السياسة التاريخية- تدحض فلسفة -اللجنة الدستورية


حسان خالد شاتيلا
2019 / 10 / 1 - 09:47     


الدستوريُّون يبرِّرون الأمر الواقع إيديولويجا، ويرفضون سياسة التغيير الثوري التاريخية: المؤيِّدون للجنة الدستورية التي تجمع بين الإمبريالية وعملائها في الائتلاف والمجلس الوطني سيعلمون، هم وبعض الرفاق في اليسار القومي والشيوعي، أن هذا الدستور الذي يأتينا من الدول الأجنبية بمشاركة معارضة مزيَّفة لا علاقة لها بالمجتمع وطبقاته الشعبية، لن يلقى الموافقة الشعبية، وسيثور المجتمع في سورية ضد مؤلِّفيه من مثقفين يَعتبرون أنفسهم، باعتبارهم "نخبة"، ما فوق الآخرين، وسياسيين يبرِّرون عملياتهم السلطوية بالإيديولوجيات التي لا عمل لها سوى الخنوع للأمر الواقع. كلاهما يعتقد عن يقين ثابت أنه وحده كفرد هو الذي يملك الحقيقة، وأن عليه أن يدفن سياسة الرفض والتغيير التاريخية، ويخضع لسياسات إيديولوجية تبرر نظرية الأمر الواقع الليبرالية التي تناهض التغيير. هكذا دستور يخرج من سراديب الدبلوماسية الليبرالية باسم الأمر الواقع سيكرس للأمر الواقع على امتداد طويل من الفاشية السابقة على الدستور ومن ثم اللاحقة به. هذا الدستور سيهمِّش مرة أخرى مؤيِّديه طالما ينبذون التغيير الثوري، وذلك بعدما رمت بهم ثورة 15 آذار للمرة الأوى إلى الهامش عندما ركبهم الخوف والارتياب من هذه الثورة. إن هؤلاء وأولئك، باستثناء ثلاث سنوات واعدة من عمر حركة 23 شباط 1966، إنهم، من نكبة فلسطين إلى جريمة الانفصال الأسود عن مصر في العام 1961، من فشلهم المستديم منذ جلاء المحتل، إلى الحاضر المبنى على المستقبل، لم ينجحوا ولن ينجحوا في تشييد دولة ديمقراطية، اجتماعية، وطنية، قومية، متحرِّرة، دولة الديمقراطية والحرية والاشتراكية والوحدة العربية القومية، لم ينجحوا في استرداد شبر واحد من فلسطين وسورية المحتلتين، ما داموا يرفضون "السياسة التاريخية"، ويتحصنون وراء عقائد وسياسات أَغْلَقَت على نفسها في الطابق الأعلى للمثاليات التي تنظر إلى التاريخ الثوري لسورية فلا ترى فيه إلا صورة عن فكرها المثالي، أي الأمر الواقع. الأزمة الثورية في سورية مستمرة. عنها ومنها تتكون تشكيلة سياسية اجتماعية تاريخية ملتحمة بالواقع الملوس والتحليل الملموس على مسار "السياسة التاريخية" التي ستقلب المجتمع بطبقاته الشعبية على رؤوس الدستوريين، مثاليين وفاشيين.
هذا التعليق يُراد منه تبيان الاختلاف الواقعي المادي بين هاتك "اللجنة الدستورية" المعيَّنة دوليا، هي المعادية لتطلعات الشعب في سورية، جماهيره وطبقاته الشعبية، هي وليدة الثورة المضادة، الاختلاف بينها وبين "الجمعية التأسيسية" المنُتخبة من المواطنين خلال المرحلة الانتقالية تلبية للمطالب الشعبية، بما في ذلك أهداف ثورة الطبقات الشعبية في الخامس عشر من آذار. وجهة الاختلاف هذه تفصل ما بين التاريخ من جهة، الفكر أو العقل من جهة ثانية. فالتاريخ من حيث هو تغيير وتغيُّر، تطور، تحول، تناقض، ثورة، تركيب بين نقيضين متصارعين، هو مصدر العقل والمعرفة. التاريخ مصدر المعرفة والجدل المادي، بخلاف منطق المادية الجدلية التي تُعتبر بنظر أصحابها مصدرا لمعرفة التاريخ لاعتبارها نظرية علمية للمعرفة، فتتوه، هي وغيرها من معارف وعلوم منطقية، منهجية، فلسفية، عن تلمس وتحليل التاريخ المادي. أما العقل، بخلاف التاريخ المادي، فإنه يعيد إنتاج نفسه. فالعقل ليس مصدر التاريخ ومرجعه. لكن الفكر لا يتقيد بالتاريخ لتمتعه باستقلال ذاتي. شأنه شأن الجدلية المادية. بل إنه بالاعتماد على ما يبتكره من الفلسفة والدين والأخلاق والقانون، أي الإيديولوجيا و"السياسة الإيديولوجية" التي ينُتجها بالاستناد إلى المنطق ونظريات المعرفة ومناهج البحث ، يشوِّه التاريخ الواقعي المادي الملموس بما لديه من استقلال ذاتي يتكوَّن عبر إنتاج الفكرة والمفهوم من أفكار ومفاهيم أخرى تسيطر على عمله الإنتاجي للعقائد والأفكار، ومنها "السياسة الإيديولوجية".
هذه الأخيرة هي نقيض "السياسة التاريخية"، سياسة الثورة، التغيير، التحوُّل، التطور، الصراع، التناقض، سلطة الطبقات الشعبية وأصحاب الدخل المحدود، وغيرهم كثرة من المعوزين، الجوع، المشردين المحرومين من مسكن آمن ولائق بالإنسان الاجتماعي، المستغَلين، والمُستلبين أحيانا. مكوِّنات تشكِّل وحدة موحَّدة ما بينها، بخلاف العقلانية الفلسفية التي تجزئ التاريخ إلى موضوعات وميادين بحث منفصلة بعضها عن بعضها الآخر. لذا، فإن يسارنا "الثوري"، لما كان يُنتج عملياته السياسية من إيديولوجيات عقلية، فيما هو يجهل أن "السياسة التاريخية" هي نفسها التاريخ، ثورته وتغيُّره وصراعاته، فإن "السياسة الإيديولوجية" تقود بيسارنا المثالي، المثالي للغاية، إلى فصل "اللجنة الدستورية" عن كامل الإعمال السياسي المادي التاريخي، أو حتى الفصل والتجزئة عن سائر جزئيات المرحلة الانتقالية بمعناها السياسي اللبرالي. إنها تفصل اللجنة إياها عن السياق المادي التاريخي الواحد الموحَّد، لتَخضع من ثم لمنطق التبرير والسير على منحاها السياسي الإيديولوجي المنقطع عن التاريخ.
إن "المفهوم" بالمعنى الفلسفي، "المعرفة" النظرية، وغيرها من المفردات والمصطلحات الفلسفية ليست، على نقيض ما تفعله المبادئ الفلسفية، قائمة بحد ذاتها. إن "المفاهيم" أو بالأحرى "مكوِّنات المعرفة" متغيِّرة، متحوِّلة، متطورة، ظاهرة، مخفية، متناقضة، مركَّبة، من حيث هي خاضعة لمسار التاريخ، ظروفه الموضوعية، وسياقه. فالمعرفة النظرية المادية التاريخية، على سبيل المثال، ليست هي نفسها "نظرية المعرفة" الفلسفية والعلمية. إنما هي مسار ثوري من الممارسة السياسية المادية عبر التاريخ المادي ومكوناته. الممارسة الثورية، الممارسة الثورية للشيوعيين، هي مصدر المعرفة بما تمارسه من عمليات استراتيجية من أجل التغيير الشامل فيما هي تجتاز مسارات تاريخية موحدة عبر "نمط الإنتاج"، "التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية"، يليها الصراع الطبقي، الثورة، موازين القوى السياسية، الظروف الموضوعية، الحزب، القيادة، التغيير، التحوّلُ، التطور، فائض القيمة، رأس المال، دحض وتفنيد الفلسفة والإيديولوجيا، الكفاح لتفكيك البنية العليا ومكوناتها الإيديولوجية، من ثقافة، معرفة ثابتة، تربية، تعليم، قانون، إعلام، الدولة البورجوازية وأجهزتها القمعية، المجتمع، الشعب، الأمة، من حيث هم طبقات، السياق التاريخي من حيث هو موضع للممارسة الثورية التي عنها وبها تتكون المعرفة المادية التاريخية في صلب هذه المسارات التاريخية ومكوناتها او تشكيلاتها الاقتصادية الاجتماعية. بهذه الممارسة الثورية في التاريخ المادي ومكوناته الاقتصادية الاجتماعية، تتحول الممارسة الثورية، عبر مسار طويل ومتغيِّر للنضال من أجل الثورة الشاملة، لتنتقل من الإحساس بمادية التاريخ إلى معرفة علمية قوامها السياق، الظروف الموضوعية، والقطيعة الكاملة، النهائية، مع بني الأفكار الأبدية ذات المعارف النظرية الذاتية، لتتكون هذه الممارسة إلى حركة مادية تاريخية متغيرة ذات استقلال كامل عن غيرها من المعارف، وعلى رأسها الفلسفة والإيديولوجيا باعتبارها جمع مركب من شتى أنواع الفلسفات والمعارف النظرية.
هذه الممارسة التي تبدأ عفوية، تلقائية، على سبيل المثال كمظاهرة عمالية مطلبية غير موجَّهة سياسيا، فإنها تحمل في طياتها "الحاضر المبني على المستقبل"، أي التغيير الاقتصادي الاجتماعي بهذا القدر أو ذاك من المعرفة الأولية بعالم من نمط آخر نقيض للعالم السائد. ثم تتطور هذه الممارسة، الممارسة المرادفة أيضا للعمل والإنتاج من البدائي إلى الحديث، تتطور تاريخيا فتتحول إلى معرفة بالمجتمع والتاريخ، معرفة سياسية استراتيجية ثورية منظَّمَة. معرفة استراتيجية بالمعنى الأوسع الذي يشمل أهداف المستقبل الإنساني في شتى المجالات قاطبة، المجتمع، التاريخ، نمط الإنتاج، التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، محارية الإيديولوجيا، الثورة، التغيير. هي سياسية لأن الممارسة في المجتمع، بما في ذلك تقسيم العمل، هي كالتاريخ مصدر المعرفة، كل معرفة من الحضارة اليونانية إلى الأفكار في الأزمنة الحديثة. هذه المعرفة إعمال عملياتي منشؤه التاريخ المادي الذي عنه، به، فيه، تنشأ المادية الجدلية المقيمة في التاريخ المادي غير منفصلة عن مكوناته، واحدة متحدة بهذه المكوِّنات. إن لم تكن المعرفة إعمال عملياتي لممارسة تحولت إلى وعي، وعيٌ لم ينل، بالمقابل، من الممارسة او العمل الإنتاجي في السياسة والاقتصاد بأي تغيير، طالما هو لم ينفصل عنها ما دام مصدرها، شأنه شأن المادية الجلية، هو الممارسة التاريخية المادية، إن لم تكن معرفة غير منفصلة عن الممارسة، مرادفة للسياسة التاريخية، لأصبحت الممارسة كالوعي والجدلية فلسفة أو إيديولوجيا،.
على هذا النحو، فإن هذه الأسطر تطمح إلى بلوغ الحقيقة المادية بإعمال "السياسة التاريخية" لتحليل تفكيكي ل/"اللجنة الدستورية"، موقعها الإيديولوجي المعادي لثورة الخامس عشر من آذار. بمعنى آخر، فإن الاختلاف بين "اللجنة الدستورية" وبين "الجمعية التأسيسية"، هو نفسه الاختلاف بين العقل الفلسفي، وبين التاريخ المادي، أوبين "السياسة الإيديولوجية" و"السياسة التاريخية".
كاتب هذه الأسطر كان يود أن يوضح هذا الاختلاف الكوني الشاسع ما بين هاتين السياستين وما يترتب عليهما، بالاعتماد على عملية مادية تاريخية. إعمال مشتق من العملياتية. هو إعمال عملياتي نفض يده من نظريات المعرفة، المناهج العلمية، ليتابع ما تُنتجه الممارسة الثورية من معرفة مادية تاريخية، هي نفسها مصدر للجدلية المادية التي تتكون عبر المسارات المادية للتاريخ ومتغيِّراته، فتلازمها. هي المادية الجدلية الملازِمة للمادية التاريخية، منقادة لها، بها، إليها، من حيث هي مكوِّن مشترك واحد من مكوِّنات المادية التاريخية.
إنه يَعلم كغيره أن نواب الشعب إلى أية "جمعية تأسيسية" قادمة، من أمثال عبد العزيز الخير، رزان زيتونة، رجاء الناصر، وغيرهم أعداد لا تحصى من أُناس إما هم معتقلون في سجون السلطات، أو إما هم مختطَفون من قِبَل العسكريتاريا الإسلامية، أو مختبئين هنا وهناك، أو لاجئين إلى إقامات مجهولة، هم ممثلو الشعب وطبقاته الشعبية. ثمة أيضا مئات التواقيع التي تندد في نداءات موجَّهة إلى الشعب باللجنة إياها. ناهيكم وأن ملعب الخطابات البهلوانية المُقام لهذه اللجنة، في جنيف السياحية بامتياز، تحت قبة ما يسمى ب"الحل السياسي"، أو غيرها من المصطلحات السياسية الإيديولوجية ذائعة الانتشار في أوساط السياسيين السوريين والمثقفين الليبراليين تمشيا مع التقليعة الثقافية السائدة حاليا، قد سَجلت تقدما أمام "السياسة التاريخية". سياسة الثورة والتغيير والسلطات الشعبية والديمقراطية الاجتماعية، إن هي تراجعت في ظاهر الأمور بعدما تأخرت وراء الأولى، فلأنها دخلت في مرحلة من الانطواء الضمني في لبنة التاريخ وعجينته، بانتظار ما يأتي من تغيُّرات موضوعية في ساحة المعركة. إلا أنها، في هذه الأثناء، تستعد للعودة من أجل استمرار الثورة التي تُشيِّد، عبر مسارها على طريق الممارسة الثورية العارفة، دستورا من إعداد مجلس تأسيسي لإرساء ديمقراطية اجتماعية تشكِّل أسسا لتكوين الإنسان الاجتماعي الذي يمضي قدما نحو الديمقراطية الاجتماعية، الوحدة القومية، التحرر، الحرية، والاشتراكية العلمية .
الجمعة 27 أيلول/سبتمبر2019





تعليقات الفيسبوك