مشكلة - التراث والحداثة - في الفكر المغربي المعاصر ( العروي - الجابري - طه عبد الرحمن )


اسماعيل الفلالي
2018 / 7 / 10 - 22:16     

مشكلة "التراث والحداثة" في الفكر المغربي المعاصر
( العروي – الجابري – طه عبد الرحمان )
كثر الحديث عن مسألة تحديث الفكر والمجتمع المغربيين في أوساط الباحثين ، وتعددت المشاريع الفكرية التي تصب في هذا المجرى ، وتروم تحقيق التنمية الثقافية ومن ثم الإقتصادية والإجتماعية والسياسية على اعتبار الإرتباط البنيوي بين هذه المجالات ، ودفع التفكير في الازمة متعددة الأوجه بالباحثين المغاربة منذ النصف الثاني من القرن 20م الى التفكير مليا في سبل وإمكانات التحديث ، انطلاقا من قراءة واعية للتاريخ والإنخراط الجدي في مساءلة الواقع بكشف مكامن التأخر والإختلال وبناء تصورات نظرية لكيفيات تجاوز الأزمة والتخلف. هكذا ومنذ ستينيات القرن 20م أحدث بعض المفكرين طفرة نوعية في الفكر الفلسفي المغربي ، حيث أسهمت كتابات عبد الله العروي في تمهيد أرضية فكر نقدي يعادي التقليد ويحاصر مداخل التبعية ومفاهيمها ، وأفرزت أبحاث محمد عابد الجابري اتساع قضايا ومقالات الفكر الفلسفي بالمغرب ، وانفردت مؤلفات طه عبد الرحمن ببلورة وصقل الفكر الفلسفي المنطقي وإبداع مقالة فلسفية جديدة " الحداثة المتخلقة ".
رغم اختلاف الإطارات النظرية التي يستقي رواد الفكر الفلسفي المغربي نسجل الملاحظات التالية :
1- اختلاف موقفهم من التراث : بين اتجاه أول ينادي بالقطيعة مع مضمون التراث العربي الإسلامي لعدم جدواه في مسألة التحديث ( د عبد الله العروي – د علي أومليل – د عبد الكبير الخطيبي ...) إذ يذهب العروي إلى القول بأن أي دراسة علمية موضوعية للتراث تستلزم ضرورة الإنفصال عنه والقطع معه : قطيعة مع مضمون التراث ، واعتبر أن القطيعة اختيار تاريخي وجب الإقدام عليه ليحد من انبهارنا بالماضي وخضوعنا لسلطه " في كل صفحة من صفحات التراث الإسلامي مهما كان قريبا من بداية الدعوة إحساسا قويا ملازما بأن السماء تتباعد باستمرار عن الأرض ، لا أحد يتكلم عن التجديد بمعنى القطيعة والإستئناف ، بل الجميع يدعو إلى الإصلاح والإحياء والعودة إلى حال ماضية " الإيديولوجيا العربية المعاصرة ص 104 ، ويحتج بحصول هذه القطيعة في الممارسة اليومية من خلال التطور المؤسساتي والتقني .. بمعنى أن القطيعة المادية المتحققة واقعا تحتاج إلى فكر يقطع مع التراث والتقليد " المشكل الذي نواجهه هنا هل يضع الدارس نفسه قبل أو بعد القطيعة مع التراث ، وهي قطيعة قد حصلت وتكرست " مفهوم العقل ص 12. في نفس السياق يصر الاستاذ على اومليل على ضرورة انتهاج القطيعة مع التراث وحتميتها " سنستمر نخوض في التراث ونتجادل حوله ، لا لأنه يشكل حقيقة هويتنا القومية ، بل لأننا ما زلنا لم ننفصل عنه هيكليا ، أي لم ننفصل عنه على كل المستويات " في التراث والتجاوز ص 20.
وبين اتجاه ثان يدعو من خلاله عدد من المفكرين إلى تغيير فهمنا التراثي للتراث وانتقاء المضامين الإيديولوجية التي تعيش مستقبلها في حاضرنا وتغير فيه ( محمد عابد الجابري – محمد سبيلا .. ) ، حيث يرفض الجابري " أن ندعو إلى القطيعة مع التراث " القطيعة بمعناها اللغوي الدارج " كلا إن ما ندعو إليه هو التخلي عن الفهم التراثي للتراث ، أيرالتحرر من الرواسب التراثية في عملية فهمنا للتراث ، وعلى رأس هذه الرواسب " القياس النحوي- الفقهي – الكلامي في صورته الإلهية اللاعلمية" نحن والتراث ص 20- 21 ، يصر في المقابل على وجود حياة في التراث وقدرته على الإجابة عن أسئلة الحاضر وحل مشاكله ، وكذا المساهمة في تخليص سياسات قومية مبنية على قراءة واعية للتاريخ ، فالتراث عنده " ليس كل ما عاشه أجدادنا وكما تحتفظ لنا به الكتب ، بل ما تبقى منه أي ما بقي منه صالحا لأن يعيش معنا بعض مشاغلنا الراهنة وقابلا للتطوير والإغناء ليعيش معنا مستقبلنا... وذلك هو معنى الأصالة" نحن والتراث ص 47. لذلك نجد الجابري يركز على المضمون الإيديولوجي للتراث وترك المحتوى المعرفي ، هذا المحتوى يشكل مادة معرفية ميتة غير قابلة للتجديد ، في حين أن المضمون الإيديولوجي " له بشكل من الأشكال حياة أخرى يظل يحياها على مر الزمن في صور مختلفة " نحن والتراث ص 48. ويختصر هذا المضمون الإيديولوجي في الروح الرشدية بالنظر إلى قدرتها على أن تعيش معنا عصرنا من مجمل تراثنا الفلسفي ( نحن والتراث ص 49).
في مقابل الإتجاهين السابقين الذين تتفق مقالاتهما في تأكيد ضرورة القطيعة ويختلفان في تحديد ماهيتها وتعريف المفاهيم المرتبطة بموضوعها ( الأصالة – المعاصرة .. ) والعناصر والمقومات التراثية موضوع القطيعة ، يعتبر اتجاه ثالث يمثل طه عبد الرحمن اهم رموزه أن التراث قوة إصلاح وتجديد وتغيير ، لأنه يدور في فلك الرسالة المحمدية ( الوحي الإلهي ) الصالح لكل زمان ومكان ، ينظر إليه بوصفه سلاح الأمة الإسلامية لمواحهة التأخر والتخلف والإنخراط بقوة في تحريك عجلة التاريخ والإرتقاء إلى مدارج الأمم المتفدمة ، كما اعتبره كلا لا يتجزأ منتقدا النظرة الإنتقائية التي تقول بأخذ الجيد والصالح من التراث وترك الميت غير النافع ، وداعيا إلى " الإهتمام بكلية التراث وجمعية دوائره في غير حذف ولا استثناء ، كما تجدد الإعتبار لجوانب من الممارسة التراثية تعرضت للتشنيع الباطل ويحيي النظر في جوانب منها تعرضت للإهمال الفاحش فضلا عن أنها تفتح باب استئناف عطاء التراث " تجديد المنهج في تقويم التراث ص 423 ، وقد حدد طه عبد الرحمن هذا العطاء بجعل عقل التراث عقلا واسعا يجمع بين النظر في الأسباب والنظر في المقاصد ، وأن علمه علم نافع يجمع بين النظر والعمل بالأسباب والمقاصد بما يفيد العاجل والاجل ( تجديد المنهج في تقويم التراث ص 423 )
ودعا لذلك ألى التقويم التكاملي للتراث واستبدال النظرة التجزيئية بتوجه شمولي يرى " ضرورة تقبل التراث بوصفه كلا متكاملا ووحدة متناسقة من غير انتقاص لأي جزء من أجزائه ، أو التقليل من وظيفته ، فحتى لو سلمنا بوجود ثغرات أو عثرات في هذا القطاع أو ذاك من التراث ... فلربما كان الخطأ في اجتهاد السلف أقوم وأنفع من الصواب في اجتهاد الخلف من المعاصرين " تجديد المنهج في تقويم التراث ص 82.
يبرز الإختلاف شديدا بين هذه التصورات لوظيفة التراث وأهميته في بناء الحداثة وصناعة المستقبل ( بين الاتجاهين الاول والثاني من جهة والإتجاه الثالث من جهة أخرى ) ، ومع ذلك تجد الباحثين في نقاشاتهم وسجالاتهم خلال الندوات والمحاضرات وفي المقاهي والصالونات الفكرية يجمعون بأشكال متعسفة بين اراء ومواقف متباينة ومتناقضة ويخلقون ارضيات غير متناسقة من التعايش بين هذه الأفكار بداعي تأكيد شساعة الإطلاع بما يفيد الكم على حساب الترتيب والتنسيق والإنسجام في المقالات ، والنتيجة أن يحول هذا الجمع المتعسف لأفكار ومقالات متباينة غير منسجمة دون ولوج مرحلة صراع إيديولوجي بين هذه المشاريع الفكرية تتولد على إثره الأفكار وتنضج التصورات لا أن تتعايش دونما حوار يذكر أو تظل حبيسة منطق إقصاء مبدئي للاخر المختلف وتسفيه ارائه ، من شأن ذلك ألا يسمح بالتطور الفكري والثقافي والمجتمعي المأمول ، ولا ننسى أن استمرار مشكل الامية وضعف ارتباط الفرد بالمجال ومشكل تعميق صلات الجماعة الوطنية بوشائج المواطنة المتجاوزة لانتماءات الأفراد القبلية والمذهبية ، تظل من العوامل المفسرة لغياب هذا الصراع الفكري والإيديولوجي ، ثم إن الإغراق في دراسة التراث واتخاذ مواقف منه تتراوح بين القطيعة الكلية مع مضمون وهيكل التراث ، أو القطيعة مع الوعي التراثي بالتراث والإنتقاء منه ، أو الإهتمام به بكليته من غير حذف أو انتقاء تبطئ انصراف اهمامنا وتركيز جهودنا لتحرير عقولنا من كل القيود التي تضيق دائرة النقاش وتفقده كل فعالية ، والإنتصار لانتماءنا للوطن ، بما يجعل المواقف من التراث والحداثة خلاصات نشاط ثقافي اشتغلت في سبيل تخليصه الجماعة الوطنية على دراسة كل المواضيع ذات الصلة بحاجاتنا وتطلعاتنا التاريخية ، حيث إن استيعاب منطق الحضارة اليوم لا بد أن يكون وليد نشاط فكري مستديم يستهدف التعامل مع الماضي لفهم الحاضر من خلال دراسته دراسة علمية مستفيضة لا تتوقف فقط على نشاط افراد مهما بلغت قدراتهم ومؤهلاتهم العلمية ، إذ أن تهيئ الظروف لنجاح مشروع تحديث الفكر والمجتمع تفترض مد جسور التواصل بين مختلف مكونات المجتمع المغربي على اختلاف مرجعياتها الإيديولوجية على قاعدة حسن الإنتماء للوطن ووحدة المصير ، إذ من شأن ذلك أن ييسر ولادة مراكز بحث تشمل نشاط الجامعات تظم مختلف التخصصات العلمية للإنكباب على دراسة مختلف الوثائق والوقائع والأحداث متسلحين بخلاصات العلوم الحديثة لفهم البنيات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية لبلادنا ، التي يستلزمها فهم قضايا وظواهر تجلي تخلفنا وتأخرنا ، ولنبني على أساسها مشروعا تحديثيا يراعي معالجة مكامن التخلف ويكرس أسس النهضة والتنمية، حتى تصير قضية تحديد الموقف من التراث مسألة ثانوية تناقش على هامش الدراسات العلمية لقضايا وظواهر وحاجات معاصرة ، ومشاريع وانتظارات مستقبلية. يتبع



تعليقات الفيسبوك