لخبطة فكريّة بداية من العنوان - 1- من تجلّيات تحريفية حزب العمّال التونسي و إصلاحيّته في كتاب الناطق الرسمي بإسمه ، - منظومة الفشل -


ناظم الماوي
2019 / 8 / 31 - 21:04     

لخبطة فكريّة بداية من العنوان - 1- من تجلّيات تحريفية حزب العمّال التونسي و إصلاحيّته في كتاب الناطق الرسمي بإسمه ، " منظومة الفشل "
ناظم الماوي
--------------------------------------------------
" هذه الإشتراكيّة إعلان للثورة المستمرّة ، الدكتاتوريّة الطبقيّة للبروليتاريا كنقطة ضرورية للقضاء على كلّ الإختلافات الطبقية ، و للقضاء على كلّ علاقات الإنتاج التى تقوم عليها و للقضاء على كلّ العلاقات الإجتماعية التى تتناسب مع علاقات الإنتاج هذه ، و للقضاء على كلّ الأفكار الناجمة عن علاقات الإنتاج هذه ".
( كارل ماركس ، " صراع الطبقات فى فرنسا من 1848 إلى 1850" ، ذكر فى الأعمال المختارة لماركس و إنجلز ، المجلّد 2 ، الصفحة 282 ).

-----------------------------------------

" و سيكون واجب القادة على وجه الخصوص أن يثقّفوا أنفسهم أكثر فأكثر فى جميع المسائل النظريّة و أن يتخلّصوا أكثر فأكثر من تأثير العبارات التقليديّة المستعارة من المفهوم القديم عن العالم و أن يأخذوا أبدا بعين الاعتبار أنّ الاشتراكيّة ، مذ غدت علما ، تتطلّب أن تعامل كما يعامل العلم ، أي تتطلّب أن تدرس . و الوعي الذى يكتسب بهذا الشكل و يزداد وضوحا ، ينبغى أن ينشر بين جماهير العمّال بهمّة مضاعفة أبدا..."
( انجلز ، ذكره لينين فى " ما العمل؟ " )
------------------------------------
" قد كان الناس و سيظلّون أبدا ، فى حقل السياسة ، أناسا سذّجا يخدعهم الآخرون و يخدعون أنفسهم، ما لم يتعلّموا إستشفاف مصالح هذه الطبقات أو تلك وراء التعابير و البيانات و الوعود الأخلاقية و الدينية و السياسية و الإجتماعية . فإنّ أنصار الإصلاحات و التحسينات سيكونون أبدا عرضة لخداع المدافعين عن الأوضاع القديمة طالما لم يدركوا أن قوى هذه الطبقات السائدة أو تلك تدعم كلّ مؤسسة قديمة مهما ظهر فيها من بربرية و إهتراء . "
( لينين ، " مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكوّنة الثلاثة " )
---------------------------
"... حين أزاحت الماركسية النظريّات المعادية لها ، و المتجانسة بعض التجانس ، سعت الميول التي كانت تعبر عنها هذه النظريّات وراء سبل جديدة . فقد تغيّرت أشكال النضال و دوافعه ، و لكن النضال إستمرّ . و هكذا بدأ النصف الثاني من القرن الأوّل من وجود الماركسيّة ( بعد 1890 ) بنضال التيّار المعادى للماركسيّة في قلب الماركسيّة .
...لقد منيت الإشتراكيّة ما قبل الماركسيّة بالهزيمة ، وهي تواصل النضال ، لا في ميدانها الخاص ، بل في ميدان الماركسيّة العام ، بوصفها نزعة تحريفيّة .

... إنّ نضال الماركسيّة الثوريّة الفكري ضد النزعة التحريفيّة ، في أواخر القرن التاسع عشر ، ليس سوى مقدّمة للمعارك الثوريّة الكبيرة التي ستخوضها البروليتاريا السائرة إلى الأمام ، نحو إنتصار قضيّتها التام ، رغم كلّ تردّد العناصر البرجوازية الصغيرة و تخاذلها . "
( لينين ، " الماركسيّة و النزعة التحريفيّة " )
--------------------------------------------
" إنّ ديالكتيك التاريخ يرتدى شكلا يجبر معه إنتصار الماركسيّة في حقل النظريّة أعداء الماركسيّة على التقنّع بقناع الماركسيّة ."
( لينين ، " مصائر مذهب كارل ماركس التاريخيّة " المخطوط في مارس 1913 ، ( الصفحة 83 من " ضد التحريفيّة ، دفاعا عن الماركسية " ، دار التقدّم موسكو )
---------------------------------------------------------
" إنّ ميل المناضلين العمليين إلى عدم الإهتمام بالنظرية يخالف بصورة مطلقة روح اللينينيّة و يحمل أخطارا عظيمة على النظريّة تصبح دون غاية ، إذا لم تكن مرتبطة بالنشاط العملي الثوري ؛ كذلك تماما شأن النشاط العملي الذى يصبح أعمى إذا لم تنر النظريّة الثوريّة طريقه . إلاّ أنّ النظريّة يمكن أن تصبح قوّة عظيمة لحركة العمّال إذا هي تكوّنت فى صلة لا تنفصم بالنشاط العملي الثوري ، فهي ، وهي وحدها، تستطيع أن تعطي الحركة الثقة وقوّة التوجّه و إدراك الصلة الداخليّة للحوادث الجارية ؛ وهي ، وهي وحدها ، تستطيع أن تساعد النشاط العملي على أن يفهم ليس فقط فى أي إتّجاه و كيف تتحرّك الطبقات فى اللحظة الحاضرة ، بل كذلك فى أيّ إتّجاه وكيف ينبغى أن تتحرّك فى المستقبل القريب . إنّ لينين نفسه قال و كرّر مرّات عديدة هذه الفكرة المعروفة القائلة :
" بدون نظرية ثورية ، لا حركة ثوريّة " ( " ما العمل ؟ " ، المجلّد الرابع ، صفحة 380 ، الطبعة الروسية ) "
( ستالين ، " أسس اللينينية - حول مسائل اللينينية " ، صفحة 31 ، طبعة الشركة اللبنانية للكتاب ، بيروت )
-------------------------------------
" إن الجمود العقائدى و التحريفية كلاهما يتناقضان مع الماركسية . و الماركسية لا بد أن تتقدم ، و لا بدّ أن تتطور مع تطور التطبيق العملى و لا يمكنها أن تكف عن التقدم . فإذا توقفت عن التقدم و ظلت كما هي فى مكانها جامدة لا تتطور فقدت حياتها ، إلا أن المبادئ الأساسية للماركسية لا يجوز أن تنقض أبدا ، و إن نقضت فسترتكب أخطاء . إن النظر إلى الماركسية من وجهة النظر الميتافيزيقة و إعتبارها شيئا جامدا ، هو جمود عقائدي ، بينما إنكار المبادئ الأساسية للماركسية و إنكار حقيقتها العامة هو تحريفية . و التحريفية هي شكل من أشكال الإيديولوجية البرجوازية . إن المحرفين ينكرون الفرق بين الإشتراكية و الرأسمالية و الفرق بين دكتاتورية البروليتاريا و دكتاتورية البرجوازية . و الذى يدعون اليه ليس بالخط الإشتراكي فى الواقع بل هو الخط الرأسمالي . "
( ماو تسي تونغ ، " خطاب فى المؤتمر الوطنى للحزب الشيوعي الصيني حول أعمال الدعاية "
12 مارس/ أذار 1957 " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " ، ص21-22 )
-------------------------------------
كلّ ما هو حقيقة فعلا جيّد بالنسبة للبروليتاريا ، كلّ الحقائق يمكن أن تساعد على بلوغ الشيوعية .
( " بوب أفاكيان أثناء نقاش مع الرفاق حول الأبستيمولوجيا : حول معرفة العالم و تغييره " ، فصل من كتاب " ملاحظات حول الفنّ و الثقافة ، و العلم و الفلسفة " ، 2005)
==========================================
مقدّمة :
من تابع و يتابع كتاباتنا سيتفطّن دون عناء إلى كون هذا المقال يتنزّل ضمن مشروع نقدي للخطّ الإيديولوجي و السياسي لحزب العمّال التونسي و بالتالى ليس مقالا منفردا مناسباتيّا من ناحية و لا هو من ناحية أخرى، كافيا شافيا لوحده للبتّ نهائيّا في المسألة و إنّما هو لبنة من لبنات سلسلة من المقالات السابقة و محطّة من محطّات سلسلة مقالات لاحقة تمّت البرمجة لها على أنّنا لا نتعهّد للقرّاء بإنجازها و إصدارها في تاريخ معيّن ذلك أنّنا نشتغل وفق أولويّات خاصة .
في السنوات الأخيرة ، صدرت لنا على صفحات الحوار المتمدّن عدّة مقالات ناقدة و لسياسات حزب العمّال التونسي ومواقفه و أفكاره و اليوم نغتنم فرصة إعادة قراءة كتاب السيّد جيلاني الهمّامي المنشور سنة 2017 عن الثقافيّة للطباعة و النشر و التوزيع، تونس و الذى قدّم له السيّد حمّه الهمّامي ، لنقطع خطوة ضروريّة أخرى في مشروعنا النقدي فالكتاب يحمل في طيّاته مواقفا تعدّ وليمة بالنسبة للنقد الماركسي لن نفوّتها لا لشيء إلاّ لأنّها تكشف جوانبا هامة بل غاية في الأهمّية من الخطّ الإيديولوجي و السياسي التحريفي و الإصلاحي لهذا الحزب سيما و أنّ هذه المواقف خطّها قلم قيادي من أعلى قيادات هذا الحزب .
و لا يندرج هذا بتاتا ضمن الترف الفكري أو المناكفات و المهاترات الفكريّة أو التهجّم الشخصيّ و ما شاكل ذلك كما يحلو لبعض مشوّهي الصراع على الجبهة النظريّة و السياسيّة الزعم و إنّما يندرج ضمن المساهمة في القيام بالواجب الشيوعي المتأكّد والملحّ في دحض و تعرية التحريفيّة و الدغمائيّة بشتّى ألوانهما المهيمنتين على الحركة الشيوعية العربيّة و العالميّة و المعرقلتين إلى درجة كبيرة نشوء الحركات الثوريّة و نموّها و تطوّرها ، و في إعلاء راية الشيوعية الثوريّة لتكون سلاحنا العلمي البّتار في كفاحنا البروليتاري الجبّار في سبيل الثورة الشيوعية و تحرير الإنسانيّة من كافة أشكال الإستغلال و الإضطهاد الطبقيّة و الجندريّة و القوميّة ، و الغاية الأسمى هي المجتمع الشيوعي على الصعيد العالمي.
حيال تشويه الماركسيّة و تحريفها تشويها و تحريفا منقطعا النظير ، يتلخّص واجبنا و تتلخّص أوكد المهام الملقاة على عاتقنا في المساهمة قدر الإمكان في رفع تحدّى إزاحة الغبار عن التعاليم الشيوعية الحقيقية ، الشيوعية الثوريّة ( فمثلما أعرب عن ذلك إنجلز في خطابه على قبر ماركس، كان ماركس قبل كلّ شيء ثوريّا ) و عن تطوّرها ككلّ العلوم . و لن نملّ من ترديد ، سنمعن و نتمادى في ترديد ، أنّنا ننطلق في أعمالنا النقديّة من الشيوعيّة الجديدة أو الخلاصة الجديدة للشيوعية التي طوّرها طوال عقود من النضال النظري و العملي محلّيا و عالميّا بوب أفاكيان كونها شيوعيّة اليوم ، قمّة ما بلغته أسس الشيوعية من رسوخ علمي و تطوير تأسيسا على تقييم نقدي لتاريخ الحركة الشيوعية العالمية و دفاعا عن الجانب الصائب الرئيسي في نظريّاتها و ممارساتها و القطع مع الأخطاء وهي ثانوية و إن كانت جدّية و الجانب غير العلمي الذى علق بها منذ بداياتها الأولى و معالجة للمشاكل الجديدة الطارئة ؛ وإستفادة من مراكمات النضالات الشيوعية و الصراعات الطبقية عبر العالم قاطبة و من عدّة مجالات من النشاطات الإنسانية الأخرى.
و" تعنى الخلاصة الجديدة إعادة تشكيل و إعادة تركيب الجوانب الإيجابية لتجربة الحركة الشيوعية و المجتمع الإشتراكي إلى الآن ، بينما يتمّ التعلّم من الجوانب السلبية لهذه التجربة بابعادها الفلسفية والإيديولوجية و كذلك السياسية ، لأجل التوصّل إلى توجه و منهج و مقاربة علميين متجذّرين بصورة أعمق و أصلب فى علاقة ليس فقط بالقيام بالثورة و إفتكاك السلطة لكن ثمّ ، نعم ، تلبية الحاجيات المادية للمجتمع و حاجيات جماهير الشعب ، بطريقة متزايدة الإتساع ، فى المجتمع الإشتراكي – متجاوزة ندب الماضى ومواصلة بعمق التغيير الثوري للمجتمع ، بينما فى نفس الوقت ندعم بنشاط النضال الثوري عبر العالم و نعمل على أساس الإقرار بأن المجال العالمي و النضال العالمي هما الأكثر جوهرية و أهمّية ، بالمعنى العام – معا مع فتح نوعي لمزيد المجال للتعبير عن الحاجيات الفكرية و الثقافية للناس ، مفهوما بصورة واسعة ، و مخوّلين سيرورة أكثر تنوّعا و غنى للإكتشاف و التجريب فى مجالات العلم و الفنّ و الثقافة و الحياة الفكرية بصفة عامة ، مع مدى متزايد لنزاع مختلف الأفكار و المدارس الفكرية و المبادرة و الخلق الفرديين و حماية الحقوق الفردية، بما فى ذلك مجال للأفراد ليتفاعلوا فى " مجتمع مدني " مستقلّ عن الدولة – كلّ هذا ضمن إطار شامل من التعاون و الجماعية و فى نفس الوقت الذى تكون فيه سلطة الدولة ممسوكة و متطوّرة أكثر كسلطة دولة ثورية تخدم مصالح الثورة البروليتارية ، فى بلد معيّن وعالميا و الدولة عنصر محوري ، فى الإقتصاد و فى التوجّه العام للمجتمع ، بينما الدولة ذاتها يتمّ بإستمرار تغييرها إلى شيء مغاير راديكاليا عن الدول السابقة ، كجزء حيوي من التقدّم نحو القضاء النهائي على الدولة ببلوغ الشيوعية على النطاق العالمي . "
( بوب أفاكيان ،" القيام بالثورة و تحرير الإنسانية "، الجزء الأوّل ، جريدة " الثورة " عدد 112 ، 16 ديسمبر 2007 .)
و من يتطلّع إلى تفسير العالم تفسيرا علميّا و تغييره تغييرا شيوعيّا ثوريّا ، عليه / عليها بدراسة و إستيعاب و تطبيق و تطوير هذه الخلاصة الجديدة للشيوعية ، الشيوعية الجديدة و نقترح عليه / عليها التفحّص النقدي لأدبيّات أنصار الخلاصة الجديدة للشيوعية و أدبيّات مناهضيها التى ترجمها و نشرها بموقع الحوار المتمدّن شادي الشماوي ، و التفحّص النقدي لجدالات ناظم الماوي بهذا المضمار وهي منشورة كذلك على صفحات الحوار المتمدّن و بمكتبة هذا الموقع على الأنترنت. و كإطلالة أولى على الشيوعيّة الجديدة أو الخلاصة الجديدة للشيوعيّة الآن و هنا و دون تأخير ، وثّقنا كملحق لعملنا هذا نصّا يلخّص فيه بوب أفاكيان نفسه التوّجه والمنهج والمقاربة الجوهريّين و العناصر الأساسيّة للخلاصة الجديدة للشيوعيّة .

و لا نزيد عن هذا كيما لا نطيل عليكم ، ولنطلق فورا سهم النقد الماركسي و ندعه يتجّه إلى هدفه و يصيبه فيكشف جوانبا من المستور من التحريفيّة و الإصلاحيّة لدى حزب العمّال التونسي ، و ذلك وفق المحاور الآتى ذكرها :
1- لخبطة فكريّة بداية من العنوان ،
2- الدولة بين المفهوم الماركسي و المفهوم التحريفي،
3- أشكال حكم دولة الإستعمار الجديد و أوهام إمكانيّة إصلاحها لخدمة الشعب،
4- من أوهام الحزب التحريفي و الإصلاحي الديمقراطية البرجوازية ،
5- تجلّيات منهج مثالي ميتافيزيقي مناهض للمادية الجدليّة ،
6- السياسات التي يقترحها جيلاني الهمّامي إصلاحيّة و ليست ثوريّة ،
7- ثمّة فشل و ثمّة فشل !
خاتمة :
--------------------------------------------
1- لخبطة فكريّة بداية من العنوان :
منذ أن وقع نظرنا على الكتاب ، و نحن نعيد قراءته ، بنيّة نقديّة مصمّمة بعد مدّة من الإطّلاع عليه بسرعة و إخراجه من رفوف المكتبة ، أوّل ما وقع عليه نظرنا طبعا هو العنوان سيما و أنّه مسطور بالأحمر و موضوع أعلى الغلاف ،" منظومة الفشل ". و من الوهلة الأولى إرتسمت في ذهننا علامة إستفهام بحجم أخذ في التعاظم ذلك انّ القارئ لا يستوعب مباشرة و فورا و بيسر ما المقصود بكلمة منظومة وهي مفردة نادرة الإستخدام في أدبيّات الماركسيّين فضلا عن كونها إن إستخدمت فللدلالة في الغالب الأعمّ على أطروحات أو حزمة أفكار و سياسات كأن نتحدّث عن المنظومة التربويّة أي جملة التوجّهات و السياسات التربويّة و كيفيّة إدارة شؤون التربية ... و في موضوع الحال ، ندرك خللا في العنوان تأكّد أكثر عندما رحنا نجوب ثنايا المقالات المشكّلة للعامود الفقري للكتاب . فعن أيّة منظومة يتحدّث الكاتب ؟ هذا أمر يكتنفه الغموض في العنوان و حتّى في مجمل المقالات . فلو أنّ العنوان كان " منظومة حكم فاشلة " لكان الأمر هيّن فالمنظومة لوحدها بمفردها لا تحيل لعموميّتها على السياسة و الحكم على وجه التحديد و عن عُرف الكاتب بممارسة السياسة .
هذا من ناحية ، و من ناحية ثانية ، كان من المفروض منهجيّا على المؤلّف إعتبارا لأنّه يتوجّه لمروحة عريضة و متنوّعة من القرّاء من المفروض أن يكترث لتقبّلها رسالته ، أن يبادر بتحديد على الأقلّ مقتض لفحوى هذا المصطلح القليل التداول و التواتر عدا في فضاءات بعض المثقّفين البرجوازيّين أساسا و خاصة طائفة المثقّفين و الساسة العاملين في ركاب دولة الإستعمار الجديد ، شأنه في ذلك شأن مصطلح منوال الملصق غالبا بالتنمية ( منوال التنمية ) ، علما بأنّ معظم فرق ما يسمّى باليسار الماركسي إعتادت إستخدام مصطلح نظام الحكم أو النظام الحاكم و السلطة الحاكمة إلخ ( في تباين مع مصطلح النظام الاقتصادي -الاجتماعي أو التشكيلة الاقتصادية - الإجتماعيّة - و قد أفرزت و لا تزال مفردة النظام ذات الدلالتين المتباينتين موضوعيّا تداخلا في المفاهيم لدى الكثير من الناس في القطر و قد وظّف ذلك البعض توظيفا إنتهازيّا تضليليّا ليجعلوا من نظام الحكم مساويا للنظام الاقتصادي- الاجتماعي ، في شعار إسقاط النظام ...). و نحن ، بطبيعة الحال ، لسنا مبدئيّا ضد إستعمال مصطلحات جديدة على أنّنا و غيرنا ، مطالبون منهجيّا بتحديد ما تفيده بصفة دقيقة لتوخّى منتهى الوضوح المطلوب وإحتراما للقرّاء . و لكن هيهات أن يشرح لنا الهمّامي مقصوده و يحدّد مفاهيمه بالدقّة اللازمة ماركسيّا وهو و حزبه يدّعيان الماركسيّة . و لهذا تفسيرات ثلاثة ممكنة لا رابع لها ، في إعتقادنا ، أوّلها أنّ السيّد إعتاد المصطلحات البرجوازية فسارت تجرى على لسانه عن غير وعي تعبيرا عن مخزونه المتراكم من النظرة البرجوازية للعالم ؛ و ثانيهما أنّه لا يهتمّ للقرّاء من الجماهير الشعبيّة بقدر ما يهمّه إبراز تمكّنه من لغة الخطاب السياسي السائد، لغة " طبقة السياسيّين " البرجوازية الكمبرادوريّة عامة و إنتمائه إلى هؤلاء السياسيّين ؛ و ثالثها أنّه غير متمكّن بما فيه الكفاية من و لا يملك مقوّمات المنهج الماركسي و مقتضياته وبوسعنا أن نقول دون أن نخشى الزلل إنّه كناطق رسمي باسم حزب العمّال الدغمائي التحريفي الخوجي ، الإصلاحي منذ نشأته ، لا يأبه مطلقا لما نبّه إليه إنجلز و منذ أكثر من قرن من الزمن من :
" و سيكون واجب القادة على وجه الخصوص أن يثقّفوا أنفسهم أكثر فأكثر فى جميع المسائل النظريّة و أن يتخلّصوا أكثر فأكثر من تأثير العبارات التقليديّة المستعارة من المفهوم القديم عن العالم و أن يأخذوا أبدا بعين الاعتبار أنّ الاشتراكيّة ، مذ غدت علما ، تتطلّب أن تعامل كما يعامل العلم ، أي تتطلّب أن تدرس . و الوعي الذى يكتسب بهذا الشكل و يزداد وضوحا ، ينبغى أن ينشر بين جماهير العمّال بهمّة مضاعفة أبدا..."
( انجلز ، ذكره لينين فى " ما العمل؟ " )
و نستطرد قائلين إنّ السيّد جيلاني الهمّامي قد أملى علينا أن نتفحّص عن كثب الصفحات المتتالية من كتابه علّنا نعثر له عن تحديد واضح جليّ و كافى و شافي للمصطلح الأوّل من عنوان كتابه الذى تلفّه ضبابيّة كثيفة فلم نعثر على ضالتنا إلاّ بالصفحة 147 من كتاب يعدّ 188 صفحة أي تقريبا على مشارف نهايته . و هنا ، بصريح العبارة و بدقّة متناهية ، يعرب عن كنه ما يعنيه بذلك المصطلح المتصدّر لعنوان الكتاب ، إذ كتب :" بات واضحا اليوم بعد سلسلة الحكومات التي تداولت على قصر القصبة أن خلاص البلاد و الشعب لا يكمن في تغيير الفريق الحكومي فقط بل إن التغيير المطلوب لوضع البلاد على سكّة الخروج من الأزمة الشاملة هو تغيير ينبغي أن يطال كلّ المنظومة الحاكمة بجميع مؤسساتها رئاسة و حكومة و برلمانا ..." . ( و في الحال تفطّننا إلى أنّ ذلك يساوى ما حبّره في الصفحة 21 من " مؤسّسات الحكم ، رئاسة و برلمانا و حكومة ". )
حالئذ نضع الإصبع على بيت القصيد ، المقصود بالمنظومة في العنوان " مؤسّسات الحكم "، الرئاسة و الحكومة و البرلمان، لا شيء غير ذلك . أهداف القلم الذى جنّده السيّد الكاتب على وجه الضبط هي ثلاثي من السلط القائمة و بكلمات أخرى مرمى نقده هو أهمّ جانب من السلطة التنفيذيّة ، رئاسة و حكومة و السلطة التشريعيّة ، برلمانا . لا يوجّه نقده هكذا السلطة القضائيّة ، إنّه يستثنيها من هذا النقد و من ثمّة من النعت بالفشل .
و لسائل أن يسأل لماذا يصبّ جيلاني الهمّامي جام غضبه بالذات على السلطتين التنفيذيّة و التشريعيّة ؟ و للجواب شقّان . الشقّ الأوّل هو أنّه يعبّر شأن سواد الشعب المضطهَد و المستغَل عن تذمّر و حنق إزاء المسؤولين مباشرة و عن إزدياد وضع الجماهير الاقتصادي و الاجتماعي سوءا كي يظهر بمظهر المدافع عن الجماهير الشعبيّة العريضة . ( علما و أنّ حتّى قوى رجعيّة خارج الإئتلاف الحاكم و أخرى تقول عن نفسها ديمقراطية او تقدّميّة تحمّل أولئك المسؤولين في السلطة التنفيذيّة و التشريعيّة مسؤوليّة ما آلت إليه الأوضاع من مزيد التأزّم و الإحتقان )؛ أمّا الشقّ الثاني، وهو الأهمّ ، في رأينا ، بالنسبة للناطق الرسمي باسم حزب العمّال و النائب عن الجبهة الشعبيّة في البرلمان الذى يدين ، فهو تركيز الهجوم على سلطتين بإمكان حزبه و الجبهة الشعبيّة العمل على الإطاحة بالمسؤولين فيهما و الحلول محلّهم و ذلك في إطار اللعبة الديمقراطية الإنتخابيّة لا غير . و يمسى إستثناء السلطة القضائيّة في هذا السياق مفهوما و لا يستدعى شرحا و ما عاد يبعث على الحيرة و الإستغراب .
إذن هذا ما قصده السيّد جيلاني بالكلمة الأولى من عنوان كتابه بيد أنّه لم يضع النقاط على الحروف من البداية ، لم يبح بأسراره من البداية ، و فضلا عن ذلك أخذنا معه في متاهات و صدمنا بجدار خلط فظيع بين مفهومه ل " منظومة " و" دولة " و مفهوم الدولة ماركسيّا . مفهومه و المفهوم الماركسي للدولة يقفان على طرفي نقيض . و بينما صدمنا أيّما صدمة بهذا الخلط ، مضى الرجل في حال سبيله متجاوزا الجدار و كأنّه يمتلك القدرات الخارقة لرجل يخترق الجدران كما في روايات و أشرطة الخيال العلمي .
فهذا السيّد في الصفحة 21 من كتابه ، يضع عنوانا لمقال من مقالاته " دولة العجز و الفشل – دولة تعفين الوضع " و بعد صفحة ( بالصفحة 22 ) ، يخطّ قلمه " بقيت الدولة بكلّ مؤسّساتها تتخبّط في المشاكل لا تعرف من أين تبدأ . بل أكثر من ذلك أظهرت عجزا واضحا و فشلا ذريعا فيما كان يتوقّع أن تنجح فيه على الأقلّ ". و بالصفحة عينها نلفى عنوانا فرعيّا بالبنط العريض فحواه " مخاطر فشل الدولة و عجزها ". و عندئذ تصاحب الفشل في هذه الإستشهادات الثلاثة كلمة الدولة بما يخوّل فهم أنّ الهمّامي يساوى بين المنظومة و الدولة أو هو لا يفرّق بينهما . و هذا إن عايننا مجدّدا فحوى مصطلح منظومة عنده عندما تجلّى كأوضح ما يكون بالصفحة 147( رئاسة و حكومة و برلمانا ) أي السلطتين التنفيذيّة و التشريعيّة، نستخلص أنّ هذا السيّد الذى يزعم أنّه و حزبه ماركسيّين يختزل الدولة في هتين السلطتين . و بالبساطة كلّها ، لا يسعنا إلاّ أن تهتف في أذن هذا الرجل بأنّ هذا لا يصحّ ماركسيّا أو هذا تحريف للماركسيّة بيّن و ساطع . هذه لخبطة فكريّة و رقص بهلواني على نغمات تحريفيّة مشوّهة للماركسيّة ، بعيد البعد كلّه عن المفاهيم الماركسيّة الصارمة و لا سيما مفهوم الدولة الذى سنتفحّص بالكثير من التفاصيل في النقطة القادمة .
و من المفيد في ختام هذه النقطة الأولى أن نلفت عناية القرّاء إلى أنّه حصلت لدينا قناعة ستتأكّد أكثر فأكثر و نحن نتقدّم في نقدنا لمضامين ما يحفل به كتابه بأنّ الرجل يلهو لهوا قد يعدّه البعض من الإنتهازيين بارعا و لكنّنا نوصّفه سياسيّا بالإنتهازيّة و منهجيّا بالميوعة البرجوازية في تحديد المفاهيم لتوظيفها إنتهازيّا . هذه إنتهازيّة في إنتهازيّة سيصرخ القرّاء الباحثين عن الصرامة العلميّة و المنهجيّة و الوضوح لا المراوغات ، موجّهين كلامهم للسيّد الهمّامي . و قد لاحظنا أنّ الكلمة الأولى من عنوان الكتاب ، منظومة ، قد تمطّتت و إمتدّت كقطعة بلاستيكيّة ، مطّاطيّة عاديّة تتعرّض للحرارة لتقولب من جديد فتصبح مماثلة للدولة و تشمل كلّ مؤسّسات الدولة حينما أعرب بالصفحة 140 عن أنّه على " الصعيد السياسي ... إستمرّت كلّ مؤسّسات الدولة تعمل وفق المنظومة القديمة " ( و لعلّكم لاحظتم ولادة ضمنيّة لمنظومة جديدة مقابل " المنظومة القديمة "، منظومة جديدة يأمل أن يساهم فيها الهمّامي و من معه ) . و سال البلاستيك ، المطّاط ، و فاض ليغمر مناطقا أوسع و أشمل و أكثر زئبقيّة بدلا من البحث عن الدقّة و الصرامة حيث بات يشمل " منظومة الحكم و الإدارة و تنظيم الحياة العامة " .
و ربّما من ما تقدّم حصلت لكم قناعة أو جملة أفكار تسمح لكم بأن تشاطروننا الرأي بأنّ التعريف التالي للإنتهازية و الإنتهازي ينسحب على السيّد الهمّامي :
" حين يتناول الحديث النضال ضد الإنتهازيّة ، ينبغي لنا أن لا ننسى أبدا السمة المميّزة التي تميّز كلّ الإنتهازيّة العصريّة في جميع الميادين : ما تنطوى عليه من غامض و مائع و غير مفهوم . فإنّ الإنتهازي يتجنّب دائما ، بحكم طبيعته بالذات، طرح المسائل بصورة واضحة و حاسمة وهو يسعى دائما وراء الحاصلة ، و يراوغ كالثعبان بين وجهتي نظر تتنافيان ، محاولا أن " يتّفق" مع كلّ منهما، و حاصرا خلافاته في تعديلات طفيفة و شكوك ، و تمنيات بريئة لا تغنى و لا تسمن ، إلخ " .
( لينين ، " خطوة إلى الأمام ، خطوتان إلى الوراء " ، الصفحة 592-593 من المختارات في ثلاثة مجلّدات ، المجلّد الأوّل ، الجزء الأوّل ، دار التقدّم ، موسكو 1976 )
الأكيد أنّ السيّد جيلاني الهمّامي أبان و من البداية بل من العنوان عن خلل جليّ في منظومته الفكريّة و نقصد أنّه أبان فشلا منهجيّا و لخبطة فكريّة يترجمان الإنحرافات الدغمائيّة - التحريفية و الإصلاحيّة في خطّ حزبهم الإيديولوجي و السياسي وهو ما قد يسكن فى قلوب أنصاره خوفا لا نظير له . ( و سنعود لتناول الفشل بالحديث مع نهاية المقال ) .
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------



تعليقات الفيسبوك