تخلية المأجور في القانون العراقي.. إرادة القانون أم إرادة منفردة.


عباس علي العلي
الحوار المتمدن - العدد: 6155 - 2019 / 2 / 24 - 21:54
المحور: دراسات وابحاث قانونية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

تخلية المأجور في القانون العراقي تخضع في ألياتها القانونية وحسب طبيعة المأجور ذاته إلى ما هو محكوم بقواعد القانون المدني بالنسبة للمحلات والمكاتب والأماكن التجارية، وحتى الأراضي الزراعية التي يملكها أفراد وعموما هي كل ما هو معد لأن يكون محل للإجارة، ما عدى العقارات المعدة للسكن أو التي من طبيعتها أن تكون سنية، فالأخيرة محكومة بقانون أستثنائي هو قانون ايجار العقار رقم 87 لسنة 1979 وتعديلاته، الأصل أن أحكام ما يرد على الملكية من عقود وإلتزامات وحقوق يحكمها القانون المدني بشكل خاص لأنه القانون الأعم والأشمل وهو ما يخضع عادة لفلسفة تشريعية واحدة، ومتى ما كان هناك نقص أو أستثاء في جانب تنظيمي قانوني فيه، كان الأولى على المشرع أن يضعها ضمن القاعدة الأساس لها وهي منظومة القانون الأم، هنا المشرع أراد بالقانون 87 لسنة 1979 أفرد للسكن قانونا خاصا أراد بذلك حماية وأستقرار للمستأجر من سطوة حقوق المالك وتفرده بحق الفسخ الذي أوردته أحكام القانون المدني، حينما منحت الإرادة المنفردة له حق طلب الفسخ لمجرد أنه لا يرغب ببقاء المستأجر ساكنا ومستغلا للعقار مع توافر الشروط التي أوردتها أحكام المادة 741 ق م.
من القواعد الأساسية في القوانين المدنية عموما أن للمالك سلطان على ملكه لا ينازعه في ذلك أحد إلا إذا كان هذا المالك عندما يتمتع بهذه الحماية يسبب ضر أكبر أو يمس ضرارا لحق أخر على قاعدة تنازع الضرر الوارد في القاعدة الفقهية الأصولية (لا ضرر ولا ضرار)، فطالما كان يمارس هذا الحق وفق القواعد التشريعية وفي حدود المنطق القانوني الذي ترسمه المنظومة التشريعية فهو محمي ومصان فيها، ومن جهة أخرى نرى أن الأجارة بحد ذاتها مجردة هي علاقة قانونية تنشأها إرادة إيجاب وقبول، وبالتالي فأحترام هذه الإرادات أولى وصيانتها أجدى ومن صلب واجبات القانون، فما نشأ من توافق إرادات لا يمكن أن يكون محكوما بإرادة منفردة ومتحكمة ويحميها القانون دون أن تنصرف أصلا إرادة الطرفين لهذا الوضع، هذا ما يجب أن يكون وفقا لقاعدة (العقد شريعة المتعاقدين).
إذا العلاقة العقدية التي أنشأت العقد ورتبت أحكامه هي القاعدة الأسمى ما لم يكن فيها ما هو مخالف للنظام العام والأداب، أو يحرم حلالا ويحلل حراما ضمن إطار محدد لمفهوم الحلال والحرام ضمن مصادر التشريع الأساسية التي تعتمدها فلسفة التشريع، في أحكام القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 نجد أن الفلسفة المادية الأصولية ذات النزعه الفردية طاغية على مجمل أحكامه حتى في النصوص التي أستقت جذورها من القواعد الفقه الإسلامي الحنفي خصوصا، فغياب قاعدة المصالح المتناظرة وقواعد لا ضرر ولا ضرار كلها غابت خصوصا في ترتيب الأثار الحكمية التي سطرتها المدونة المدنية لمصلحة المالك أولا، وأهملت الإرادة الثانية وهي الإرادة الضعيفة من طرفي العقد وهو المستأجر، فكلما رغب المؤجر مثلا في أن يمارس سطوته المعهودة على نظيره في العقد أعلن عن عدم رغبته في البقاء ملتزما بما سطرته إرادة الطرفين وطلب الفسخ، حتى قواعد طلب الفسخ التي جاءت في المادة (177 - 1) أشترطت التعويض دون أن تحدد على وجه الدقة من يستحق التعويض أصلا بقولها (في العقود الملزمة للجانبين اذا لم يوف احد العاقدين بما وجب عليه بالعقد جاز للعاقد الآخر بعد الاعذار أن يطلب الفسخ مع التعويض أن كان له مقتضى)، السؤال هنا هل أن المؤجر الذي يبدي رغبته في فسخ عقد الإيجار مع الطرف الأخر يعتبر قد أخل بإلتزامه التعاقدي؟ أم أنه مارس حقا منحه القانون له وبذلك لا يعتبر مقصرا ولا حاجة لإعذار أو إنذار من الطرف الأخر بمعنى أن لا وجه قانوني للمطالبة بالتعويض..
في الحالات التي سطرها القانون المدني لحق المؤجر في طلب فسخ العقد نراها دائما محكومة تحديدا بمفهوم (الرغبة) وليس لسبب أخر كتقصير المؤجر في أداء إلتزاماته المتقابلة أو لوجود تصرف قانوني أو مادي يتيح للمؤجر طلب الفسخ بعذر مقبول، هذا الحال يجرنا إلى ما يعرف فقها بـ (التعسف في أستعمال الحق)، وبالتالي فالضرر المفترض سيكون على من لا يملك حق إيقاف هذا التعسف أو رده أو منعه من أن يجار عليه فيه، وحتى قواعد القانون العامة والمجردة هدفها وجوهرها هو حماية التوازن بين الحقوق والواجبات، وليس حماية طرف دون أخر بحجة السلطانية أو ما يتفرع من حقوق الملكية، كان على المشرع أبتدأ وما زال السبب موجود أن يعاد الطرفان إلى هذا المبدأ، وهو مبدأ توازن المصالح والحقوق من خلال تصحيح قواعد الفسخ والتعويض ،إن النص بحق المتضرر من أستخدام مبدأ الرغبة المنفردة بالتعويض من الطرف الأخر الذي لا بد أنه سيعرف أن إرادته المنفردة غير كافية لإنهاء عقد صحيح وساري المفعول، ولا بد من العدل في تنفيذها بموجب أحكام الشريعة التي قادتهم للتوافق على نصوص ملزمة للجانبين.
على العكس تماما من هذا التوجه الفردي المادي نرى أن قانون إيجار العقار رقم 87 لسنة 1979 رسم تناقضا أخر وتعسفا لا مبرر له وهو ما جاءت به خصوصا أحكام المادة 3 منه التي نصت على (يمتد عقد الايجار بحكم القانون، بعد انتهاء مدته ما دام المستاجر شاغلا العقار ومستمرا على دفع الاجرة، طبقا لاحكام هذا القانون)، هذا المبدأ سليم لو كان بأمتداده لا يشكل ضررا على المالك ولا ينافي رغبته في أن يمارس حقه القانوني في تعديل هذا العقد برضاء الطرفين دون تعسف من أحد، او حتى في تحديد مدة إيجار العقار لو تصرف المستأجر خلاف نصوص العقد ومقتضيات مبادئ العدالة، ومن هذه المبادئ حق تعديل بدل الايجار الذي يجب ان ينسجم مع تغير الظروف الاقتصادية للبلد حسب احكام العقد، إن أحترام شرط الارادة المشتركة بين الطرفين هو الأساس في تحقق الرضا كركن أساسي من أركان العقود الرضائية وجوهر ما يعرف شرعا بالحلية والحرمة، أن هذا القانون أعطى حق للمستأجر بأن يكون القول له وإرادته نافذه وأرهق المالك بإجراءات قانونية وإثباتية قد يعجز معها أو بسببها من أن يخضع لإدعاء المستأجر بعدم إمكانية زيادة بدل الايجار أو حتى تحديده بالرغم من عدم وجود عقد مكتوب مثلا، وكثيرا ما يلجأ المستأجر الى إيداع بدل الإيجار لدى الكاتب العدل على وفق بدل لا يتناسب مطلقا مع النسب المنصوص عليها في صلب القانون نفسه.
إن معالجة هذا الخلل في وحدة التشريع وتشتيت الأحكام بين القانون المدني وبين قانون إيجار العقار وسيطرة كل طرف من أطراف العقد على قوة ومنعة تخل بقواعد الرضا والعدل والإنصاف بين المتعاقدين، يكشف الأهمية القصوى لدور الفقيه القانوني والفقيه القضائي وكل شراح القانون على ممارسة دورهم العلمي في درء الفجوة بين التشريعين، وإعادة مبدأ التوازن والوحدة الفلسفية التي تحكم المجموعة القانونية فيما يخص الحقوق والواجبات بين المالك والمستأجر وأعادة الأعتبار للقواعد الفقهية الكلية التي لا غنى عنها في تنظيم العلاقات الأجتماعية وضبطها بقواعد الرضا والقبول المشترك، وأعادة الروح الإنسانية للقاعدة الحاكمة في عملها وتجريدها من الجمود والتحجر في خانة واحدة ولمصلحة واحدة على قاعدة أن (العدل أساس الملك).



تعليقات الفيسبوك