصلاح مؤسسات الدولة ( العدل ...) ) ، بيد أنّ حتّى هذا التعريف الموسّع لا يمتّ بصلة أصلا إلى الفهم العلمي لمضمون الدولة من وجهة نظر الماركسيّة . و نظرا لأنّ الناطق الرسمي باسم حزب العمّال و أتباعه و أشياعه يقدّمون انفسهم لعقود الآن على أنّهم ماركسيّون- لينينيّون ، سنحتكم أساسا إلى ماركس و إنجلز و لينين في هذا الصدد و لا مناص عندئذ من العودة دون إبطاء إلى مؤلّف لينين العظيم ، المنارة التي طالما حاول التحريفيّون من كلّ رهط طمسها و تشويهها بشتّى الطرق و السبل .
في معرض حديثه عن فهم ماركس و إنجلز لجوهر الدولة ، أوضح لينين ( فى" الدولة و الثورة " ، دار التقدّم موسكو ، الطبعة العربية ، الصفحة 8) ملخّصا ما حلّله من ظهور الدولة ، تاريخيّا ، نتيجة المرور من المجتمع المشاعي البدائي و الملكيّة الجماعيّة المشاعيّة إلى الملكيّة الخاصة و المجتمع الطبقي خدمة لطبقة أو طبقات في قمع طبقة أو طبقات أخرى و بأنّ الدولة ستضمحلّ إذا لم يعد داعي لوجوها ببلوغ المجتمع الشيوعي الخالى من الطبقات :
" برأي ماركس ، الدولة هي هيئة للسيادة الطبقية ، هيئة لظلم طبقة من قبل طبقة أخرى ، هي تكوين " نظام" يمسح هذا الظلم بمسحة القانون و يوطده، ملطّفا إصطدام الطبقات."
و" الدولة هي " قوّة خاصة للقمع " إنّ إنجلز قد أعطى هنا بأتمّ الوضوح تعريفه الرائع هذا و العميق منتهى العمق "
( المصدر نفسه ، الصفحة 16 – التسطير في النصّ الأصلي )
و من مؤسّسات الدولة العديدة ( جيش و شرطة و محاكم و سجون و دواوين ...) ما هي المؤسّسات الأهمّ ؟ يجيب لينين :
" الجيش الدائم و الشرطة هما الأداتان الرئيسيّتان لقوّة سلطة الدولة ".
( الصفحة 10 من المصدر نفسه )
و حسب ما شاهدنا و سنشاهد ، لم يفقه السيّد الهمّامي المحنّك و هو من هو بالنسبة لحزب العمّال التونسي الذى يدّعى زورا و بهتانا تبنّى الماركسية – اللينينيّة ما فقهه رئيس الحكومة التونسي الذى وصفه أحد الصحفيّين في برنامج تلفزي بأنّه " قننّوقراط " أي تكنوقراط مائع لا تجربة سياسيّة له ، دائما حسب الصحفي إيّاه ، فهذا المنعوت ب" قننّوقراط " صرّح حينما إنطلقت إحتجاجات في منطقتي الباطان و طبربة ، غير بعيد عن العاصمة ، في جانفي 2018 :
" أنا أطمئن التونسيين أنّ الدولة صامدة بفضل المؤسّستين الأمنيّة و العسكريّة ..." ( جريدة " الشروق "، الخميس 11 جانفي 2018 ، الصفحة 4 )
فماذا نقول ؟ و ماذا نعلّق ؟ و هل يفى الأسف بالغرض ؟... ، ننأى بقلمنا عن خطّ الكلمات المناسبة !

و نتيجة التجارب المراكمة و خوض غمار الحرب الطبقية لعقود توصّل ماو تسى تونغ ، على خطى ماركس و إنجلز و لينين ، إلى مزيد تعميق النظرة الماركسيّة :
" يعتبر الجيش ، حسب النظرية الماركسية حول الدولة العنصر الرئيسي فى سلطة الدولة . فكلّ من يريد الإستيلاء على سلطة الدولة و المحافظة عليها، لا بدّ أن يكون لديه جيش قوي..."
( ماو تسى تونغ ، " قضايا الحرب و الإستراتيجية " ( 6 نوفمبر- تشرين الثاني- 1937)، المؤلفات المختارة ، المجلّد الثاني ، ورد أيضا ضمن الفصل الخامس من الكتاب الذى نسخه و نشره شادي الشماوي على موقع الحوار المتمدّن ، " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " )
و متصدّيا لمن حوّروا الماركسيّة تبعا للإنتهازيّة ، أصرّ لينين على إبراز تحطيم " آلة الدولة الجاهزة " ، " آلة الدولة البيروقراطية العسكريّة "( ص 40 ) و " تكسير الالة الدواوينيّة القديمة " ( 51 )،" الشرط الأوّلى لكلّ ثورة شعبيّة حقّا " ( بكلمات ماركس ) هو الأساسي في تعاليم الماركسيّة عن الدولة ، فقال بالصفحة 30 من " الدولة و الثورة "، دار التقدّم موسكو ، الطبعة العربية :
" جميع الثورات السابقة أتقنت آلة الدولة في حين ينبغي تحطيمها و تكسيرها . إنّ هذا الإستنتاج هو الإستنتاج الرئيسي الأساسي في تعاليم الماركسيّة عن الدولة ... " .

و من هنا نلمس مدى إغتراب جيلاني الهمّامي ( وهو الناطق باسم حزب العمّال ، فما أدراك ببقيّة الكوادر والأعضاء و المتعاطفين ! ) عن الماركسيّة نظريّا و ممارسة . إنّه غريب في غربته عن الماركسيّة . بل هو يشوّهها تشويها ليبراليّا و يلوك مرارا و تكرارا مفاهيما و منهجا و مواقفا برجوازيين لا أبعد منها عن الماركسيّة و لها إنعكاسات ضارة على الطبقة العاملة و الطبقات الشعبيّة الأخرى ضررا بحجم جبال الهمالايا يتسبّب لها في خسائر جمّة ، و مع ذلك يدّعى هو و أمثاله أنّهم ماركسيّون و عن حقّ نعتناهم و سنظلّ ننعتهم بأنّهم ليسوا أكثر من متمركسين أي ماركسيّين قولا و أعداء الماركسيّة فعلا يشوّهون الماركسيّة دونما خجل .
و في السياق ذاته ، نتعرّض و لو بإيجاز لمفهوم صار يروّج له الإصلاحيّون من كلّ حدب و صوب فيذيعون الأوهام حول الشرطة و دورها في علاقة بالدولة ( التي هي عنصر من عناصرها ) و في علاقة بالطبقات و الجماهير بصورة عامة ، و هذا المفهوم هو " الأمن الجمهوري " ( ص 19 من كتاب السيّد جيلاني الهمّامي ) . حزب العمّال و حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد و غيرهما من الأحزاب و المنظّمات " اليساريّة " و غير اليساريّة التي كانت منضوية في إطار الجبهة الشعبيّة و حتّى أخرى خارجها ، صدّعوا رؤوسنا بالأمن الجمهوري على أنّه شرطة محايدة تجاه الأحزاب و تجاه الفئات و الطبقات الإجتماعيّة . و هذا منهم ضرب آخر من ضروب تحريف جوهر الفهم العلمي الماركسي للدولة ، و نشر لوهم وجود شرطة فوق الطبقات و من هناك دولة فوق الطبقات – الشرطة جزء ، مؤسّسة من مؤّسسات الدولة و الجيش هو العامود الفقري للدولة – يرون بفعل نظّارات برجوازية رجعيّة باثّة للأوهام ، حيث لا توجد ، شرطة لا تنتمى إلى دولة الإستعمار الجديد ، شرطة لا تخدم دولة الطبقات السائدة الرجعية المتحالفة مع الإمبريالية العالمية . هذه من أنصار الأمن الجمهوري طبخة أخرى من طبخات حياد الدولة و حياد الجيش إلخ وهي محض كذب لا يفيد الجماهير الشعبية الرازحة تحت وطأة الإستغلال و الإضطهاد بل يضرّها ضررا فادحا و قد عاينت بنفسها قمع هذا " الأمن " في مرّات لا تحصى و لا تعدّ جنوبا و شمالا و شرقا و غربا و شاهدته خارج البلاد في فرنسا و سواها من البلدان ، و بالعكس لا يستفيد من هذا النفاق والتزوير للحقائق سوى الإصلاحيّين و الرجعيّين في المستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات وفي البلدان الإمبريالية.
أن تسمّى الشرطة كجهاز قمع طبقي إلى جانب الجهاز الأعتى ، الجيش العامود الفقري للدولة ، أمنا جمهوريّا أو أمنا وطنيّا أو قوميّا أو حتّى ديمقراطيّا أو شعبيّا ، لن تغيّر هذه التسمية في شيء من جوهرها ، من كونها ببساطة شرطة " دولة الإستعمار الجديد " ( المصطلح إستخدمه الهمّامي عينه بالصفحة 22) . و ماذا ننتظر من شرطة دولة الإستعمار الجديد عدا أنّها تخدم دولة الإستعمار الجديد أي دولة الطبقات الرجعيّة المحلّية المتحالفة مع الإمبرياليّة ، و ضد من ؟ بلا ريب ضد الجماهير الشعبيّة . لا يمكن أن يجدّ عكس ذلك . ( طبعا لا نتحدّث عن أفراد أو مجموعات قد تنتفض ضد ذلك في حالات معيّنة منها الإنتفاضات و الثورات و قد تقف إلى جانب الجماهير و قد لا تقف ).
ملخّصا حقيقة عميقة و شاملة ، كتب بوب أفاكيان ، رئيس الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الأمريكية و مهندس الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة :
" دور الشرطة ليس خدمة الناس و حمايتهم . إنّه خدمة النظام الذى يحكم الناس و حمايته . فرض علاقات الإستغلال و الإضطهاد ، و ظروف الفقر و البؤس و الخزي الذى دفع إليها هذا النظام الناس وهو مصمّم على إبقائهم فيها . إنّ القانون و النظام اللذان تطبقهما الشرطة مع كلّ العنف و القتل هما القانون و النظام اللذان يفرضان كلّ هذا الإضطهاد و الجنون . "
( بوب أفاكيان ، " الثورة : لماذا هي ضرورية ، لماذا هي ممكنة ، ما الذى تعنيه ، فلم لخطاب لبوب أفاكيان " ؛ كتاب شادي الشماوي ، " الأساسي من خطابات بوب أفاكيان و كتاباته " 24:1 ، متوفّر بمكتبة الحوار المتمدّن )

إنّ إيهام المناضلين و المناضلات و الجماهير العريضة بأنّ الأمن الجمهوري هو أمن محايد لاطبقي و لا يمثّل جزءا من مؤسّسات دولة الإستعمار الجديد لا يعدو أن يكون مغالطة تحريفيّة أخرى للماركسيّة الهدف من ورائها بثّ وهم حياد الشرطة أي حياد الدولة و من ثمّة تعبيد الطريق لتوظيف هذه الأجهزة ذاتها إن إنتخب أنصار الأحزاب و المنظّمات التي كانت منضوية في إطار الجبهة الشعبيّة إلى سدّة السلطة التنفيذيّة أساسا ( و السلطة التشريعيّة ) ليمسوا تحت قناع " شعبيّ " من مسيّري دولة الإستمعمار الجديد . و لا يخفى على القرّاء الماركسيّين المطلعين على تراث الحركة الشيوعيّة العالميّة أنّ مثل هذه الآراء التحريفيّة تطمئن الطبقات الرجعيّة بأنّه سيجرى الحفاظ على أهمّ مؤسّسات دولة الإستعمار الجديد و حتّى إن بلغ أحزاب متقنّعون بالماركسيّة سدّة الحكم و إن وُضعت مقاليد بعض السلط بأيديهم فلن يتجاوزا حدود هذه الدولة . و من أبرز الأمثلة التي تحضرنا الآن ، مثال حكم الحزب الشيوعي الهندي ولايات كاملة خدمة لدولة الإستعمار الجديد و قد تميّز في قمعه و قتله للشيوعيين الثوريين الماويين هناك . و هذا معلوم عالميّا و صحيح كلّ الصحّة ، لمن لا يدفن رأسه في الرمل أو يعمد إلى المغالطات و التضليل .
و البليغ أبلغ الدلالة هو أنّ المشكل كلّ المشكل بالنسبة للهمّامي و من لفّ لفّه هو السلطة التنفيذيّة ( رئاسة و حكومة ) و السلطة التشريعيّة (برلمان ) أمّا السلطة القضائيّة فقد رأينا تناسيها تقريبا مثلما تمّ التغاضي الكلّي المطلق عن العامود الفقري لدولة الإستعمار الجديد ، الجيش .
هذا المسعى التضليلي المحموم يستند إلى الإحلال المثالي الذاتي للأماني ( أمنية حياد الشرطة و كذلك الجيش والدولة ككلّ) محلّ الواقع المادي الملموس و التحليل الملموس للواقع الملموس الذى علّمنا إيّاه لينين ، و يطمس الأساسي في تعاليم الماركسية عن الدولة الذى على المناضلين و المناضلات و الجماهير الواسعة معرفته معرفة جيّدة ، حقيقة أنّ الدولة جهاز قمع طبقي ، جهاز قمع طبقة ( أو طبقات ) لطبقة ( أو طبقات ) لزاما على أيّة ثورة شعبيّة ان تحطّمه . و هذا المسعى التحريفي ، منهجيّا ، يعنى إحلال المثاليّة الميتافيزيقيّة محلّ الماديّة الجدليّة ؛ و عمليّا يلحق ضررا و أيما ضرر بالشيوعية و الثورة الشيوعية و غايتها الأسمى المجتمع الشيوعي العالمي حيث تضمحلّ كلّ الدول بعد مرحلة إشتراكية تكون فيها الدول دول دكتاتوريّة البروليتاريا . يبدو أنّ التحريفيين و الإصلاحيين المتمركسين سينشئون دول دكتاتوريّة البروليتاريا ( عرّج كتاب السيّد جيلاني الهمّامي ، " مساهمة في تقييم التجربة الإشتراكية السوفياتية " الجزء الأوّل - ديسمبر 2018، على موضوع دكتاتورية البروليتاريا !!! ) ، بشتّى أنواعها ، حسب الظروف المتباينة في البلدان المتباينة ، بشرطة و جيش ( و بقيّة أجهزة الدولة من دواوين و محاكم و سجون ... ) دول الإستعمار الجديد و دول الرأسماليّة الإمبريالية ، في تعارض لا أجلى منه مع ما إستخلصته الماركسية من التجارب الثوريّة و دعت إليه بصفة مبدئيّة ، ما يستوجب أن نضع أصحاب هذه المغالطات الغارقين في حضيض الإنتهازيّة في خانة محرّفي الماركسيّة – اللينينيّة و أعدائها خدمة لأغراضهم الخاصة و أعداء الطبقات الشعبيّة .
هي بإعتراف جيلاني الهمّامي ( ص 22 ) " دولة الإستعمار الجديد " وهم يسعون جهدهم لتقديم خدماتهم لهذه الدولة و من يقف وراءها من طبقات رجعيّة و إمبريالية ، من خلال التنافس الإنتخابي لبلوغ منصب الرئاسة و مناصب حكوميّة و برلمانية ، غايتهم تقديم النصح ل " تدارك الأمور " ( نهاية ص 24 ) و " تمتين أسس الحكم " ( ص25 ) و لو أعرب رئيس دولة الإستعمار الجديد عن " ذرّة من الإرادة الحقيقيّة لتغيير السياسات الاقتصادية و الإجتماعيّة التخريبيّة التي تسير عليها ما يسمّى بحكومة " الوحدة الوطنيّة " لكنّا [ الهمّامي و أضرابه ] من الحاضرين لحفل الخطاب " المهمّ " و " التاريخي " الذى سيلقيه يوم الأربعاء و لصفّقنا له طويلا و هتفنا بحياته ". ( ص 159 )
و هنا نلفى الهمّامي و طبعا أشباهه ( قال لكنّا من الحاضرين ) يشترطون لا أكثر من إعلان نوايا بإصلاحات ليصفّقوا و يهلّلوا و يطبّلوا و يهتفوا بحياة رئيس دولة الإستعمار الجديد . فهنيئا لهم ! ( و قد فعلوا ما يشبه ذلك بالتحالف معه في إطار جبهة الإنقاذ و جعلوه خطيبا في ساحة باردو ولا ندرى إن صفّق له جيلاني الهمّامي أم لا ) و لكن لا تقولوا لنا هؤلاء ماركسيّون ، هؤلاء خدم دولة الإستعمار الجديد لا أكثر و لا أقلّ . إصلاحيّون كانوا و إصلاحيّون هم الآن و سيظلّون و بالتأكيد هم على طرف نقيض مع الشيوعيين الثوريّين حقّا الذين لم يصفّقوا و لن يفعلوا لرؤساء الدول الإمبريالية و دول الإستعمار الجديد فهدفهم الماركسي المعلن منذ " بيان الحزب الشيوعي " سنة 1848 هو الإطاحة بهم و بدولهم لإنشاء دول جديدة غايتها الأسمى لا أقلّ من المجتمع الشيوعي العالمي و تحرير الإنسانيّة من كافة أشكال الإضطهاد و الإستغلال الجندري والطبقي و القومي.
و إلى هذا ، نلفت عناية القرّاء إلى كون السيّد الهمّامي ، بعد أن تحدّث عن " دولة الإستعمار الجديد " ، تحدّث بالصفحة 24 عن " الدولة البرجوازية " لا غير و كأنّ المفهومين مترادفين و الحال أنّ ذلك ليس كذلك . فالدولة البرجوازية تستخدم كمصطلح عامة يقصد به الدولة الراسماليّة الإمبريالية كما في فرنسا أو أنجلترا وهو عامة رديف للدولة الراسماليّة الإمبريالية في حين أنّ هذا لا ينسحب على القطر و الهمّامي نفسه أشار إلى دولة الإستعمار الجديد . و بالتالى ، تختلط الأمور من جديد على صاحبنا . و مدار الكلام هو البرجوازية في دول الإستعمار الجديد و من المعروف أنّها توسم تقريبا آليّا لدى الماركسيّين بالكمبرادوريّة كمصطلح صائب و معبّر أفضل تعبير عن طبيعة هذه الطبقة لتمييزها عن تلك في البلدان الإمبرياليّة و هذا ما لم يقم به صاحب الكتاب الذى ننقد .
إنّ مطالبة السيّد الهمّامي و أمثاله بالوضوح و الدقّة ، و هم من هم من المتفنّنين في التلوّن و إعتماد الضبابيّة و اللعب على الكلمات و التمويه و الإختياريّة / الإنتقائيّة كأساليب تحريفيّة مناهضة للماركسيّة و مبادئها و منهجها ، يضاهي مطالبتهم بأن لا يكونوا ذواتهم ، بأن يتخلّوا عن أن يكونوا كما هم و هم واعون تمام الوعي بما هم عليه و ينظّرون له و يهاجمون مباشرة أو بصفة غير مباشرة من يخالفهم الرأي في ذلك . مطالبتهم بمثل هذه الأشياء لا تعدو أن تكون لتوضيح الأمور للقرّاء و لعقد مقارنة بين المفترض القيام به و ما يقومون به أمّا أن نتوقّع تلبية ما نطالبهم به فهذا ضرب من العمى و حتّى الغباء ففاقد الشيء لا يعطيه ، أليس كذلك ؟
و الأنكى أنّ صاحب الكتاب الذى وضع خصّيصا لتعرية " منظومة الفشل " يلجأ هو نفسه إلى الإلتفاف على حقيقة " فاقد الشيء لا يعطيه " من زاوية أخرى . فالسيّد ، في معمعان تدفّق أوهام إمكانيّة " إنجاز إستحقاقات الثورة " (قال ) على يد أعداء الشعب ، عملاء الإمبريالية ، يتمنّى على " منظومة الحكم الحاليّة " إحداث " تغيير جذري " و ضمن أشياء أخرى " إصلاح مؤسسات الدولة و أجهزتها و تمتين أسس الحكم الرشيد و الديمقراطية و دولة الحق و العدل " ( ص 25 ) . و فى نهاية الفقرة يقرّ أنّها غير قادرة على إنجازها و لكن ضمنيّا يقرّ كذلك أنّ ذلك ممكن بتحوير في منظومة الحكم أي الرئاسة و الحكومة و البرلمان دون سواهم و دائما في إطار دولة الإستعمار الجديد ، لا على أنقاضها .
بغضّ الطرف عن المفهوم البرجوازي المائع ل " الحكم الرشيد " ، نتوقّف عند تعبير " دولة الحقّ و العدل " ( صحبة توزيع الإنتاج ب " طريقة عادلة " ، ص 71 ) ، كمفاهيم برجوازيّ كلاسيكيّة متداولة متعارضة تمام التعارض مع الماركسيّة و نرسع إلى إيراد ردّ مفحم لماركس ، في " نقد برنامج غوتا " ، على لاسال الذى يعتبر التوزيع في ظلّ الإشتراكية كمرحلة إنتقاليّة نحو الشيوعيّة ( و ليس في ظلّ دولة رأسمالية و لا في ظلّ دولة إستعمار جديد ) " توزيعا عادلا " :
" نحن هنا في الاقع إزاء " الحقّ المتساوى " ، و لكنّه ما يزال " حقّا برجوازيّا " يفترض ، ككلّ حق ، عدم المساواة. إنّ كلّ حق هو تطبيق مقياس واحد على أناس مختلفين ليسوا في الواقع متشابهين و لا متساوين ، و لهذا فإنّ " الحقّ المتساوي " هو إخلال بالمساواة وهو غبن . و في الحقيقة ، أنّ كلّ فرد ينال لقاء قسط متساو من العمل الاجتماعي قسطا متساويا من المنتوجات الإجتماعيّة ( بعد طرح المخصّصات المذكورة )
بيد أنّ الناس ليسوا متساوين : أحدهم قوي و الآخر ضعيف ، أحدهم متزوّج و الآخر أعزب ، لدي أحدهم عدد أكبر من الأطفال و لدي الآخر عدد أقلّ إلخ " .( ذكره لينين في " الدولة و الثورة " ، صفحة 99 – التسطير في النص الأصلي )
لئن بيّن ماركس بدقّة متناهية أنّه في ظلّ الإشتراكية و في ظلّ تطبيق " كلّ حسب عمله "، ليس توزيع المنتجات عادلا بتاتا ، كيف يسمح السيّد الهمامي لنفسه وهو يزعم أنّه ماركسي ّبالحديث عن توزيع الإنتاج " بطريقة عادلة " في ظلّ دولة الإستعمار الجديد ؟ إن لم يكن جهلا مطبقا فهو شيء رهيب حتّى لا نقول شيئا آخر !
لقد أضاع الناطق الرسمي باسم حزب العمّال لإنتهازيّته مقدرته على التفكير الثوري و التفكير بالثورة الشيوعيّة إلى حدّ أنّه أضحى يرى إمكانيّة أن تكون دولة الإستعمار الجديد " دولة حقّ و عدل " !
و نرفق هذا بملاحظات إنجلز عن القيم العليا البرجوازية كحقّ والعدل و المساواة و الحرّية و ما آلت إليه في الواقع ، وهي ملاحظات صغناها ضمن فقرات نقتطفها لكم من كتابنا " حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد حزب ماركسي مزيّف " ( النقطة الرابعة من الفصل الثالث – و الكتاب متوفّر بمكتبة الحوار المتمدّن ) و تستحقّ إنتباها خاصا و بما أنّها تنسحب على حزب العمّال التونسي، يكفى أنّ تغيّروا حزب الوطنيين الموحّد بحزب العمّال لتحصلوا على النتيجة المرجوّة :
" منذ قرون الآن سوّق منظّرو البرجوازية " للحرّية " و" العدالة " و " المساواة " ( و لنتذكّر شعارات الثورة البرجوازية الفرنسية " حرّية ، عدالة ، أخوّة ") على أنّها تمثّل قمّة ما يحقّقه نظامهم المثالي لل"عقد الإجتماعي " لمجتمع يقوم على سيادة العقل لا الأوهام ( و من المصطلحات المستعملة فى الصفحة الأخيرة من عدد جوان 2011 من " الوطني الديمقراطي " مصطلح " العقد الجمهوري " ) . و كان المتأثّرون بتلك الشعارات البرجوازية يعتقدون ، وقد إنتصرت الثورة البرجوازية، " الآن بزغت الشمس للمرّة الأولى وقامت سيادة العقل . فإنّ الأوهام ، و الجور ، و الإمتيازات ، و الإضطهاد ، كل ذلك يجب أن يخلّى المكان من الآن وصاعدا للحقيقة الخالدة ، و العدالة الخالدة ، و المساواة النابعة من الطبيعة نفسها ، و حقوق الإنسان الراسخة ."
لكن الواقع سفّه تلك الأحلام و الأوهام :
" إلاّ أنّنا نعرف اليوم أنّ سيادة العقل هذه لم تكن سوى سيادة البرجوازية المصوّرة بصورة المثال الأعلى ، و أنّ العدالة الخالدة تجسّدت فى العدالة البرجوازية ، و أنّ المساواة تلخصت فى المساواة المدنية أمام القانون و أنّ الملكية البرجوازية ... أعلنت أوّل حق من حقوق الإنسان . و أنّ دولة العقل - العقد الإجتماعي الذى وضعه روسو - قد رأت النور بشكل جمهورية ديمقراطية برجوازية ، و لم يكن بالإمكان أن يحدث ذلك على غير هذا الشكل فإنّ كبار مفكّري القرن الثامن عشر ، شأنهم شأن جميع أسلافهم ، لم يكن بوسعهم تخطّى الحدود التى فرضها عليهم عصرهم ." ( إنجلز " الإشتراكية الطوباوية و الإشتراكية العلمية " ، مكتبة الإشتراكية العلمية ، دار التقدّم موسكو ، بالعربية ، الصفحة 39 - 40).
هذا ما جاء على لسان إنجلز سنة 1880 ، هذا ما أثبته الواقع بشأن تلك الشعارات حينها غير أنّ الحزب الوطني الديمقراطي الموحّد بعد القرن و ثلث القرن ، فى عصر الإمبريالية و الثورة الإشتراكية و ليس فى عصر الرأسمالية و الثورة البرجوازية الديمقراطية القديمة ، و بعد أن إفتضح حتى أمر " الديمقراطية " البرجوازية فى البلدان الإمبريالية ، يسعى لإحياء ما مات وشبع موتا من السخافات البرجوازية التى سفّهها الواقع أيّما تسفيه . طالين وجوههم بطلاء "ماركسي- لينيني" ينشر مؤسّسو هذا الحزب " التقدّمي" السموم الديمقراطية البرجوازية و يتقهقرون إلى المثل العليا البرجوازية للقرن 18. فلا يسعنا إلاّ أن ننعت هؤلاء الذين إبتذلوا التعاليم الشيوعية الثورية بإجتثاث مضمونها و ثلم نصلها الثوري و تعويضها بالمثل العليا البرجوازية للقرن 18 بالنكوصيين الرجعيين . " ( إنتهى المقتطف )

فاين السيد الهمّامي و أضرابه النكوصيين الرجعيين من الماركسية – اللينينيّة ؟ لكم الإجابة .
و مسك ختام هذه النقطة يتحفنا به صاحبنا حين يصرّح بالصفحة 24 ب " إنّ الدولة نفسها ستتحوّل إلى ضحيّة لفشلها و عجزها ذلك أن تكرّر الإحتجاجات و أعمال التمرّد سيضعف مؤسّساتها و سيحطّ من قيمة القانون و فعله في العلاقات العامة و الإجتماعيّة بما سيشجّع أكثر على الإستهتار بالمؤسّسات و بالدولة ككلّ ".
قبل كلّ شيء ، هل جال بخاطركم كما جال بخاطرنا أنّ هذا الكلام شبيه بكلام سمعناه يتردّد مرارا و تكرارا على لسان ممثّلي دولة الإستعمار الجديد و مدّاحيها ؟ لو لم يكن هذا الكلام من إمضاء الهمّامي ، ألم يكن لينسب بسهولة إلى أي كان من سياسيّي اليمين بتلويناته ؟
ثمّ ، ما رأيكم في هذا المسك ؟ من هذا الكلام تفوح بصورة لا أجلى منها غازات سامة من الإصلاحيّة العفنة . دولة الإستعمار الجديد " ضحيّة لفشلها و عجزها " ! ( سنعود كما قلنا إلى موضوع الفشل ، مع نهاية المقال ) . مسكينة هذه الدولة ، دولة الرجعيّة المتحالفة مع الإمبريالية ، الدولة المجرمة في حقّ الشعب ، مسكينة ، ضحيّة ! ضحيّة ماذا ؟ فشلها و عجزها ! عن الفشل سيأتيكم الحديث لاحقا ، أمّا العجز فلم نشاهده في الواقع ، ربّما حلم به الهمّامي ، ربّما ! هل عجزت عن قمع الجماهير المحتجّة في أكثر من ولاية ، من سليانة إلى العاصمة ، و من الشمال إلى الجنوب ؟ لعلّ أبناء سليانة سيسكبون الدموع على الدولة الضحيّة التي تسبّبت لأبناء المنطقة في ما لا ينسى من جرائم صار القاصى و الداني يعلمها وهي موثّقة بالصوت و الصورة و سجّلها التاريخ الحديث بحروف لن يمحوها تباكى الهمّامي على الدولة الضحيّة !
و زيادة على ذلك ، لا ينصح الناطق باسم حزب العمّال بتجنّب ذلك فقط بل يعرب بألم و حسرة عن خشيته من فشل الدولة و عجزها و من " ضعف مؤسّساتها " و من " الإستهتار بالمؤسّسات و بالدولة ككلّ " . و هذه معزوفة قرص مشروخ طالما أصمّوا آذان الجماهير بمضمونه اليميني المعادي للماركسيّة و إنحيازها للجماهير و مقاومتها للدول المستغلّة و المضطهدة. ساطع هو دفاع الناطق باسم ذلك الحزب المستميت عن دولة الإستعمار الجديد و عن قوّتها و بالتالى عن ضرورة العمل على تأبيدها فبلا مراء ليس بوسع المرء سوى إدراك أنّ السيّد المتمركس وضع نصب عينيه مهمّة تقديم أجلّ الخدمات لهذه الدولة و الطبقات الرجعيّة المتحالفة مع الإمبرياليّة العالمية و إنتشالها من المصير السيّئ الذى يتربّص بها . فهل هذا من الماركسيّة في شيء ؟ بطبيعة الحال ، من له أدنى دراية بالمواقف الماركسيّة الحقيقيّة ، تاريخيّا و عالميّا ، سيصيح أو سيصرخ بكلّ ما أوتي من قوّة : لا ، ليس هذا من الماركسيّة بتاتا ، هو نقيضها فالماركسيّة الثوريّة في العالم قاطبة تستهدف دكّ الدول الإمبريالية و دول الإستعمار الجديد ، كشرط أوّلي لكلّ ثورة شعبيّة حقّا ، لتشييد دول غايتها الأسمى إضمحلال الدول ببلوغ المجتمع الشيوعي العالمي الخالى من الطبقات و الحاجة إلى الدول كأجهزة قمع طبقيّة .
و قد أوضح ذلك ماركس منذ الدروس الأولى المستخلصة من كمونة باريس في القرن التاسع عشر :
" فى أفريل سنة 1871 ، فى أيام الكمونة بالذات ، " كتب ماركس إلى كوغلمان : "... أعلنت أن المحاولة التالية للثورة الفرنسية يجب أن تكون لا نقل الآلة البيروقراطية العسكرية من يد إلى أخرى كما كان يحدث حتى الآن ، بل تحطيمها . و هذا الشرط الأوّلي لكلّ ثورة شعبية حقّا فى القارة " [ و في العالم قاطبة ]. ( ذكره لينين في " الدولة و الثورة " )
الهمّامي و جماعته يتقنّعان بالماركسيّة ليمرّرا مواقفا يمينيّة إصلاحيّة تخدم الرجعيّة و الإمبريالية و دولها و الماركسيّة الحقيقيّة ، الماركسيّة الثوريّة من تلك المواقف براء ، براء !
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------



تعليقات الفيسبوك