لفهم ما يجرى فى فنزويلا فهما صحيحا و عميقا من منظور شيوعي ثوري


ناظم الماوي
2019 / 2 / 10 - 13:15     

لفهم ما يجرى فى فنزويلا فهما صحيحا و عميقا من منظور شيوعي ثوري
ألقينا نظرة على المقالات التي حُبّرت بصدد الأحداث الأخيرة في فنزويلا و المنشورة أساسا على صفحات الحوار المتمدّن و حصلت لدينا قناعة بضرورة أن يعمّق القرّاء فهمهم لمجريات الأحداث هناك و من زاوية نظر شيوعيّة ثوريّة . لذلك ، فضلا عن نصحنا بالتمعّن في المقال المقتضب لكن القيّم الأخير الذى ترجمه شادي الشماوى و عنوانه " الولايات المتّحدة تدعم الإنقلاب في فنزويلا و تظهر عرّاب هذا الإنقلاب في صورة ملاك " ، نقترح على القرّاء دراسة أوّلا ، مقال سابق ترجمه شادى الشماوى بشأن الاقتصاد الفنزويلي ضمن مقالات عنونها " طبيعة مشروع هوغو تشافيز و حدوده " المنشور على الحوار المتمدّن بتاريخ 25 مارس 2013 ( المقال المقصود هنا هو " لهوغو تشافيز إستراتيجيا نفطية ... لكن هل يمكن لهذا أن يقود إلى التحرّر ؟ " ) وثانيا ، مقال ناظم الماوي الجدالي ضد الإصلاحيّين وفهمهم لما يجرى في فنزويلا و عنوانه " هوغو تشفيز و بؤس " اليسار " الإصلاحي".

الولايات المتّحدة تدعم الإنقلاب في فنزويلا و تظهر عرّاب هذا الإنقلاب في صورة ملاك
https://revcom.us/a/580/usa-backs-coup-in-venezuela-makes-the-godfather-look-like-mary-poppins-en.html

" جوهر ما يوجد فى الولايات المتّحدة ليس ديمقراطية و إنّما رأسماليّة - إمبرياليّة و هياكل سياسيّة تعزّز الرأسماليّة - الإمبرياليّة . و ما تنشره الولايات المتّحدة عبر العالم ليس الديمقراطيّة و إنّما الإمبرياليّة و الهياكل السياسيّة لتعزيز تلك الإمبرياليّة ."
بوب أفاكيان ، جريدة " الثورة " عدد 43 ، 16 أفريل 2006
" الأساسي من خطابات بوب أفاكيان و كتاباته "
طوال نهاية الأسبوع الفارط ، كان السياسيذون و كانت وسائل الإعلام يبثّون هراءا معسولا حول جهودهم المباشرة للإطاحة بالحكم في فنزويلا . و كانوا يشدّدون على أنّ من واجب الولايات المتّحدة أن تتدخّل لدعم الشعب الفنزويلي الذى يرغب في تطبيق دستوره و ديمقرطيّته .
ليس لهذا صلة بالحقوق الإنسانيّة و الديمقراطيّة . هذا إنقلاب يجرى التسويق له كي تعمّق الولايات المتّحدة قبضتها الدامية على أمريكا الاتينيّة و تتخلّص من شوكة مزعجة بجانبها . هذا ببساطة فكر عصابات – جريمة أمريكيّة أخرى . و مجدّدا تسعى إلى مغالطتهم بإعتماد خطّ " الديمقراطيّة " كإسطوانة مشروخة .
في خضمّ تعمّق الأزمة السياسيّة و الإقتصاديّة – صارت أسوأ إلى حدّ غير محتمل بفعل الحرب الإقتصاديّة للولايات المتّحدة – تظاهر آلاف الناس في نهاية الأسبوع الماضي ضد حكومة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو . و هذا الأخير وريث هوغو تشافايز الذى إستخدم نفط فنزويلا كرافعة ليس ل " الإشتراكيّة " و إنّما للحصول على موقع أفضل في النظام الإمبريالي بشكل عام . و كانت الولايات المتّحدة تعمل مذّاك على كسر أنيابفنزويلا و جعلها تركع ركوعا تاما لإرادة الولايات المتّحدة .
مخاطبا آلاف المحتجّين ، إعتبر خوان غايدو ، رئيس المجلس الوطني و القائد المفتاح في المعارضة المناهضة لمادورو، أنّ نظام مادورو غير شرعيّ و أعلن نفسه رئيسا .
و دقائق لا غير عقب ذلك الإعلان ، إعترف به ترامب كقائد إنتقالي و صرّح بأنّ مجلسه القومي كان " الجهاز الشرعيّ الوحيد الذى تمّ إنتخابه إنتخابا صحيحا من قبل الشعب الفنزويلي " . و مستشار الأمن القومي للولايات المتّحدة و هو مجرم الحرب الذى لم يتب ، جون بولتون المدافع عن دونالد ترامب بإعتباره ممثّلا للديمقراطيّة ، هدّد بالتدخّل العسكرى للإطاحة بمادورو قائلا : " كلّ الخيارات على الطاولة ".
و قد وُجد الكثير من اللغو عن تجاوزات حقوق الإنسان و عن كيف أنّ غايدو نوع من الأبطال المقاتلين ضد الطغيان اللادستوري . و والواقع هو أنّ لرئيس مافيا الولايات المتّحدة مخطّطات لإرساء حكومة خاضعة له و قدّم لشعب فنزويلا مقترحا ليس بوسعه رفضه .
و المقامرة التي قام بها تشافيز ثمّ مادورو – السعي إلى إستخدام نفط فنزويلا للحصول على موقع أفضل في النظام الإمبريالي العالمي – منيت بالفشل حينما تراجعت أسعار النفط . و شهد لإقتصاد فنزويلا أزمة . إلاّ أنّ الولايات المتّحدة كانت تضاعف من ضغطها على الشعب الفنزويلي لإيجاد وضع غير محتمل يدفعه للمطالبة بتدخّل الولايات المتّحدة .
و لنحدّد من يجب أن نحمّله حقّا مسؤوليّة الأزمة .
- تعوّل فنزويلا على صادرات النفط بما هي 95 بالمائة من مداخيلها . و في 2017 ، أصدر ترامب أمرا تنفيذيّا يمنع فنزويلا من تمويل ديونها في الولايات المتحدة و طبّق المزيد من العقوبات لمنع شركات نفط فنزويلا الموجودة في الولايات المتحدة من إرسال مرابيحها إلى فنزويلا . فكان هذا هو السبب الأوّلى في تدهور ب 37 بالمائة في إنتاج النفط ما أفضى إلى خسارة تقدّر بستّة بليون دولار كمداخيل سنويّة .
- حائلا دون تدفّق الأموال إلى فنزويلا ، بلد يعتمد تماما على ذلك لتمويل واردات الغذاء ، يعنى تجويع الملايين و التسبّب في موت الآلاف جرّاء أمراض قابلة للعلاج . و قد ساهم ذلك في أكبر أزمة هجرة في الجزء الغربي منالكرة الأرضيّة ب 2.3 مليون إنسان مجبرين على هجرة البلاد . و كانت هذه العقوبات تستهدف مباشرة ضرب إستقرار الحكم في فنزويلا عن طريق تجويع الشعب . و مع ذلك ، لا يتورّعون عن الحديث المساعدات الإنسانيّة !
- و قد أقرّ تقرير قسم بحوث الكنغرس في نوفمبر 2018 بأنّ تأثير هذه العقوبات يمكن أن " يفاقم من الصعوبات الإنسانيّة لفنزويلا الى شهدت نقصا في الغذاء و الدواء و تزايد الفقر و الهجرة الجماعيّة ". غير أنّ ترامب صادق على هذه العقوبات و طالب بأن " يضع مادورو حدّا للقمع و الحرمان الاقتصادي للشعب الفنزويلي ".
- و ورد في تقرير لجريدة النيويرك تايمز في 8 سبتمبر 2018 أنّ " إدارة ترامب عقدت إجتماعات سرّية مع ضبّاط الجيش المتمرّدين من فنزويلا خلال السنة الماضية لنقاش مخطّطاتهم للإطاحة بالرئيس نيكولا مادورو ". و لم يُكذّب البيت الأبيض ذلك بيد أنّه قال " من الهام الإنخراط في " محادثات مع جميع الفنزويليين الذين أظهروا رغبة في الديمقراطيّة قصد " إحداث تغيير إيجابي في بلد عانى الكثير في ظلّ مادورو ". و من الذين إلتقوا بهم هناك جنرال كانت الولايات المتحدة ، حسب التايمز ، قد إتّهمتهسابقا بإقتراف التعذيب و التجارة في المخدّرات .
- و قد حثّت وزارة الخارجيّة الأمريكيّة الجيش الفنزويلي على التمرّد ضد مادورو و حتّى عرضت 20 مليون دولار كمساعدة إستعجاليّة لغايدو . و مع ذلك ، يدّعى السيناتور ماركو روبيو أنّ هذا لا يمثّل محاولة إنقلابيّة لأنّ..." لم أشاهد أمريكيّا واحدا في الشوارع في فنزويلا عندما نزل مئات الآلاف ، إن لم يكن الملايين ، إلى الشوارع " .
فإن كان تجويع الشعب عمدا عبر الحرب الإقتصاديّة و التآمر السرّي لأجل التمرّد العسكريّ ، و المساعدة المباشرة لأحزاب المعارضة و التهديد بالغزو العسكريّ هو " نشر للديمقراطيّة " ، قولوا لنا ما هو الإنقلاب إذن ؟
طريق تشافيز – مادورو جزء من المشكل و ليس جزءا من الحلّ
لطالما كانت فنزويلا وهي تملك أحد أكبر إحتياطيّات النفط العالمي تحت سيطرة الإمبرياليّة الأمريكيّة التي تعتبرها محطّة تزويد لها . و قد أفرز ذلك مجتمعا مشوّها له قطاع عالى التقنية هو قطاع النفط و إقتصاد متخلّف على وجه العموم أعداد العاطلين فيه كبيرة جدّا كما هو هائل عدد لذين يعيشون في مدن الصفيح . و تشافيز و مادورو ليسا " إشتراكيين ". فقد حاولا البحث عن " صفقة أفضل " مع بلدان مشابهة لهم في التفكير بهدف تحسين الموقع التفاوضيّ و الحصول على قسط أهمّ من أرباح النفط و بعد ذلك إستعملا البعض من تلك الثروات لتمويل برامج رفاه إجتماعي في صفوف الفقراء .
لكن فنزويلا لم تقطع فعلا مع العلاقات الإمبرياليّة و تركت العديد من العلاقات الإجتماعيّة المتخلّفة داخل فنزويلا على حالها: تقريبا تسعة ملايين إنسان ظلّوا أسرى مدن الصفيح و ظلّت النساء تابعة و خاضعة - الإجهاض ممنوع في فنزويلا. أمّا بالنسبة للبيئة ، فإنّ فنزويلا أكبر باثّ للكربون في أمريكا اللاتينيّة .
و يفضى بنا هذا إلى نقطة هامة : الطريق الذى شجّع عليه تشافيز جزء من المشكل و ليس جزءا من الحلّ . إنّ خدعة و طريق غير سالك يترك العلاقات مع الإمبرياليّة كما هي دون مساس .
لكن بالرغم من الوقوع أسرى هذا النظام الإضطهادي ، فإنّ " فنّ الصفقات " كان أكبر من أن تقبل به الولايات المتّحدة في ما تعتبره بغطرسة " خلفيّتها " . و الطبقة الإمبرياليّة الحاكمة للولايات المتّحدة -وهي تشتمل على كلّ من نظام ترامب / بانس و الديمقراطيين ، و الذين هم جميعا تقريبا إلى جانب محاولة الإنقلاب هذه – مصمّمة على إعادة فنزويلا و كامل أمريكا اللاتينيّة مجدّدا إلى ما تعدّه الولايات المتّحدة " مكانها ". هذا حقّا ما يقف وراء الكلمات المعسولة التي يبثّها هؤلاء السياسيّون لتبرير التغيير في النظام و كافة البؤس و العذاب اللذين يصبّونهما على رأس ملايين الناس .
نحن في حاجة إلى عالم جديد – يتجاوز تقسيم العالم إلى حفنة من الدول الإمبرياليّة التي تستغلّ و تضطهد و تسحق بقيّة الإنسانيّة ... عالم يتحرّك صوب إلغاء كافة ألوان الإضطهاد و الإستغلال و كافة العلاقات بين الناس و الأفكار القائمة على و المعزّزة لذلك الإستغلال و الإضطهاد . و كجزء من النضال راهنا في سبيل هذه الثورة ، نحتاج إلى معارضة التهديات و التحرّكات الحاليّة الخبيثة – و الخطيرة للغاية – التي تقوم بها الإمبرياليّة الأمريكيّة ضد فنزويلا .
-------------------------------------------------------------------
لهوغو تشافيز إستراتيجيا نفطية ... لكن هل يمكن لهذا أن يقود إلى التحرّر ؟
لريموند لوتا – " الثورة " عدد 94 ، 1 جويلية 2007
أعادت نشره " أخبار عالم نربحه " بتاريخ 18 مارس ( 2013)
ملاحظة الناشر :
هذا الأسبوع تنشر جريدة " الثورة " هذا المقال لريموند لوتا وهو جزء من تحليل أشمل تعمل على تطويره مجموعة كتابة حول هغو تشافيز و ما حدث فى فنيزويلا منذ صعوده إلى السلطة سنة 1998 .
طبيعة " الثورة البوليفارية " لتشافيز موضوع ذو أهمّية كبرى يناقش على نطاق واسع ضمن التقدّميين و الناس الراديكاليين . لقد طبّق تشافيز حشدا من الإجراءات الإجتماعية و الإقتصادية كان هدفها رفع و تحسين مستوى عيش الفقراء و المقموعين فى المجتمع الفنيزويلي ؛ و أدان الولايات المتحدة كقوّة إمبريالية متغطرسة ،و فى 2005 أعلن أنّ فنيزيلا كانت تسير وفق برنامج " إشتراكية القرن 21" . و فى الوقت الذى كانت فيه الولايات المتحدة تخوض " حربها ضد العالم " و فى الوقت الذى كانت فيه الولايات المتحدة تنشر بقوّة أجندا ساحقة و عنيفة للإقتصاد الليبرالي الجديد فى بلدان العالم الثالث ؛ جلبت التطوّرات فى فنيزويلا إهتماما كبيرا .
لكن ما هو البرنامج الفعلي لهوغو تشافيز و ما هي نظرته ؟ ما هي طبيعة السيرورة الجارية فى فنيزويلا و إلى أين تتجه ؟ هل يمثّل برنامج تشافيز بديلا حقيقيّا للإستغلال الإمبريالي ،و كريقا ممكنا للتحرّر فى عالم اليوم ؟ و ما هو معنى الإشتراكية فى عالم اليوم المعولم ؟
وجهة نظرنا هي أنّ " الثورة البوليفارية " لا تمثّل قطيعة جوهرية مع الإمبريالية ، و لا تجسّد نظرة أو طريقا للتغيير الإجتماعي الجذري حقّا . لكن فهم لماذا الأمر كذلك موضوع معقّد يستدعى تحليلا عن كثب . و فى التحليل الشامل الذى سينشر قريبا ، نتناول بالنقاش العوامل التاريخية التى تشكّل التطوّر الفينيزويلي و النموذج الإقتصادي الذى طوره تشافيز و دور الجيش و المؤسسات الشعبية الجديدة فى " الثورة البوليفارية " ، و القوى الإجتماعية و الطبقية المنخرطة و القائدة لهذه الحركة ، و النقاش الأوسع حول " إشتراكية القرن 21 " و التحدّات الحقيقية للقيام بالثورة فى عالم اليوم .
و بينما نجرى هذا النقد لمشروع تشافيز ، فإنّ هذا لا يحول بأية طريقة دون وقوفنا إلى جانب الشعب الفنيزويلي و معارضتنا التامة لأية محاولات للإمبريالية الأمريكية تهدف لتقويض نظام تشافيز أو أي عدوان سافر ضدّه .
يركّز المقال الذى ننشر فى هذا العدد على الإقتصاد النفطي الفنيزويلي . و من هنا ننطلق لأنّ النفط كان محوريّا للغاية فى الهمنة التاريخية للإمبريالية على فنيزويلا و فى تطوّرها الإقتصادي – الإجتماعي ،و لأنّ النفط يمثّل محور برنامج هوغو تشافيز لإسترداد السيادة و تغيير المجتمع الفنيزويلي .
هدفنا هو المساهمة فى فهم الآخرين و التعلّم من تحليلهم ، و تعميق الحوار و النقاش بصدد هذه المسائل الحيوية .


فى 1997 ، سنة قبل إتخابه كرئيس ، هاجم هوغو تشافيز الفئة الصفوة الحاكمة القديمة على هذا النحو: " النفط سلاح جغرافي – سياسي و هؤلاء الأغبياء الذين يحكموننا لا يدركون قوّة بلاد منتج للنفط ".(1)
و عرض فكره الإستراتيجي بشأن النفط فى حوار صحفي سنة 2006 : " نطبّق اليوم برنامجا إستراتيجيّا يسمّى مخطّط بذر النفط أي ‘ستعمال الثروة النفطية لغاية جعل فنيزويلا بلدا زراعيّا ،ووجهة سياحية و بلدا صناعيّا متنوّع الإقتصاد . إنّنا نستثمر مليارات الدولارات فى البنية التحتية : مولّدات طاقة تستعمل الطاقة الحرارية ،و شبكة كبيرة من السكك الحديدية و الطرقات و الطرقات السيّارة ،و المدن الجديدة و الجامعات الجديدة و المعاهد الجديدة ، نسنصلح الأراضي و نركّب الجرّارات و نقدّم قروضا للفلاحين . و فى يوم من الأياّم لن يكون لدينا نفط ، لكن سيحدث هذا فى القرن الثانى و العشرين . لفنيزويلا نفط لمائتي سنة أخرى ". ( 2)
و غالبا ما تحدّث تشافبز عن إبعاد فينيزويلا عن التعويل المغالي فيه عن قطاع النفط إلاّ انّه مثلما تشدّد المواقف أعلاه و السياسات الماموسة ، سيتواصل النفط لبعض الوقت ، بالتأكيد على المدى المتوسّط ، أساسا للإقتصاد و حجر الزاوية فى السياسة الخارجية لفنيزويلا .
أي صنف من الموارد ؟
لا شكّ فى أنّ لفنيزويلا ثروة نفطية طائلة فهي تمتلك أوسع موارد نفطية متعارف عليها فى الجانب الغربي من كوكبنا . ( أكثر ثلاث مرّات من الموارد المكتشفة لدى الولايات المتحدة )؛ و لها حسب بعض التقديرات موارد لم يقع بعدُ إستعمالها فى حزام البلاد باورينوكو قد يتجاوز موارد العربية السعودية . و لا شكّ أيضا فى أنّ عائدات النفط تناهز مستويات تاريخية تقريبا ، بمستوى 65 دولار البرميل .
لكن لماذا يُعتبر النفط كمجال للإستثمار و كأداة تمويل بالبترودولار " ذهبا أسود "؟ لقد أضحى النفط مصدرا للثروة الإنتاجية و المالية فى إطار نوع من العلاقات الإنتاجية – الإجتماعية القائمة إذ أفرز نموّ الرأسمالية العالمية و توسعها المعاصر هيكلة صناعية – فلاحية تتأسّس على الربح و تعتمد بصورة كبيرة و غير متناسبة على المصادر غير القابلة للتجديد ، النفط كإستثمار إقتصادي أساسي أثرت أسعاره العالمية على تكلفة الإنتاج و الأرباح و الإمتيازات التنافسية .فى فترة ما بعد الحرب العالمية ، نمت الصناعات المعتمد ة على النفط و المرتبطة به مثل صناعة السيّارات و الصناعات البتروكيميائية و البلادستيكية . و علاوة على ذلك ، يشكّل التنقيب على النفط و إستخراجه و تكريره و تسويقه قطاعا مربحا جدّا من الإقتصاد العالمي . (3) .
كان المسار التاريخي للتطوّر المدفوع بالنفط فى ظل الرأسمالية العالمية مدمّرا لحياة البشر و بيئة الكوكب . إنّ نماذج الإنتاج و الإستهلاك فى البلدان الرأسمالية المتقدّمة - حيث يعيش ربع سكّان العالم لكنهم يستهلكون ثلاثة أرباع المصادر العالمية – تنتهى الآن إلى أزمة بيئية شاملة . و لن يكون إقتصاد عالمي عادل و عقلاني منظّما لا حول هيكلة إجتماعية من الإستغلال و اللامساواة و لا قائما على هذا النوع من الأسس من المصادر التقنية غير الدائمة .
و بات النفط فضلا عن ذلك ، سلاحا فى السياسة العالمية . وهذا أيضا من توظيفات الإمبريالية . علاقات القوّة جزء لا يتجزّأ من الإمبريالية . و مراقبة المصادر تورث ميزة جغرافية سياسية و هيمنة جغرافية سياسية – بفضلها تكسب بعض القوى إمتيازات و إمكانيات فريدة فى بلوغ الموارد الطبيعية و القدرة على التحكّم فى الإقتصاديات و الدول الأخرى . لقد كان النفط موضوع تنافس و صدامات و غزوات إمبريالية ، بما فى ذلك عبر حروب محلّية قريبة . و كان النفط على حدّ السواء وسيلة لدفع أنظمة الإستعمار الجديد و التحكّم فيها و فى المداخيل النفطية و الفساد مثلما هو الحال فى نيجيريا . و الآلة العسكرية العالمية – الإمبريالية الحديثة قوامها النفط .
النفط و فينيزويلا :
لقد لعبت فينيزويلا دورا تاريخيّا معيّنا فى التقسيم العالمي للعمل : دور مصدر إستراتيجي للنفط . و العامود الفقري لإقتصاد نظام دولة فنيزويلا المعاصرة كان الحصول على الريع من الشركات النفطية و الآداءات للسماح لها بإستخراج النفط من الأرض . طوال نصف القرن الماضي ، كانت مداخيل النفط تدفع نحو نمط من النموّ و التطوّر فى فنيزويلا و تحجزها ضمن إقتصاد نفطي تهيمن عليه الإمبريالية الغربية .
إنّ النفط بإنفجاراته و تراجعاته ، أعاد تشكيل البلاد جغرافيّا و سياسيّا . فكاراكاس ، عاصمة فنيزويلا ، تاضعف حجمها و أكثر بين 1920 و 1936 و تضاعف مجدّدا بين 1936 و 1950. ثمّ تضاعف بثلاث مرّات بين 1950 و 1971 . و خلق الإقتصاد النفطي طبقة وسطى جديدة مرتبطة بالدولة و بتوزيع نفقات النفط ، بينما توسعت مدن الصفيح حيث يقطن الفقراء النازحين من الريف و تغلغلت تماما إلى منحدرات كاراكاس الغربية الطينية . و اليوم يعيش تقريبا 90 بالمائة من سكّان فنيزويلا فى المدن و يعيش نصف سكّان كراكاس فى أحياء قصديرية . و من إنعكاسات التأثيرات المشوّهة للنفط للهيكلة الإقتصادية و الإجتماعية لفنيزويلا هناك النموّ الواسع " الإقتصاد غير الرسمي " فى المدن : المشغلين لأنفسهم فى المدن ( مثل الباعة المتجوّلين و الباعة على أرصفة الطرقات ) و عمال يقدّمون خدمات غير مسجّلة . (4).
لقد أنتج النفط و ثبّت مسار تطوّر يتميّز ببون إقتصادي و إجتماعي شاسع : بين إنتاجية قطاع النفط و عدم إنتاجية سواه من القطاعات ، بين تطوّر المناطق الريفية و المدينية ، بين الأغنياء و الفقراء ، فى المدن و الأرياف .
و لنعد خطوة إلى الوراء . من 1958 إلى 1998 ، كسبت فنيزويلا حوالي 300 بليون دولار مدخيلا للنفط . ما الذى عناه ذلك بالنسبة إلى الجماهير الشعبية فى فنيزويلا و أي نوع من التطوّر نجم عن الإرتباط بديناميكية الإقتصاد الإمبريالي العالمي و الصناعة النفطية العالمية ضمنه ؟
لقد خنق فعلا إنتاج النفط أي توزيع له دلالته فى القطاع الصناعي . و غالبية البنية التحتية الجديدة المشيّدة بين 1960 و 1980 تتداعي جراء نقص فى الصيانة . و إنضاف إلى الفيضانات و الإنزلاقات الطينية خطر عملية التمدين العشوائية التى إكتسحت المدن . و المخاطر الصحّية تشلّ مدن الصفيح أين يحيى 60 بالمائة من سكّان المدن الفنيزويلية . و عدد الناس الذين يعيشون فى فقر رسميّا تضاعف تقريبا بين 1984 و 1995 ؛ و اليوم ، أكثر من نصف السكّان العاملين يشتغلون فى الإقتصادغير الرسمي الهشّ . (5).
لقد ندّد هوغو تشافيز بأوليكاركية إفتصاد النفط و بالفساد و الرشوة و منتهى تألّق الثروة و بجابنه إستشراء الفقر . و تحدّث عن الحاجة إلى إعادة إحياء الإقتصاد الفلاحي . لكن هل يمكن لشكل مختلف من الإقتصاد النفطي أنينتج بديلا عادلا وفعّالا للنموذج الإقتصادي الليبرالي الجديد و أن يقود إلى الإشتراكية ؟ و بالضبط إلى أي مدى سيختلف مثل هذا الإقتصاد إن كان يتطلّب ضخّا كبيرا للإستثمارات الرأسمالية الأجنبية و مجازفة فى لعبة أسواق النفط ؟
برنامج ليس بوسعه القطع مع الوضع السائد ؛ برنامج تنخره التناقضات :
لقد رهن تشافيز نجاح برنامجه للعدالة الإجتماعية و تنويع الإقتصاد على المداخيل النفطية . شعار عمله الإقتصادي الأساسي ، مثلما كرّر ذلك فى عديد المناسبات ، هو " بذر النفط " . وهي جملة و برنامج مثّلا جزء من الخطاب و السياسات الوطنية الشعبوية منذ أواسط ثلاثينات القرن العشرين : يجب أن تزيد الحكومة من سيطرتها على المداخيل النفطية و تستعمل الثروة النفطية لتشجيع التطوّر و تسمح لعدد أكبر من الناس بتقاسم نِعَم النفط . و يعوّل تشافيز على أسعار نفط عالية متصاعدة تشدّ أزره لتغطية المصاريف المتنامية للحكومة و على الحضور المتزايد للدولة فى الإقتصاد و على الأسعار المدعومة لبعض المنتوجات المحلّية ( أساسا الغازولين ) و لكن أيضا السلع الإستهلاكية المستوردة ، بما فى ذلك المواد الغذائية ) . فى 2004 ، 1.7 بليون دولار منميزانية الشركة التى تملكها الدولة منح لصندوقالبرامج الإجتماعية ،و بعد ذلك بقيليل صار 4 بليون دولار سنويّا .(6).
بعد إعادة هيكلة إدارة شركة النفط التابعة للدولة ، توجه تشافيز إلى العمل على ثلاثة محاور للرفع إلى أقصى حدّ من مداخيل النفط حسب برنامجه . لقد بحث عن توسيع إنتاج النفط .
وهو يبحث عن توسيع ملكية الدولة و حصص الحكومة من المرابيح و الإكراميات الملكية و الأداءات المتأتية من النشاط الأجنبي على الأراضي الفنيزويلية فى القطاع الكيميتوي ( النفط و الغاز الطبيعي و الفحم الحجري ) . وهو يبحث عن أسواق جديدة للنفط بغاية مزدوجة هي إستيعاب المنتوج الموسّع و كسند ضد ضغط الولايات المتحدة و ردّ فعلها الممكنين. و هذه ليست مجرّد أساليب تقنية للإدارة الإقتصادية ، إنّها مرتبطة بمنطق رأسمالي ، وهي تحفل بتناقضات تطوّر تابع تقوده الإمبريالية .
بشأن المسألة الأولى ، يدعو المخطّط الخماسي الإستراتيجي ( مخطّط " بذر النفط " ) فى مرحلته الأولية من 2005 إلى 2012 ، إلى رفع الإنتاج من المستويات الحالية ( 2006 حسب التقديرات ، بين 2.8 إلى 3.3 مليون برميل يوميّا ) إلى 5.8 مليون برميل من النفط يوميّا فى 2012 . و فى صناعة الغاز ،و قع التخطيط أيضا لتطوّر مشابه .
قدّرت شركة البترول التى تملكها الدولة " بترول فنيزويلا " سنة 2006 أنّ هذه المرحلة من التوسّع تتطلّب حوالي 75 بليون دولار لتمويل الإستثمار الجديد. من أين ياتي هذا المال ؟ غالبيته ستأتى من شركة النفط التابعة للدولة . و يتوقّع أن توفّر مصادر خارجية و أخرى خاصة حوالي 25 إلى 30 بالمائة : قروض من البنوك تعادل مداخيل النفط المتوقّعة ، و إستثمارات من شركات النفط الأجنبية فى فنيزويلا . (7) .
يعوّل تشافيز على الإنتاج المتنامي لما يسمّى الحزام النفطي لأورينوكو وهي منطقة تقع وسط البلاد تمتّعت بإستثمارات كبرى من طرف الشركة التابعة للدولة و العاملين الأجانب فى الميدان ، مثل آكسون موبيل ،و كونوكوفليبس و شركة طوطال الفرنسية . منذ تسعينات القرن العشرين ، إستثمرت هذه الشركات الإمبريالية العالمية أكثر من 17 بليون دولار يمكن أن تكون قيمتها إرتفعت إلى 30 بليون . و إستخراج هذا النفط الخام الثقيل جدّا و تكريره يستدعيان إستثمارا باهض الثمن فى آلات ثقيلة ،و معالجة و مركّبات تخزين . و المعالجة الجزئية للنفط على عين المكان لجعله سائلا بما فيه الكفاية للمروو عبر القنوات ، تنتج قدرا هائلا من إتلاف الآلات .
هناك تناقض حاد . من جهة ، يجب على الدولة أن تستخرج مواردا مالية من الصناعة النفطية لإنجاز مخطّطاتها للتطوّر و النفقات الإجتماعية ( و بصفة متصاعدة تدعيم القاعدة السياسية لنظام تشافيز ) . و من جهة أخرى ، يجب عليها أنتستثمر لتحافظ على القدرة التنافسية للصناعة النفطية كمؤسسة رأسمالية فى السوق الرأسمالي العالمي . ( 8 ) .
مجدّدا يوجد هنا صراع كبير . فى السنتين الأخيرتين ، إستهلكت بعض المشاريع الإجتماعية قسما ضخما من ميزانية الشركة التابعة للدولة أكبر من النفقات على الصيانة و القدرة النفطية الجديدة . و يضع هذا الإنفاق الإجتماعي للحكومة حدودا للإستثمارات المطلوبة فى القطاع النفطي . و قول إنّ إستثمارات " مطلوبة " ليس إصدار موقف تقني محض و إنّما الإستثمارات " نطلوبة " من وجهة نظر إقتصاد مصدّر للنفط و ما تفرضه السوق العالمية – تحسين الجدوى و تعويض الإنهيارات الممكنة فى الأسعار بإستثمار واسع . و نظرا لكون آبار النفط الفنيزويلية جدّ قديمة ، فإنّ الإنتاج يتراجع ب 23 بالمائة سنويّا – و بالتالي من الضروري حفر آبار جديدة فقط للحفاظ على المقدرة الإنتاجية . (9) و هناك ضغط المنافسة على السوق العالمية وهي تشتدّ جراء المستويات المنخفضة من الإستثمار فى قطاع النفط الفنيزويلي مقارنة ببلدان أخرى منتجة للنفط لتطوير الصناعة و توسيعها و للحفاظ على نسبة الربح.
لئن تقدّمت الإستثمارات الأجنبية لتمويل القسم الأعظم من مخطّط " سيمبرا " ( بذر النفط ) ، سيحمل هذا الإستثمار معه سيطرة حقيقية و يضع رافعة حقيقية بأيدي هؤلاء المستثمرين الأجانب . و من المهمّ أن نتذكّر هذا . ليست فنيزويلا خارجة عن قاعدة السيادة الشكلية على نفطها . فثلاثة أرباع موارد النفط و الغاز العالميين و نصف الإنتاج العالمي تسيطر عليها شركات النفط التابعة للدولة الوطنية مثل آرامكو السعودية و نفط الكويت و الشركة التابعة للدولة الجزائرية . لكن شركات نفط الدول الوطنية تعوّل على التمويل العالمي و تعمل وفق قنوات التجارة و السوق العالميين و تتعاون مع شركات النفط العالمية المرتكزة فى الغرب مثل آكسون موبيل . و لهذه الشركات العالمية و شبكاتخدماتها ميزة تنافسية قويّة : على مستوى المدى و القدرات الإدارية و التقنية و الإمكانيات المالية و المساندة التى تتلقّاها من قبل الحكومات الإمبريالية الغربية ،و القدرة على رفع التحدّيات فى بلد مثل فنيزويلا .
وبشأن المسألة الثانية فى برنامج تشافيز النفطي أي الترفيع فى الأداءات و الإكراميات الملكية نقول إنّ فى أفريل 2006 ، أعلن تشافيز نيّته أن يرفع من حصّة الشركة النفطية التابعة للدولة فى المشاريع الكبرى من 40 بالمائة إلى ستين بالمائة . و أخذت حكومة تشافيز تخلق أشكالا جديدة من الشراكة ( ما يسمى الآن " الشركات المشتركة") مع شال و شوفرون و بريتش بتروليوم و غيرها . المصادر النفطية و الأرباح ملكية مشتركة فى شكل شركات موحّدة جديدة – فقط الآن تحصل الحكومة الفنيزويلية على قسط أعلى من الأرباح نسبة لما كان يحدث سابقا بينما تتمتّع الشركات النفطية الأجنبية ذاتالإستثمارات الكبرى بأسعار النفط العالية و بالتنقيب عن حقول نفط مربحة جديدة . و فى نفس الوقت ، تفاوضت الحكومة مع ال22 شركة أجنبية عاملة بفنيزولا لبلوغ إتفاق حول قانون أداءات جديد له مفعول رجعي .
فى غرّة ماي 2007، شدّد تشافيز على إنذاره الأخير للشركات الغربية إ/ّا أن تقبل بقسم أكبر من الملكية لحساب الحكومة الفنيزويلية و إمّا أن توقف عمليّاتها . قد يكون تشافيز مفاوضا صعب المراس ( و قد نجح فى الحصول على نسبة أكبر من المداخيل النفطية المرتفعة من الشركات التى تريد البقاء وهي مستعدّة لتعويض الخسارة فى قيمة إستثماراتها و الحصول على أرباح طائلة ). و فى نفس الوقت ، للإبقاء على هذه المشاريع عاملة و للمضي قدما فى مخطّطات التوسيع ، يتعيّن على تشافيز أن يبلغ نوعا من التفاهم مع الرأسمال الأجنبي بما أن هذه الشركات توفّر التمويل و التقنية الأساسيين . لذا تمّ التلطيف من تهديد إيقاف العمليّات مع إلتزام بتعويض الشركات . ( 10).
و المسألة الثالثة فى برنامج تشافيز النفطي هي إعادة هيكلة علاقات التجارة الخارجية لفنيزويلا بعيدا عن التبعية للولايات المتحدة كسوق و مصدر للرأسمال المستثمر و المهارة التقنية . تعدّ فنيزويلا مصدر أكثر من 12 بالمائة من ما تورّده الولايات المتحدة يوميّا من النفط وهي تنهض بدور إستراتيجي معيّن فى قدرة الولايات المتحدة على مدّ سلطتها فى العالم . لكن الوجه الآخر من المعادلة أكثر دلالة إذ هي تسجّل مظهرا من التبعية الهيكلية لفنيزويلا : 12 بالمائة من واردات الولايات المتحدة من النفط تساوي بالنسبة لفنيزويلا 60 بالمائة من مجمل صادرات فنيزويلا النفطية ! ( 11)
عند البحث عن تنويع الأسواق ، فتح تشافيز باب التفاوض مع الصين و خطّط لأن تبيع فنيزويلا النفط للصين ، ثاني أكبر مستهلك عالمي للطاقة ، و إلى الهند أيضا . إلاّ أن خدمات هذه الأسواق مكلفة جدّا . و ليس لفنيزويلا ميناء يطلّ على المحيط الهادي و ليس بوسع البواخر الكبرى المرور عبر قناة الباناما , لذا ستحتاج فنيزويلا إلى بناء قنوات عبر موكمبيا لأجل تحميل النفط بالبواخر . و النقل البحري إلى آسيا مكلف بإعتبار المسافات الطويلة المعنية . وفضلا عن ذلك ، ليست للصين القدرة المناسبة لتكرير الضغط الخام الفنيزويلي الغني بالكبريت . و الصين تستثمر حجما كبيرا من المال لرفع قدراتها لكنّها أيضا تنقّب عن النفط و الغاز قرب سواحلها جنوب بحر الصين وهي تتصيّد كذلك صفقات فى منطقة بحر قزوين .
إنّ العلاقة مع الولايات المتحدة عقدة صعبة للحلّ بالنسبة لتشافيز لا سيما إذا كان النفط هو حجر زاوية التطوّر . هناك فرب مسافة سوق الولايات المتحدة و إنخفاض تكلفة النقل . و هناك مصانع تكرير النفط فى الولايات المتحدة وهي مناسبة لتكرير نفط فنيزويلا . و لا تزال الولايات المتحدة أهمّ شريك تجاري لفنيزويلا ( و التجارة بين البلدين إرتفعت ب 36 بالمائة فى 2006). هذا ضغط من الضغوط الممارسة على تشافيز للإبقاء على علاقات إقتصادية مستقرّة مع الولايات المتحدة (12) ، حتى و إن كانت للولايات المتحدة مخطّطا أخرى .
و جزء من إستراتيجيا تشافيز للتنويع يشمل إستدعاء الشركات الأجنبية من خارج الدائرة التقليدية للشركات الكبرى الغربية للإستثمار فى الصناعة النفطية الفنيزويلية و للمساهمة فى مخطّطها لمشروع غاز قاري يمتدّ من فنيزويلا وصولا إلى الأرجنتين جنوبا . و يشكّل هذا جزءا من جهود تشافيز لخلق المزيد من الإستثمار و العلاقات التجارية المتبادلين . يغازل تشافيز شركات من الهند و الصين و روسيا و أماكن أخرى . ويرحّب تشافيز بمخطّطات الإستثمار فى أمريكا اللاتينية على أنّها مناهضة لمشروع الولايات المتحدة لدمج المنطقة.
لكن سواء كان ذلك فى فنيزويلا أو أي مكان آخر فى أمريكا اللاتينية ، جوهر هذه المشاريع هو إستثمار شركات رأسمالية ...وفق طرق الإستغلال الرأسمالية ... تقاس بمعيار الربح الرأسمالي . و لهذه المشاريع تبعات إجتماعية هائلة على السكّان المحلّيين بما فى ذلك نقل السكّان الأصليين من مناطق سكنهم . و لها تداعيات بيئية ضخمة .( 13).
يجب على تشافيز أن يضمن للمستثمرين القدامي لمدّة طويلة و الجدد بيئة معدّة للقيام بالعمل مستقرّة نسبيّا . و من الأمور المعبّرة أنّ نظام تشافيز قد إعتبر القطاع النفطي " صناعة إستراتيجية ". المتحكّم فى هذا القطاع هي الإدارة التى تعيّنها الدولة ( فهي صناعة حيث تمنع مشاركة العمّال ، أمّا حدودها و طبيعتها الحقيقية فسنناقشهما فى الآتي من مقالات هذه السلسلة ).
و قد أبدى مناصر لتشافيز ذو فكر نقدي ملاحظة مفادها : " توفّر " المشاريع التجارية المشتركة " واقع محقّق للذين تعوّدوا على حمية من خطابات تشافيز ... لكن فى الأوضاع الراهنة ، من التناقض الظاهري ، قد يكون إتفاق فوستيان مع الرأسمال الأجنبي ضروريّا لإبعاد قوى الإمبريالية [ ضغوطات الولايات المتحدة و تدخّلاتها ] عن ظهر فنيزويلا " (14).
و هذا يمسك بالكثير من " أفضل " الفرضيّات بشأن إستراتيجيا تشافيز للتطوّر المعتمد على النفط . لكن " أفضل " الفرضيّات هذه تنهض على عدم فهم الإمبريالية . مهما كان عدد أنصار تشافيز راغبون فى تغيير إجتماعي حقيقي ، فإنّ الماء البارد " للواقع المحقّق " جدير بمزيد المتابعة .
التطوّر السجين فى عصرنا الراهن :
تتمظهر الإمبريالية ليس فحسب من خلال الغطرسة الإقتصادية أو التهديد و التدخّل العسكريين – و النشاط العسكري للولايات المتحدة ضد فنيزويلا غير " مستبعد " بتاتا .إنّها تتمظهر كذلك من خلال هيكلة سير الإقتصاد العالمي و الهيكلة الإقتصادية و الإجتماعية لفنيزويلا تعكس و تعزّز التعويل على النفط و التبعية للسوق العالمية .
يواصل تشافيز إنتهاج منوال من التنمية يقوده التصدير و يتمحور حول الصناعة النفطية . لا عقلانية إقتصاد متلائم أيما تلاؤم مع النفط تجد تعبيرها فى كون 20 بالمائة فقط من الإنتاج النفطي العام لفنيزويلا يساهم فى الإقتصاد المحلّي . (15) كما يجد تعبيره فى كونه بينما الشركة التابعة للدولة الفنيزويلية هي أكبر مشغّل وحيد فى البلاد ، ب 45 ألف مسجلين ، فإنّ التشغيل فى قطاع النفط يُقدّر بأقلّ من 1 بالمائة من قوّة العمل الجملية لفنيزويلا . ( 16 ) و يجد تعبيره أيضا فى كونه بالرغم من إرتفاع أسعار النفط و المرابيح ، فإنّ البطالة رسميّا فى فنيزويلا تتراوح بين 8 إلى 15 بالمائة فى سنوات تشافيز ، بنسبة فقر 30 بالمائة فى بداية 2007 . (17).
هذا إقتصاد مشوّه بعمق : اليوم ن يعدّ قطاع النفط وهو مؤشّر لمدّة طويلة قبلا ، حوالي ثلث الإنتاج القومي الخام لفنيزويلا ، و 50 بالمائة من مداخيل الحكومة و 80 بالمائة من مداخيل صادرات فنيزويلا. وهي أحد أكبر المنتجين فى العالم ، فنيزويلا من أكبر نافثى غازات الكربون فى أمريكا اللاتينية و لها أعلى نسبة للفرد الواحد فى نفث الكربون . (18)
إقتصاد تصدير النفط يعنى شكلا من التطوّر السجين . فمثل هذا التطوّر يستجيب إلى مصادر ديناميكية إقتصادية خارجية : سوق النفط العالمي ، و شروط طلب الإقتصاديات الكبرى الإمبريالية و المناطقية ، ولنسق و توجه إنسياب رأس المال إلخ . و مثل هذا التطوّر للرأسمال الكثيف و لتصدير سلعة واحدة حاجز يحول دون التطوّر المندمج و الشامل للفلاحة و الصناعة فى البلد المصدّر .
هنا من الضروري تحليل المظهرين المرتبطين بالتطوّر التبعي : التشوه و التعرّض الشديد لمضار السوق العالمية .
فى الأمم المضطهدة ، يتطلّب القطاع النفطي إستثمارا ضخما فى التجهيزات و التقنية المتقدّمة . و هذه المطالب التقنية تلبّي بصورة غير متناسبة من خارج الإقتصاد – الكثير من التقنية المتقدّمة التى يقتضيها قطاع النفط سواء تورّد ما يتطلّب تبادلا خارجيّا للحصول على ثمن السلع الرأسمالية المورّدة أو يتمّ الحصول عليها منخلال الشركات التجارية المشتركة ( شركات النفط الأجنبية المعنية ،مثل هاليبورتن ، توفّر التقنية محلّيا أو تقتنيها من السوق العالمية ).
و إضافة إلى ذلك ، لا يمكن نشر غالبية هذه التقنية و أقلمتها عبر الإقتصاد لتثوير الإنتاج الإجتماعي . و مردّ هذا سببان إثنان . أوّلا ، الكثير من التقنية المختصّة فى تكرير النفط و التقنية الهندسية للنفط لا تتماشي مع جميع ظروف التطوّر الإقتصادي – الإجتماعي . ثانيا ، حتى حيث يمكن أن تككون لبعض هذه التقنية تطبيقات مفيدة مباشرة و غير مباشرة ، لا توجد هيكلة إقتصادية واسعة التركيز يمكن أن تضاف إليها الفوائد – بالضبط لأنّ للتركيز على النفط تطوّر حدوده مفروضة فرضا.
و قطاع النفط ليس يحثّ بصفة ذات دلالة على طلب جديد لمنتوجات صناعية محلّية ،و لا هو يفرز رفعا إجتماعيّا فى القدرات المفيدة لقوة العمل عموما . لا وجود لسيرورة تطوّر فلاحي صناعي تعزّز القدرة المحلّية على التعويل على التقنية و أقلمتها . و هذه هي تبعات التطوّر السجين المعتمد على النفط. (19).
فى ظلّ تشافيز ، كانت شركة النفط التابعة للدولة تبحث عن إتفاقيات مع الشركات النفطية الأجنبية واضعة شرط الدخول إلى فنيزويلا إستعمال معدّات نفطية محلّية . لكن بما أنّ الموارد النفطية إستنزفت، و بما أنّ صيرورة و إستخراج و تكرير النفط الخام الفنيزويلي الثقيل و الغني بالكبريت صارت عمليّة تواجه تحدّيات متفاقمة ، تظهر الحاجيات غلى تقنية جديدة . و نظرا لأنّ الطلبات تلبّي بتقنية اكثر إختصاصا و مهارة ، فإنّ البون التقني بين قطاع النفط و بقية الإقتصاد يعاد إنتاجه على مستوى جديد . (20).
و فى نفس الوقت ، فإنّ الميناء الكبير و تسهيلات القنوات و إستثمارات أخرى فى البنية التحتية لتسهيل التصدير و إستخراج النفط و الفحم الحجري و نقلها بحريّا لا يستجيب للحاجيات العامة للإقتصاد- مرّة أخرى لأنّها تخدم هذه المشاريع الأكثر إنغلاقا على الذات و الموجّهة نحو الخارج مثل مشاريع الحزام النفطي لأورينوكو .
و مثلما سبقت الإشارة ، يساهم قطاع النفط عموما بجزء بسيط من التضغيل العام . فإستثمار شوفرون الضخم ب 3.8 بليار دولار فى الحزام النفطي لأورينوكو فى البداية خلق 6000 موطن شغل – و مع نهايته ، سيحتاج المشروع ل 700 عامل قار فحسب .
هذه مظاهر الطابع السجين للتطوّر المعتمد على النفط . لكن هنا يوجد إشكال : تأثّرت الهيكلة العامة الفلاحية الصناعية بعمق و سطّحها قطاع النفط . هناك لاتكافئ شديد بين مستويات الإنتاجية و الأجور و الديناميكية التقنية لقطاع نفطي حديث و القطاعات الأخرى من الإقتصاد ، و مثلما سيتمّ نقاش ذلك بإقتضاب ، للصناعة النفطية تبعات سلبية على الفلاحة المحلّية و إنتاج المواد الغذائية. و فى نفس الوقت، بناء قطاع النفط التابع للدولة الرأسمالية يعزّز المصالح الطبقية و القوى الطبقية التى لها مصالح قويّة فى الحفاظ على الهيكلة الإقتصادية العامة المهيمنة .
يقتضى تطوير قاعدة فلاحية يمكن أنتلبّي الحاجيات الغذائية للمجتمع و توفّر التشغيل فى الريف و تتطوّر من خلال روابط التعزيز المتبادل مع هيكلة صناعية مندمجة و متوازنة ، يقتضى :
أ- تمويل و أولوياّت مختلفين جدّا فى ما يتصل بالموارد الموضوعة فى خدمة حاجيات المستغَلين و المضطهَدين الآن ، و
ب- القطع مع المنطق الإقتصادي و التوجّهات الهيكلية و الضغوط المحلّية و ضغوط نظام السوق الرأسمالي العالمي ( ما يطلق عليه الماركسيّون قانون القيمة ).
ضغوطات الإقتصاد العالمي و تضييقاته :
و هذا يجرّنا إلى المظهر الثاني من التطوّر المعتمد على النفط . قطاع النفط هو نقطة الوصل الرئيسية بالإقتصاد العالمي .إنّه ينقل الأسعار العالمية و يحدّد نسب العملة الأجنبية . وهو يفرض فعاليّات تنافسية عالمية على الإقتصاد الفنيزويلي : يجب على قطاع النفط أن يسير وفق مستويات معيّنة من الإنتاجية ما يفرض إستثمارات و أنظمة إستغلال فعّالة للعمّال . و تنتقل تموّجات سوق النفط العالمي إلى الإقتصاد الفنيزويلي .
ما هي بعض إنعكاسات هذا و تأثيراته ؟
لقد ولّدت الصادرات النفطية نسبة تبادل عالية تجعل من المنتوجات المحلّية الفلاحية منها أو الصناعية غير تنافسيّة فى الأسواق العالمية و المحلّية . ثمار أسعار تصدير النفط غير المنتظرة تضعف حوافز تطوير الفلاحة المعتمدة على الفلاحين و نسبة عملة أجنبية كبيرة تتميّز بمقدرة شرائية عالية تجعل " نسبة تكلفة " إستيراد السلع مثل المواد الغذائية التى يمكن أن تنتج بأسعار أرخص فى ما وراء البحار مقارنة بإنتاجها محلّيا . و قد ساهم هذا فى تحوّل اليد العاملة عن الإنتاج الفلاحي و التصنيع المحليين نحو قطاعات الخدمات و التجارة و بصفة أخصّ نحو " الإقتصاد غير الرسمي " ( لباعة الشوارع نو التشغيل غير القانوني للعمّال مع ضعف الحماية الإجتماعية ).
و قد تراجعت مساهمة الفلاحة فى الدخل القومي الخام لفنيزويلا من 50 بالمائة سنة 1960 إلى حوالي 6 بالمائة عندما غستلم تشافيز السلطة سنة 1998 . و قد إستوردت فنيزويلا تقليديّا حوالي 75 إلى 80 بالمائة من موادها الغذائية من الخارج ، رغم ثراء أرضها و مواردها المائية .( 21).
هذا هو منطق الرأسمالية العالمية وهو يواصل عرقلة تطوّر مستديم للفلاحة و ضمان إكتفاء ذاتي غذائي فى فنيزويلا. هذا هو سير قوى السوق العاملة من خلال التجارة العالمية و السلعة الإستراتيجية ، النفط ، و تأثيرهما على نسب التبادل .
لقد إستفادت إدارة تشافيز من إرتفاع أسعار النفط خمس أضعاف منذ بلوغه السلطة. و قد إرتفعت هذه الأسعار بسرعة لبعض الوقت و مكّنت النظام من توسيع البرامج الإجتماعية و تأمينها .
لا شكّ فى أنّ هذه البرامج قد جلبت بعض الفوائد للفقراء : شيء من التحسينات و لو أنّها محدودة فى ما يتعلّق بالرعاية الصحّية و الحصول على الغذاء و بعض الأشغال العمومية ووسّعت الضمان الإجتماعي و كهرباء بسعر أرخص إلخ . و قد تمتع الإقتصاد الفينيزويلي بدافع الطلب على النفط بنسب عالية جدّا من النموّ طوال السنوات الثلاث الماضية .
لكن ينبغى التشديد على شيئين إثنين :
أوّلا ، يجاوف تشافيز و يعوّل على إستمرار الإرتفاع الكبير فى الأسعار و الطلب . يجب بيع النفط بأكثر من 30 دولار البرميل حتى تصبح الإستثمارات الضخمة فى النفط الثقيل للغاية التى قام بها تشافيز مربحة . و إنهيار فى أسعار النفط ستكون تبعات كارثية على المستثمرين الأجانب و على شركة النفط التابعة للدولة و على خزينة الدولة . و يسعى تشافيز إلى جعل الإنتاج مستقرّا و الأسعار فى مستويات مربحة .
و بالرغم من تدفّق مداخيل النفط ، كان على الحكومة أن تقترض قروضا كبرى من البنوك الفنيزويلية لتغطية عجز مالي كبير متنامي ( من المنتظر أن يبلغ عجز الحكومة 5 بالمائة من الدخل القومي الخام فى 2007 ) (22). و من هذه القروض ما نجم عن قرار تعويض الشركات النفطية الأجنبية لأجل قسط أكبر من حصّة الحكومة فى عمليّاتها ( تشافيز ليس نصدد مصادرة الشركات النفطية و إنّما هو يعقد معها صفقات بغية أن يمتطي أسواق النفط ). و الطبقة الوسطى و نمط الإستهلاك المترف تتماشى و إقتصاد نفطي معتمد على الإمبريالية ، و النفقات الإستهلاكية عالية للغاية و ديون الإستهلاك تنمو مع نموّ مداخيل النفط . فى جوّ " ثمار غير منتظرة " نفطية ، تمتّعت البنوك المحلّية و الأجنبية بطفرة لا تتصوّر فى الأرباح و نسبة عائدات ب 33 بالمائة فى 2006 و صفتهاجريدة عالمية مختصّة فى البنوك ب " مثار حسد بنوك العالم " ( 23) .
و يبذل تشافيز جهودا كبيرة لتعزيز جبهة أسعار قويّة صلب الأوبيك . لكن سوق النفط عرضة لكافة أنواع التقلبات الإقتصادية و التطوّرات الجغرافية السياسية ، أهمّها أنّ الأوبيك ليست منظّمة متحدة، تحدّد الأسعار بإستقلالية . ( 24 ) .
أسواق المضاربة الحالية و " المستقبلية " المرتكزة فى نيويورك و لندن و سنغافورا تلعب الآن دورا مفتاحا فى تحديد أسعار النفط . و هناك بلدان منتجة للنفط خارج الأوبيك مثل روسيا يؤثّر إنتاجها النفطي و تسويقها على الأسعار العالمية . و هناك تنافس عالمي ضمن المناطق النفطية فى العالم . و النفط صناعة تجرى على دورات مرتهنة بالظروف الإقتصادية العالمية . بالضبط قبل تسع سنوات ، كان نفط فنيزويلا يباع بحوالي 10 إلى 12 دولاراللبرميل ( مقارنة بسعر اليوم ، أكثر من 60 دولارا ) .
بالمفهوم الجغرافي السياسي ، لن ترحّب الولايات المتحدة بأية تغيّر فى المسك بسلطة الأوبيك بعيدا عن العربية السعودية نحو فنيزويلا . ( المساومة الإمبريالية مع أمراء السعودية و شيوخ الخليج هي أن يضمنوا تزويدا مستقرّا بالنفط مقابل أن توفّر لهم الولايات المتحدة الحماية العسكرية من " الجيران " ). و فضلا عن ذلك ، عبر " تغيير النظام " و علاقات العمل الأقرب مع المنتجين فى حوض بحر قزوين و فى أفريقيا ، كانت الولايات المتحدة و أنجلترا يبحثان عن سيطرة أشمل على ظروف التزويد .
ثانيا ، لم يقم نظام تشافيز إلاّ بالقليل للتخفيف من تعويل الإقتصاد على النفط و لتنويع القاعدة الإقتصادية لفنيزويلا ، أو ليوسّع على نحو هام الإنتاج الفلاحي . " بذر النفط " قد عني بالأساس تمويل المشاريع الإجتماعية و توسيعها .
و بالفعل ، إذا أخذنا موضوع الغذاء مثلا ، فإنّ الحدود والتناقضات تصبح أجلى .فإحدى أكثر " مهمّات" تشافيز المحتفى بها ( الحملات الإجتماعية و تمويل الصحّة و التعليم و السكن و الغذاء إلخ ) هي مهمّة مركال . و قد عيّنت هدفها الإستراتيجي ضمان الغذاء وطنيّا . و يوفّر هذا البرنامج غذاء بأسعار منخفضة لفئات من الفقراء ( و لفئات عريضة فى المدن ) عبر شبكة من الأسواق و مخازن التزويد و مراكز التوزيع – التغذية. و كان هذا ليكون إجراء إستعجليّا هاما و جبت مساندته فى مجتمع ثوري حقّا.
لكنّه ليس برنامجا لضمان حقيقي للغذاء بل هو إعادة توزيع أي شكل من توزيع حصص مؤونة و تعويض فى الأسعار . ليس جزء من برنامج أشمل لإعادة توجيه جذري للإقتصاد بعيدا عن التبعية للخارج فى النفط و إستيراد المواد الغذائية . ليس جزء من مشروع إشتراكي لبناء أساس هيكلي جديد تماما لتطوّر فلاحي – صناعي متوازن و مندمج يمكن أن يوفّر حاجيات المجتمع المعيشية و الغذائية . و بالفعل ، مهمّة مركال تقوم على الإستيراد و إقتناء البضائع من ذات الشركات العالمية التى هيمنت تقليديّا على قطاع المواد الغذائية فى فنيزويلا . ( 25). و هذا تعبير مستمرّ عن نقص الإندماج الإقتصادي الداخلي لفنيزويلا .
هنا ، مثلما مع مبادرات أخرى ، سيمتدّ أي إنخفاض أو إنهيار فى أسعار النفط العالمية بصفة واسعة و مدمّرة عبر الإقتصاد و سيهدّد جدّيا هذا النوع من البرنامج الإجتماعي . من منظور القيام بثورة إشتراكية حقيقية فى أمّة مضطهَدة ، هناك مهمّة عاجلة للمرور سريعا و حيويّا نحو تحرير المجتمع من التبعية الغذائية و التشويه الهائل للأنظمة الفلاحية و الغذائية من قبل الإمبريالية . سيهاجمك الإمبرياليون وسيقاطعونك و سيسعون تماما ... إلى تجويعك .
لخّصت معالجة متعاطفة مع " الثورة البوليفارية " أنّ ط أسواق النفط العالمية مستمرّة فى كونها العامل الوحيد الأوفر تأثيرا فى تحديد آفاق السياسة الإقتصادية لفنيزويلا " ( 26 ).يمكن لتشافيز أن يصرخ فى وجه صندوق النقد الدولي لكن كيف يمثّل هذا بديلا لليبرالية الجديدة التى تملى جزئيّا ضمن ما تمليه أن يتخصّص كلّ بلد فى " ميزته النسبية " فى التقسيم العالمي للعمل ، يرفع إلى أقصى حدّ منمداخيله من التصدير ، و يستورد الغذاء الرخيص و يزوّد مداخيله من أجل التطوّر ؟
خاتمة : السعر الإجتماعي للنفط فى ظلّ الإمبريالية أم طريق آخر ممكن :
ليس النفط " ثروة " ينبغى إختطافها .فبلدان نفطية غنية من فنيزويلا إلى إيران إلى الجزائر إلى أندونيسيا شهدت طفرات فى التصدير أفرزت لامساواة و بؤسا إجتماعيا. ميزانيّات الحكومات تنتفخ بالبترودولار تداعت ( كما حصل فى فنيزويلا أواخر ثمانينات القرن العشرين و بدايات التسعينات منه). فى نيجيريا ، هناك " المكسب التقني " لبناء الرأسمال الأجنبي لبنية تحتية يمكن أن تستخرج النفط من غابة إستوائية مثقلة بالماء . – فى حين أن القرى المجاورة تعيش دون طاقة أو دون ماء نظيف . عندما عوّضت أنظمة أكثر وطنية الصفوة القديمة التى كانت عميلة و كلب حراسة لدى الإمبريالية ،مثلما حصل فى إيران فى خمسينات القرن العشرين ، لم تتردّد الولايات المتحدة فى التحرّك ضدّها . لا يجب قطع ضخّ " الذهب الأسود " لمدّة طويلة .
إنّ ثورة إشتراكية حقيقية لا تستهدف الإجتهاد من أجل توزيع أعدل لمداخيل النفط ولا تحاول تعزيز التجارة فى المنطقة و الكتل النفطية التى لا تفعل سوى المزيد من إستغلال الناس و تبذير الموارد الطبيعية ، و لا تطلب من الشركات النفطية الكبرى أن " تعترف بمسؤوليّاتها الأخلاقية و الإجتماعية " ( نعم يمكنهم الذهاب إلى موقع شوفرون تكساكو على الأنترنت فتجدوا معلومات عن البرامج التعليمية و الصحية التى أنشأوها فى فنيزويلا ) .
فالمسألة تطرح على النحو التالي : الإقتصاد النفطي المعاصر ليس شيئا محايدا متكوّن من حسابات إنتاجية و تقنية . إنّ إنتاج النفط الموجه للتصدير يدخل ضمن علاقة بالإقتصاد الإمبريالي العالمي ، إنّه مرتبط بحبال سيطرة و تبعية ، مرتبط بحبال تحدّ بشدّة من القدرات الإبداعية لجماهير الشعب . و هذه العلاقة يجب قطعها من خلال ثورة تطيح بالنظام القديم و بسلطة الدولة .
حينما تفتكّ البروليتاريا و جماهير الشعب السلطة فى المجتمعات المضطهَدة ، لا يمكن أن يكون الهدف تولّي أمر أو إعادة برمجة إقتصاد مشوّه معتمد على النفط ، إقتصاد مغلق التطوّر و يعرّض المجتمع و الحياة الإقتصادية إلى الأوامر المدمّرة للنظام العالمي . بالأحرى ، ينبغى للثورة أن تتخلّص من ذات جذور مثل هذا الإقتصاد بُعية كسر طوق السيطرة الإمبريالية و تجاوز تشويهات التطوّر الذى تقوده الإمبريالية .
عوض الإقتصاد القديم ، يترتّب بناء إقتصاد تحرّري جديد : إقتصاد أساسه ينبغى أن يكون الفلاحة ، إقتصاد له صناعة متنوّعة و لامركزية فى خدمة الفلاحة وحاجيات التطوّر الواسعة . ببناء مثل هذا الصنف من الإقتصاد فقط يمكن تلبية الحاجيات الإجتماعية الأساسية للشعب و تحقيق إكتفاء ذاتي نسبي فى عالم تهيمن عليه الإمبريالية .
ماذا سيكون دور النفط فى بلد مثل فنيزويلا ذى المواد النفطية الضخمة إن حدثت فيه ثورة إشتراكية حقيقية ؟ ستكون هناك حاجة إلى إعادة توجيه جذرية بعيدا عن موقع النفط المهيمن عليه تاريخيّا فى هيكلة الإقتصاد و سيره ز و هذا يستدعي قطعا حيويّا مع التطوّر الموجه للتصدير و المعتمد على النفط . سيظلّ النفط يضطلع بدور معيّن فى الإقتصاد إلاّ أنّ هذا سيكون مختلفا كمّيا ونوعيّا . ستبذل جهود مشتركة ومنسّقة عبر المجتمع للتقليص كثيرا من التعويل على النفط كمصدر للطاقة . و سيتجه المجتمع صوب بدائل أكثر حفاظا على البيئة لا سيما فى إستخراج النفط و تكريره ونقله إلخ ، لكن بالأساس فى تطوير طاقة متجدّدة كقاعدة للنموّ . و لن يبقى التقييم الإقتصادي – الإجتماعي أقصى درجة من الإنتاج أو أقصى المداخيل بل سيكون تطوير إقتصاد عادل ، عقلاني و مستديم بيئيا و قائم على النشاط الواعي للجماهير و خدمة المجتمع و الإنسانية ككلّ .
إنّ التطوّر الإقتصادي الإشتراكي يجب أن يخدم هدف تجاوز الإختلافات الكبرى بين المدينة و الريف ، بين الفلاحة و الصناعة ،و بين العمل الفكري و العمل اليدوي . و ينبغى على الإقتصاد الإشتراكي أن يسمح للمجتمع الثوري بأن يتصدّى للإمبريالية و يدعّم تطوّر الثورة فى أماكن أخرى من العالم . و لا شيء من هذا مكن دون سلطة دولة ثورية جديدة يمكن أن تقود هذه السيرورة إلى الأمام و تعبّئ الجماهير لإعادة صياغة المجتمع بأسره . ( 27 ).
و يعدّ تطوير الإقتصاد من هذا القبيل مهمّة معقّدة و ما سيزيد المهمّة تعقيدا هو إلغاءالسيولة الهائلة من المداخيل النفطية ، إلى جانب التعرّض للضغوطات الإقتصادية و السياسية و العسكرية الإمبريالية . بيد أنّ القضاء على التعويل على النفط و الدولة – النفطية و تبنّى إجراءات إقتصادية و إجتماعية قورية أخرى سيفتح الباب لجملة من الإمكانيات الجديدة لإنشاء إقتصاد تحرّري حقّا .
و علاوة على ذلك ، سلطة الدولة الإشتراكية ، فوق كلّ شيء هي سلطة دولة تمارسها طبقة البروليتاريا و هدفها هو إلغاء الطبقات و كلّ أنظمة الإنتاج الإستغلالية ،و كلّ العلاقات و المؤسسات الإجتماعية الإضطهادية و كلّ الأفكار و القيم التى تعكس و تعزّز إنقسام المجتمع إلى طبقات . برنامج الدولة الإشتراكية فى أي وقت معطى يجب أن يجسّد المشروع الشيوعي للمضيّ بالإنسانية فى هذا الإتجاه من خلال نضال و تغيير أوعي . (28 ).
فى ظلّ هوغو تشافيز ، تبقى فنيزويلا سجينة سجنا شديدا بين براثن الإقتصاد العالمي وبرنامج تشافيز يسير وفق قيمة الموارد النفطية فى السوق . حتى و إن وفّر هذا البرنامج تحسينا معيّنا على المدى القصير لظروف الجماهير لا يمكن أن يتواصل و لا يمكن أن يؤدّي إلى عالم يتجاوز الإمبريالية . و هوغو تشافيز لا يمثّل البروليتاريا بل يجسّد فئة من الطبقة الرأسمالية الفنيزويلية و البرجوازية الصغيرة الرديكالية التى تشجب اللامساواة الناجمة عن الهيمنة الغربية بيد أنّها لا يمكن أنتتصوّر القطيعة مع الهيمنة الإمبريالية المرتبطة بالنفط فى سير الإقتصاد الفنيزويلي و تطوّره .
========
الهوامش :
( ملاحظة من المترجم : ستجدون الهوامش باللغة الأنجليزية و مردّ ذلك أمران إثنان أولهما أنّى بهذا أوفّر فرصة أخرى للقرّاء باللغة الأنجليزية للإطلاع مباشرة على المراجع المذكورة فى لغتها الأصلية وثانيهما أنّى لم ألتمس فائدة كبيرة فى ترجمتها و قد رصدت أن الترجمة تفقد أحيانا المراجع المحال عليها قيمتها لكونها غير متوفّرة باللغة العربية و لأنّ ترجمة العناويين قد يظلّل الباحث عن متابعة الرابط الأصلي . و كان بإمكاني أن أقدم على خيار توفيقي نوعا ما أي أن أعرّب الهوامش و أردفها بالهوامش باللغة الأنجليزية وهو خيارإستبعدته هذه المرّة و قد ألجأ إليه فى أعمال قادمة كلّما رأيت ذلك ضروريّا.)
1. Cited in Nicholas Kozloff, Hugo Chavez: Oil, Politics, and the Challenge to the U.S. (New York: Palgrave Macmillan, 2006), p. 7. No original Spanish-language source available. [back]
2. Greg Palast, “Hugo Chavez,” Interview in Z, July 2006. http://www.zmag.org. [back]
3. See Larry Everest, Oil, Empire, and Power: Iraq and the U.S. Global Agenda (Monroe, Me.: Common Courage Press, 2004). [back]
4. On the growth of Caracas, see Allen Gilbert, The Latin American City (London: Latin America Bureau, 1998), pp. 7-11. [back]
5. See J.P. Leary, “Untying the Knot of Venezuela’s Informal Economy,” naclanews, December 6, 2006. http://news.nacla.org. [back]
6. U.S. Department of Energy, Energy Information Administration, Country Analysis Briefs, Venezuela, June 2004. http://www.eia.doe.gov. [back]
7. On the 2006-2012 expansion plan and its costs and financing, see the statements and interviews by PDVSA officials at http://www.pdvsa.com. [back]
8. These kinds of contradictions are pointed to in Fernando Coronil, “Magical Illusions´-or-Revolutionary Magic? Chavez in Historical Context,” NACLA Report on the Americas, Vol. XXXIII, No 6, 2000. See this article and also the highly important analysis of the historical development of the rentier oil economy and modern Venezuelan state and various incarnations of plans to “sow the petroleum” in Fernando Coronil, The Magical State: Nature, Money, and Modernity in Venezuela (Chicago: University of Chicago Press, 1997). [back]
9. See David Luhnow and Peter Millard, “As Global Demand Tightens, Oil Producer Has Agenda,” The Wall Street Journal, August 1, 2006. [back]
10. See Simon Romero and Clifford Krauss, “Deadline Nears in Chavez Fight Against Big Oil,” The New York Times, April 10, 2007 Simon Romero, “Chavez Takes Over Foreign Controlled Oil Projects in Venezuela,” The New York Times, May 2, 2007. In his July 2006 interview with Greg Palast (see zmag.org), Chavez says about the foreign oil companies, “[W]e don’t want them to go, and I don’t think they want to leave the country, either. We need each other.” [back]
11. Claude Larsimont, “Hugo Chavez, the Bolivarian Use of Petrodollars and the Oil Market,” ESISC Background Analysis 10/05/2006. [back]
12. See James Surowiecki, “The Financial Page: Synergy With The Devil,” The New Yorker, January 8, 2007, p. 26. [back]
13. On the environmental and human rights issues posed by Chavez’s petroleum and natural gas regional initiatives, see David Hallowes and Victor Munnik Poisoned Spaces: Manufacturing Wealth, Producing Poverty, http://www.groundwork.org.za, October 2006 “Open Letter to President Hugo Chavez,” Sociedad Homo et Natura, posted at http://www.na-dir-.org in April 2006. [back]
14. Steven Mather, “Joint Ventures: Venezuela’s Faustian Pact with Foreign Capital,” Venezuelanalysis.com, September 30, 2006, http://www.venezuelanalysis.com. [back]
15. Year-end data for 2006 from U.S. Department of Energy, Energy Information Administration. [back]
16. “Venezuela: Minerals,” Encyclopedia Britannica Online, http://www.britannica.com. [back]
17. Bernardo Alvarez, “Venezuela’s Global Agenda: Six More Years,” April 5, 2007, Venezuelanalysis.com, http://www.venezuelanalysis.com. [back]
18. Data from U.S. Department of Energy, Energy Information Administration, Country Analysis Briefs, Venezuela, September 2006, http://www.eia.doe.gov. [back]
19. The question of appropriate technology and whether raw materials investments spur linkages to other parts of the economy has been a long-standing topic of research and analysis on the part of radical, dependency, and Marxist theorists. The 2003 report by the Economic Commission for Latin America and the Caribbean, Foreign Investment in Latin America and the Caribbean, 2003 examines patterns of foreign investment in Latin America and questions supposed benefits and spillover effects resulting from natural resources investments. [back]
20. On new oil seismic technology and highly sophisticated secondary and tertiary recovery methods, some of which are now being used in Venezuela, see Jad Mouawad, “Oil Innovations Pump New Life into Old Wells, The New York Times, March 5, 2007. [back]
21. Food and Agricultural Organization, United Nations, “Feature: FAO in Venezuela,” 2002, http://www.fao.org/english/newsroom/news/2002/9788-en.html. [back]
22. Simon Romero, “Chavez Rattles Takeover Saber at Steel Company and Banks,” The New York Times, May 7, 2007. [back]
23. Jans Erik Gould, “Boom Times for Banks in Venezuela,” The New York Times, June 15, 2007 Mark Turner, “Banks Thriving Despite Chavez Bravado,” The Banker, March 5, 2007. http://www.thebanker.com. [back]
24. On OPEC, see Cyrus Bina, “Limits of OPEC Pricing: OPEC Profits and the Nature of Global Oil Accumulation,” OPEC Review, Vol. 14 (1), Spring 1990. [back]
25. Sarah Wagner, “Mercal: Reducing Poverty and Creating National Food Sovereignty in Venezuela,” Venezuelanalysis.com, June 24, 2005, http://www.venezuelanalysis.com. [back]
26. Chesa Boudin, Gabriel Gonzalez, Wilmer Rumbos, The Venezuelan Revolution: 100 Questions—100 Answers (New York: Thunder’s Mouth Press, 2006), p. 141. [back]
27. For Mao’s approach to self-reliant socialist development and the agriculture-industry relationship, see Raymond Lotta, ed., Maoist Economics and the Revolutionary Road to Communism (New York: Banner Press, 1994), especially chapter 7. [back]
28. See Bob Avakian, Views on Socialism and Communism: A Radically New Kind of State, A Radically Different and Far Greater Vision of Freedom, revcom.us. [back]
2
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
هوغو تشفيز و بؤس - اليسار - الإصلاحي

ناظم الماوي

الحوار المتمدن-العدد: 4034 - 2013 / 3 / 17 - 20:04
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


هوغو تشفيز و بؤس " اليسار " الإصلاحي .

" إذا أردنا أن ندرس قضية ما فعلينا أن ننفذ إلى جوهرها ، و لا نعتبر مظاهرها إلاّ دليلا يقودنا إلى عتبة الجوهر ، و إذا ما إجتزنا العتبة فعلينا أن نمسك الجوهر ، و هذه هي وحدها الطريقة العلمية المعتمد عليها فى تحليل الأشياء " .
( ماو تسى تونغ " ربّ شرارة أحرقت سهلا " 5 يناير – كانون الثاني 1930، المؤلفات النختارة ، المجلّد الأوّل ؛ الصفحة 224 من " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسي تونغ ).
مقدّمة :
أرسل لى مشكورا أحدهم مجموعة من وثائق صادرة عن بعض فرق " اليسار " التونسي متصلة بهوغو تشافيز و سألنى رأيى فيها . و نظرا لمدى أهمّية الموضوع من ناحية و إنكبابي على الإشتغال على موضوع آخر فى الوقت الحاضر ، أستجيب للطلب الملحّ و القضية الحارقة راهنا غير أنّه لن يسعنى هنا الآن إلاّ أن أصوغ جملة من الفقرات المقتضبة . و من يريد التعمّق أكثر عليه بما خطّه الماويوّن حول العالم متناولين تجربة هوغو تشافيز بالتحليل و النقد و لو أنّ معظم ما كتب من منظور بروليتاري غير متوفّر للأسف باللغة العربية .
1- من مواقف " اليسار " الإصلاحي :
ما من شكّ فى أنّ تجربة هوغو تشافيز إسترعت إنتباه عدد لا بأس به من التقدميين و الديمقراطيين و حتى الثوريين عبر العالم و يعزى ذلك إلى أنّ الرجل تمتّع بشعبية كبيرة نتيجة وعوده و بعض سياساته و إلى أنّه قد صدح بآراء غير معهودة من رئيس فينيزويلي تجاه الكيان الصهيوني و الإمبريالية الأمريكية و كذلك إلى أنّه تعرّض إلى محاولة إنقلاب فاشلة دعمتها الولايات المتحدة الأمريكية ضدّه سنة 2002 . وقد تأثّر مناضلون و مناضلات " يساريون " بما روّج عن هذه التجربة إلى حدّ تحوّلهم أحيانا إلى أبواق دعاية هم ذاتهم لمشروع هوغو تشافيز . و قد تجلي هذا بكثير من الوضوح فى بيانات منظّمات و أحزاب " يسارية " فى المدّة الأخيرة عقب وفاة تشافيز فى 5 مارس 2013 ، ناعتينه بالزعيم الأممي و القائد الوطني و الثائر و الثوري و ما إلى ذلك .
و على سبيل المثال لا الحصر ، إليكم مقتطفات من بيان الجماعة الخوجية المتستّرة ، جماعة الحزب الوطني الإشتراكي الثوري – الوطد ، التى عملنا جاهدين و لا نزال نعمل على فضح تحريفيتها – هي و غيرها من المجموعات – المعادية للشيوعية الثورية فى القطر .
ففى بيان بتاريخ 7 مارس 2013 يحمل عنوان " مات تشافيز لكنه حي فينا لن يموت " ( هكذا يبدون ملكيين أكثر من الملك ! بوليفاريين أكثر من البوليفاريين أنفسهم هؤلاء مدّعي الماركسية – اللينينية ! ) ، نعثر على :
- " رحل ... مخلفا اللوعة والحسرة والحزن في قلوب الفنزويليين و شعوب امريكا اللاتينية وكل الاحرار في العالم ." ( لاحظوا التعميم المثالي " كلّ الأحرار فى العالم " ! ).
- " كان تشافيز قائدا وطنيا وثوريا فذا ومقاوما عنيدا وشرسا للامبريالية والصهيونية و نصيرا للشعوب والامم المضطهدة و للقضايا العادلة " ( أيّها الخوجيون المتستّرون حلّلوا سياساته الإقتصادية و الإجتماعية و إثبتوا لنا ثوريته و مقاومته الشرسة للإمبريالية و ليس فقط للإمبريالية الأمريكية ، إن إستطعتم ! و لن تستطيعوا لأنّ الواقع سيسفّه أباطيلكم هذه وسيسخر منها ! ).
- " لقد مكن مسار الثورة البوليفارية التي قادها تشافيز الشعب الفنزويلي من التحكم في مصيره عبر ضمان سيادته الوطنية و السيطرة على مقدراته و موارده الطبيعية الحيوية وخاصة النفط والغاز والتي وجهت لخدمة الفقراء و البائسين من ابناء الشعب المضطهد الذين تمتعوا خلال 14 سنة من حكم تشافيز بالصحة والتعليم المجانيين كافضل ما يكون وتخفيض نسبة الفقر و البطالة الى ادنى درجاتها ليتمتع الفنزوليون بخيرات بلدهم وتحقق فنزويلا طفرة اقتصادية وتنمية غير مسبوقة بعد ان كان هذا البلد يرزح تحت الفقر و البؤس في ظل الحكومات العميلة السابقة "! ( عن أي ثورة تتحدّثون ؟ أين و متى وقعت ؟ لعلّكم على كوكب آخر ! " كأفضل ما يكون " ! هل نتحدّث عن فنزيولا تشافيز أم عن الإتحاد السوفياتي زمن لينين و ستالين ؟ لعلّكم أخطأتم البلد المقصود ! ).
- " لكنّ تشافيز لم يكتف بذلك بل اكسى الثورة البوليفارية بعدا أمميا وخطى اشواطا كبيرة على درب وحدة امريكا اللاتينية كطريق للتحرر النهائي من رقبة الاستعمار و الامبريالية " ( مرحى مرحى ، تشافيز أممي ! توحيد أمريكا اللاتينية حلم بوليفار القديم " طريق للتحرّر النهائي" [ هكذا النهائي! ] يكسي ال" ثورة " [ قالوا ] البوليفارية بعد " أمميّا " ! هذه ليست مفاهيما ماركسية – لينينية ، هذا ليس موقفا شيوعيّا. إنّنا نشهد أن لينين و ماركس من هذه التفاهات براء ، براء !).
إلى هذه الخزعبلات يؤدّى فقدان بوصلة النظرية الثورية . حقّا لا "حركة شيوعية ثورية دون ماوية !".
و ما تقدّم يثير بل يفرض علينا فرضا أسئلة جمّة على رأسها سؤالين إثنين فى منتهى الأهمية :
- هل درس الجماعة الذين يدعون الماركسية - اللينينية ، وهي منهم براء ، بالعمق اللازم هذه التجربة " البوليفارية " ليطلعوا علينا بهكذا مواقف تجافي الواقع الموضوعي ؟
- هل يدرك هؤلاء الدغمائيين التحريفيين الخوجيين كنه " البوليفارية " والفروق بينها و بين الماركسية ؟
2- لماذا تهلّل فرق " اليسار " الإصلاحي لهوغو تشافيز ؟
ببساطة تكمن الإجابة على هذا السؤال فى كون مواقف هذه الفرق و برامجها تتقاطع إلى هذا الحدّ أو ذاك مع مواقف تشافيز و برامجه . و إن كانت هذه المجموعات تدعي تبنّى الشيوعية و إن كان تشافيز صريحا فى تبنّيه البوليفارية التى لا علاقة لها لا من قريب و لا من بعيد بالشيوعية و إنّما هي فكر برجوازي وطني ، نعثر على عدّة أوجه تقاطع بين المواقف و البرامج و مردّ ذلك أنّ الفنيزولي و الإصلاحيين التونسيين من الإصلاحيّين ، لا من الثوريّين .
أ- التحوّل السلمي :
كيف بلغ تشافيز السلطة فى 1998 ؟ بلغها عبر الإنتخابات إثر إستفحال أزمة دولة الإستعمار الجديد هناك و إفتضاح فساد الحكّام و تصاعد الغضب الشعبي . و هذا الطريق " السلمي " "الديمقراطي البرجوازي " لل" تداول على السلطة " على حدّ تعبير الإصلاحيين ، هو ذات الطريق الذى تدعو إليه الآن مباشرة أو بصورة غير مباشرة تقريبا جميع الفرق الإصلاحية .
ب- عدم تحطيم الدولة الرجعية :
لم يستهدف تشافيز أصلا و أبدا الإطاحة بالدولة الرجعية ، دولة الإستعمار الجديد بجيشها و شرطتها و محاكمها و بيروقراطيتها إلخ و تعويضها بدولة جديدة ثورية . قبل بلوغ سدّة الحكم و الرئاسة لم يسعى إلى ذلك و عند بلوغه إياها كلّ ما قام به هو إدخال بعض الإصلاحات و ترميم الدولة التى فقدت الثقة الشعبية و الشرعية . وفى هذا أيضا يلتقى تشافيز مع الإصلاحيين الذين لا يرغبون فى أكثر من العمل على ترميم الدولة الرجعية القائمة مستبعدين تماما مثله الإطاحة بها و بناء دولة جديدة عوضا عنها ، دولة تخدم مصلحة تحالف العمّال و الفلاحين و الطبقات و الفئات الشعبية الأخرى وتمارس الديمقراطية فى صفوف الشعب و الدكتاتورية ضد أعداء الشعب.
ت- إنكار الطابع الطبقي للدولة :
لا تشافيز و لا إصلاحيينا يعترفان بالطابع الطبقي لدولة الإستعمار الجديد ؛ كلاهما يطبلان لحياد الدولة و كأنّها جهاز فوق الطبقات أو جهاز خارج المجتمع الطبقي و ليست جهاز قمع طبقة أو طبقات لطبقة أو طبقات أخرى . لذلك لم و لن يسعيا إلى الإطاحة بها و إنّما يقبلان بالعمل فى إطارها بغاية إستعمالها و ترميمها و إصلاحها لا غير .
ث- وطنية برجوازية لا تقطع مع الإمبريالية :
وطنية الإصلاحيين تشبه وطنية تشافيز بمعنى أنّها وطنية برجوازية لا تقطع كلّيا– و ليس من الوارد لديها أن تقطع تماما – مع النظام الإمبريالي العالمي حيث تكتفي بالقطع الجزئي و أحيانا المؤقت مع دولة إمبريالية أو أخرى و تقبل بالعمل فى إطار هذا النظام العالمي مع البحث عن شروط أفضل للتعامل معه و التموقع بحيث تحقّق شيئا من المكاسب فى هذا القطاع أو ذاك أو لهذه الفئة أو تلك .
ج – إشتراكية برجوازية :
و بطبيعة الحال إشتراكية تشافيز " إشتراكية القرن 21 " شأنها شأن إشتراكية إصلاحيينا لا تعدو أن تكون إشتراكية برجوازية فغايتها و أساليبها محدّدة بالنظام الإمبريالي العالمي التى ترغب فى التواجد ضمنه ، لا القطع معه . إنّ إشتراكية الإصلاحيين البرجوازية مهما وضعت عليها من مساحيق و مهما غيّروا تسميتها أو ألصقوها بهتانا بالماركسية نقيض للإشتراكية الماركسية الحقيقية بما هي مرحلة إنتقالية بين الرأسمالية و الشيوعية تتميّز 1- إقتصاديا بكونها نمط / أسلوب إنتاج يهدف بإستمرار إلى تقليص " الحقّ البرجوازي " و معالجة التناقضات الكبرى بين العمل اليدوي و العمل الفكري ؛ و بين المدن و الأرياف ، و بين العمّال و الفلاحين ...قصد تجاوزها جميعا و تجاوز المجتمع الطبقي بأحزابه و دوله مع بلوغ الشيوعية عالميّا ، و 2- سياسيّا بسلطة البروليتاريا و ممارسة دكتاتورية / ديمقراطية البروليتاريا و ما تعنيه من ديمقراطية فى صفوف الشعب من جهة و دكتاتورية تجاه البرجوازية القديمة و الجديدة التى تنشأ فى ظلّ الإشتراكية بفعل تناقضات المجتمع الإشتراكي ذاته.
3- تجربة تشافيز " البوليفاري " إصلاحية و ليست ثورية :
أ- " اليسار " الإصلاحي و منهج التحليل المنافي للمادية الجدلية و المادية التاريخية :
بإختصار شديد لأنّ لا الوقت و لا المجال يسمحان بالتوسّع فى المسألة ، نلفت النظر إلى أنّ الخطّ التحريفي " لليسار " الإصلاحي يدفع متبنّيه ، إضافة إلى التنكّر للتحليل المادي للطبيعة الطبقية للدولة و الديمقراطية وما إلى ذلك، أوّلا ، إلى الإستخفاف بالمنهج الشيوعي فتصير تحليلاهم تعتمد المظاهر الخارجية لا الروابط الداخلية للأشياء لبلوغ الحقائق الأعمق و ثانيا، إلى إطلاق الأحكام دون دراسة الأشياء و الظواهر و السيرورات دراسة علمية مادية جدلية و ثالثا ، إلى إدارة الظهر إلى المصالح الطبقية وراء السياسات و الدعاية و التحريض .
فى قضية الحال مثلما فى الكثير من القضايا الأخرى ، يضرب تحريفيو " اليسار" الإصلاحي عرض الحائط بما علمنا إيّاه أبرز قادة البروليتاريا العالمية من ضرورة البحث و التقصّى و تحديد المصالح الطبقية ليس وراء السياسات فحسب بل وراء العبارات و المصطلحات أيضا :
- " إن المثالية و الميتافيزيقا هي الشيء الوحيد فى العالم ، الذى لا يكلف الإنسان أي جهد ، لأنها تتيح له أن يتشدّق كما يشاء دون أن يستند إلى الواقع الموضوعي و دون أن يعرض أقواله لإختبارات الواقع . أمّا المادية و الديالكتيك فهي تكلف الإنسان جهدا ، إذ أنّها تحتّم عليه أن يستند إلى اواقع الموضوعي و أن يختبر أمامه ، فإذا لم يبذل جهدا إنزلق إلى طريق المثالية و الميتافيزيقا ."
( ماو تسى تونغ ، مايو – أيار 1955 " ولاحظة على " المعلومات الخاصة بطغمة خوفنغ المعادية للثورة " ، الصفحة 223-224 من " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " ).

- " لقد كان الناس و سيظلون أبدا ، فى حقل السياسة ، أناسا سذجا يخدعهم الآخرون ويخدعون أنفسهم ، ما لم يتعلموا إستشفاف مصالح هذه الطبقات أو تلك وراء التعابير والبيانات والوعود الأخلاقية والدينية والسياسية والإجتماعية . فإن أنصار الإصلاحات والتحسينات سيكونون أبدا عرضة لخداع المدافعين عن الأوضاع القديمة طالما لم يدركوا أن قوى هذه الطبقات السائدة أو تلك تدعم كل مؤسسة قديمة مهما ظهر فيها من بربرية و إهتراء."
" مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكوّنة الثلاثة " ) ( لينين ،
ب- هل قطعت فنزيولا تشافيز مع النظام الإمبريالي العالمي ؟ هل أنشأت إقتصادا مستقلاّ ؟
من ينكبّ على دراسة الإقتصاد الفنيزولي عن كثب يكتشف دون عناء أنّه لا يزال يعتمد على الإنتاج الواحد أي على النفط مثلما تعتمد كوبا على الإنتاج الواحد أي القصب السكّري . و هذا فى حدّ ذاته يشوّه البنية الإقتصادية و يجعل تطوّر قطاعات الإقتصاد تطوّرا غير متكافئ و غير متجانس و غير متكامل. أضف إلى ذلك أنّ فنيزيولا ظلّت تقوم بذات الدور الموكل لها فى التقسيم العالمي للعمل أي توفير المواد الأوّلية لا سيما النفط للسوق الإمبريالية العالمية .
و من هنا نستشفّ أنّه رغم جهود تشافيز للتقليص من تأثير الولايات المتحدة الأمريكية التى ، إلى حدود 2007 أي بعد زهاء العقد من مسكه للسلطة ، كان يبيعها أكثر من 60 بالمائة من نفط فنيزويلا ، و رغم سعيه لتنويع الشركاء بأمريكا اللاتينية و أوروبا و حتى بآسيا – و إن كانت تكلفة النقل باهضة – فإنّه لم يخرج عن بوتقة الدور الذى رسمته الإمبريالية لفنيزويلا فى النظام الإمبريالي العالمي شأنه فى ذلك شأن إيران التى تتشدّق بمعادات الإمبريالية عامة و الحال أنّها تبيع نفطها للقوى الإمبريالية الأوروبية و فى نهاية التحليل يربطان مصير البلدين بالسوق الإمبريالية العالمية ، و لا يقطعان معها . إذن حصلت تغيّرات كمية فى التعاطي مع تسويق النفط لكن لا وجود لقطيعة مع الإمبريالية و لا لإقتصاد مستقلّ .
ت- ما موقع الصناعة و الفلاحة فى مشروع تشافيز ؟
يستند مشروع " البوليفاري" أساسا و تقريبا كلّيا على القطاع النفطي (مع الغاز- والفحم الحجري ثانويّا ) و قد عوّل عليه فى مداخيل الدولة و ضخّ فيه و إستثمر الكثير من البترودولار من أجل أن يبقيه قطاعا منافسا عالميّا . إنّ هذا القطاع الذى يعمل وفق قوانين الرأسمالية للربح و المراكمة و المنافسة و الذى إستأثر بعناية كبيرة جدّا قطاع متطوّر نسبيّا إلاّ أنّه يشكو من المشاكل الآتي ذكرها :
1- يوجد قسط لا بأس به منه بين أيدي شركات أجنبية عالمية تابعة للبلدان الغربية .
2- يرتهن بتقلّبات أسعار سوق النفط العالمي .
3- يعتمد فى تطويره على إستثمارات محلّية لا سيما للدولة وأيضا على إستثمارات أجنبية و هو فى حاجة مستمرّة إلى التقنية التى توفّرها الإمبريالية الأمريكية على وجه الخصوص لأنّها هي المتقدّمة أكثر فى معالجة النفط الخام الفنيزويلي الثقيل و المنطوي على قدر من الكبريت.
وهو علاوة على ذلك ، ليس فى خدمة النهوض بالإقتصاد ككلّ بقدر ما هو يخلق فوارقا هائلة فى المجتمع من حيث الأجور التى يتقاضاها العاملون فيه نسبة لبقية الأجور فى القطاعات الأخرى و من حيث خلقه لبون شاسع بينه و بين تقريبا جميع القطاعات الأخرى التى عانت و لا تزال من التخلّف البيّن للعيان. و إلى هذا يضاف أنّ قطاع النفط القائم بالأساس على التقنية الحديثة المستوردة من البلدان الإمبريالية لا يشغّل عددا كبيرا من الفنزويليين .
أمّا الفلاحة فلم تنل من السياسات " البوليفارية " إلاّ النزر القليل وهي لم تشهد تغييرا نوعيّا . فبالرغم من الدعاية المضخّمة للإجراءات المتخذة فى هذا القطاع ، لم يتمتّع بإصلاح زراعي جزئي جدّا سوى 150 ألف فلاح و ظلّت اليد الطولي فى القطاع للملاكين العقاريين الكبار الذين يتحكّمون فى الأرض و ووسائل الإنتاج الأخرى و فى الإنتاج و التخزين و الترويج . و من أهمّ المؤشرات أنّ فنزويلا تستورد نسبة عالية جدّا من غذاء مواطنيها إذ هي تقتنى من السوق العالمية حوالي 70 بالمائة من حاجياتها الغذائية !
فعن أي تطوّر إقتصادي مستقلّ يتحدّثون ؟!!!
3- هل عالج تشافيز مشاكل إضطهاد الجماهير و إستغلالها ؟
لا ينبغى لأحد أن ينكر الخطوات التى خطاها " البوليفاري " سعيا لتقديم بعض الخدمات الصحّية و الغذائية للفقراء لكن هذا لم يطل جذور الإضطهاد و الإستغلال الجندري و الطبقي و القومي حيث مثلا ظلتّ النساء تعاني من دوس حقّهنّ فى الإجهاض فى فنيزويلا و ظلّت أقلّيات من السكّان تعاني التهميش و الإقتلاع من أراضيها و ظلّ العمّال و الفلاحون ضحيّة إستغلال رأسمالي إمبريالي و كمبرادوري و إقطاعي فاحشين .
و بفعل الخيارات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية لتشافيز ساطع بقي التفاوت الجهوي مثلما ظلّ لافتا للنظر تكدّس السكّان فى المدن الكبرى لا سيما العاصمة ، فى مدن الصفيح و الأحياء القصديرية و ظلّ قطاع التجارة غير الرسمية أو الموازية ، من باعة متجوّلين و باعة على قارعة الطرقات يشغّل ما يناهز الأربعين بالمائة من اليد العاملة فى المدن .
لم يعمل تشافيز ذو المشروع " الوسطي " على مهاجمة أصحاب رؤوس الأموال و الضغوطات التى مارسها على الشركات الأجنبية عوّضها لها بطرق ملتوية كرفع نسبة الأرباح فى الشركات المشتركة مع الدولة إلخ و بالتالي حتى و إن أوجد أشكالا تنظيمية من مثل نوع من " مجالس المناطق " و " مجالس المواطنين " ...، فإنّ السلطة الإقتصادية الفعلية ظلّت بأيدي مالكي وسائل الإنتاج و المتحكّمين فى الترويج و التسويق و التشغيل و ظلّت الجماهير غريبة عن ممارسة السلطة السياسية و مسكها لمصيرها بيدها و حتى عندما أراد " البوليفاري " إدخال تعديلات دستورية عبر إستفتاء لم ينجح سنة 2007 ، فقد كانت غايته الحصول على مزيد السلطات كرئيس و الضغط على " الموالين للأمريكان " فى أجهزة الدولة ، لا أكثر .
إنّ " إشتراكية القرن 21 " البوليفارية الهلامية المضمون ليست سوى بعض التأميمات و الخدمات و الإعانات الوقتية لقسم من المعدمين تكبر و تصغر حسب ما تسمح به السوق العالمية و حاجيات الإنفاق على القطاع النفطي و تطويره لكي لا يتأخّر و يخسر المنافسة الرأسمالية عالميّا .
و هذا ليس بالأمر الغريب من أنظمة البترودولار التى تسير وفق القوانين الرأسمالية فلا إيران و نفطها و لا نيجيريا و ثرواتها النفطية و لا فنيزويلا و نفطها و غازها و فحمها الحجري يناهضون الرأسمالية و قوانينها . إنّها دول نفطية لها دور فى التقسيم الإمبريالي العالمي للعمل تقبل به ولا تبحث عن خدمة مصالح الجماهير الشعبية الآنية و البعيدة المدى و لا تسيّر الإقتصاد بإتجاه تلبية الحاجيات الأساسية للشعب ماديّا و فكريّا إلخ و لا تضع مخطّطات لذلك . و ليس بوسعها القيام بذلك إذ هي دول إستعمار جديد مرتبطة بألف خيط و خيط و هيكليّا بالنظام الإمبريالي العالمي و الرجعيات المحلّية .
4- لا بديل لتحرير المستعمرات و المستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات تحريرا وطنيّا ديمقراطيّا عن الثورة الديمقراطية الجديدة بقيادة شيوعية و كجزء من الثورة البروليتاريةالعالمية :
أ- عصر الإمبريالية و الثورة الإشتراكية و مقتضياته :
فى هذا العصر بالذات ، فى المستعمرات و المستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات ، تبخّرت إمكانية قيام ثورة ديمقراطية على نمط الثورة الديمقراطية التى شهدتها أوروبا فى القرن 18و لا إمكانية بالتالي لتطوّر رأسمالي مستقلّ و قد شرحنا مطوّلا فى مقالات أخرى و مناسبات مضت الأسباب و التطوّر الرأسمالي الذى لا يزال ممكنا هو التطوّر الرأسمالي البيروقراطي / الكمبرادوري المرتبط عضويّا بالإمبريالية العالمية و المتحالف معها . إنّ الثورة الديمقراطية القديمة غدت مستحيلة و الحلّ الوحيد للتحرّر الوطني الديمقراطي هو الثورة الديمقراطية الجديدة بقيادة شيوعية و كجزء من الثورة البروليتارية العالمية تمهّد الطريق للثورة الإشتراكية فالشيوعية . و نأكّد مجدّدا أنّه لا إمكانية للفصل بين مسألتي الثورة الديمقراطية الجديدة المتداخلتين . فالثورة الديمقراطية الجديدة / الوطنية الديمقراطية ثورة تحرّر وطني و ثورة إجتماعية فى آن معا . و واهم من يتصوّر إمكانية حصول الواحدة دون الأخرى فى عصرنا هذا .
مشروع تشافيز " الوسطي " تصوّر تحقيق التحرّر الوطني دون الثورة الإجتماعية ففشل . و مشاريع إصلاحيينا تصوّرت هي الأخرى تحقيق " المجتمع الديمقراطي " دون ثورة التحرّر الوطني وهي تمرّ من فشل لآخر و الوقائع تفنّد المرّة تلو المرّة تنظيراتهم و لكنهم لا يدركون الحقائق الموضوعية إذ أعماهم خطّهم الإصلاحي .
و واهم من يتصور نجاح ثورة التحرّر الوطني الديمقراطي / الديمقراطية الجديدة دون قيادة الطبقة العاملة و حزبها و نظريتها الثورية و منذ عقود سجّل ماو تسى تونغ هذه الحقيقة قائلا :
- " يجب أن يكون هناك حزب ثوري ما دمنا نريد الثورة "
( الصفحة 1 من " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " ) .
- " إنّ الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية تتطلّب قيادة الطبقة العاملة ، لأنّها هي الطبقة الوحيدة النافذة البصيرة، و أكثر الطبقات إنكارا للذات، كما أنّها أكثر الطبقات حزما فى الثورة . و يبرهن تاريخ الثورات بأكمله على أنّ الثورة تفشل إذا كانت بدون قيادة الطبقة العاملة و أنّها تنتصر إذا قادتها هذه الطبقة . و فى عصر الإمبريالية ، لا يمكن لأية طبقة أخرى ، فى أي بلد كان أن تقود أية ثورة إلى النصر ."
( ماو تسى تونغ ، " حول الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية " ،1949 ، صفحة 532-533 من المجلّد الرابع من " مؤلفات ماو تسى تونغ المختارة " ، الطبعة العربية ، دار النشر باللغات الأجنبية بيكين 1973 ) .
ب- المنارات الشيوعية تاريخيا و راهنا و مستقبلا :
يتغاضى التحريفيون بما هم ماركسيّون مزيفون لا يفرّقون بين الماركسية و الديمقراطية البرجوازية و بين الإشتراكية و الرأسمالية عن الدعاية للمنارات الشيوعية التاريخية – تجارب البروليتاريا العالمية فى الإتحاد السوفياتي زمن لينين و ستالين و فى الصين زمن ماو تسى تونغ – و يتجاهلونها كإرث ثوري بروليتاري كما يتجاهلون راهنا المنارات الشيوعية فى الهند و الفليبين و قبلهما فى النيبال و البيرو فى فترات معينة و الحروب الشعبية التى تخاض و السلطة الحمراء التى ترسى على كلّ شبر من الأرض المحرّرة و يتهافتون على إعلاء راية " البوليفارية " فى الوقت الذى يدعون فيه زورا و بهتانا لتضليل الجماهير و المناضلين و المناضلات أنّهم ماركسيون – لينينيون .
عالم آخر ممكن ، عالم آخر شيوعي ممكن ، عالم آخر يشهد مخاضا و قد يضع جنينه فى الهند أو فى الفليبين أو غيرها من البلدان التى تشهد فيها النضالات الثورية تقدّما بقيادة شيوعية ثورية ؛ بذور المستقبل ، المنارات الشيوعية المستقبلية ، يزرعها فى كوكبنا الشيوعيون الثوريون ، يسقيها و يرعاها و يفديها بتضحياتهم و دمائهم الماويون الحقيقيون عبر العالم و قريبا تنبت. وعوض أن يضع " اليساريون" هذه التجارب الثورية نصب أعينهم و يجعلوها محطّ أنظارهم يدرسونها و يستلهمون منها الدروس و يستخلصون منها العبر و يدعمونها بما أوتوا من جهد ، نلفي " اليساريين " الإصلاحيين يركّزون أنظارهم و أنظار الجماهير على التجارب الإصلاحية للبرجوازية الوطنية و البرجوازية الصغيرة الراديكالية . و لا غرابة فى ذلك فالطيور على أشكالها تقع و الإصلاحيون لأشكالهم يروّجون !
خاتمة :
واجب على الشيوعيين الثوريين الحقيقيين ، على الشيوعيين الماويين الحقيقيين بل من أوكد واجباتهم أن يفضحوا التحريفية بتلوناتها جميعها و أن يفضحوا الإصلاحية و التجارب البرجوازية . على الشيوعيين أن ينشروا الأفكار و المبادئ الشيوعية ، لا الأفكار و الأوهام البرجوازية .
لا جدال فى أنّه من واجب الشيوعيين النضال ضد أي تدخّل إمبريالي فى فنزويلا و غيرها من البلدان مدافعين بإستماتة عن مبدأ حقّ الشعوب فى تقرير مصيرها . إلاّ أنّه يترتّب عليهم نشر الحقائق الموضوعية و فى موضوع الحال نشر حقيقة المشروع " البوليفاري " لتشافيز و حدوده بما هو مشروع برجوازي رأسمالي وطني ، " وسطي " يلقى مساندة من البرجوازية الصغيرة الراديكالية و لا يقطع مع الإمبريالية و لا يعالج بالعمق المطلوب قضايا الثورة الوطنية الديمقراطية / الديمقراطية الجديدة و لا يمهّد للإشتراكية البروليتارية . مشروع تشافيز لا يرتقى حتى إلى شعار " أرض حرّية كرامة وطنية " فلا " أرض لمن يفلحها " و لا حرّية سياسية – كل معارضة يمينية أو يسارية تنعت بالعمالة لأمريكا - و لا تحرّر من الإمبريالية و قطع معها و لا كرامة وطنية حيث يرتهن الإقتصاد بتقلبات السوق الإمبريالية العالمية و الشعب يتغذي من وراء البحار . و مشروع " إشتراكية القرن 21 " أقرب ما تكون إلى إشتراكية برجوازية ، إلى إشتراكية الإشتراكيين الديمقراطيين فى أوروبا و إشتراكية القذافى و عبد الناصر !
وحدها الشيوعية الثورية ، وحدها الماركسية – اللينينية – الماوية ( علم الثورة البروليتارية العالمية ) قادرة على معالجة مشاكل كوكبنا و تحرير لا فقط العماّل و النساء بل تحرير الإنسانية جمعاء !
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------



تعليقات الفيسبوك