مشروع بشير الحامدي لا يخرج عن إطار دولة الإستعمار الجديد والنظام الإمبريالي العالمي


ناظم الماوي
2018 / 8 / 4 - 23:26     

مشروع بشير الحامدي لا يخرج عن إطار دولة الإستعمار الجديد والنظام الإمبريالي العالمي
الفصل الرابع من " الخطّ الإيديولوجي و السياسي لبشير الحامدي و من معه ليس ثوريّا و إنّما هو إصلاحي لا يخرج عن إطار دولة الإستعمار الجديد و النظام الإمبريالي العالمي "
مقدّمة :
فى القطر ، فى صفوف مناضلي و مناضلات " اليسار " بشكل عام على الجبهة النقابيّة و فى صفوف الناشطين و الناشطات السياسيين منهم ، قلّ من لا يعرف من قريب أو من بعيد السيد بشير الحامدي فهو منذ سنوات عديدة وجه من الوجوه البارزة فى معارضة البيروقراطية النقابيّة و فى نضالات قطاع التعليم الإبتدائي و فى تحرّكات ساحة محمد علي و شوارع العاصمة مساندة لإنتفاضة سيدى بوزيد و ما تلاها وصولا إلى الإنتفاضة الشعبيّة عبر القطر و مسيرات لا سيما 14 جانفي فى العاصمة و ما إنجرّ عنها .
و أيضا عرف شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة الرجل – و غيره طبعا – خطيبا و محرّضا و منظّما و صادحا بشعارات داعيا و آخرون إلى مواصلة ما أسموه بثورة الحرّية و الكرامة ( و هذا منهم خطأ نظري و عملي كما أثبتنا في كتاباتنا السابقة و كما أكّد الواقع الملموس ). و ما لا يرقى إليه شكّ كذلك مساهمته البارزة فى تنظيم و فعاليّات مؤتمر مجالس حماية الثورة بنابل فى 9 أفريل 2011 وفى التصدّى لما صار معروفا بالإلتفاف على" الثورة "، بطرق متباينة منها حركة عصيان إلخ و فى المدّة الأخيرة ، إطلاق مبادرة و تنظيم " المرصد النقابي "... ( و أكيد أنّنا لن نفي هذا المناضل حقّه بذكرنا ما ذكرنا دون سواه في هذا الباب ) .
إذن فى جانب النضال العملي تبوّأ مكانة لا ينكرها إلاّ متعامي عن الحقيقة غير أنّه لم يكن مناضلا ميدانيّا فحسب بل كان أيضا صاحب أفكار و آراء ، كاتبا أضحى منذ سنوات يحمل مشروعا مختلفا نوعيّا عن مشاريع كثيرة أخرى ضمن ما يطلق عليه البعض " اليسار " الماركسي ( و قد بيّننا فى دراساتنا و بحوثنا السابقة – مقالات و كتبا – أن الغالبيّة الغالبة من فرقه متمركسة لا غير ) وهو ما شدّنا إلى متابعة مقالاته على موقع الحوار المتمدّن و الإطّلاع على كتبه ( ليس جميعها ، هذا ما نقرّ به صراحة لعدم توفّرها غالبا بنسخ ورقيّة فى متناول العموم ، فى المكتبات ) بصفة متقطّعة فى الغالب الأعمّ و ذلك بالأساس لتركيزنا على مواضيع أخرى كنّا منكبّين على الإشتغال عليها ، إلاّ أنّنا من حين لآخر ، كلّما توفّر لنا متّسع من الوقت ، نلقى نظرة على ما أنتجه هذا الكاتب و لأكثر من مرّة قد جال بخاطرنا أن نتفاعل مع مقالاته و كتبه تفاعلا كتابيّا أي بصياغة ملاحضات أو مقالات إلخ بيد أنّ تقديرنا للأولويّات حال دون إنجازنا لما كنّا نزمع إنجازه أو هممنا بإنجازه فى عدّة مناسبات .
و ها قد حان الوقت للقيام باللازم و خوض المقارعة و السجال الفكري و مواجهة مشروعنا الشيوعي المتجسّد فى شيوعية اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعيّة الجديدة ، لمشروع السيد الحامدي ، فى إطار نقاش و جدال يستهدف من جانبنا توضيح خطوط التمايز و تبيان حقائق الخطوط الإيديولوجية و السياسية المنتشرة و تسليح المناضلات و المناضلين و الجماهير الواسعة بعلم الشيوعية لكي يغيّروا أنفسهم و يساهموا عن وعي بروليتاري فى تغيير الواقع تغييرا شيوعيا ثوريّا راديكاليّا فى سبيل المساهمة فى تحقيق الهدف الأسمى ألا وهو الشيوعية على النطاق العالمي .
و قد يبادر البعض بإثارة سؤال و ما فائدة هذه النقاشات و الجدالات النظريّة ؟ و الإجابة على بساطتها قد لا يرغب الكثيرون فى سماعها و قراءتها و إستيعابها تمام الإستيعاب ألا وهي حقيقة أنّه " لا حركة شيوعية ثورية دون نظريّة ثوريّة " ، مثلما شدّد لينين فى " ما العمل ؟ " حيث أكّد أيضا حقيقة أخرى هي أنّه " ينبغى للمرء أن يكون قصير النظر حتى يعتبر الجدال بين الفرق و التحديد الدقيق للفروق الصغيرة أمرا فى غير أوانه أو لا لزوم له. فعلى توطد هذا "الفرق الصغير" أو ذاك قد يتوقف مستقبل الإشتراكية – الديمقراطية الروسية [ الشيوعية ] لسنوات طويلة ، طويلة جدا. "
و كي لا تكون ثمرة عملنا مجرّد ملاحظات عابرة على هذا المقال أو ذاك و بغاية تقديم رؤية نقديّة لأهمّ أطروحات هذا الكاتب – دون الدخول فى نقاش كافة التفاصيل – تخوّل للقرّاء تكوين فكرة جيّدة على أساس صلب عن الخطّ الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي الذى يقف وراءه هذا المناضل و من معه ، إرتأينا أن ندرس نقديّا كتابا لبشير الحامدي هو " الحق فى الحقّ فى السلطة والثروة و الديمقراطيّة – قراءة فى مسار ثورة الحرّية و الكرامة " ، مع عدم إهمالنا لمقالات تطرح مسائلا مكمّلة أو تشرح مواقفا وردت فى ذلك الكتاب أو تزيد عليها أو تنقضها .
و من البدء نوضّح أنّ دراستنا النقديّة هذه لن تُعنى بكلّ التفاصيل و دقائق التفاصيل و إنّما ستركّز على محاور و مواضيع نعدّها حيويّة فى نقاش الخطّ الإيديولوجي و السياسي والتنظيمي لديه و فى معرفة كنه طرحه و مدى ثوريّته المدّعاة من عدمها . فالنقاط التى سنناقش ستساعدنا فى إدراك جوهر أطروحات هذا الكاتب و رؤيته بإختصار للمشكل و للحلّ . و نظرا للخلفيّة اليسارية التى يدّعيها و للأيديولوجيا الشيوعية التى نتبنّاها سنصارعه على قاعدة الماركسيّة و الواقع المادي الملموس تاريخيّا و حاضرا و منطلقنا هنا كما فى أعمال سابقة لنا صراحة و مباشرة هو شيوعية اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة بما هي الفكر الشيوعي الأكثر تقدّما و الأرسخ علميّا فى يومنا هذا . و قد بوّبنا نقدنا للخطّ الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي لبشير الحامدي وفق التخطيط الآتي ذكره :
- عن أيّة ثورة يتحدّثون ؟ إنّما هي إنتفاضة شعبيّة وقع الإلتفاف عليهاI
1- وجدت إنتفاضة و لم يوجد بتاتا بالمعنى العلمي الدقيق وضع ثوري
2- أطروحة أنّ ما حدث ثورة خاطئة وضارة
3- بثّ الأوهام برجوازية بصدد الدولة و الجيش
- قراءة غير علميّة للصراع الطبقي : منهج مثالي ميتافيزيقي و براغماتيII
1- التحليل المادي الجدلي فى مهبّ الريح
2- تحريفيون إصلاحيون و الشيء من مأتاه لا يستغرب
3- من أوهام المثاليّة الذاتية و البراغماتية
- ضد تقديس العفويّة : لا حركة ثورية دون نظريّة ثوريّة III
1- من التروتسكيّة إلى نوع من الفوضويّة ؛ المجالسيّة
2- دروس التجارب العمليّة
3- ضرورة الحزب و تناقضاته
- مشروع لا يخرج عن إطار دولة الإستعمار الجديد و النظام الإمبريالي العالمي IV
1- الديمقراطية البرجوازية : لا تحطيم للدولة القديمة و إنشاء دولة جديدة و لا تغيير لنمط الإنتاج
2- إهدار البعد الأممي للنضال و العصر
3- غياب الشيوعية كغاية أسمى
خاتمة :
الملاحق (4) : ( الملاحق 1 و 2 و 3 ترجمة شادي الشماوي نشرت على موقع الحوار المتمدّن )
1- لتحي الماركسية – اللينينية – الماوية
2- إعادة تصوّر الثورة و الشيوعية : ما هي الخلاصة الجديدة لبوب أفاكيان؟
3- الخلاصة الجديدة للشيوعية : التوّجه و المنهج و المقاربة الجوهريّين و العناصر الأساسيّة
4- محتويات نشريّة " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! " / من العدد 1 إلى العدد 35 – بقلم ناظم الماوي
---------------------------------------------------------------------------------------------------
مشروع بشير الحامدي لا يخرج عن إطار دولة الإستعمار الجديد والنظام الإمبريالي العالمي – IV
و يبقى لنا الآن الإنكباب على نقد مشروع بشير الحامدي فى علاقة بمشروع تحرير الإنسانيّة من كافة ألوان الإضطهاد الجندري و الطبقي و القومي ، أي المشروع الشيوعي الثوري الراديكالي الحقيقي الوحيد التحرّري فعلا .
1- إطار الديمقراطية البرجوازية : لا تحطيم للدولة و إنشاء دولة جديدة ولا تغيير لنمط الإنتاج :
أنفت الإشارة فى ما مرّ بنا أنّ بشير الحامدي لم يطرح تحطيم دولة الإستعمار الجديد تحطيما كاملا بما يعنيه من تحطيم لمؤسّساتها الرجعيّة و على رأسها الجيش و قوات البوليس و المحاكم و الدواوين و السجون إلخ . و بالرغم من حديث عام عن " الإطاحة بالدولة البرجوازية و بالرأسمالية كنمط إنتاج " (ص 143) فى سياق تنظير عام فضفاض عن الوضع العالمي و مهمّة إنجاز " الحقوق الديمقراطية " و مهاجمة " الستالينية و الماوية " ،عمليّا ، و تطبقيّا ، المطالب التى يتقدّم لصياغتها على أنّها بإسم الشعب وعلى أنّ الجماهير تتمسّك بها و لرفعها و كان ينادى بالنضال من أجلها لا تعدو أن تكون بعض المطالب الإصلاحيّة و إن بدت للوهلة الأولى راديكالية نسبة لما يتقدّم به إصلاحيّون آخرون و على سبيل المثال :
" - الشعب اليوم يريد حلاّ جذريّا .
- الشعب اليوم يريد أن يعتلي السلطة أبناء الشعب .
- الشعب اليوم يريد أن يختار بكلّ حرّية ممثليه.
- الشعب يريد إسترجاع ثروات البلاد المنهوبة من عصابات المال و الفساد و الإستبداد و إقرار السياسة الإقتصاديّة التى يرتئيها و التى تكون فى صالح الأغلبيّة .
- الشعب يريد الحرّية و العيش مرفوع الرأس .
- الشعب يريد إقتسام الثروة و يطالب بالسلطة .
... لنحتلّ الساحات و لنرابط فى الأنهج و لنستمرّ فى ثورتنا ." ( ص 118 )
و فى الصفحة 163-164 ، لخّص السيّد الحامدي مطالب ما أسماه " ثورة الحرّية و الكرامة " قائلا :
" مطالب ثورة الحرّية و الكرامة هي : حكومة مؤقّتة مكوّنة من هيئات مدنيّة و أحزاب تقدّميّة و ديمقراطية و من اللجان و المجالس الشعبيّة و من شخصيّات وطنيّة و نقابيّة و حقوقيّة مشهود بنضاليتها ضد سلطة بن علي مهمتها تنفيذ إرادة الشعب فى كنس نظام الإستبداد و الفساد و تلبية المطالب الإقتصادية و الإجتماعية المباشرة للجماهير و إطلاق الحرّيات ( حرّية التنظّم وحرّية الصحافة و حرّية النشر و التعبير و إعلان العفو التشريعي العام و تحرير الإعلام و ضمان إستقلاليّة القضاء ) للتحضير إلى إنتخابات حرّة و ديمقراطية يختار فيها الشعب ممثليه بكلّ ديمقراطية و حرّية و ينبثق عنها مجلس تأسيسي يقرّر شكل نظام الحكم و السياسات التى سيقع إرساؤها ."( ص 163-164 )
و إلى هذا يضاف طبعا عنوان الكتاب الذى ننقد بعض أفكاره - " الحقّ فى السلطة والثروة و الديمقراطيّة – قراءة فى مسار ثورة الحرّية و الكرامة " - و الذى آن الأوان لنسلّط عليه سياط النقد و نعلّق على معانيه فى علاقة بالموضوع الذى نحن بصدده . و قبل كلّ شيء ، ندعو القرّاء للتوقّف لحظة و التأمّل مليّا فى هذا العنوان و معانيه لعلّهم يدركون الآن دلالة أو دلالات من هذا العنوان . و نمضى إلى تعليقنا :
بداية ، عن أيّة سلطة يتمّ الحديث ؟ ففى المجتمع عدد لا يحصى من السلطات ، فى شتّى مجالات الحياة منها على سبيل المثال لا الحصر السلطة أو السلطات داخل الأسرة و داخل المؤسّسات إلخ . و لئن كان المقصود حصرا السلطة السياسيّة أو بصيغة أدقّ حتّى سلطة الدولة ، كان على الكاتب إضافة كلمة أو كلمات غير أنّه لم يفعل ! و متى أدركنا حقيقة عميقة و شاملة لخّصها ماو تسى تونغ فى جملة شهيرة " من فوّهة البندقيّة تنبع السلطة السياسية " ، يكون من حقّنا التساؤل أين البندقية ، أين الجيش الشعبي الذى سيفرض السلطة السياسية التى تخدم مصالح الجماهير الشعبيّة أم أنّ جيش دولة الإستعمار الجديد هو الذى سيغيّر من طبيعته الطبقيّة و يتحوّل بفعل حركة سحريّة إلى خادم للجماهير الشعبيّة ؟ ثمّ لسائل أن يسأل عن أيّة ثروة يجرى الحديث ؟ هل هي الثروات الخاصة أم ثروات البلاد بشكل عام ؟ وهذا فرق بيّن يستوجب التوضيح . وعن أيّة ديمقراطية يتمّ الحديث و الحال أنّ الكاتب فى مجال آخر ينقد الديمقراطية البرجوازية ، و الديمقراطية ديمقراطيّات كما شرحنا فى مناسبات سابقة و نعيد فى الفقرات الآتية ؟
وسيثير ناقد فطن نسبيّا سؤال : عن أيّ حق تتكلّمون ؟ عن الحقّ على الورق أم عن الحقّ فى الممارسة العمليّة ، و البون شاسع كما تعلمون فى المجتمعات الطبقيّة ؟ و كيف سيتمّ توزيع " الحقوق " أو بصيغة بسيطة حسابيّة ، ما هي النسبة المائويّة التى ستنالها الطبقة العاملة و النسبة التى ستنالها الطبقات الأخرى ؟ وكيف سيتمّ توزيع " الثروة " و كذلك الديمقراطية ؟ و قد يضيف مشاغب صاحب نكتة : هل تقبل الطبقة العاملة بخمسة بالمائة أو لنقل بعشرة فى المائة من الحق و الثروة و الديمقراطية ، و تكون بذلك نالت الحق والثروة والديمقراطية ؟ و يطلق بعدئذ قهقهة قد تزعج الحضور.
و نحن ، نزيد على ذلك الموقف الماركسي من " الحق " و " الثروة " و " الديمقراطية ".
و ننطلق مع " الثروة " فنقول إنّ المسألة فى هذه الحال تستدعى طرح سؤالين هامّين علّمنا طرحهما بوب أفاكيان مطوّر الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعيّة الجديدة ، شيوعية اليوم ، ألا وهما من أجل من و من أجل ماذا ؟ ؛ وعبر أي نمط إنتاج ؟ و إذن " الثروة " فى المجتمعات الطبقيّة تتكدّس بالأساس فى يد طبقة أو طبقات و تحرم منها طبقة أو طبقات أخرى و لا نظنّ السيّد بشير الحامدي يخالفنا الرأي المعبّر عن حقيقة مادية موضوعية لآلاف السنين الآن من المجتمعات الطبقية . و بالتالى لن تتوزّع الثروة بالتساوى و لن يوجد " إقتسام الثورة " ( ص 118) عادل أبدا و حقّ الطبقات السائدة يفرض بقوّة دولتها كجهاز قمع طبقة لطبقة أخرى ، ماركسيّا ، و مختلف مؤسّسات حكمها و سيطرتها الطبقية و أوّل هذه الأجهزة و عامودها الفقري الجيش . وهذه حقيقة أخرى ساطعة كالشمس فى كبد السماء عرفتها المجتمعات العبودية و الإقطاعية و الرأسماليّة و لا يزال يعرفها عالمنا اليوم ، فى عصر الإمبريالية و الثورة الإشتراكية . و إن تنازلت الطبقات الحاكمة عن بعض الفتات بين الحين و الحين فلشراء الذمم و المناورة و تجنّب الإطاحة بها وهي تسترجع باليد اليسرى ما تمدّه باليد اليمنى و فى الغالب الأعمّ تسعى إلى تكديس الثروات على حساب الجماهير الكادحة وبكلّ الطرق الممكنة لديها ولو عبر المجازر و الحروب بأنواعها . و هكذا الحقّ فى " الثروة " كما يطرحه كاتبنا ، ليس إلاّ مطلبا إصلاحيّا بالرفع فى النسبة الضئيلة التى تبقيها الطبقات الحاكمة للجماهير الكادحة كي تعيد إنتاج قوّة عملها لا أكثر فالدولة تفرض أسلوب إنتاج و علاقات إنتاج و علاقات بين الناس ، من أجل من ؟ فى المجتمعات الطبقيّة من أجل الطبقات السائدة .
و علاوة على ذلك ، تطبيقا لما علّمتنا إيّاه الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة ، نثير سؤال : هل يسمح نمط الإنتاج القائم بالحصول على " الحقّ فى الثروة " أي بالحصول على قسط يقال عادل ( و لا وجود لذلك فى المجتمعات الطبقيّة ولا حتّى الإشتراكية بما هي مجتمع طبقي أيضا رغم مسك البروليتاريا و حلفائها سلطة الدولة ) من " الثروة " ؟ الأكيد أنّ الإجابة هي لا ، و لا كبيرة يصدح بها من لا يدفن رأسه فى التراب و يسلك سلوك النعامة . نمط الإنتاج السائد لا و لن يسمح بذلك وتجربة السنوات الأخيرة فى القطر و عربيّا تفيد ذلك و تؤكّده للمرّة ...( " السلطة و ... سياساتها الإقتصادية الكارثيّة المملاة من البلدان الإمبريالية و من كبرى الشركات العابرة للحدود و التى لا يهمّها غير الربح و المزيد من الربح . " حسب الحامدي ، ص 79) ... هل يتوقّع من نمط إنتاج قائم على الإستغلال و الإضطهاد أن يكفّ عن أن يكون كذلك و ينفى نفسه بنفسه ؟ و نردف هذا بحقيقة بسيطة لكن عميقة المغزى دامغة أخرى أظهرها إلى السطح أكثر فأكثر بوب أفاكيان هي أنّه لا وجود لحقّ الأكل فى ظلّ النظام الإمبريالي العالمي السائد برمّته فحتّى خلال الزلازل و الفيضانات ، مثلما خلال إعصار كاترينا الذى ضرب الولايات المتحدة منذ سنوات ، أطلق الجيش النار على المنكوبين الذين حاولوا الحصول على أرغفة خبز من مغازات. حقّ الأكل لو توفّر لإنهار نمط الإنتاج الإستغلالي و الإضطهادي بكامله لذلك كان الجيش يحمى الملكية الخاصة على حساب أوسع صفوف الجماهير حتّى منها المهدّدة بالموت جراء الآفات الطبيعية . ولقد شدّدنا و لا نزال نشدّد فى كتاباتنا على ضرورة تغيير نمط الإنتاج لتلبية حاجيات الجماهير الشعبيّة و تحرير الإنسانيّة وهذا غير ممكن التحقيق إلاّ عبر الثورة الشيوعية ، الثورة البروليتارية العالميّة بتيّاريها ( الثورة الديمقراطية الجديدة في المستعمرات و المستعمرات الجديدة و اشباه المستعمرات و الثورة الإشتراكية في البلدان الإمبريالية ) و غايتها الأسمى الشيوعية على النطاق العالمي .
و لأنّنا لمسنا مدى إستفحال الإصلاحية لدى التحريفيين الإصلاحيين ليس قطريّا فحسب و إنّما كذلك عربيّا ، أفردنا بضعة فقرات لمسألة يجرى عمدا تجاهلها ألا وهي ضرورة تغيير نمط الإنتاج و ذلك فى مقالنا " لنكن واقعيين : الدول العربيّة رجعية متحالفة مع الإمبريالية تسحق الجماهير الشعبيّة لذا وجبت الإطاحة بها و تشييد دول جديدة يكون هدفها الأسمى الشيوعية و تحرير الإنسانيّة على النطاق العالمي " :
" تغيير نمط الإنتاج واجب !
فى مقال " الإنتخابات و أوهام الديمقراطية البرجوازية : تصوّروا فوز الجبهة الشعبية فى الإنتخابات التشريعية و الرئاسية لسنة 2014 " ( العدد 22 من " لا حركة شيوعية ثورية دون ماويّة ! "- مكتبة الحوار المتمدّن و الموقع الفرعي لناظم الماوي هناك ) تحديدا نقطة " التحريفية و الإصلاحية و علاقة البنية التحاية بالبنية الفوقيّة " ، كتبنا :
" معلوم ماركسيّا و ماديّا جدليّا أن واقع الناس هو الذى يحدّد أفكارهم و أنّ البنية التحتيّة تحدّد البنية الفوقيّة ومن الإضافات الخالدة لماو تسى تونغ هو تشديده على مدى العلاقة الجدلية للبنيتين و تأثير البنية الفوقية فى البنية التحتيّة لا سيما فى المجتمع الإشتراكي لعوامل ليس هنا مجال تفصيلها . و قد رصدنا فى دراستنا للتحريفية و الإصلاحية و الخطوط الإيديولوجية و السياسية للمتمركسين تشويههم الفظّ للعلاقة الصحيحة بين البنية التحتيّة والبنية الفوقيّة حيث يفصلون بينهما و كأنّ – كما رأينا – الدولة والديمقراطية و القوانين و ما إلى ذلك من البنية الفوقيّة لدولة الإستعمار الجديد لا تعكس و لا تخدم القاعدة الإقتصادية الإجتماعية للمجتمع من علاقات الإنتاج و علاقات التوزيع و الملكية .
يتخيّل الإصلاحيّون أنّهم عند بلوغهم المشاركة فى أجهزة دولة الإستعمار الجديد سيكون بوسعهم تحقيق برامجهم إن مسّت من المصالح الأساسية للطبقات الحاكمة المتحالفة مع الإمبريالية العالمية دون معارضة شديدة من الطبقات الرجعيّة و الإمبريالية العالمية و بقيّة أجهزة الدولة و على رأسها الجيش . يتخيّلون ذلك و يوهمون الجماهير الشعبيّة و المناضلات و المناضلين بإمكانيّة إنجاز المهام الوطنيّة و الديمقراطية للثورة الوطنية الديمقراطية فى إطار دولة الإستعمار الجديد و علاقات الإنتاج و التوزيع و الملكية القائمة .
ليس المسك بالسلطة السياسيّة أو بجزء منها وحده هو الذى يخوّل تثوير مجتمع و بنيته التحتيّة والفوقيّة ، بل هناك حاجة أكيدة إلى إمتلاك دولة و عاموها الفقري جيش ثوري من طراز جديد يفرضات فرضا على الطبقات الرجعية و بالقوّة أحيانا التغيير الثوري المرجوّ فى البنيتين . تستطيع أن تكون ماسكا بسلطة الحكومة أو السلطة التشريعية ( مثلما حصل فى أندونيسيا فى أواسط الستينات ، مع الحزب الشيوعي هناك ) لكنّك لا تمسك بسلطة الدولة برمّتها فالسلطة السياسية تنبع من فوّهة البندقيّة و إن كان غيرك يمسك بالبندقية و أنت لا تملك بندقية – جيشا – فعليك السلام الذى ترجم تاريخيّا فى أندونيسيا بمجازر لمئات الآلاف من الشيوعيين و غيرهم الثوريين على أيدى سوهرتو والجيش الذى قاد الإنقلاب .
الإصلاحات و البرامج الإصلاحيّة و القوى الإصلاحية لا تعالج المشكل المتمثّل على وجه الضبط فى دولة الإستعمار الجديد و البنية التحتية و الفوقية للمجتمع الذى يحتاج ثورة لا إصلاحات ، ولا تنشأ دولة جديدة ثوريّة تقودها الطبقات الثوريّة و على رأسها البروليتاريا و هدفها الأسمى الشيوعية على النطاق العالمي ؛ أقصى ما تفعله هو إدخال تغييرات بسيطة فى هذا المجال أو ذاك أمّا البنية التحتيّة الإقتصادية الإجتماعية الأساسية التى تعيد إنتاج المجتمع بالإستعانة بالدولة و بقيّة البنية الفوقيّة فلن تشهد تغييرا راديكاليّا بل ستظلّ هي هي .
و ما الذى يحصل عندما يسعى الإصلاحيّون إلى التدخّل فى جوهر علاقات الإنتاج و التوزيع و الملكيّة ؟ تاريخيّا حصل أمران إثنان : أولهما تراجع الإصلاحيين عن مشاريعهم " الطموحة أكثر من اللازم " تحت الضغط المحلّي و الدولي و تأقلمهم مع المصالح الأساسيةّ لدولة الإستعمار الجديد فيظلّون فى الحكم لفترة تطول أو تقصر حسب الظروف فى خدمة الطبقات الرجعيّة و الإمبريالية العالمية ( أفريقيا الجنوبيّة بعد الأبرتايد ) و ثانيهما ، يستبعدون من الحكم بمؤامرات متنوّعة ( نيكارغوا و ما جدّ قبل سنوات عديدة من إستبعاد الجبهة الساندينية من الحكم قبل أن تعود إليه مؤخّرا بعد الكثير و الكثير من التنازلات على الكثير و الكثير من المستويات) أو يسحقون بالقوّة سحقا ( الشيلي و تجربة آلندى والحزبين الإشتراكي و الشيوعي هناك فى سبعينات القرن العشرين ) ...
إنّ من لم يدرك عمق الحقيقة التالية التى لخّصها ماو تسى تونغ و ينطلق منها فى نضاله ، لن يكون ثوريّا حقّا :
" إنّ الإستيلاء على السلطة بواسطة القوة المسلّحة و حسم الأمر عن طريق الحرب ، هو المهمة المركزية للثورة و شكلها الأسمى . و هذا المبدأ الماركسي اللينيني المتعلّق بالثورة صالح بصورة مطلقة ، للصين و لغيرها من الأٌقطار على حدّ سواء ."
( " قضايا الحرب و الإستراتيجيا " ( 6 نوفمبر - تشرين الثاني - 1938) ، المؤلفات المختارة ، المجلّد الثاني)
( إنتهى المقتطف )

وعن الديمقراطية ألّفنا عدّة مقالات نقتبس لكم أوّلا جملا من العدد الأوّل من نشريّة " لا حركة شيوعية ثورية دون ماويّة ! " و على وجه الضبط من مقال " الديمقراطية القديمة البرجوازية أم الديمقراطية الجديدة الماوية ؟ " و ثانيا جملا من كتاب " حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد حزب ماركسي مزيّف " ( النقطة الثانية من الفصل الثاني ):
-1- " ديمقراطية أم ديمقراطيات ؟
لعلّ قول إنّ الديمقراطية ديمقراطيات قد يصدم أصحاب الرؤى المثالية و القوالب الجاهزة بينما فى الواقع طبقيا. فمنذ العبودية وجدت الديمقراطية فكانت ديمقراطية أسياد العبيد و فى نفس الوقت مظهرها الآخر ، دكتاتورية على العبيد المشكّلين للسواد الأعظم للشعب. و بعد ذلك عرفت الإنسانية ديمقراطية / دكتاتورية الإقطاعيين و النبلاء ضد الأقنان و تاليا الديمقراطية / الدكتاتورية البرجوازية ضد البروليتاريا فى المجتمعات الرأسمالية ( و الرأسمالية الإمبريالية منذ القرن العشرين و بلوغ الرأسمالية مرحلتها العليا الإمبريالية). و بفضل الثورة الإشتراكية بقيادة شيوعية فى روسيا، شهد الإتحاد السوفياتي زمن لينين و ستالين ديمقراطية/ دكتاتورية البروليتاريا كما شهدت الصين الماوية ديمقراطية جديدة/ دكتاتورية الديمقراطية الشعبية إلى أواسط الخمسينات فديمقراطية /دكتاتورية البروليتاريا إلى حدود الإنقلاب التحريفي لسنة 1976 و إعادة تركيز الرأسمالية هناك .(1)
و تعلّمنا الماديّة التاريخية أنّ الطبقة ( أو الطبقات ) الحاكمة تمارس الديمقراطية فى صفوفها و تسمح حتى لمعارضيها من الطبقات الأخرى الذين يقبلون بإطار دولتها و لا يطالبون سوى ببعض الإصلاحات بهوامش من ديمقراطيتها غير أنّها تمارس الدكتاتورية المتستّرة أو المفضوحة ضد أعدائها من الطبقات الأخرى الذين يعملون فى سبيل تحطيم دولتها و الثورة عليها و إيجاد دولة بديلة تحكمها طبقة أو طبقات أخرى تجعل من الطبقة( الطبقات) السائدة و المهيمنة سابقا طبقة (طبقات) مسودة و مهيمن عليها و عرضة لدكتاتورية الطبقة (الطبقات) الحاكمة الجديدة. و ليس من المستغرب أيضا أن تلجأ الطبقة أو الطبقات الحاكمة ، فى ظروف معينة من تطوّر الصراع الطبقي،إلى إستعمال العنف و الدكتاتورية حتى ضد فئات من صفوفها إذا ما إقتضت المصالح العامة للطبقة أو الإئتلاف الطبقي الحاكم ذلك كما لا يستغرب أبدا أن تعمد الطبقة أو الطبقات الحاكمة إلى تقديم تنازلات إقتصادية و إجتماعية و سياسية - ديمقراطية برجوازية- إن لزم الأمر فى ظرف تاريخي معيّن من تطوّر الصراع الطبقي محلّيا و عالميّا من أجل المحافظة على حكمها و دولتها لتعود لاحقا إلى الإلتفاف على هذه الإصلاحات البرجوازية كلّما خوّل لها ذلك ميزان القوى الطبقي و مدى تطوّر الصراع الطبقي أو فرضه عليها سير نظامها و مصالحها الآنية و البعيدة المدى.
ومسألة ذات صلة بما نحن بصدده هي مسألة الأقلية والأغلبية.و فى هذا المضمار أكّد التاريخ أنّ ديمقراطيات / دكتاتوريات أسياد العبيد و الملوك و النبلاء و البرجوازيات كانت بلا مراء ديمقراطيات/ دكتاتوريات الأقلّية ضد الأغلبية فالطبقات الحاكمة لم تكن تمثّل إلاّ نسبة مائوية قليلة جدّا من المجتمع. و بالمقابل كانت الديمقراطية الجديدة فى الصين فى المناطق المحرّرة ثمّ فى الصين قاطبة من 1949 إلى أواسط الخمسينات ديمقراطية / دكتاتورية الأغلبية ضد الأقلية ، ديمقراطية/دكتاتورية الطبقات الثورية – الأغلبية بقيادة البروليتاريا وهم من العمّال و أقرب حلفائهم الفلاحين الفقراء ثمّ الفلاحين المتوسطين و البرجوازية الصغيرة المدينية و فئات من البرجوازية الوطنية - ضد الأقلية و هم أعداء الثورة من إمبرياليين و كمبرادور و إقطاع .
و خلال مرحلة بناء الإشتراكية و مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا فى الصين منذ أواسط الخمسينات إلى أواسط السبعينات ،عرفت الصين ديمقراطية / دكتاتورية البروليتاريا المتحالفة مع الفلاحين الفقراء خاصة وهي أيضا ديمقراطية / دكتاتورية الأغلبية بقيادة البروليتاريا و حزبها الطليعي الماوي آنذاك، الحزب الشيوعي الصين ، ضد الأقليّة من البرجوازية القديمة منها و الجديدة التي تظهر داخل الدولة و الحزب البروليتاريين.و إبّان الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى كطريقة و وسيلة لمواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا ، تمّكنت جماهير الكادحين بقيادة ماويّة من منع إعادة تركيز الرأسمالية فى الصين لعقد ( فضلا عن مكاسب أخرى ليس هذا مجال تفصيلها ) و تكريس ديمقراطيتها و دكتاتوريتها على أوسع نطاق عرفه تاريخ البشرية، فى الأرياف و الحقول و فى المدن و المصانع وفى الحقل الثقافي إلخ و مارست اهمّ حقّ من حقوقها السياسية ألا وهو حقّ التحكّم فى وسائل الإنتاج و الدولة و الحزب القائد للدولة البروليتارية و توجيه المجتمع صوب الشيوعية . و بذلك كانت الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى التي هزّت الصين و العالم هزّا والتى شرّكت إلى أقصى حدّ الجماهير الشعبية فى الصراع الطبقي من أجل المضيّ قدما فى بناء الإشتراكية فالشيوعية أعلى قمّة بلغتها البروليتاريا العالمية فى تكريسها للديمقراطية / الدكتاتورية البروليتارية فى سيرها نحو الشيوعية و إلغاء كافة الطبقات و كافة أنواع الإضطهاد و الإستغلال.
و إذن من مغالطات البرجوازية و تضليلاتها الحديث عن ديمقراطية كتعبير مطّاط و بصفة عامة دون ربطها بالطبقة أو الطبقات التي تستفيد منها و الطبقات التي تمارس عليها الدكتاتورية ،المظهر الآخر الملازم لأية ديمقراطية ،كوحدة أضداد أو تناقض. و فى المجتمع الطبقي، من الحقائق الموضوعية أنّه لا وجود لديمقراطية فوق الطبقات أو خارجها وليس هناك طبعا بالنسبة لمن يتبنىّ وجهة النظر البروليتارية للعالم و المنهج المادي الجدلي و المادي التاريخي ديمقراطية للجميع مثلما يدافع عنها أتباع المنطق الشكلاني البرجوازيين لتضليل الجماهير.و فى عالم اليوم ، عالم القرن الواحد و العشرين ، لم تعد هناك (و منذ 1976) أية ديمقراطية / دكتاتورية بروليتارية بينما تتواصل الديمقراطية / الدكتاتورية البرجوازية الإمبريالية مهيمنة فى البلدان الرأسمالية الإمبريالية وهي تفرض فى المستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات شكلين أساسيين لدول الإستعمار الجديد حسب تطوّر الصراع الطبقي ؛ شكل ديمقراطية دولة الإستعمار الجديد أو شكل فاشية دولة الإستعمار الجديد. "الديمقراطية هي شكل للدولة ، نوع من أنواعها "( لينين "الدولة و الثورة " ص106). و نظرة سريعة على ما يحصل فى العالم لعقود تؤكّد ذلك بلا أدنى شكّ.
و لا ينبغى أن ننسى أو نتناسى أنّ حتى البرجوازية الإمبريالية عادة ما تعتمد الشكل الديمقراطي للحكم إلاّ أنّها فى فترات معيّنة من إحتداد الصراع الطبقي تلجأ إلى الشكل الفاشي لصيانة دولتها و مصالحها الطبقية و تاريخيا ألمانيا النازية و إيطاليا الفاشية خير أمثلة على ذلك. وقد أخطأ الشيوعيون خطأ فادحا و مميتا فى إيطاليا و فرنسا و غيرها من البلدان حينما ساندوا ديمقراطية الدولة البرجوازية و إكتفوا بالعمل فى إطارها ضد الشكل الفاشي عوض الإطاحة بالدولة البرجوازية الإمبريالية مهما كان شكلها و تركيز دولة بروليتارية /إشتراكية عوضا عنها.
و بما هي شكل من أشكال الدولة فإنّ الديمقراطية آيلة للزوال مع زوال الدولة ذاتها التي تعدّ مرحلة من مراحل تطوّر المجتمع الإنساني و نتاجا تاريخيا له بدايته و نهايته التي تستدعى الخروج من إطار المجتمع البرجوازي و إعادة بنائه على أسس إشتراكية و توسيع و تعميق الديمقراطية البروليتارية و التقدّم نحو الشيوعية التي بحلولها عالميا تضمحلّ الدولة الديمقراطية البروليتارية ذاتها و بالتالى الديمقراطية.
قال لينين فى " الدولة و الثورة " : " الديمقراطية ليست البتّة بحدّ لا يمكن تخطّيه ، فهي ليست غير مرحلة من المراحل فى الطريق من الإقطاعية إلى الرأسمالية و من الرأسمالية إلى الشيوعية " (ص 105) و" إنّ إلغاء الدولة هو إلغاء الديمقراطية أيضا و إنّ إضمحلال الدولة إضمحلال الديمقراطية" ( ص 87) . و عليه من الأكيد و الأكيد للغاية أن نتصدّى للأوهام التحريفية البرجوازية حول الديمقراطية / الدكتاتورية كأحد أهمّ و أوكد المهام فى الصراع الإيديولوجي و السياسي للشيوعية الحقيقية ، الثورية ضد مشوهيها و أعدائها."
-2- الديمقراطية "الخالصة " أم الديمقراطية الطبقية ؟
فى هذا الباب أيضا كسائر التحريفيين و البرجوازيين المروّجين لحياد جهاز الدولة يطعن مؤسّسو الحزب الوطني الديمقراطي الموحّد الطبيعة الطبقية للديمقراطية مثلما طعنوا الطبيعة الطبقية للدكتاتورية . و قد بلغت بهم الهلوسة البرجوازية الصغيرة حدّ إعتبار ما جدّ فى تونس " ثورة ديمقراطية " و " ثورة ديمقراطية إجتماعية " دون إضافة أي نعت طبقي ( هذا بقطع النظر عن كون ما جدّ ليس ثورة أصلا بل هو إنتفاضة شعبية و قد حبّرنا بعض الصفحات من قبل بهذا المضمار.) و قد بلغ بهم الإستهتار بالحقيقة و الغرق فى مستنقع أوهام الديمقراطية البرجوازية أن جعلوا من " الديمقراطية " فى عداء سافر للينينية ، فى الصفحة 6 من عدد جوان 2011 من " الوطني الديمقراطي " مطلب البشرية جمعاء" و " مفهوما إنسانيا كونيا " .

و من يسلك نهج نزع الطبيعة الطبقية للديمقراطية و يغالط المناضلات و المناضلين و الجماهير الشعبية العريضة يحوّر الماركسية تبعا للإنتهازية و بالتأكيد ليس من تلامذة لينين و إنّما من أعدائه فلينين كان صارما حاسما فى فهمه الطبقي لطبيعة الديمقراطية :

" طالما هناك طبقات متمايزة ، - و طالما لم نسخر من الحسّ السليم و التاريخ ، - لا يمكن التحدث عن " الديمقراطية الخالصة" ، بل عن الديمقراطية الطبقية فقط ( و نقول بين هلالين إنّ " الديمقراطية الخالصة" ليست فقط صيغة جاهلة تنم عن عدم فهم لنضال الطبقات و لجوهر الدولة على حدّ سواء ، بل هي أيضا صيغة جوفاء و لا أجوف، لأنّ الديمقراطية، ستضمحلّ ، إذ تتطور فى المجتمع الشيوعي و تتحوّل إلى عادة ، و لكنها لن تصبح أبدا ديمقراطية " خالصة ".

إنّ " الديمقراطية الخالصة " ليست سوى تعبير كاذب للبيرالي يخدع العمّال . إنّ التاريخ يعرف الديمقراطية البرجوازية التى تحلّ محلّ النظام الإقطاعي ، و الديمقراطية البروليتارية التى تحلّ محلّ الديمقراطية البرجوازية " )."

و إذا و بإختصار شديد بكلمات لينين ، مفهوم مؤسسى الحزب الوطني الديمقراطي الموحّد و كوكبة نقّاد الشيوعيّة الثورية من أمثالهم " صيغة جوفاء و لا أجوف " و " تعبير كاذب للبيرالي يخدع العمّال ".

و نطلب من القرّاء أن يتذرّعوا بالصبر و أن يسمحوا لنا هنا بأن نضيف ما كتبناه فى العدد6 / جانفي 2012 من نشرية " لا حركة شيوعية ثورية دون ماوية ! " مجادلين بالذات ضد الديمقراطية " الخالصة "( مقتطف من نصّ " تونس : أنبذوا الأوهام و إستعدّوا للنضال! - خطوة إلى الأمام ، خطوتان إلى الوراء !") :

" لا للأوهام الديمقراطية الرجوازية ! :

أ – الديمقراطية / الدكتاتورية :

ما إنفكّ حزب العمّال و حركة الوطنيين الديمقراطيين و قبلهم و إلى جانبهم على الساحة السياسية ، الحزب الإشتراكي اليساري – فى الحقيقة " الرأسمالي اليميني "- و حركة التجديد و قوى عديد أخرى يبثّون الأوهام البرجوازية الصغيرة حول مسألة الديمقراطية. دون مراوغة و مباشرة نقولها : إنّ حزب العمّال و حركة الوطنيين الديمقراطيين الذين يدعيان تبنّى اللينينية ينظّران و يمارسان فى تضارب تام مع اللينينية التى هي منهما براء. إنّهما مرتدّان . متحدثا عن مرتدّ آخر ، كاوتسكي فى"الثورة البروليتارية و المرتدّ كاوتسكي " ( ص18)، أوضح لينين :

" أنّه طالما هناك طبقات متمايزة ، - و طالما لم نسخر من الحسّ السليم و التاريخ ، - لا يمكن التحدث عن " الديمقراطية الخالصة " ، بل عن الديمقراطية الطبقية فقط ( و نقول بين هلالين إنّ " الديمقراطية الخالصة " ليست فقط صيغة جاهلة تنم عن عدم فهم لنضال الطبقات و لجوهر الدولة على حدّ سواء ، بل هي أيضا صيغة جوفاء و لا أجوف، لأنّ الديمقراطية، ستضمحلّ ، إذ تتطور فى المجتمع الشيوعي و تتحوّل إلى عادة، و لكنها لن تصبح أبدا ديمقراطية " خالصة ".)

فلينين أكّد أنّه لا وجود لديمقراطية خالصة ، فوق الطبقات و أنّ ما هناك إلاّ ديمقراطية طبقية و أنّ كلّ ديمقراطية هي فى آن واحد دكتاتورية ؛ ديمقراطية لطبقة أو طبقات و دكتاتورية ضد طبقة أو طبقات ( و قد تعمّقنا فى هذه المسألة فى مقال " أنبذوا الأوهام البرجوازية الصغيرة حول الإنتفاضة الشعبية فى تونس "، الحوار المتمدّن) فى حين أنّ هؤلاء روّجوا خيالات عن ديمقراطية لا طبقية - سياسية و إجتماعية – و ما من مرّة نعتوها أو حدّدوها طبقيّا و بذلك ساهموا و يا لها من مساهمة فى تضليل المناضلين و المناضلات و الجماهير الشعبية .

إنّهم لم يقوموا باللازم لينينيّا لشرح علاقة الديمقراطية بالدكتاتورية طبقيّا و بأنّ كل ديمقراطية هي بالضرورة دكتاتورية : ديمقراطية لأقلية أو أغلبية و دكتاتورية ضد أغلبية أو أقلية و مثال ذلك فى كتاب لينين " الدولة و الثورة" أنّ الديمقراطية البرجوازية ديمقراطية للأقلية و دكتاتورية ضد الأغلبية بينما دكتاتورية البروليتاريا / ديمقراطية البروليتاريا هي فى آن أيضا ديمقراطية الأغلبية دكتاتورية ضد الأقليّة.

و كذلك لم يبذل مدّعو تبنّى اللينينية قصارى الجهد – فى الواقع لم يبذلوا أي جهد – لتفسير أنّ لكلّ طبقة ديمقراطيتها و أنّ الديمقراطية ذاتها كشكل للدولة مآلها تاريخيا الإضمحلال مع إضمحلال الدولة مثلما بيّن ذلك لينين فى " الدولة و الثورة " أنّ " الديمقراطية البروليتارية لأكثر ديمقراطية بمليون مرّة من أية ديمقراطية برجوازية " ( لينين " الثورة البروليتارية و المرتدّ كاوتسكي " ، دار التقدّم ،موسكو ، الطبعة العربية ، الصفحة 25).

و ليعلم مؤسّسو الحزب الجديد أن الديمقراطية البرجوازية وحتى البروليتارية المناقضة لها ، لينينيّا مآلهما الإضمحلال مستقبلا. و من أوكد واجبات الشيوعيين و الشيوعيات النضال بلا هوادة فى سبيل أن تعوّض ديمقراطية / دكتاتورية البروليتاريا ديمقراطية / دكتاتورية البرجوازية ثم مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية/ ديمقراطية البروليتاريا من أجل إضحلال الديمقراطية جميعها مع إضمحلال الدولة بما يعلن عالميّا بلوغنا هدفنا الأسمى ، الشيوعية كمجتمع خال من الطبقات لا حاجة فيه للدولة و لا للديمقراطية كشكل من أشكالها.و قد نبّهنا لينين في " الدولة و الثورة " لحقيقة أنّ :

" الديمقراطية هي أيضا دولة و أنّ الديمقراطية تزول هي أيضا ، تبعا لذلك ، عندما تزول الدولة ". ( المصدر السابق ، الصفحة 20).
( إنتهي المقتطف)
و بصدد " الحقّ " ، لا نتوغّل فى شرح علاقة الحقّ بالمجتمع ومدى تطوّره و ما إلى ذلك و إنّما نكتفى هنا بأن نعيد إلى الأذهان ما أوضحه ماركس من حقائق عن الحقّ و حتّى " الحق المتساوي " وهو ينقد لاسال و يناقش الطور الأوّل من الشيوعية المسمّى عادة بالإشتراكية ( فما بالك بالرأسمالية الإمبريالية أو الرأسمالية الكمبرادوريّة – البيروقراطية ؟! أو ما يسمّيه السيّد الحامدي ب " المنوال الرأسمالي الليبرالي " ):
" نحن هنا فى الواقع إزاء " الحقّ المتساوى " ولكنّه ما يزال "حقّا برجوازيّا " يفترض ، ككلّ حقّ ، عدم المساواة . إنّ كلّ حقّ هو تطبيق مقياس واحد على أناس مختلفين ليسوا فى الواقع متشابهين و لا متساوين ، و لهذا فإنّ " الحقّ المتساوى " هو إخلال بالمساواة وهو غبن . و فى الحقيقة ، إن ّكلّ فرد ينال لقاء قسط متساو من العمل الإجتماعي قسطا متساويا من المنتوجات الإجتماعيّة ( بعد طرح المخصّصات المذكورة ) . بيد أنّ الناس ليسوا متساوين : أحدهم قوي و الآخر ضعيف ، أحدهم متزوّج و الآخر أعزب ، لدى أحدهم عدد أكبر من الأطفال و لدى الآخر عدد أقلّ إلخ ...[...]
لقاء العمل المتساوى ، و بالتالى لقاء الإسهام المتساوى فى الصندوق الإجتماعي للإستهلاك يتلقّى أحدهم بالفعل أكثر من الآخر ، و يصبح أغنى من الآخر إلخ ..." ( ذكره لينين ، " الدولة و الثورة " ، ص 99 ، طبعة دار التقدّم ، موسكو ) .
و بخصوص " الحرّية " فى " ثورة الحرّية و الكرامة "، إليكم كلمات نقتبسها من كتابنا " حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد حزب ماركسي مزيّف " ( النقطة الرابعة من الفصل الثالث ) وهي تنطبق فى جوهرها على الخطّ الذى يدافع عنه السيّد الحامدي بهذا الشأن :
" الحرّية : نشر الحقائق الموضوعية أم الأوهام الديمقراطية البرجوازية ؟
بلغة إنشائية فالتة من عقالها يجرى العبث البرجوازي بمفهوم الثقافة ( عدد جوان 2011 ، من " الوطني الديمقراطي " ، مقال" مشروع الثقافة عند حركة الوطنيون الديمقراطيون ") لتصبح تماهي الثورة و يماهي الإبداع الثورة و تساوى عندهم الثقافة المقاومة فيخرجون الثقافة عن الواقع المادي للمجتمع الطبقي و لا يفضحون الثقافة الرجعية و إن كانت مبدعة فى جوانب منها – و الأمثلة كثيرة من الشعر إلى القصص إلى الأفلام السنمائية إلخ – و لا يدافعون عن الثقافة الوطنية و الثقافة الديمقراطية و الثقافة العلمية و الثقافة الإشتراكية . مع تنصّلهم من الماركسية و بالتالي من المادية الجدلية ، ماذا بقي لديهم بصدد الثقافة ؟ بقيت لديهم مثالية و ميتافيزيقا " الثقافة المبدعة " لا غير !

و يرفع الحزب الجديد ( زغروطة !!! من وحي أغنية للشيخ إمام عيسى) شعار " حرية مساواة وحدة تقدّم " والكلمات المكوّنة لهذا الشعار الرباعي كلمات ما إنفكّت البرجوازية تستخدمها منذ قرون الآن معبّرة عن مضامين برجوازية و ليست بروليتارية فى شيء . الشعار الرباعي لهذا الحزب الذى يدعي الإستناد إلى الماركسية - اللينينية شعار برجوازي حامل و مروّج لأوهام برجوازية لا أكثر و لا أقلّ . و غالبا ما يردّد مؤسّسوه كلمة الحرّية على نحو ليبرالي ممجوج حقّا.

" الحرّية كلمة عظيمة ، و لكن تحت لواء حرية الصناعة شنّت أفظع حروب السلب و النهب ، و تحت لواء حرية العمل جرى نهب الشغيلة . " ( لينين :" ما العمل ؟ " فصل " الجمود العقائدي و " حرّية الإنتقاد " ) .

هذا ما قاله لينين عن الحريّة التى يتشدّق بها الحزب الوطني الديمقراطي الموحّد و يلوكها على غرار البرجوازيين الليبراليين و التى إن أردنا تحديدها بدقّة متناهية مادية جدلية قلنا إنّ الحرّية وعي الضرورة و تغيير الواقع . فلا حريّة دون ضرورة و من منظور الماركسية ، لا تفسير للواقع دون تغييره لكن هيهات أن يدرك هؤلاء المثاليون الميتافيزيقيون العمق الفلسفي المادي الجدلي للفهم الماركسي الحقيقي و يطبقونه. هم بالعكس يدفنونه و يستبدلونه باللغو و الأوهام البرجوازية.

و فى إرتباط بمسألة الحرية كذلك مفيدة هي ملاحظة إنجلز الذى ذكّر بها لينين مؤكّدا أنّه :

" الآن فقط ، يمكننا أن نقدر كلّ صحة ملاحظات إنجلس عندما سخر دونما رحمة من سخافة الجمع بين كلمتي " الحرّية " و " الدولة " . فما بقيت الدولة ، لا وجود للحرية ، و عندما تحلّ الحرّية تنعدم الدولة ." ( " الدولة و الثورة " ، الصفحة 101).

و من المفاهيم المتداولة جدّا فى أوساط حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد و وثائقه مفهوم المساواة و قد إستعمل جملة " الديمقراطية تعنى المساواة " بالمعنى الليبرالي و كأنّها تعكس حقيقة لا يرقى إليها الشكّ و فى الواقع هي ليست كذلك . و بهذا الخصوص بالضبط لاحظ لينين :

" لكن الديمقراطية لا تعنى غير المساواة الشكليّة. فما أن تحقّق مساواة جميع أعضاء المجتمع حيال تملك وسائل الإنتاج، أي المساواة فى العمل ، المساواة فى الأجور ، حتى تطرح أمام البشرية لا مناص مسألة السير إلى أبعد من المساواة الشكلية إلى المساواة الفعلية ، إلى تحقيق قاعدة : " من كلّ حسب كفاءته و لكل حسب حاجاته ".( نفس المصدر السابق، الصفحة 105)

منذ قرون الآن سوّق منظّرو البرجوازية " للحرّية " و" العدالة " و " المساواة " ( و لنتذكّر شعارات الثورة البرجوازية الفرنسية " حرّية ، عدالة ، أخوّة ") على أنّها تمثّل قمّة ما يحقّقه نظامهم المثالي لل"عقد الإجتماعي " لمجتمع يقوم على سيادة العقل لا الأوهام ( و من المصطلحات المستعملة فى الصفحة الأخيرة من عدد جوان 2011 من " الوطني الديمقراطي " مصطلح " العقد الجمهوري ") . و كان المتأثّرون بتلك الشعارات البرجوازية يعتقدون ، وقد إنتصرت الثورة البرجوازية ، " الآن بزغت الشمس للمرّة الأولى وقامت سيادة العقل . فإنّ الأوهام ، و الجور ، و الإمتيازات ، و الإضطهاد ، كل ذلك يجب أن يخلّى المكان من الآن وصاعدا للحقيقة الخالدة ، و العدالة الخالدة ، و المساواة النابعة من الطبيعة نفسها ، و حقوق الإنسان الراسخة ."

لكن الواقع سفّه تلك الأحلام و الأوهام :

" إلاّ أنّنا نعرف اليوم أنّ سيادة العقل هذه لم تكن سوى سيادة البرجوازية المصوّرة بصورة المثال الأعلى ، و أنّ العدالة الخالدة تجسّدت فى العدالة البرجوازية ، و أنّ المساواة تلخصت فى المساواة المدنية أمام القانون و أنّ الملكية البرجوازية ... أعلنت أوّل حق من حقوق الإنسان . و أنّ دولة العقل - العقد الإجتماعي الذى وضعه روسو - قد رأت النور بشكل جمهورية ديمقراطية برجوازية ، و لم يكن بالإمكان أن يحدث ذلك على غير هذا الشكل فإنّ كبار مفكّري القرن الثامن عشر ، شأنهم شأن جميع أسلافهم ، لم يكن بوسعهم تخطّى الحدود التى فرضها عليهم عصرهم ." ( إنجلز " الإشتراكية الطوباوية و الإشتراكية العلمية " ، مكتبة الإشتراكية العلمية ، دار التقدّم موسكو ، بالعربية ، الصفحة 39 - 40).

هذا ما جاء على لسان إنجلز سنة 1880 ، هذا ما أثبته الواقع بشأن تلك الشعارات حينها غير أنّ الحزب الوطني الديمقراطي الموحّد بعد القرن و ثلث القرن ، فى عصر الإمبريالية و الثورة الإشتراكية و ليس فى عصر الرأسمالية و الثورة البرجوازية الديمقراطية القديمة ، و بعد أن إفتضح حتى أمر " الديمقراطية " البرجوازية فى البلدان الإمبريالية ، يسعى لإحياء ما مات وشبع موتا من السخافات البرجوازية التى سفّهها الواقع أيّما تسفيه . طالين وجوههم بطلاء "ماركسي- لينيني" ينشر مؤسّسو هذا الحزب " التقدّمي" السموم الديمقراطية البرجوازية و يتقهقر إلى المثل العليا البرجوازية للقرن 18. فلا يسعنا إلاّ أن ننعت هؤلاء الذين إبتذلوا التعاليم الشيوعية الثورية بإجتثاث مضمونها و ثلم نصلها الثوري و تعويضها بالمثل العليا البرجوازية للقرن 18 بالنكوصيين الرجعيين . " ( إنتهى المقتطف )

ونتناول من زاوية أخرى مجالس حماية الثورة التى أرّقت كاتبنا بشير الحامدي فنقول نظرا لأنّ " الثورة " المدّعاة لم تخلق مؤسّساتها، لم تنشأ بديلا أي دولة جديدة بمؤسساتها المختلفة ، لم يكن عمل تلك اللجان سوى حماية المواطنين فى الأحياء أوّلا و هذا مجرّد دفاع عن الذات ضد هجمات حقيقيّة أم خياليّة لبعض الرجعيين لا غير ، و ثانيا حماية بقيّة مؤسسات دولة الإستعمار الجديد السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و ليتذكّر الجميع التنسيق بين تلك اللجان و بين الشرطة و الجيش و غيرها من مؤسسات دولة الإستعمار الجديد . هذه حقيقة يتعمّد التغاضي عنها بمثالية و براغماتية الكثيرون من دعاة " الثورة " .
2- إهدار البعد الأممي للنضال و العصر :
دون كبير عناء ، يستطيع متفحّص الخطّ الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي لكاتبنا التروتسكي الخلفيّة إدراك أنّ هذا المناضل صار ينظّر و يمارس و كأنّ الصر اع الطبقي فى القطر فى معزل عن مجريات الصراع الطبقي و الوطني والقومي إلخ فى العالم . و بصيغة أخرى ، ينحو هذا السيّد إلى فصل نضالات الجماهير الشعبيّة فى القطر و آفاقها عن نضالات شعوب العالم والبروليتاريا العالمية و آفاقها المستقبليّة العالمية. مشروعه مشروع محدود جغرافيّا فى أبعاده كما هو محدود فكريّا . هو يهدر البعد الأممي صراحة فى حين لطالما تبجّح التروتسكيّون بالأممية ( أمميّتهم التروتسكيّة التى لا داعى هنا للتوغّل فى نقاشها ).
و هذا منه و من معه و من الذين كان ينتمى إليهم ، رابطة اليسار العمّالي ، شيء من مأتاه لا يستغرب . و قد لاحظنا أنّ هذه الرابطة نفسها لم تتراجع كما السيّد الحامدى عن ماضيها التروتسكي و حسب بل عن " أمميّتها " المزعومة أيضا و ذلك فى سياق التوّجه إلى العمل القانوني و الإنخراط فى " الإنتقال الديمقراطي " والإنتهاء إلى لعب دور " قوّة إقتراح " و تقديم الخبرات و المقترحات ضمن الجبهة الشعبية لتعزيز دولة الإستعمار الجديد . ولا أدلّ على ذلك من أمرين إثنين أوّلهما تسجيل فيديوعلى اليوتيوب فيه يؤكّد المنسّق العام لتلك الرابطة ، نزار عمامى حقيقة ما نذهب إليه :
https://www.youtube.com/watch?v=tu-3254QZqw
( نزار عمامي منسّق عام رابطة اليسار العمالي يعرّف بنفسه برنامج أحزاب وبرامج على قناة نسمة 23/10/2014 )
و ثانيهما ، تخلّى فتحى الشامخي عن الكتابة فى مجلّة " الثورة المستمرّة " منذ أن أمسى عضوا بما يسمّى مجلس نواب الشعب و العدد السادس من هذه المجلّة يجلى هذه الحقيقة إذ هو العدد الوحيد الذى لم يتضمّن مقالا لذلك الكاتب .
و فى السياق عينه ، يهدر السيّد الحامدي العصر و تناقضاته و تحليلهما علميّا ماديا جدليّا . إنّه يهيل التراب على أنّ هذا العصر عصر الإمبريالية و الثورة الإشتراكية ( وحدة أضداد/ تناقض ) . و هذا التحديد المادي الجدلي ليس ترفا فكريّا أو مسألة ثانويّة فى النضال الشيوعي الثوري بل هو مسألة مركزيّة فصّلنا القول فى مدى أهمّيتها مثلا فى الفصل الأوّل من كتابنا الناقد لماركسيّة سلامة كيلة . و من اليسير للغاية فهم أنّ أيّة ثورات لا تندرج فى إطار الثورة الإشتراكية بتيّاريها ( الثورة الديمقراطية الجديدة / الوطنية الديمقراطية فى المستعمرات و أشباه المستعمرات و المستعمرات الجديدة و الثورة الإشتراكية فى البلدان الرأسمالية الإمبريالية ) بقيادة البروليتاريا و الإيديولوجيا الشيوعية و هدفها الأسمى الشيوعية على النطاق العالمي ، لن تخرج عن إطار النظام الإمبريالي العالمي و الأدلّة على ذلك كثيرة فى القرن العشرين و القرن الواحد و العشرين .
هذا بالنسبة للثورات حتّى تلك المسلّحة منها فما بالك بإنتفاضات غير مسلّحة . حركات تحرّر كانت ثوريّة إستوعبها النظام الإمبريالي العالمي ، برجوازيّات وطنيّة حوّلها هذا النظام الإمبريالي العالمي إلى برجوازيّات كمبرادوريّة و هكذا . و من لديه أدنى ظلّ للشكّ ننصحه بإلقاء نظرة على ما حصل لحركات التحرّر الوطني فى سبعينات القرن العشرين و ثمانيناته فى آسيا و أفريقيا و أمريكا اللاتينيّة و إلى ما حصل فى العقود الأخيرة فى بلدان أمريكا اللاتينية .
3- غياب الشيوعية كغاية أسمى :
و فى إرتباط بهتين النقطتين اللتين تطرّقنا لهما للتوّ ، يسطع بنوره البرّاق غياب الشيوعية كغاية أسمى وهي الحلّ الوحيد الفعّال لمعالجة مشكل الإمبريالية و الرجعيّة و الإضطهاد والإستغلال الجندري و الطبقي و القومي و تحرير الإنسانية . و ببساطة غياب هذا الهدف يعنى مرّة أخرى أنّ مشروع الحامدي لا يتغيّى تحرير الإنسانيّة هدفا أسمى له بل هو دون ذلك بكثير و يتنزّل فى إطار العالم الراهن ، النظام الإمبريالي العالمي السائد و لا يخرج عنه و بالتالى لا حاجة له إلى عالم آخر مغاير راديكاليّا .
و ليس بالعسير فهم من يدّعى موت الإيديولوجيّات ( و الشيوعية إيديولوجيا : " الشيوعية هي نظام كامل للإيديولوجيا البروليتارية وهي فى نفس الوقت نظام إجتماعي جديد . وهذا النظام الإيديولوجي والإجتماعي يختلف عن أي نظام إيديولوجي و إجتماعي آخر ، وهو أكثر النظم كمالا و تقدّمية و ثورية و منطقية فى التاريخ الإنساني ." ( " حول الديمقراطية الجديدة " 1940 ، المجلّد الثاني من مؤلفات ماو تسى تونغ المختارة ، الصفحة 25 من " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " ).) و من لا يهتمّ برفع وعي الجماهير و بالنظرية الثوريّة من أجل إنشاء حركة ثوريّة و من يهدر العصر و تناقضاته و البعد الأممي للنضال و متطلّباته و من يتحدّد مشروعه ضمن إطار دولة الإستعمار الجديد و النظام الإمبريالي العالمي أن يغيّب الشيوعية كغاية أسمى و الحال أنّها البديل الوحيد القادر على تحرير لا طبقة أو شعب وحسب بل الإنسانيّة قاطبة .
و من اللافت للنظر أنّ تقريبا جميع التحريفيين و الإصلاحيين المتمركسين ، لأسباب متباينة و متنوّعة منها الهجمة الإيديولوجية الإمبريالية و الرجعيّة على الشيوعية منذ عقود الآن ، طفقوا يتخلّون ، بعد تخلّيهم قبل سنوات أو عشرات السنين أو منذ تأسيسهم عن الشيوعية كغاية أسمى و ما تفرضه من صراعات و نضالات و أساليب عمل و تنظيم إلخ ، يتخلّون حتّى عن وصف الشيوعى على غرار ما قام به حزب العمّال الشيوعي التونسي الذى أضحى منذ بضعة سنوات حزب العمّال التونسي فالشيوعية لم تعد الغاية الأسمى و وقع تعويضها بالإشتراكية كشيء مقبول حتّى من الطبقات الرجعيّة و لا ننسى أنّ حزب بورقيبة و الذى غيّر إسمه بن علي كان يسمّى الحزب الإشتراكي الدستوري ! و لنتذكّر معا شعار المؤتمر التأسيسي لرابطة اليسار العمّالي فى نهاية سبتمبر 2013 : " الإشتراكية أفقنا والحزب الثوري آداتنا "!
من الوطنيين الديمقراطيين بجميع تلويناتهم تقريبا إلى حزب العمّال إلى التروتسكيين ، باتت الغاية الأسمى هي الإشتراكية . حلّت الإشتراكية محلّ الشيوعية و الحال أنّها ( الإشتراكية ) ليست ماركسيّا سوى مرحلة إنتقالية بين الرأسمالية و الشيوعية ( أنظروا كتاب لينين " الدولة و الثورة " ) وهي مجتمع طبقي قابل للإرتداد إلى الرأسماليةّ .هذا بغضّ النظر عن مضمون الإشتراكيّة الذى صيّروه مضمونا رأسماليّا لا غير .
و فى أتون الصراعات المحتدمة ضد هذا الضرب من التحريفيّة على يد المتمركسين و أشباههم ، كتبنا فى العدد الثاني من نشريّة " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! " ، أفريل 2011 :


" الشيوعية ، لا الإشتراكية العلمية :
وعادة ما تعرّف الجماعات - و نخصّص هنا الحديث أساسا عن" الوطنيين الديمقراطيين الماركسيين اللينينيين"، الوطد- التي تدعى الإنضواء تحت لواء الشيوعية نفسها- إيديولوجيا بأنّها تتبنّى الإشتراكية العلمية وهذا منها فى يوم الناس هذا خطأ نظري نشرحه فى الحال.

و مثلما سجّلنا بالعدد الأوّل من نشرية " لا حركة شيوعية ثورية دون ماوية !" ،ضمن مقال " الديمقراطية البرجوازية القديمة ام الديمقراطية الجديدة الماوية " الإشتراكية إشتراكيات ( و الشيوعية اليوم شيوعيات) :" و يكفى بهذا المضمار التذكير بعنوان كتاب إنجلز " الإشتراكية العلمية و الإشتراكية الطوباوية " من ناحية أولى ؛ و فقرات ماركس و إنجلز فى البيان الشيوعي :" الإشتراكية الرجعية : أ- الإشتراكية الإقطاعية ب- الإشتراكية البرجوازية الصغيرة ج- الإشتراكية الألمانية و الإشتراكية "الحقّة" ، الإشتراكية المحافظة أو البرجوازية ، من ناحية ثانية؛ و مقالات لينين عن الإشتراكية الديمقراطية و عن الإشتراكية الإمبريالية من ناحية ثالثة ؛ و كتابات الشيوعيين الماويين،زمن ماو و بعده، عن الإمبريالية الإشتراكية و عن مفهوم الإشتراكية دون صراع طبقي الخوجية و عن الإشتراكية ( دكتاتورية البروليتاريا و نمط إنتاج) كمرحلة إنتقالية من الرأسمالية إلى الشيوعية مديدة تعجّ بالصراعات الطبقية و تتضمنّ كلا من إمكانية التقدّم نحو المجتمع الشيوعي العالمي و إمكانية إعادة تركيز الرأسمالية ..."

قال إنجلز فى مستهلّ المقال الأوّل من كرّاسه المنشور سنة 1892 " الإشتراكية الطوباوية و الإشتراكية العلمية " : " إنّ الإشتراكية العصرية ، من حيث مضمونها هي فى المقام الأوّل ، نتيجة لملاحظة التناقضات الطبقية السائدة فى المجتمع العصري بين المالكين و غير المالكين ، بين الرأسماليين و العمّال الأجراء ، من جهة ،و لملاحظة الفوضى السائدة فى الإنتاج من جهة أخرى. و لكن هذه الإشتراكية تبدو فى البدء ، من حيث شكلها النظري ، كأنّها مجرّد إستمرار ، أكثر تطوّرا و إنسجاما ، للمبادئ التي صاغها المنورون الفرنسيون الكبار فى القرن الثامن عشر"

و عند نهاية هذا المقال الأوّل ، خلص إنجلز إلى أنّ " و لهذا لم تعد تبدو الإشتراكية الآن إكتشافا حققه من قبيل الصدفة هذا العقل العبقري أو ذاك ، بل صارت تبدو نتيجة ضرورية للنضال بين الطبقتين الناشئتين تاريخيّا، البروليتاريا والبرجوازية.
و لم تبق مهمتها إبتداع نظام إجتماعي على أكثر ما يمكن من الكمال ، بل غدت دراسة التطوّر الإقتصادي التاريخي الذى أدّى بالضرورة إلى نشوء هاتين الطبقتين و إلى نشوء الصراع بينهما ،و إيجاد الوسائل فى الوضع الإقتصادي الناجم عن هذا التطوّر ، من أجل تسوية النزاع. و لكن الإشتراكية السابقة لم تكن متلائمة مع هذا الفهم المادي للتاريخ مثلما كان فهم الماديين الفرنسيين للطبيعة غير متلائم مع الديالكتيك و مع علم الطبيعة الحديث."( الطبعة العربية ، دار التقدّم موسكو ،ص 38 و 65) .

إذن نشأت الإشتراكية العصرية مع المجتمع العصري نتيجة صراع الطبقتين الناشئتين البروليتاريا و البرجوازية و بدأت أقرب إلى أفكار فلاسفة الأنوار –القرن 18- " و إكتشافا من قبيل الصدفة هذا العقل العبقري أو ذاك" لتغدو إشتراكية علمية بما هي تعتمد دراسة التطوّر الإقتصادي التاريخي ، و الفهم المادي التاريخي لذلك صارت تسمّى إشتراكية علمية بعدما كانت طوباوية.و عليه الإشتراكية كوحدة أضداد ،تناقض إنقسمت ( بمعنى "إزدواج الواحد" اللينيني و الماوي) إلى طوباوية و علمية كمظهري هذا التناقض. و تمكّنت الإشتراكية العلمية من إلحاق الهزيمة بالإشتراكية الطوباوية و سادت عالميّا إلاّ أنّ هذه الإشتراكية العلمية ستشهد هي ذاتها صراعات داخلية ستفرز عديد التياّرات أهمّها التياّر الماركسي الذى لن يفتأ يتطوّر هو ذاته و " ينقسم " ( بمعنى إزدواج الواحد) فى مسيرة نموّه و حركة تطوّره إلى اليوم.

" حتى بين المذاهب المتعلّقة بنضال الطبقة العاملة و المنتشرة بخاصة فى صفوف البروليتاريا ، لم ترسّخ الماركسية مواقعها دفعة واحدة ... و حين حلّت الماركسية محلّ النظريات المعادية لها ،و المتجانسة بعض التجانس، سعت الميول التي كانت تعبّر عنها هذه النظريات وراء سبل جديدة. فقد تغيّرت أشكال النضال و دوافعه ، و لكن النضال مستمرّ ...بنضال التيار المعادي للماركسية فى قلب الماركسية... لقد منيت إشتراكية ما قبل الماركسية بالهزيمة ، وهي تواصل النضال ، لا فى ميدانها الخاص ، بل فى ميدان الماركسية العام، بوصفها نزعة تحريفية."( لينين: المختارات فى ثلاثة مجلدات ، المجلد الأوّل، الجزء الأوّل، ص 86-87 ضمن نص " الماركسية و النزعة التحريفية" ).و" أدّى النضال ضد المحرّفين إلى نهوض مثمر فى تفكير الإشتراكية العالمية النظري بقدر ما أدّى جدال إنجلس مع دوهرينغ قبل عشرين سنة." ( مصدر سابق ، ص 89) و يخلص لينين إلى أنّ " نضال الماركسية الثورية الفكري ضد النزعة التحريفية ، فى أواخر القرن التاسع عشر، ليس سوى مقدّمة للمعارك الثورية الكبيرة التي ستخوضها البروليتاريا السائرة إلى الأمام ، نحو إنتصار قضيّتها التام، رغم كلّ تردّد العناصر البرجوازية الصغيرة و تخاذلها." ( المصدر السابق ، ص 95).

و" التحريفية هي شكل من أشكال الإيديولوجية البرجوازية . إن المحرفين ينكرون الفرق بين الإشتراكية و الرأسمالية و الفرق بين دكتاتورية البروليتاريا و دكتاتورية البرجوازية . و الذى يدعون إليه ليس بالخط الإشتراكي فى الواقع بل هو الخط الرأسمالي " (ماو تسي تونغ : خطاب فى المؤتمر الوطنى للحزب الشيوعي الصيني حول أعمال الدعاية ، مارس 1957 )

و يبرز جليّا أن الإشتراكية التي إنكبّ إنجلز على الخوض فيها فى ذلك الكرّاس تحيل على الصراع الطبقي و المادية التاريخية و هذا لا يعدو أن يكون مكوّنا من مكوّنات الماركسية الثلاثة وهو ما أكّده لينين فى " مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكوّنة الثلاثة " حيث إعتبر مذهب ماركس " بوصفه التتمّة المباشرة الفورية لمذاهب أعظم ممثلى الفلسفة و الإقتصاد السياسي و الإشتراكية " ( لاحظوا جيّدا أنّه لم يستعمل مصطلح " الإشتراكية العلمية " بل فقط " الإشتراكية " مثلما فعل فى كرّاس " كارل ماركس " ). ف" مذهب ماركس "، الماركسية ،:" هو الوريث الشرعي لخير ما أبدعته الإنسانية فى القرن التاسع عشر: الفلسفة الألمانية ، و الإقتصاد السياسي الإجليزي،و الإشتراكية الفرنسية .و إنّنا ستناول مصادر الماركسية الثلاثة هذه ،التي هي فى الوقت نفسه أقسامها المكوّنة الثلاثة."( لينين ، المختارات فى ثلاثة مجلدات ، المجلد 1، الجزء 1، ص 78/79).

و من هنا لا يفعل من يريد أن يماثل بين الماركسية أو الشيوعية و " الإشتراكية العلمية" سوى العودة إلى ما قبل لينين و اللينينية و ليّ عنق الشيوعيين إلى الخلف، نحو القرن 19 . وهذا بوضوح إنحراف نظري و كذلك تنازل نظري – سياسي يهدونه على طبق لأعداء الشيوعية مقدّمين أنفسهم بتعلّة عدم تنفيرالجماهير ،على أنّ هدفهم الأسمى بالتالى هو الإشتراكية و ليس الشيوعية بطورها الأدنى الإشتراكية و طورها الأعلى الشيوعية ، وفق كتاب لينين " الدولة و الثورة" ، يتوصلون إليه عبر الصراع الطبقى الذى تعترف به و تقرّه حتى البرجوازية و الذى لا يحدّد بحدّ ذاته من هو الماركسي.
فى رسالة وجهها ماركس إلى فيدميير ،بتاريخ 5 مارس /أذار 1852 ،أعرب عن أنّه :

" فيما يخصنى ليس لى لا فضل أكتشاف وجود الطبقات فى المجتمع المعاصر و لا فضل إكتشاف صراعها . فقد سبقنى بوقت طويل مؤرخون برجوازيون بسطوا التطوّر التاريخي لصراع الطبقات هذا ، و إقتصاديون برجوازيون بسطوا تركيب الطبقات الإقتصادي .و ما أعطيته من جديد يتلخّص فى إقامة البرهان على ما يأتى :

1"- إن وجود الطبقات لا يقترن إلاّ بمراحل تاريخية معينة من تطوّر الإنتاج 2- إنّ النضال الطبقي يفضى بالضرورة إلى ديكتاتورية البروليتاريا ، 3- إنّ هذه الديكتاتورية نفسها ليست غير الإنتقال إلى القضاء على كلّ الطبقات و إلى المجتمع الخالى من الطبقات...".و معلّقا على ذلك ، كتب لينين: " ...الأمر الرئيسي فى تعاليم ماركس هو النضال الطبقي هذا ما يقال و ما يكتب بكثرة كثيرة. بيد أنّ هذا غير صحيح. و عن عدم الصحة هذا تنتج ،الواحد بعد الآخر ، التشويهات الإنتهازية للماركسية و ينتج تزويرها بحيث تصبح مقبولة للبرجوازية. ذلك لأنّ التعاليم بشأن النضال الطبقي لم توضع من قبل ماركس، بل من قبل البرجوازية قبل ماركس ، وهي بوجه عام مقبولة للبرجوازية. و من لا يعترف بغير نضال الطبقات ليس بماركسي بعد ،و قد يظهر أنّه لم يخرج بعد عن نطاق التفكير البرجوازي و السياسة البرجوازية. إنّ حصر الماركسية فى التعاليم بشأن النضال الطبقي يعنى بتر الماركسية و تشويهها و قصرها على ما تقبله البرجوازية. ليس بماركسي غير الذى يعمّم إعترافه بالنضال الطبقي على الإعتراف بديكتاتورية البروليتاريا. و هذا ما يميّز بصورة جوهرية الماركسي عن البرجوازي الصغير ( وحتى الكبير) العادي."( لينين،" الدولة و الثورة " ص 35-36 ،الطبعة العربية، دار التقدّم موسكو).

و نستشفّ ممّا تقدّم أنّ دعاة " الإشتراكية العلمية" بكلمات لينين يشوّهون الماركسية بإنتهازية و يزوّرونها و يبترونها لتصبح مقبولة للبرجوازية . و يتغافلون عن ما يميّز " بصورة جوهرية" الماركسي عن غيره. و لئن عرّف لينين حينها الماركسي بمن" يعمّم إعترافه بالنضال الطبقي على الإعتراف بديكتاتورية البروليتاريا" فإنّ الشيوعيين الثوريين الماويين ، وبعد مراكمة تجارب إشتراكية بقيادة أحزاب شيوعية فى الإتحاد السوفياتي و الصين خاصة ، يضيفون أنّ الماركسي صار من يعترف بتواصل وجود الطبقات و التناقضات الطبقية و التناحرالطبقي فى ظلّ الإشتراكية و بضرورة مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا( نظرية مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا كما صاغها ماو و طبّقها فى خضمّ الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى. )

وننهى هذه النقطة بالتأكيد على أنّ إيديولوجيتنا هي الشيوعية و ليست الإشتراكية العلمية و الشيوعية ، قال ماوتسى تونغ فى " حول الديمقراطية الجديدة" ( 1940 ،م 2) " هي نظام كامل للإيديولوجيا البروليتاري وهي فى نفس الوقت نظام إجتماعي جديد. و هذا النظام الإيديولوجي و الإجتماعي يختلف عن أي نظام إيديولوجي و إجتماعي آخر ، وهو أكثر النظم كمالا و تقدّمية و ثورية و منطقية فى التاريخ الإنساني."
( إنتهى المقتطف )
و مجادلين سلامة كيلة فى الكتاب الذى مرّ بنا ذكره ( " نقد ماركسية سلامة كيلة إنطلاقا من شيوعية اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية " ) بشأن المفهوم الماركسي للإشتراكية ، و عقب تناول رأيه بالبحث و النقد ، وضعنا الفقرات التالية لإجلال الحقيقة الماديّة الموضوعية :
" ت- مفهوم الإشتراكية وفق الخلاصة الجديدة للشيوعية :
إثر تفحّص عميق و دقيق للتجربة الإشتراكية السوفياتيّة و الصينيّة ، توصّل بوب أفاكيان ، رئيس الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية ، إلى تلخيص مفاده أنّ الإشتراكية أشياء ثلاثة مترابطة و متداخلة و متشابكة .
الإشتراكية نمط إنتاج يقوم أساسا على الملكيّة العامة والجماعية التعاونيّة ( و الموضوع يحتاج نقاشا ليس هذا مجاله ) و يعمل على تلبية حاجيات الجماهير الشعبيّة حسب إقتصاد مخطّط و كلّ ذلك بناءا على مبدأ " كلّ حسب عمله " .
و الإشتراكية سلطة سياسيّة هي دكتاتوريّة البروليتاريا بما هي سلطة الطبقة العاملة و حلفاءها تمارس الديمقراطية صلب الشعب و تحمى حقوق الطبقات الشعبيّة و أهمّها حق تقرير مسار المجتمع من جهة ؛ و الدكتاتوريّة تجاه أعداء الشعب من بقايا الطبقات المستغِلّة القديمة أو الفئات الأخرى القديمة و الجديدة التى تسعى إلى إعادة تركيز الرأسماليّة .
و الإشتراكيّة ، ثالثا ، و هذا غاية فى الأهمّية ، مرحلة إنتقاليّة نحو الشيوعية تحتمل التراجع إلى الرأسماليّة نظرا لتضمّن بنيتها التحتيّة و بنيتها الفوقيّة و إفرازاتهما بإستمرار عناصر تمضى إن لم تقع محاصرتها و تحديدها إلى تشكيل قاعدة قويّة للإنقلاب على الإشتراكية و إعادة تركيز الرأسماليّة .
و الأساسي و الرئيسي من ضمن هذه العناصر الثلاثة ، كما يقول بوب أفاكيان ، هو أنّ الإشتراكية مرحلة إنتقاليّة نحو الشيوعيّة .
لقد أعرب ماركس منذ أكثر من قرن الآن عن أنّ :
1- " ... بين المجتمع الرأسمالي و المجتمع الشيوعي تقع مرحلة تحوّل الرأسمالي تحوّلا ثوريّا إلى المجتمع الشيوعي و تناسبها مرحلة إنتقال سياسية أيضا ، لا يمكن أن تكون الدولة فيها سوى الديكتاتورية الثورية للبروليتاريا ..."
( " نقد برنامج غوتا " و ذكره أيضا لينين فى " الدولة و الثورة " ، الصفحة 92 ) .
2- " إنّ ما نواجه هنا ليس مجتمعا شيوعيّا تطور على أسسه الخاصّة ، بل مجتمع يخرج لتوه من المجتمع الرأسمالي بالذات ؛ مجتمع لا يزال ، من جميع النواحي ، الإقتصادية و الأخلاقية و الفكرية ، يحمل طابع المجتمع القديم الذى خرج من أحشائه ".
( ذكره لينين فى " الدولة و الثورة " ، الصفحة 98 ).
و لكن الحزب الشيوعي السوفياتي و على رأسه ستالين ، صاغ دستور 1936 وفيه أعلن وجود طبقة العمّال و طبقة الفلاّحين و فئة من الأنتلجنسيا لا غير بما يعنى عدم وجود صراع طبقي و برجوازية جديدة إلخ . و كان هذا خطأ فادحا سيعمل ماو تسى تونغ على تجاوزه .
و فى محاضرة له عنوانها " الإشتراكية أفضل من الرأسمالية و الشيوعية ستكون أفضل حتى ! " ( شادي الشماوي ،" عالم آخر، أفضل ضروري و ممكن، عالم شيوعي ... فلنناضل من أجله !!!" ، مجلّة " الماويّة : نظريّة و ممارسة " عدد 2 ؛ مكتبة الحوار المتمدّن ) ، لخّص ريموند لوتا ، عالم الإقتصاد المتبنّى للخلاصة الجديدة للشيوعية ، مفهوم الإشتراكية على النحو التالي :
" ماذا نقصد بالإشتراكية ؟ على عكس ما يعتقد البعض ليست الإشتراكية دولة عناية إلاهية عظمى و لا تعنى أيضا دولنة الإقتصاد الرأسمالي . فالإشتراكية مرحلة المرور من الرأسمالية إلى الشيوعية أي إلى مجتمع خال من الطبقات. الإشتراكية هي مرحلة التحويل الذى تنجزه البروليتاريا و حلفاؤها – الذين يمثلون الغالبية الساحقة فى المجتمع – للهياكل الإقتصادية و العلاقات الإجتماعية و الأفكار التى تهدف إلى تأبيد الإنقسامات الإجتماعية و الإنقسامات الطبقية . و تسمح الإشتراكية بتحرير القدرة الخلاقة و المبادرة لدى الذين تبقى عليهم الرأسمالية في قاع المجتمع.
و ستؤسس الثورة الإشتراكية نظاما سياسيا جديدا تماما هو دكتاتورية البروليتاريا . و هذا النظام سيضع الطبقات الإستغلالية القديمة و الأشخاص الذين يعملون بنشاط على قلب النظام الجديد تحت مراقبة شديدة . أما بالنسبة للجماهير فستوفّر دكتاتورية البروليتاريا الحق و القدرة على تغيير العالم و المساهمة فى جميع المجالات الإجتماعية و على التحوّل إلى سادة المجتمع .
و ستركز الثورة الإشتراكية إقتصادا جديدا مخطّطا ، قائما على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج و سيتعاون الناس لضمان تلبية حاجيات الجميع . وفضلا عن ذلك سيجرى تحديد أولويات إقتصادية و إجتماعية جديدة . و ستمارس البروليتاريا دكتاتوريتها على الرأسماليين و ستحلّ محلهم نظاما يشجع على القضاء على الرأسمالية. و على الجماهير و نواتها القيادية أن تدافع بضراوة عن سلطتها الجديدة و لكن هذا لن يكون غاية في حدّ ذاته إذ يتعين أن تستعمل السلطة الجديدة لفائدة الإنسانية جمعاء و من أجل إيجاد ظروف توفّر إمكانية ظهور المجتمع الشيوعي. "
( إنتهى المقتطف من " الإشتراكية أفضل من الرأسمالية و الشيوعية ستكون أفضل حتى ! " )
[ و قد أجلى ماركس مضمون الإشتراكية فى علاقة بالشيوعية بهذه الكلمات :
" هذه الإشتراكيّة إعلان للثورة المستمرّة ، الدكتاتوريّة الطبقيّة للبروليتاريا كنقطة ضرورية للقضاء على كلّ الإختلافات الطبقية ، و للقضاء على كلّ علاقات الإنتاج التى تقوم عليها و للقضاء على كلّ العلاقات الإجتماعية التى تتناسب مع علاقات الإنتاج هذه ، و للقضاء على كلّ الأفكار الناجمة عن علاقات الإنتاج هذه ".

( كارل ماركس ، " صراع الطبقات فى فرنسا من 1848 إلى 1850" ، ذكر فى الأعمال المختارة لماركس و إنجلز ، المجلّد 2 ، الصفحة 282 ).]

ث- تطوير ماو تسى تونغ للإشتراكية :
لم يهمل ماوتسى تونغ الإنقلاب التحريفي فى الإتحاد السوفياتي ، عقب وفاة ستالين و إعادة تركيز الرأسمالية هناك بل درسه بعمق وشموليّة و إستخلص دروسا قيّمة ساعدته فى فهم ما حدث هناك و مقاومة التحريفيّة المعاصرة و على رأسها التحريفية السوفياتية الخروتشوفية ( و تحريفية تيتو اليوغسلافي و توراز الفرنسي و تغلياتي الإيطالي ...) و كانت موجة التحريفية تكتسح معظم الأحزاب الشيوعية ؛ و حتّى الخطوط التحريفيّة التى أطلّت برأسها فى صفوف الحزب الشيوعي الصيني ذاته . فشهدت ستّينات القرن العشرين و سبعيناته تطوير ماو تسى تونغ لنظريّة و ممارسة مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا .
و قد إعتبرت الحركة الأممية الثوريّة ( نواة أممّية للمنظّمات و الأحزاب الماويّة نشطت من 1984 إلى 2006 ) فى بيانها سنة 1984 أنّ مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا هي حجر الزاوية فى تطويرات ماو تسى تونغ للماركسية – اللينينية بمصادرها و مكوّناتها الثلاثة : الفلسفة و الإقتصاد السياسي و الإشتراكية .
وفى الأشهر الأخيرة نشر شادي الشماوي على موقع الحوار المتمدّن ترجمة لفضول كتاب ألّفه بوب أفاكيان سنة 1978-1979 يشرح فيه " المساهمات الخالدة لماو تسى تونغ " و فى الفصل المخصّص لتطوير ماو للإشتراكية شرح مستفيض لنظريّة و ممارسة مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا . و هنا ليس بوسعنا سوى ذكر بعض أطروحاتها بشكل يكاد يكون برقي لا غير لأنّ الخوض فيها يستدعى عشرات الصفحات و المجال هنا لا يحتمل ذلك ، فضلا عن أنّنا نقدّر أنّ فصل كتاب بوب أفاكيان المخصّص لهذا الغرض كافي و شافي .
وإليكم جملة من أهمّ أطروحات نظريّة مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا :
- تواصل وجود الطبقات و الصراع الطبقي فى ظلّ الإشتراكية .
- الحزب الشيوعي بما هو قائد الدولة و الماسك بأهمّ مفاصلها و بأهمّ مقاليد تسيير المجتمع هو مركز الصراعات و بإستمرار يشهد صراع خطّين بين الطريق الراسمالي و الطريق الإشتراكي و لئن إنتصر الخطّ الرأسمالي يجدّ إنقلاب تحريفي و تتمّ إعادة تركيز الرأسمالية .
- صعود التحريفية إلى السلطة يعنى صعود البرجوازية إلى السلطة .
- تنشأ برجوازية جديدة صلب الحزب و هياكل الدولة أهمّ ميزاتها هي الدفاع عن سياسات توسيع الحقّ البرجوازي بينما تسعى القوى الثوريّة إلى تقليصه إلى أقصى الحدود الممكنة .
- وسيلة وطريقة مكافحة التحريفيّة صلب الحزب أي أتباع الطريق الرأسمالي و تثوير صفوف الحزب هي الثورة الثقافيّة.
و قد مورست هذه النظريّة فى الصين الماوية طوال عشر سنوات هي سنوات الثورة الثقافيّة البروليتارية الكبرى 1966-1976 و كانت عظيمة بعبرها و تأثيرها المحلّى و العالمي و مثّلت حقّا قمّة ما بلغته الإنسانيّة فى تقدّمها صوب الشيوعية لذلك تعرّضت و لا تزال لأكبر التشويهات الإمبريالية و الرجعية و التحريفية و بينما يرفع رايتها أنصار الخلاصة الجديدة للشيوعية ، يدير لها ظهرهم المتمركسون و حتّى الدغمائيّون من الماويّين أو يقلّلون من شأنها ."
( إنتهى المقتطف )
و على ضوء ما تقدّم بات جليّا لنا أنّ السيّد الحامدي يحمل مشروعا إصلاحيّا محدودا بإطار دولة الإستعمار الجديد و النظام الإمبريالي العالمي و إن بدا جذريّا لا صلة له سوى التناقض العدائي مع المشروع الشيوعي للثورة و تحرير الإنسانيّة .
==============================================================



تعليقات الفيسبوك