ضد تقديس العفويّة : لا حركة ثوريّة دون نظريّة ثوريّة - الفصل الثالث من - الخطّ الإيديولوجي و السياسي لبشير الحامدي و من معه ليس ثوريّا و إنّما هو إصلاحي لا يخرج عن إطار دولة الإستعمار الجديد و النظام الإمبريالي العالمي -


ناظم الماوي
2018 / 7 / 17 - 22:58     

ضد تقديس العفويّة : لا حركة ثوريّة دون نظريّة ثوريّة
الفصل الثالث من " الخطّ الإيديولوجي و السياسي لبشير الحامدي و من معه ليس ثوريّا و إنّما هو إصلاحي لا يخرج عن إطار دولة الإستعمار الجديد و النظام الإمبريالي العالمي "
مقدّمة :
فى القطر ، فى صفوف مناضلي و مناضلات " اليسار " بشكل عام على الجبهة النقابيّة و فى صفوف الناشطين و الناشطات السياسيين منهم ، قلّ من لا يعرف من قريب أو من بعيد السيد بشير الحامدي فهو منذ سنوات عديدة وجه من الوجوه البارزة فى معارضة البيروقراطية النقابيّة و فى نضالات قطاع التعليم الإبتدائي و فى تحرّكات ساحة محمد علي و شوارع العاصمة مساندة لإنتفاضة سيدى بوزيد و ما تلاها وصولا إلى الإنتفاضة الشعبيّة عبر القطر و مسيرات لا سيما 14 جانفي فى العاصمة و ما إنجرّ عنها .
و أيضا عرف شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة الرجل – و غيره طبعا – خطيبا و محرّضا و منظّما و صادحا بشعارات داعيا و آخرون إلى مواصلة ما أسموه بثورة الحرّية و الكرامة ( و هذا منهم خطأ نظري و عملي كما أثبتنا في كتاباتنا السابقة و كما أكّد الواقع الملموس ). و ما لا يرقى إليه شكّ كذلك مساهمته البارزة فى تنظيم و فعاليّات مؤتمر مجالس حماية الثورة بنابل فى 9 أفريل 2011 وفى التصدّى لما صار معروفا بالإلتفاف على" الثورة "، بطرق متباينة منها حركة عصيان إلخ و فى المدّة الأخيرة ، إطلاق مبادرة و تنظيم " المرصد النقابي "... ( و أكيد أنّنا لن نفي هذا المناضل حقّه بذكرنا ما ذكرنا دون سواه في هذا الباب ) .
إذن فى جانب النضال العملي تبوّأ مكانة لا ينكرها إلاّ متعامي عن الحقيقة غير أنّه لم يكن مناضلا ميدانيّا فحسب بل كان أيضا صاحب أفكار و آراء ، كاتبا أضحى منذ سنوات يحمل مشروعا مختلفا نوعيّا عن مشاريع كثيرة أخرى ضمن ما يطلق عليه البعض " اليسار " الماركسي ( و قد بيّننا فى دراساتنا و بحوثنا السابقة – مقالات و كتبا – أن الغالبيّة الغالبة من فرقه متمركسة لا غير ) وهو ما شدّنا إلى متابعة مقالاته على موقع الحوار المتمدّن و الإطّلاع على كتبه ( ليس جميعها ، هذا ما نقرّ به صراحة لعدم توفّرها غالبا بنسخ ورقيّة فى متناول العموم ، فى المكتبات ) بصفة متقطّعة فى الغالب الأعمّ و ذلك بالأساس لتركيزنا على مواضيع أخرى كنّا منكبّين على الإشتغال عليها ، إلاّ أنّنا من حين لآخر ، كلّما توفّر لنا متّسع من الوقت ، نلقى نظرة على ما أنتجه هذا الكاتب و لأكثر من مرّة قد جال بخاطرنا أن نتفاعل مع مقالاته و كتبه تفاعلا كتابيّا أي بصياغة ملاحضات أو مقالات إلخ بيد أنّ تقديرنا للأولويّات حال دون إنجازنا لما كنّا نزمع إنجازه أو هممنا بإنجازه فى عدّة مناسبات .
و ها قد حان الوقت للقيام باللازم و خوض المقارعة و السجال الفكري و مواجهة مشروعنا الشيوعي المتجسّد فى شيوعية اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعيّة الجديدة ، لمشروع السيد الحامدي ، فى إطار نقاش و جدال يستهدف من جانبنا توضيح خطوط التمايز و تبيان حقائق الخطوط الإيديولوجية و السياسية المنتشرة و تسليح المناضلات و المناضلين و الجماهير الواسعة بعلم الشيوعية لكي يغيّروا أنفسهم و يساهموا عن وعي بروليتاري فى تغيير الواقع تغييرا شيوعيا ثوريّا راديكاليّا فى سبيل المساهمة فى تحقيق الهدف الأسمى ألا وهو الشيوعية على النطاق العالمي .
و قد يبادر البعض بإثارة سؤال و ما فائدة هذه النقاشات و الجدالات النظريّة ؟ و الإجابة على بساطتها قد لا يرغب الكثيرون فى سماعها و قراءتها و إستيعابها تمام الإستيعاب ألا وهي حقيقة أنّه " لا حركة شيوعية ثورية دون نظريّة ثوريّة " ، مثلما شدّد لينين فى " ما العمل ؟ " حيث أكّد أيضا حقيقة أخرى هي أنّه " ينبغى للمرء أن يكون قصير النظر حتى يعتبر الجدال بين الفرق و التحديد الدقيق للفروق الصغيرة أمرا فى غير أوانه أو لا لزوم له. فعلى توطد هذا "الفرق الصغير" أو ذاك قد يتوقف مستقبل الإشتراكية – الديمقراطية الروسية [ الشيوعية ] لسنوات طويلة ، طويلة جدا. "
و كي لا تكون ثمرة عملنا مجرّد ملاحظات عابرة على هذا المقال أو ذاك و بغاية تقديم رؤية نقديّة لأهمّ أطروحات هذا الكاتب – دون الدخول فى نقاش كافة التفاصيل – تخوّل للقرّاء تكوين فكرة جيّدة على أساس صلب عن الخطّ الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي الذى يقف وراءه هذا المناضل و من معه ، إرتأينا أن ندرس نقديّا كتابا لبشير الحامدي هو " الحق فى الحقّ فى السلطة والثروة و الديمقراطيّة – قراءة فى مسار ثورة الحرّية و الكرامة " ، مع عدم إهمالنا لمقالات تطرح مسائلا مكمّلة أو تشرح مواقفا وردت فى ذلك الكتاب أو تزيد عليها أو تنقضها .
و من البدء نوضّح أنّ دراستنا النقديّة هذه لن تُعنى بكلّ التفاصيل و دقائق التفاصيل و إنّما ستركّز على محاور و مواضيع نعدّها حيويّة فى نقاش الخطّ الإيديولوجي و السياسي والتنظيمي لديه و فى معرفة كنه طرحه و مدى ثوريّته المدّعاة من عدمها . فالنقاط التى سنناقش ستساعدنا فى إدراك جوهر أطروحات هذا الكاتب و رؤيته بإختصار للمشكل و للحلّ . و نظرا للخلفيّة اليسارية التى يدّعيها و للأيديولوجيا الشيوعية التى نتبنّاها سنصارعه على قاعدة الماركسيّة و الواقع المادي الملموس تاريخيّا و حاضرا و منطلقنا هنا كما فى أعمال سابقة لنا صراحة و مباشرة هو شيوعية اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة بما هي الفكر الشيوعي الأكثر تقدّما و الأرسخ علميّا فى يومنا هذا . و قد بوّبنا نقدنا للخطّ الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي لبشير الحامدي وفق التخطيط الآتي ذكره :
- عن أيّة ثورة يتحدّثون ؟ إنّما هي إنتفاضة شعبيّة وقع الإلتفاف عليهاI
1- وجدت إنتفاضة و لم يوجد بتاتا بالمعنى العلمي الدقيق وضع ثوري
2- أطروحة أنّ ما حدث ثورة خاطئة وضارة
3- بثّ الأوهام برجوازية بصدد الدولة و الجيش
- قراءة غير علميّة للصراع الطبقي : منهج مثالي ميتافيزيقي و براغماتيII
1- التحليل المادي الجدلي فى مهبّ الريح
2- تحريفيون إصلاحيون و الشيء من مأتاه لا يستغرب
3- من أوهام المثاليّة الذاتية و البراغماتية
- ضد تقديس العفويّة : لا حركة ثورية دون نظريّة ثوريّة III
1- من التروتسكيّة إلى نوع من الفوضويّة ؛ المجالسيّة
2- دروس التجارب العمليّة
3- ضرورة الحزب و تناقضاته
- مشروع لا يخرج عن إطار دولة الإستعمار الجديد و النظام الإمبريالي العالمي IV
1- الديمقراطية البرجوازية : لا تحطيم للدولة القديمة و إنشاء دولة جديدة و لا تغيير لنمط الإنتاج
2- إهدار البعد الأممي للنضال و العصر
3- غياب الشيوعية كغاية أسمى
خاتمة :
الملاحق (4) : ( الملاحق 1 و 2 و 3 ترجمة شادي الشماوي نشرت على موقع الحوار المتمدّن )
1- لتحي الماركسية – اللينينية – الماوية
2- إعادة تصوّر الثورة و الشيوعية : ما هي الخلاصة الجديدة لبوب أفاكيان؟
3- الخلاصة الجديدة للشيوعية : التوّجه و المنهج و المقاربة الجوهريّين و العناصر الأساسيّة
4- محتويات نشريّة " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! " / من العدد 1 إلى العدد 35 – بقلم ناظم الماوي
---------------------------------------------------------------------------------------------------
III- ضد تقديس العفويّة : لا حركة ثوريّة دون نظريّة ثوريّة

1- من التروتسكيّة إلى نوع من الفوضويّة ، المجالسيّة :
لقد كان السيّد بشير الحامدي ينتمى إلى رابطة اليسار العمّالي التروتسكيّة المنزع و ظلّ فى صفوفها إلى وقت تأليفه الكتاب الذى ننقد لكنّنا لاحظنا أنّه فى حوار له مفتوح على صفحات الحوار المتمدّن - العدد: 3394 - 2011 / 6 / 12 - ( بشير الحامدي في حوار مفتوح مع القارئات و القراء حول: ثورة الحرية والكرامة في تونس وآفاقها ، دور ومكانة قوي اليسار والطبقة العاملة و النقابات ) تجنّب طاقته البوح بهذا الإنتماء فحين سأله المتدخّل أحمد علي : " من طروحتكم ارى انكم تروتسكين هل هذا صحيح " ، عمد إلى اللفّ و الدوران و لم يجب عن سؤاله إجابة مباشرة .
و هذا ينمّ طبعا عن رغبة منه واضحة جليّة فى عدم الخوض فى الموضوع و فى وضعه مسافة ما بينه و بين التروتسكيّة من جهة و بينه و بين المنظّمة التى إليها ينتمى من جهة ثانية . أمّا مدار الخلاف أو الخلافات فلا إشارة له مباشرة فى كتابات السيد الحامدى على حدّ علمنا .
و ستتعمّق هذه النزعة لتفرز تاليا إنفصالا بيّنا عن رابطة اليسار العمّالي و تشكيل هيئات العمل الثوري – حركة عصيان تونس . فقد دفعت حركة الصراع الطبقي إلى أن إلتحقت تلك الرابطة بصفة لا غبار عليها بركب الديمقراطية البرجوازية و العمل القانوني و تبعاته و اللهث وراء المواقع ، فى إطار سياسة الجبهة الشعبيّة الإصلاحيّة بقيادة حمّه الهمّامي بعدما كانت [ الرابطة ] سنة 2011 قاطعت الإنتخابات و دعت إلى مقاطعتها على أنّها لعبة إلتفاف على " الثورة " و من ثمّة ضرورة الإستمرار فى ما أطلقت عليه " الثورة المستمرّة فى تونس " . و بعدما كانت الرابطة تنتقد بأشكال متباينة أوضحها مواقف السيّد الحامدي الدور التآمري الذى إضطلع به الإتحاد العام التونسي للشغل ، غدت كبقيّة المنخرطين فى " الإنتقال الديمقراطي " تطبّل لهذا الإتحاد و تدعو للإلتفاف حوله و أفضل شاهد على ذلك بيان رابطة اليسار العمّالي بتاريخ 29 مارس 2012 و عنوانه جدّ معبّر " من أجل قطب عمالي شعبي حول الاتحاد العام التونسي للشغل " .
و هكذا يمكن إدراك أنّ إنفصال أو إنشقاق السيّد الحامدي و من معه عن تلك الرابطة أتى نتيجة صراع حول خطّ إيديولوجي و سياسي لا نملك صراحة وثائقه لنتفحّصه تفحّصاعلميّا . و البديل الذى تقدّم به السيّد الحامدي ليس شيئا آخر غير " التوجه الديمقراطي القاعدي " ( حسب تسميته فى الحوار أعلاه ) أي نوع من الفوضويّة ، المجالسيّة أطلق عليها هيئات العمل الثوري – حركة عصيان تونس . وهي هيئات غايتها مواصلة " الحراك الثوري " و " الثورة من جديد " فى تضارب مع الجبهة الشعبيّة و القوى التى إلتحقت ب " الإنتقال الديمقراطي " و النشاط ضمن هذا الإطار لا غير بكلّ ما يفرضه على عدّة مستويات .
و ليس بالغرابة بمكان أن يكون شعار مؤتمر رابطة اليسار العمّالي ( أو ما تبقّى منها ) سنة 2013 " الإشتراكية أفقنا و الحزب الثوري آداتنا " وهو فى تقديرنا ردّ مباشر على أطروحات الحامدي أكثر من أي شيء آخر . و قد أكّدت بيانات هذه الهيئات على مطالب ، و إن بدت للوهلة الأولى " ثوريّة " ، إصلاحية فى نهاية المطاف ، تحسين أوضاع فى إطار دولة الإستعمار الجديد و النظام الإمبريالي العالمي . وهي تمثّل حركة عصيان و نضيف إليه مدني شبيهة بتلك التى نشأت فى مصر تحت إسم حركة عصيان أيضا و تسعى إلى أهداف مشابهة .
و قد سبق لنا أن نقدنا جانبا من جوانب الخطّ الإيديولوجي و السياسي لهذه الهيئات فقلنا فى مقال " تونس الإنتخابات و الأوهام الديمقراطية البرجوازية و الشيوعيين بلا شيوعية "( العدد 22 من " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماوية ! "، ديسمبر 2014 ، مكتبة الحوار المتمدّن ) :
" إذا كانت الهيئات الثوريّة المستقلّة تعلن فى جويلية 2014 فى بيان " حول الموقف من الانتخابات الانقلابية القادمة في تونس الهيئات الثورية المستقلة " أنّها لا تقبل أصلا " اللعبة " الإنتخابية ( لعبة إنتخب أو قاطع ، بكلمات البيان ) وهو فهم صحيح لا يسعنا إلاّ مشاطرتها إيّاه ، فإنّ الإئتلاف الذى تدعو إليه - ائتلاف سياسي واسع على قاعدة مقاومة وبرنامج جذري لمواصلة تنفيذ المهام الثورية - يبقى ضبابيّا للغاية لقيامه بالأساس على المقاومة أي على الرفض و ليس على المقاومة و التغيير الثوري وفق برنامج ثوري يكون قاعدة صلبة لوحدة نضالية ثوريّة ( و يدرك دارس بيانات المقاطعين فروقات كبيرة فى أسباب المقاطعة و آفاقها ما لا يدعو للتفاؤل المستقبلي ). و إلى ذلك نضيف أنّ هذه الهيئات تتوهّم الإستقلاليّة الطبقيّة فى عالم مجتمعاته طبقيّة فقد سجّل ماو تسى تونغ حقيقة موضوعيّة هي أنّ : " فى المجتمع الطبقي يعيش كلّ إنسان كفرد من أفراد طبقة معيّنة ، و يحمل كلّ نوع من أنواع التفكير دون إستثناء طابع طبقة معيّنة ." ( " فى الممارسة العملية " ( يوليو- تمّوز- 1937) ، مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة ، المجلّد الأوّل ) كما تتوهّم إمكانيّة " فرض سيادتها [ الأغلبية ] على قرارها وعلى الموارد والثروة وعلى العمل وعلى التخطيط والتوزيع و الإنتاج " دون دولة ( " ضد الدولة كل دولة وضد دولة الطبقة كل طبقة " [ و هذه مقولات فوضويّة صريحة شهيرة عالميّا ]) تحمى الأغلبية و تمارس الدكتاتورية على الأقليّة مثلما هو حال دولة دكتاتورية / ديمقراطية البروليتاريا . و إذا كانت هذه الهيئات تعلن أنّها ضد " الإيديولوجيا " ( نص " تونس من نحن الهيئات الثوريّة المستقلّة ؟ " ) فى حين أن الواقع الموضوعي للمجتمعات الطبقية يفرض كما شرح لينين فى " ما العمل؟ " ، " إماّ إيديولوجيا بروليتارية و إمّا إيديولوجيا برجوازية " ، فإنّنا نسألها هل بوسعها أن تخرج عن نطاق الإيديولوجيتين المتناقضتين و المحدّدتين فى عصر الإمبريالية و الثورة الإشتراكية ؟ ( مع العلم أنّ مصطلح الإيديولوجيا هنا مستعمل بالمعنى الماركسي لمنظومة أفكار ناتجة عن النظرة إلى العالم و المنهج المتوخّى فى ذلك و ليس بالمعنى المبتذل من قبل للوعي المزيّف ) و نؤكّد لها أنّ برفضها الإيديولوجيا البروليتارية تنحدر لا محالة إلى هاوية الإيديولوجيا البرجوازية ."
( إنتهى المقتطف )
لقد إرتأى السيّد بشير الحامدي و من معه هذه الهيئات بديلا ديمقراطيّا و قاعديّا للأحزاب و الفرق التى نخرتها الإصلاحيّة و طفقوا ينظّرون لها أو يحاولون ذلك و لكن تنظيراتهم جاءت مضطربة تفتقد إلى العمق و الشموليّة و العلميّة اللازمين لبناء نظري صلب و صحيح . فحتّى بعد سنوات من إطلاق هذه الحركة لم يتمّم السيّد الحامدي محاججته من أجل هذا الشكل التنظيمي المعتبر البديل الوحيد و الأوحد و الأكثر ديمقراطية و ثوريّة فما جادت به قريحته لا يعدو أن يكون حلقة واحدة إنتظرنا طويلا أن تتلوها بقيّة الحلقات ولم تظهر إلى النور إلى أيّام كتابة هذه الأسطر .
الحلقة الوحيدة إلى حين كتابة هذه الفقرات هي " بعض إجابات عن سؤال التنظم : الحزب أم المجالس المقال الأول " وهي متوفّرة بالموقع الفرعي لكاتبنا على موقع الحوار المتمدّن . (الحوار المتمدن-العدد: 4816 - 2015 / 5 / 24 )
و بما أنّ الموضوع فى منتهى الأهمّية و لا ينبغى نقاشه نقاشا سطحيّا أو عابرا سنظلّ ننتظر بقيّة الحلقات لعلّ الرؤية تتّضح لدى صاحبها و تكون قراءتنا النقديّة مبنيّة على أسس متينة لبناء نظري مكتمل تقريبا و ليس لشذرات بناء نظري لا تفى بالغرض و قد تتناقض مع مضمون المنتظر من التنظيرات و الشروح .
و فى المدّة الأخيرة ، وصل المنطق الداخلي لمنهج بشير الحامدي المثالي الذاتي إلى النتيجة التى لم تكن مستبعدة أبدا ألا وهي إعلان موت الإيديولوجيات و هذا لعمرى أمر جلل لأنّ الإيديولوجيّات بما هي منظومات فكريّة ونظرة للعالم تعبّر فى نهاية المطاف عن مصالح طبقيّة ليست موجودة موضوعيّا فحسب بل تفعل فعلها حتّى داخل كلّ فرد منّا وهي تتصارع محلّيا و عالميّا . هل ماتت الإيديولوجيا البرجوازية ؟ هل ماتت الإيديولوجيا الدينية مثلا الوهّابية منها و غير الوهّابية ؟ لكم الإجابة . و كما يعلّمنا الصراع الإيديولوجي تاريخيّا و حاضرا، فإنّ فى معظم الأحيان من يريد أن يقنع غيره بموت الإيديولوجيات لا يرغب فى سوى تبنّى إيديولوجيّته هو على أنّها ليست إيديولوجيا بالضبط كما يعلن الكثيرون موت الصراع الطبقي خدمة لطبقة معيّنة .
و بالنظر فى تجربة السيّد الحامدي فى نزوعه نزعة فوضويّة ، نقول قد أصاب لينين كبد الحقيقة حينما لخّص حقيقة مفادها : " كثيرا ما كانت الفوضويّة بمثابة عقاب على الخطايا الإنتهازية لحركة العمّال " " فقرة " فى النضال ضد أي من الأعداء داخل حركة العماّ ل نمت البلشفية و صلب عودها وتمرّست ؟ " ، كتاب " مرض " اليسارية الطفولي " فى الشيوعية " .
2- دروس التجارب العمليّة :
فى غمار صعود موجة التحرّكات الإجتماعيّة و النقابيّة و السياسيّة ، وجدت هيئات العمل الثوري – حركة عصيان تونس مجالا ما للنشاط و ربّما التأثير إلى درجة أو أخرى إلاّ أنّه مع تغيّر الأوضاع و حلول الجزر بدلا من المدّ و تصاعد حملات القمع ، لم تجد هذه الهيئات ما تصنعه وهي هياكل عمل مباشر و جماهيري بالأساس فتراجع عطاؤها و ذبلت كالنبتة التى إفتقدت الماء ثمّ إضمحلّت و لم يعد لها ذكر منذ مدّة تقدّر بالسنوات الآن عوض أن تتحوّل إلى زرع مجالس شعبيّة فى كلّ الأحياء و القرى و المدن كما كان يخطّط لها .
و ما فائدة الإشارة إلى هذا فى موضوع الحال ؟ يفيدنا بأنّ التجربة التى نظّر لها و كان من روّادها بشير الحامدي نفسه لم تستطع الصمود أمام متغيّرات أوضاع الصراع الطبقي و بأنّها كانت شكلا ظرفيّا من أشكال العمل السياسي الجماهيري المباشر و ليست بديلا للحزب الشيوعي الثوري حقّا و الطليعي البروليتاري فعلا .
و يعزى فشلها فى تقديرنا ليس إلى ظروف طارئة و قاهرة فى المصاف الأوّل و إنّما إلى جوهر تكوينها و بنائها أي إلى خطّها الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي فمهامها كانت مناطة بدفع حركة الصراع الطبقي فى شكلها الجماهيري المفتوح قصد تحقيق إصلاحات معيّنة . و بتبدّل الأحوال صارت تلك المهام ضبابيّة و تاليا تلاشت فتلاشت الهيئات بتلاشى أساس وجودها .
هذه هي التجربة الأساسية الأولى و الأقرب إلى الخطّ الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي لكاتبنا . و التجربة الثانية هي تجربة المجلس الوطني لحماية الثورة ( و المجالس المحلّية هنا لحماية الثورة ) و قد أفرد لها صاحبنا الصفحات العديدة من كتابه موضوع نقدنا هنا . و عقب سرد طويل لعدّة أحداث و عرض تأويله لما جرى ، اطلق صرخة وجع لفشل مؤتمر 9 أفريل 2011 فى نابل : " لقد كان لهذا الإنحراف بالمؤتمر عن أهدافه التى أقيم من أجلها نتائج كارثيّة " ! ( ص 203 )
و جليّ أنّ السيّد الحامدي ، كان يعلّق آمالا كبرى بل أكبر من كبرى على هذه التجربة غير أنّه أصيب بالإحباط وراء الإحباط . فمؤتمر أفريل 2011 بنابل لم ينته إلى ما أراد الحامدي و من معه بل خرج بصيغ هلاميّة زئبقيّة أدّت فى نهاية المطاف إلى الشلل و الإنحلال . أضف إلى ذلك أنّ هذه المجالس مثّلت خليطا غريبا من الرؤى و التوجّهات و التيّارات كان يغلب عليها الطابع الإصلاحي لا أكثر و لا أقلّ فلم يكن موضوعيّا بمقدورها أن تسلك سياسات ثوريّة و تقود ثورة حقيقيّة .
لقد أخفق بشير الحامدي أيّما إخفاق فى تحليل مكوّنات هذه المجالس و تناقضاتها السياسيّة و الإيديولوجية إذ جرّته المثالية الذاتية و البراغماتية إلى إحلال الأوهام محلّ الواقع . كانت هذه المجالس خليطا عجيبا من اليمين و الوسط و " اليسار " . و أغفل كاتبنا تحليل هذه المكوّنات و ذكر وجود عناصر من النهضة و الإسلاميين الفاشيين الآخرين و عناصر من شتّى المشارب الفكرية الأخرى . و تناسى أنّ الغالبيّة الساحقة لفرق " اليسار " باتت إصلاحيّة منذ عقود و أنّ جلّ قياداتها تربّت فى أحضان البيروقراطية النقابيّة فشربت حتّى الثمالة التآمر على الجماهير و الإنقلابيّة و الجري وراء المواقع على حساب المبادئ . هنا مرّة أخرى ، أراد لإعتناقه الأوهام بدلا من التحليل الملموس للواقع الملموس من متآمرين على الجماهير الشعبيّة و إصلاحيين إلى النخاع أن يصبحوا بين ليلة و ضحاها ثوريين و يكرّسوا سياسات ثورية .
الحامدي يسبح فى سماء الأوهام و لكن الوقائع عنيدة و النتيجة أنّه يسقط على الأرض من الأعالي كجلمود صخر حطّه السيل من علٍ ، على حدّ تعبير شهير لإمرء القيس ، لتتهشّم عظام أفكاره الواهمة أيّما تحطّم .
و لم يكن مصير تجارب حركة عصيان مصر بأفضل حال . و حتّى تجربة إحتلال الشوارع بالولايات المتحدة الأمريكية الرافضة لقيادة الأحزاب و الإيديولوجيات قد لاقت مصيرا مشابها إلى حدّ ما ...
و نلتفت الآن إلى مسألة الوعي وهي بالمناسبة نقيض العفوية و ليست نقيضا للتنظيم كما يروّج إلى ذلك الكثيرون و الحركات العفويّة تُنشأ أشكالا تنظيمية هي الأخرى ( وهو أمر يستحقّ نقاشا ليس هذا البحث مجاله ) . و ماركسيّا يقصد بمسألة الوعي الوعي الطبقي – السياسي أو الوعي الشيوعي بكلّ ما يعنيه و إستتباعاته – سياسات و تكتيكات و إستراتيجيات و برامج و أشكال نضال إلخ - و الذى تحصل عليه الجماهير الشعبية من " خارجها " كما شرح ذلك لينين بإقتدار فى " ما العمل ؟ " هو الوحيد الذى يخوّل كنظريّة ثوريّة للعالم إيجاد حركة ثورية فعلا فى عصر الإمبريالية والثورة الإشتراكية و يخوّل إيجاد شعب ثوري ( مفهوم قد نفصّل فيه القول مستقبلا ) بقيادة حزب شيوعي ثوري حقّا ينجز الثورة الإشتراكية بتيّاريها و يصنع التاريخ بإتّجاه عالم شيوعي . و هذا الوعي و حتّى أقلّ منه بكثير كان الغائب البارز فى الإنتفاضة الشعبيّة بتونس و قد لاحظ ذلك السيّد الحامدي نفسه غير أنّه خلُص إلى إستنتاجات خاطئة تتكثّف فى التذيّل للعفويّة وتقديسها تحت يافطة الديمقراطية القاعدية و التنظّم الذاتي :
- " ثورة الحرّية و الكرامة... إنطلقت عفويّة " . ( ص 133)
- " لئن بدا تصميم الجماهير كبيرا على الإطاحة بنظام بن علي منذ أن توسّعت الإحتجاجات و عمّت مختلف أنحاء البلاد فإنّ هذا الإصرار فى مواجهة النظام سرعان ما تراجع و إنحدر ما إن سقط رأس النظام حراكها ...لم تع الجماهير مسؤوليّتها فى إنجاز مهمّات ثورتها و لم تخلق و من داخل حراكها أداتها التنظيمية المستقلّة و برنامجها السياسي المتمثّل لمصالحها ." (ص 133-134 )
- " لقد غاب عن الجماهير أنّ العامل الذى لا بدّ منه للإستمرار فى الثورة ... هو أن تسلّح الجماهير الثائرة نفسها ... بسلاح التنظّم الذاتي و الإدارة الذاتيّة لكلّ مناحى الحياة ، من أجل خلق خالة إزدواجية السلطة " ( ص 134) إلخ
و بهذا نصل إلى النقطة التالية .
3- ضرورة الحزب و تناقضاته :
و يثار سؤال وجيه هنا : بعدما شهده التاريخ و عايشناه أحيانا من تحوّل أحزاب شيوعية ثوريّة حقّا إلى أحزاب برجوازية إصلاحية ، أليس من الأفضل أن نفتّش عن أشكال تنظيميّة أخرى تكون أكثر ثوريّة و ديمقراطية إلخ ؟
و جوابنا بلا لفّ و لا دوران قام و يقوم على الوقائع التاريخيّة و ما أثبتته . فى القرن العشرين و فى القرن الواحد و العشرين لم تقم أيّة ثورة شيوعية حقيقيّة دون قيادة حزب شيوعي بروليتاري طليعي . ومن يعلم بقيام مثل هذه الثورة الراديكاليّة و هدفها الأسمى الشيوعية على النطاق العالمي فليمدّنا بالمعلومات ، و لن يجد عدا حركات إصلاحيّة تتجلبب بجلباب الماركسية وهي متمركسة و ما هي بالماركسية فى جوهرها .
و الآن ، قارنوا ما أجزته ثورة أكتوبر بقيادة حزب لينين و ستالين ( 1917-1953 ، رغم بعض الأخطاء الجدّية أحيانا ) و ما أنجزته الثورة الماويّة فى الصين ( 1949- 1976 ) من جهة بما يدعى باطلا ثورات من نوع " البوليفاريّة " فى فنيزويلا وما شابه من جهة أخرى . البون شاسع و شاسع جدّا ، لا بل هو ليس نوعيّا مغايرا فقط بل فى حين أنّ الثورتين الأولتين كان هدفهما تحرير الإنسانيّة جمعاء لذلك خرجت عن و حطّمت و عملت على تحطيم العالم الإمبريالي و تشديد عالم جديد ، ظلّت تلك المدّعاة زورا ثورات ضمن إطار النظام الإمبريالي العالمي و لم تخرج عليه قط .
و بالتالى كان لوجود حزب شيوعي ثوري بروليتاري طليعي حقّا كبير الأثر الإيجابي على الإنسانيّة قاطبة ، كان وجود مثل هذا الحزب طوال ما يناهز الخمسين سنة فى روسيا و فى الصين معلما تاريخيّا بارزا فى النضال الثوري للإنسانية بأسرها فى سبيل التحرّر من كافة أنواع الإضطهاد والإستغلال الجندري و الطبقي و القومي . و طبعا ، بقدر ما كان صعود هذه الأحزاب و إنجازاتها باهرين بقدر ما كان سقوطهما بفعل الإنقلابين التحريفيين ( منذ أواسط خمسينات القرن العشرين فى الإتحاد السوفياتي بعد وفاة ستالين ، و منذ إنقلاب 1976 فى الصين ، بعد وفاة ماو تسى تونغ ) سقوطا مدوّيا و مزلزلا للكرة الأرضيّة . هذه حقائق لا جدال فيها لمن له عيون ليرى و آذان ليسمع و يعترف بالحقائق الماديّة الموضوعية . لقد تحوّل الحزب البروليتاري إلى حزب برجوازي و تحوّلت الدولة الإشتراكية إلى دولة رأسماليّة ، فى كلّ من الإتّحاد السوفياتي و الصين .
لكن هل يعنى هذا تبخّر ضرورة الحزب الشيوعي الثوري البروليتاري الطليعي ؟ لا . تتأتّى هذه الضرورة الموضوعية من تناقضات الواقع الموضوعي ، من تناقضات الطبقات الشعبيّة والعفويّة و الوعي الشيوعي و من الحاجة الماسة و الملحّة إلى علم الشيوعية لتفسير العالم قصد تغييره تغييرا ثوريّا من منظور شيوعي و من الحاجة الماسة و الملحّة إلى تنظيم قوى الثورة ضد قوى الثورة المضادة العالية التنظيم و القوّة و إلى خوض نضال فيه ما فيه من المنعرجات و الإلتواءات و التقدّم و التراجع و اللجوء إلى أشكال متنوّعة و متداخلة و متخارجة من أشكال النضال حسب الظروف الملموسة إلخ .
إيجاد مثل هذا الحزب الشيوعي الحقيقي و الصراع بلا هوادة فى سبيل الحفاظ على طابعه الثوري ضرورة دون تلبيتها لن يمكن قيادة و تحقيق أيّة ثورة شيوعية راديكاليّة هدفها الأسمى عالم شيوعي . الحرّية وعي الضرورة و تغيير الواقع . و إن وعينا هذه الضرورة الموضوعيّة و رمنا فعلا قولا وعملا تغيير الواقع ، علينا حيث لا يوجد مثل هذا الحزب ( و ليس أي نوع من الأحزاب الإنتهازيّة المتمركسة ) المساهمة فى إيجاد هذا الطراز من الحزب المسلّح بعلم الشيوعية فى أرقى تطوّراته اليوم ، شيوعية اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعيّة الجديدة ؛ و حيث وُجد ، علينا تعزيزه و توطيده ليساهم فى إنجاز المهام التاريخية الملقاة على عاتقه فى قيادة الجماهير الشعبية فى صنع التاريخ و التقدّم بعجلته نحو الشيوعية على النطاق العالمي .
لذلك ، وقد قيّمنا على أساس مكين من بحوث و دراسات علميّة و إستنادا إلى الفكر الشيوعي الأكثر تقدّما اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعيّة الجديدة التى طوّرها بوب أفاكيان ، رئيس الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكيّة ، أنّ فرق " اليسار" المتمركس و حتّى جلّ المدّعاة " ماوية " ، خانت الشيوعية و بشكل أو آخر ، أصبحت تعبيرات تحريفيّة برجوازيّة فى صفوف الحركة الشيوعية العالمية و من ثمّة و بناءا على أنّ الحزب مهما كان و أيّة منظّمة مهما كانت ليس شيئا مقدّسا ، نصبّ جهدنا الجهيد على توضيح مدى إصلاحيّة تلك الفرق و المجموعات من جهة و على شرح و تطبيق علم الشيوعية كما طوّره بوب أفاكيان ، شُغلنا الشاغل هو المساهمة من موقعنا وقدر طاقتنا فى نشر خطّ إيديولوجي و سياسي شيوعي ثوري حقّا يكون لبنة من لبنات تأسيس مستقبلي لحزب من الطراز البروليتاري الشيوعي الثوري حقّا . و سيكون على مؤسّسى هذا الحزب الذى ينبغى أن يبنى على أرقى ما بلغه علم الشيوعية ؛ و المنتمين إليه أن يكافحوا لصيانة الخطّ الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي الثوري ضد كلّ تمظهرات الإنحرافات و الخطوط التحريفيّة و الدغمائيّة و ينكبّوا على تفسير الواقع و تغييره شيوعيّا اليد فى اليد مع الرفيقات و الرفاق عبر العالم فكما قال ماو تسى تونغ إمّا أن نبلغ جميعا الشيوعية و إمّا لن يبلغها أحد .
و مع ذلك لا وجود لضمان أن لا يتحوّل الحزب خارج السلطة أو فى السلطة إلى نقيضه إلاّ أن هذا لا يجب أن يحول دون تلبية ضرورة إيجاده على أساس خطّ إيديولوجي وسياسي و تنظيمي ثوري متطوّر و تعزيز طبيعته الثوريّة و الإجتهاد للحفاظ على طبيعته البروليتارية الثوريّة فى خضم صراع الخطّين صلب الحزب ذاته و الصراع الطبقي المحلّى والعالمي.
و مجدّدا ، ماذا عن الأخطاء ؟ ما من أحد و لا حتّى حزب يمسك بالحقيقة المطلقة حتّى لا يقوم بأخطاء فالواقع المادي الموضوعي دائم الحركة و التحوّل . المادة حركة . و فضلا عن كونه يفرز بإستمرار الجديد فهو معقّد و تزيد من تعقيده تشويهات الطبقات و القوى الرجعيّة. و من ثمّة لن يوجد تطوّر خطّي صاعد ، ستكتسى حركة النضال و التغيير الثوري شكل حركة لولبيّة صاعدة لا تنكر و لا يمكن أن تتجنّب إمكانيات التراجع و التراجع الذى عرفته التجربتين الأرقى فى تجارب البروليتاريا العالمية إلى اليوم ، بقيادة لينين و ستالين ، و ماو تسى تونغ ، أفضل دليل على ذلك .
هذا و قد أنجزت الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعيّة الجديدة تقييما نقديّا علميّا للحركة الشيوعية العالمية وهي تدافع عن مكاسبها و تنقد نقدا علميّا و من منطلق شيوعي ثوري أخطاءها و نقائصها و تطرح بدائلا للتجاوز و قد أرست الشيوعية على أسس علميّة أرسخ ممّا يخوّل تنظيرا و ممارسة أفضل حاضرا و مستقبلا و
" تعنى الخلاصة الجديدة إعادة تشكيل و إعادة تركيب الجوانب الإيجابية لتجربة الحركة الشيوعية و المجتمع الإشتراكي إلى الآن ، بينما يتمّ التعلّم من الجوانب السلبية لهذه التجربة بابعادها الفلسفية والإيديولوجية و كذلك السياسية ، لأجل التوصّل إلى توجه و منهج و مقاربة علميين متجذّرين بصورة أعمق و أصلب فى علاقة ليس فقط بالقيام بالثورة و إفتكاك السلطة لكن ثمّ ، نعم ، تلبية الحاجيات المادية للمجتمع و حاجيات جماهير الشعب ، بطريقة متزايدة الإتساع ، فى المجتمع الإشتراكي – متجاوزة ندب الماضى ومواصلة بعمق التغيير الثوري للمجتمع ، بينما فى نفس الوقت ندعم بنشاط النضال الثوري عبر العالم و نعمل على أساس الإقرار بأن المجال العالمي و النضال العالمي هما الأكثر جوهرية و أهمّية ، بالمعنى العام – معا مع فتح نوعي لمزيد المجال للتعبير عن الحاجيات الفكرية و الثقافية للناس ، مفهوما بصورة واسعة ، و مخوّلين سيرورة أكثر تنوّعا و غنى للإكتشاف و التجريب فى مجالات العلم و الفنّ و الثقافة و الحياة الفكرية بصفة عامة ، مع مدى متزايد لنزاع مختلف الأفكار و المدارس الفكرية و المبادرة و الخلق الفرديين و حماية الحقوق الفردية ، بما فى ذلك مجال للأفراد ليتفاعلوا فى " مجتمع مدني " مستقلّ عن الدولة – كلّ هذا ضمن إطار شامل من التعاون و الجماعية و فى نفس الوقت الذى تكون فيه سلطة الدولة ممسوكة و متطوّرة أكثر كسلطة دولة ثورية تخدم مصالح الثورة البروليتارية ، فى بلد معيّن وعالميا و الدولة عنصر محوري ، فى الإقتصاد و فى التوجّه العام للمجتمع ، بينما الدولة ذاتها يتمّ بإستمرار تغييرها إلى شيئ مغاير راديكاليا عن الدول السابقة ، كجزء حيوي من التقدّم نحو القضاء النهائي على الدولة ببلوغ الشيوعية على النطاق العالمي . "( " القيام بالثورة و تحرير الإنسانية " ، الجزء الأوّل ، جريدة " الثورة " عدد 112 ، 16 ديسمبر 2007 .)
( و بالتأكيد نحن واعون تمام الوعي أنّنا لم نعالج هنا إلاّ جوانبا من مسألة ضرورة الحزب وتناقضاته معالجة مقتضبة للغاية فالمسألة تحتاج تفاصيلا أكثر لا يسمح بها مجال هذا المقال غير أنّ ما قيل أعلاه قد يفى بالغرض في الوقت الحاضر) .
================================================================



تعليقات الفيسبوك