قراءة غير علمية للصراع الطبقي: منهج مثالي ميتافيزيقي و براغماتي الفصل الثاني من - الخطّ الإيديولوجي و السياسي لبشير الحامدي و من معه ليس ثوريّا و إنّما هو إصلاحي لا يخرج عن إطار دولة الإستعمار الجديد و النظام الإمبريالي العالمي -


ناظم الماوي
2018 / 7 / 8 - 21:24     

مقدّمة :
فى القطر ، فى صفوف مناضلي و مناضلات " اليسار " بشكل عام على الجبهة النقابيّة و فى صفوف الناشطين و الناشطات السياسيين منهم ، قلّ من لا يعرف من قريب أو من بعيد السيد بشير الحامدي فهو منذ سنوات عديدة وجه من الوجوه البارزة فى معارضة البيروقراطية النقابيّة و فى نضالات قطاع التعليم الإبتدائي و فى تحرّكات ساحة محمد علي و شوارع العاصمة مساندة لإنتفاضة سيدى بوزيد و ما تلاها وصولا إلى الإنتفاضة الشعبيّة عبر القطر و مسيرات لا سيما 14 جانفي فى العاصمة و ما إنجرّ عنها .
و أيضا عرف شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة الرجل – و غيره طبعا – خطيبا و محرّضا و منظّما و صادحا بشعارات داعيا و آخرون إلى مواصلة ما أسموه بثورة الحرّية و الكرامة ( و هذا منهم خطأ نظري و عملي كما أثبتنا في كتاباتنا السابقة و كما أكّد الواقع الملموس ). و ما لا يرقى إليه شكّ كذلك مساهمته البارزة فى تنظيم و فعاليّات مؤتمر مجالس حماية الثورة بنابل فى 9 أفريل 2011 وفى التصدّى لما صار معروفا بالإلتفاف على" الثورة "، بطرق متباينة منها حركة عصيان إلخ و فى المدّة الأخيرة ، إطلاق مبادرة و تنظيم " المرصد النقابي "... ( و أكيد أنّنا لن نفي هذا المناضل حقّه بذكرنا ما ذكرنا دون سواه في هذا الباب ) .
إذن فى جانب النضال العملي تبوّأ مكانة لا ينكرها إلاّ متعامي عن الحقيقة غير أنّه لم يكن مناضلا ميدانيّا فحسب بل كان أيضا صاحب أفكار و آراء ، كاتبا أضحى منذ سنوات يحمل مشروعا مختلفا نوعيّا عن مشاريع كثيرة أخرى ضمن ما يطلق عليه البعض " اليسار " الماركسي ( و قد بيّننا فى دراساتنا و بحوثنا السابقة – مقالات و كتبا – أن الغالبيّة الغالبة من فرقه متمركسة لا غير ) وهو ما شدّنا إلى متابعة مقالاته على موقع الحوار المتمدّن و الإطّلاع على كتبه ( ليس جميعها ، هذا ما نقرّ به صراحة لعدم توفّرها غالبا بنسخ ورقيّة فى متناول العموم ، فى المكتبات ) بصفة متقطّعة فى الغالب الأعمّ و ذلك بالأساس لتركيزنا على مواضيع أخرى كنّا منكبّين على الإشتغال عليها ، إلاّ أنّنا من حين لآخر ، كلّما توفّر لنا متّسع من الوقت ، نلقى نظرة على ما أنتجه هذا الكاتب و لأكثر من مرّة قد جال بخاطرنا أن نتفاعل مع مقالاته و كتبه تفاعلا كتابيّا أي بصياغة ملاحضات أو مقالات إلخ بيد أنّ تقديرنا للأولويّات حال دون إنجازنا لما كنّا نزمع إنجازه أو هممنا بإنجازه فى عدّة مناسبات .
و ها قد حان الوقت للقيام باللازم و خوض المقارعة و السجال الفكري و مواجهة مشروعنا الشيوعي المتجسّد فى شيوعية اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعيّة الجديدة ، لمشروع السيد الحامدي ، فى إطار نقاش و جدال يستهدف من جانبنا توضيح خطوط التمايز و تبيان حقائق الخطوط الإيديولوجية و السياسية المنتشرة و تسليح المناضلات و المناضلين و الجماهير الواسعة بعلم الشيوعية لكي يغيّروا أنفسهم و يساهموا عن وعي بروليتاري فى تغيير الواقع تغييرا شيوعيا ثوريّا راديكاليّا فى سبيل المساهمة فى تحقيق الهدف الأسمى ألا وهو الشيوعية على النطاق العالمي .
و قد يبادر البعض بإثارة سؤال و ما فائدة هذه النقاشات و الجدالات النظريّة ؟ و الإجابة على بساطتها قد لا يرغب الكثيرون فى سماعها و قراءتها و إستيعابها تمام الإستيعاب ألا وهي حقيقة أنّه " لا حركة شيوعية ثورية دون نظريّة ثوريّة " ، مثلما شدّد لينين فى " ما العمل ؟ " حيث أكّد أيضا حقيقة أخرى هي أنّه " ينبغى للمرء أن يكون قصير النظر حتى يعتبر الجدال بين الفرق و التحديد الدقيق للفروق الصغيرة أمرا فى غير أوانه أو لا لزوم له. فعلى توطد هذا "الفرق الصغير" أو ذاك قد يتوقف مستقبل الإشتراكية – الديمقراطية الروسية [ الشيوعية ] لسنوات طويلة ، طويلة جدا. "
و كي لا تكون ثمرة عملنا مجرّد ملاحظات عابرة على هذا المقال أو ذاك و بغاية تقديم رؤية نقديّة لأهمّ أطروحات هذا الكاتب – دون الدخول فى نقاش كافة التفاصيل – تخوّل للقرّاء تكوين فكرة جيّدة على أساس صلب عن الخطّ الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي الذى يقف وراءه هذا المناضل و من معه ، إرتأينا أن ندرس نقديّا كتابا لبشير الحامدي هو " الحق فى الحقّ فى السلطة والثروة و الديمقراطيّة – قراءة فى مسار ثورة الحرّية و الكرامة " ، مع عدم إهمالنا لمقالات تطرح مسائلا مكمّلة أو تشرح مواقفا وردت فى ذلك الكتاب أو تزيد عليها أو تنقضها .
و من البدء نوضّح أنّ دراستنا النقديّة هذه لن تُعنى بكلّ التفاصيل و دقائق التفاصيل و إنّما ستركّز على محاور و مواضيع نعدّها حيويّة فى نقاش الخطّ الإيديولوجي و السياسي والتنظيمي لديه و فى معرفة كنه طرحه و مدى ثوريّته المدّعاة من عدمها . فالنقاط التى سنناقش ستساعدنا فى إدراك جوهر أطروحات هذا الكاتب و رؤيته بإختصار للمشكل و للحلّ . و نظرا للخلفيّة اليسارية التى يدّعيها و للأيديولوجيا الشيوعية التى نتبنّاها سنصارعه على قاعدة الماركسيّة و الواقع المادي الملموس تاريخيّا و حاضرا و منطلقنا هنا كما فى أعمال سابقة لنا صراحة و مباشرة هو شيوعية اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة بما هي الفكر الشيوعي الأكثر تقدّما و الأرسخ علميّا فى يومنا هذا . و قد بوّبنا نقدنا للخطّ الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي لبشير الحامدي وفق التخطيط الآتي ذكره :
- عن أيّة ثورة يتحدّثون ؟ إنّما هي إنتفاضة شعبيّة وقع الإلتفاف عليهاI
1- وجدت إنتفاضة و لم يوجد بتاتا بالمعنى العلمي الدقيق وضع ثوري
2- أطروحة أنّ ما حدث ثورة خاطئة وضارة
3- بثّ الأوهام برجوازية بصدد الدولة و الجيش
- قراءة غير علميّة للصراع الطبقي : منهج مثالي ميتافيزيقي و براغماتيII
1- التحليل المادي الجدلي فى مهبّ الريح
2- تحريفيون إصلاحيون و الشيء من مأتاه لا يستغرب
3- من أوهام المثاليّة الذاتية و البراغماتية
- ضد تقديس العفويّة : لا حركة ثورية دون نظريّة ثوريّة III
1- من التروتسكيّة إلى نوع من الفوضويّة ؛ المجالسيّة
2- دروس التجارب العمليّة
3- ضرورة الحزب و تناقضاته
- مشروع لا يخرج عن إطار دولة الإستعمار الجديد و النظام الإمبريالي العالمي IV
1- الديمقراطية البرجوازية : لا تحطيم للدولة القديمة و إنشاء دولة جديدة و لا تغيير لنمط الإنتاج
2- إهدار البعد الأممي للنضال و العصر
3- غياب الشيوعية كغاية أسمى
خاتمة :
الملاحق (4) : ( الملاحق 1 و 2 و 3 ترجمة شادي الشماوي نشرت على موقع الحوار المتمدّن )
1- لتحي الماركسية – اللينينية – الماوية
2- إعادة تصوّر الثورة و الشيوعية : ما هي الخلاصة الجديدة لبوب أفاكيان؟
3- الخلاصة الجديدة للشيوعية : التوّجه و المنهج و المقاربة الجوهريّين و العناصر الأساسيّة
4- محتويات نشريّة " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! " / من العدد 1 إلى العدد 35 – بقلم ناظم الماوي
-----------------------------------------------------------------------------------------------------
II- قراءة غير علمية للصراع الطبقي : منهج مثالي ميتافيزيقي و براغماتي
و يهمّنا ، عطفا على ما أنفت معالجته بخصوص الوضع الثوري و الثورة و الدولة و الجيش ، أن نصبّ الآن تركيزنا على منهج بشير الحامدي فى قراءته للإنتفاضة الشعبيّة فنحلّله فى نقاط ثلاث هي :
1- التحليل المادي الجدلي فى مهبّ الريح :
" إنّ أسلوب التحليل هو الأسلوب الديالكتيكي . و نعنى بالتحليل تحليل التناقضات الكائنة فى الأشياء . و بدون معرفة تامة بالحياة و فهم حقيقي للتناقضات المراد بحثها ، يستحيل إجراء تحليل سديد."
( ماو تسى تونغ ، " خطاب فى المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني حول أعمال الدعاية " ( 12 مارس – آذار – 1957) )
ونحن نتابع طريقة تحليل السيّد الحامدي لعدّة أشياء و ظواهر و سيرورات ، رصدنا غيابا فاضحا لإعتماد المنهج العلمي المادي الجدلي فالسيّد ، على سبيل المثال ، يتحدّث عن الجماهير فى أكثر من مناسبة و لا يحلّل التناقضات التى كانت تشقّ صفوفها و كأنّها وحدة لا تنطوى على تناقضات فهو يقول مثلا :
- " تجاوز المنتفضون هذا الضعف " ، و " قدرة هذه الجماهير على التنظّم الذاتي " (ص 85 ).
- " لم تع الجماهير مسؤوليتها فى إنجاز مهمّات ثورتها و لم تخلق و من داخل حراكها أداتها التنظيميّة المستقلّة ." (ص 134)
و يتحدّث عن " الشباب " ( إصرار الشبيبة بمختلف أصنافها – ص 104 ) و لا يحلّلهم و التناقضات فى صفوفهم و لا ينبس ببنت شفة عن إنقساماتهم . وهو و إن تفطّن إلى أنّ شعار " الشعب يريد إسقاط النظام " أتى ردّا على تمادى النظام فى القمع و التقتيل و أنّه كان يستهدف رأس الدولة تقريبا حصريّا لأنّه المسؤول الأوّل و المباشر عن ذلك القمع و التقتيل ، فإنّه يسقط فى مطبّ جعل هذا الشعار شعارا ثوريّا .
يقول مثلا :
" لم يعد الأمر متعلّقا بطلب إصلاحات سياسيّة و إقتصاديّة من السلطة ، لقد إكتشف المواطن بنفسه و أثناء الأحداث الجارية أنّ سلطة لا تتورّع عن تقتيل الشعب بالرصاص الحيّ لمجرّد أنّه خرج للإحتجاج و التظاهر لا يرجى منها خير ، و لا يمكن أن تقدّم غير المزيد من القمع و التقتيل إن هي بقيت ممسكة بالبلد . لقد أصبحت المهمّة فى وعي الجماهير مكثّفة فى شعار الشعب يريد إسقاط النظام ." ( ص 103-104 )
- " عشيّة الإطاحة ببن علي و فراره فى 14 جانفي ، حقّقت ثورة الحرّية و الكرامة هدفها الأوّل المباشر ، وهو كنس رمز النظام الديكتاتوري الفاسد " .( ص 151 )
وفضلا عن تقديمه غالبا للجيش و الدولة على أنّهما محايدان أو فوق الطبقات ، فهو ينظّر غالبا أيضا لكون الديمقراطية لاطبقيّة .
فى الصفحة 172-173 يدين أعمال الجيش و مؤامراته ... و يصنّف الدولة القديمة ( فى الصفحة 89 ) على أنّها "دولة الإستعمار الجديد " وفى الصفحة 151 ينطق بضرورة " سقوط لأجهزة دولته [ بن علي ] الديكتاتوريّة من بوليس و جيش و مليشيا التجمّع "، إلاّ أنّه فى معظم صفحات الكتاب وهي عشرات الصفحات كان يتوهّم و ينشر وهم حياد الجيش و الدولة كما مرّ بنا شرحه .
أمّا عن الديمقراطية فحدّث و لا حرج . خارج الكتاب ، فى مقال من مقالاته العديدة على فضاء الحوار المتمدّن ، نلفى السيّد الحامدي ينقد نقدا لاذعا الديمقراطية البرجوازية حيث جاء فى مقال " الديمقراطية البرجوازية ديكتاتورية الأقلية "
( الحوار المتمدن-العدد: 3473 - 2011 / 8 / 31 ) : " كل أجهزة الديمقراطية البرجوازية ومؤسساتها من برلمانات وقضاء وإعلام وأنظمة إدارية في هذه البلدان هي محتكرة بصفة كلية في يد الأقلية البرجوازية المالكة لوسائل الإنتاج وموجَّهَة للتحكم في الأغلبية. إنها ديكتاتورية الأقلية المالكة والحاكمة والموجِّهة والمسيطرة على الأغلبية المستغَلَّة والمفقَّرة والمبعَدة. " بيد أنّ ثنايا الكتاب الذى نناقش جوانبا من مضامينه تزخر بالجمل و الصيغ و الفقرات التى تقدّم الديمقراطية و كأنّها خارج الطبقات والصراع الطبقي و كأنّها مجرّد شكل لا يصطبغ بصبغة الطبقة أو الطبقات الحاكمة :
- " يريد أن يختار بكلّ الحرّية ممثّليه " ( ص 118 )
- " مطالب الحقّ فى الديمقراطية ..." (ص 137 )
- " ... للتحضير لإنتخابات حرّة و ديمقراطية يختار فيها الشعب ممثّليه بكلّ ديمقراطية و حرّية " ( ص 164 )
و عندئذ نتبيّن مدى مثاليّة و ميتافيزيقيّة وبراغماتيّة منهج السيّد الحامدى الذى يتدحرج إلى هاوية الديمقراطية البرجوازية التى نقد فى إحدى مقالاته و مجدّدا تتقاطع أطروحاته مع أطروحات المتمركسين الغارقين إلى العنق فى الديمقراطية البرجوازية والذين سبق أن خضنا معهم صراعات حول هذه المسألة ودبّجنا الكثير من الصفحات بشأنها نعود إليها لاحقا.
و هذا الإنحراف الديمقراطي البرجوازي ليس غريبا صلب الحركة الشيوعية العالمية إذ هو وجه من وجهي ردود الفعل الإنتهازية تجاه الهجمة العالمية الإمبريالية و الرجعية على الشيوعية و أمام الأزمة التى تشهدها هذه الحركة الشيوعية ، والوجه الآخر هو التمسّك الدغمائي الأعمى بتاريخ هذه الحركة حتّى بما ثبت من أخطاء جليّة وجب تجاوزها . و قد شخّصت الخلاصة الجديدة للشيوعية هذين المرضين وهي تصارعهما بلا هوادة على أساس إنجاز تقييم نقدي مادي جدلي للتجارب التاريخية للبروليتاريا و تخطّى الأخطاء و النقائص و التمسّك بقوّة بالمكاسب و تطوير علم الشيوعية و إرسائه على أسس علمية أرسخ بما يخوّل قيادة الموجة أو المرحلة الجديدة من الثورة البروليتارية العالمية و إنجاز ما هو أفضل مستقبلا .
2- تحريفيّون إصلاحيّون و الشيء من مأتاه لا يستغرب !
شعرنا بحسرة و لوعة كبيرتين لدى كاتبنا عند تناوله بالنقد ما أطلق عليه تسمية " اليسار " الماركسي فى تنظيراته و ممارساته ذلك أنّه كان يتوقّع و ينتظر و ليس فقط يتمنّى و يرجو ، أن ينهض هذا المسمّى باليسار و المضافة إليه صفة الثوري بالمهام الملقاة على عاتقه . و لكن هيهات ؛ فاقد الشيء لا يعطيه .
و مردّ الحسرة و اللوعة الكبيرتين هو القراءة الخاطئة المثاليّة الميتافيزيقيّة للخطوط الإيديولوجية و السياسيّة لفرق ذلك المسمّى باليسار الثوري و الذى هو فى الحقيقة إنتهازي يميني مثلما دلّلنا و لا نزال ندلّل على ذلك منذ العدد الأوّل من نشريّتنا " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! " وعنوانه بهذا المضمار معبّر للغاية ألا وهو " القلب على " اليسار " و " اليسار " على اليمين " .
كتب السيّد الحامدي :
- " لقد إكتفت القوى السياسيّة لهذا القطب [ " قطب جبهة الشعب و التى تضمذ اليسار الماركسي و قوميين ..." حسب كلمات الحامدي ] بالمطالبة برحيل حكومة الغنّوشي و بالدعوة إلى المجلس التأسيسي دون الإعتراض على القعدة التى ستشكّل عليها السلطة الإنتقاليّة ...كما تغافلت على أن ّ للثورة مطالب إقتصادية و إجتماعيّة ..." ( ص 160)
- " لقد عجز هذا القطب عن طرح مسألة السلطة و التى تعتبر أهمّ مسألة فى الثورة و فى كلّ ثورة ." ( ص 161)
- " لقد تغلّبت النزعة البرجوازيّة الصغيرة الإصلاحيّة المساومة و المراوحة على النزعة الديمقراطية الثوريّة و روح التنازل و الوفاق على روح الصراع و الثورة لدى كلّ مكوّنات جبهة 14 جانفي " . ( ص 194)
- " لم تعد جلّ الأحزاب ، بما فيها أحزاب اليسار الإنتهازي التى إنخرطت فى مسار الإلتفاف و أدارت ظهرها للثورة و حصرت مهماتها فى مجرّد إنتخابات نيابيّة على أرضيّة فصّلتها قوى الثورة المضادة و الحكومة اللاشرعيّة معنيّة بالطابع الإجتماعي للثورة و لا بمطالب الجماهير . " ( ص 221 )
و لكن هذا الناقد لل"يسار " من موقع لنقل إصلاحي ديمقراطي برجوازي راديكالي سنتولّى بيانه أكثر مع مزيد التوغّل فى النقاش ، يهمل تقريبا كلّيا التطرّق للتناقض بين الماركسية و التحريفيّة أو بصيغة أخرى لا يتناول بالبحث الماركسيّة و نقيضها التحريفية و الدغمائيّة كوحدة أضداد ، كتناقض و لا يفقه مدى علاقة الإصلاحيّة التى لمس فى نهاية الكتاب لدى تلك الفرق المتمركسة بتحريفيتها أي تحريفها و مراجعتها لمبادئ علم الشيوعية .
و مثله مثل سلامة كيلة يتغافل عمدا و بمثاليّة لا يحسد عليها عن الخوض فى التحريفية ما دفعنا إلى أن ننبّه إلى :
" و نسترسل لنشير إلى أنّ الداعية إلى " الماركسية المناضلة " عالج الدغمائيّة و الإصلاحيّة فى حين أنّه أهمل الإهمال كلّه ( ذكر الكلمة مرّات تعدّ على إصبع اليد الواحدة منها مرّة بتهكّم فى " الماركسية و-الماركسيات- الأخرى حول النزعة الحلقية والتشتت الماركسي ": " كما أشرنا فإن كل يعتقد بأنه الماركسية وأن الآخر " تحريفي" " ) معالجة التحريفيّة بإعتبارها مراجعة و تحريف للمبادئ الجوهريّة للماركسية . و يتماشى هذا تماما مع مشروعه لإعادة الجميع إلى المربّع الأوّل كما مرّ بنا و لفهمه الماركسية كمنهج فقط .
وهكذا يتجنّب الخوض فى التحريفيّة فيستر عورة التحريفيين ماضيا و حاضرا و يقدّم لهم أجلّ الخدمات و يشوّه وعي الماركسيين لأنّه بمثاليّة لا يعترف بوجود التحريفيّة و التحريفيين و يحول بين الشيوعيين الحقيقيين و النضال الضروري ضد التحريفية .
و يصبّ موقف سلامة كيلة هذا الذى يسنّ حرابه ضد الدغمائيّة و يتغاضى عن التحريفيّة المنتشرة إنتشار النار فى الهشيم فى خانة التحريفيين ذاتهم الذين يركّزون على الدغمائيّة و يتجنّبون أحيانا حتّى الإشارة إلى التحريفيّة وهم بذلك يقتفون أثر خروتشوف و من لفّ لفّه من التحريفيين السوفيات ممثّلي البرجوازيّة الجديدة الذين حوّلوا الحزب الشيوعي السوفياتي من حزب بروليتاري إلى حزب برجوازي و حوّلوا الدولة الإشتراكيّة إلى دولة رأسماليّة .
فى " أطروحات من أجل ماركسية مناضلة "، عمد سلامة كيلة إلى قفزة بهلوانية و بعصاه السحريّة شطب مرّة و إلى الأبد الإنقسامات التاريخيّة فى صفوف الحركة الشيوعية العالمية و أعلن أنّها " سقطت " نهائيّا لكوها " شكليّة " و ليست عميقة و بذلك و فى نفس السياق أدان الجميع تقريبا بما أنّ الإختلافات لم تكن مبدئيّة بين الماركسية من جهة و التحريفية و الدغمائية من الجهة الأخرى ، بل ذات " طابع ديني " لعبت فيها مصالح الفئات الحاكمة الدور " الحاسم " . و حالئذ بضربة واحدة ، وضع السيّد كيلة الجميع خارج الحلبة و فتح لهم باب العودة عن طريق الماركسية كمنهج " فحسب " ، عن طريق ماركسيّته هو لا غير ، إذ قال :
" الانقسام القائم، الذي تبلور منذ زمن، قام على أساسٍ مختلف، انطلق من الانقسام العالمي (سوفياتي، تروتسكي، ماوي، الشيوعية الأوروبية..)، أو من اختلافات جزئية، نبعت من اعتبار قضية أو بعض القضايا هي وحدها الأساسية، التي تحدد حتمية الانقسام (مسألة الوحدة العربية، قضية فلسطين، الكفاح المسلّح..)، وبالتالي فقد كان انقساماً شكلياً، أو كان انقساماً ظاهرياً، حيث لم يطل الاختلاف جوهر الرؤية. ونقصد أن مسألة استيعاب المنهجية الماركسية ظلت متقاربة في كل الأحوال، رغم التباين الجزئي، وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى بعض مظاهر هذه الإشكالية، فأولاً ساد نقل تصورات تبلورت لدى أحزاب أخرى (السوفياتية، التروتسكية، الماوية). وثانياً: جرى اتباع أسلوب الحفظ، والتمسك الحرفي بنصوص ماركس ـ أنجلز ولينين. ولقد نشأ الاختلاف أحياناً من معارضة الشكل الأول بالثاني.

لهذا كان الاختلاف شكلياً، ما دامت المنهجية هي ذاتها. وما دامت المنهجية الماركسية ظلت غائبة. ونقول أن الاختلاف كان شكلياً، رغم حدّة الصراعات التي سادت، ورغم أن هذه الانقسامات أوجدت مجموعات منعزلة، متناقضة، متناحرة، منغلقة داخلياً ومعادية لسواها.

هذه هي المفارقة التي يجب أن نقف عندها، مقدرين مجهود كل هذه المجموعات صغيرها وكبيرها، معتبرين أن المطلوب هو الاستيعاب الأفضل للمنهجية الماركسية، وإلى اعتبار البحث في مشكلات الواقع هو أساس الاتفاق، أو الاختلاف. ونؤكد أن التقسيم ((الإيديولوجي)) على أساس ((الخطوط)) التي سادت في الحركة الشيوعية العالمية، قد سقط. كما سقط التناقض على أساس رؤية مجزؤة. فقد سقطت الخلافات التي سادت في المرحلة الماضية، والتي أصبحت أساساً في التقسيم الحزبي المحلي، لقد تجاوزها الزمن، فما جرى في البلدان الاشتراكية أشار إلى ذلك، لكن مشكلات الواقع عندنا، وطبيعة الاختلافات بين هذه المجموعات كانت تشير إلى أن الاختلاف ليس عميقاً، ولقد اتخذ بعضه طابعاً دينياً، طابع التمسك بأنبياء، تقديس أنبياء (ستالين، تروتسكي، ماو). فإذا كانت نشبت خلافات بين تروتسكي وستالين في العشرينات، أو بين قيادة الحزب الشيوعي الصيني، وقيادة الحزب الشيوعي السوفياتي في الستينات، فإن الظروف المحلية هناك هي التي استدعتها وكانت مصالح البلدين ورؤية الفئة الحاكمة فيهما لمصالحها، ودورها العالمي، السبب الحاسم فيها، لكنها لم تصل لأن تصبح اختلافات في المنهج، بل نبعت من تحليل مختلف لظروف الاتحاد السوفياتي ولدوره العالمي. ولهذا فلم تشكل أساساً لانقسام في الوطن العربي."
و على الضد من مفكّرنا العربي ، فى مقال " الماركسية و التحريفية " ، وضع لينين الأصبع على الداء فأشار إلى :
"- لقد منيت إشتراكية ما قبل الماركسية بالهزيمة . و هي تواصل النضال ، لا فى ميدانها الخاص ، بل فى ميدان الماركسية العام ، بوصفها نزعة تحريفية ...
- إن ما يجعل التحريفية أمرا محتما ، إنما هي جذورها الطبقية في المجتمع المعاصر . فان النزعة التحريفية ظاهرة عالمية ...
- إن نضال الماركسية الثورية الفكري ضد النزعة التحريفية ، في أواخر القرن التاسع عشر ، ليس سوى مقدمة للمعارك الثورية الكبيرة التي ستخوضها البروليتاريا السائرة إلى الأمام ، نحو انتصار قضيتها التام...
( لينين ،" الماركسية و النزعة التحريفية " )
و عمليّا ، خاض صراعات عالمية و محلّية ضد أرهاط من التحريفية و ألحق الهزيمة بها و قد ساهمت تلك الصراعات فى تقدّمه باللينينيّة كمرحلة ثانية فى تطوّر علم الشيوعية و على خطاه سار ماو تسى تونغ و لخّص حقيقة نابعة من عقود من الصراع ضد التحريفية و الدغمائيّة :
" إن النظر إلى الماركسية من وجهة النظر الميتافيزيقة و إعتبارها شيئا جامدا ، هو جمود عقائدي ، بينما إنكار المبادئ الأساسية للماركسية و إنكار حقيقتها العامة هو تحريفية . و التحريفية هي شكل من أشكال الإيديولوجية البرجوازية . إن المحرفين ينكرون الفرق بين الإشتراكية و الرأسمالية و الفرق بين دكتاتورية البروليتاريا و دكتاتورية البرجوازية . و الذى يدعون اليه ليس بالخط الإشتراكي فى الواقع بل هو الخط الرأسمالي . "
( ماو تسي تونغ ، " خطاب فى المؤتمر الوطنى للحزب الشيوعي الصيني حول أعمال الدعاية "
12 مارس/ أذار 1957 " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " ، ص21-22 )
و لم يتخاذل ماو أبدا فى خوض النضال الضروري ضد التحريفية المعاصرة السوفياتيّة منها و الفرنسية و الإيطاليّة و اليوغسلافية إلخ و ضد ألوان من التحريفيّة التى أطلّت برأسها داخل الحزب الشيوعي الصيني ذاته فى عشر مناسبات :
" (1) قام الصراع الأول ضد الانتهازية اليمينية التى يتزعمها تشيان توسيو(1879-1942) وهو السكرتير العام للحزب الشيوعي من 1921 الى حد آب 1927. لعب دورا هاما خلال حركة 4 أيار 1919 . فقد دافع عن خط سياسي كان يتمثل فى اسناد قيادة الثورة الديمقراطية البرجوازية الى البرجوازية ، و مطالبة العمال أن يترقبوا حتى تنجز هذه الثورة ليشرعوا فيما بعد فى النضال من أجل الثورة الاشتراكية . كما يتمثل فى اهمال قوة الفلاحين . ثم كون تشيان توسيو بعد ندوة 7 آب 1927 التى تم فيها عزله "كتلة اليسار اللينيني المعرض" و أصدر 81 عضوا فى الحزب بيانا ينص على أن هدفهم كان يتمثل فى تقسيم الحزب . لكن هذه المحاولة باءت بالفشل فما كان من تشيان توسيو الا أن خان نهائيا الحزب والتحق بمعسكر التروتسكية.

(2) جرى الصراع الثاني ضد المسؤول عن "الخط الأمامي لليسار " وهو تشوتشيو باي (1889-1935) السكرتير العام للحزب من آب 1927 . تميز خطه من شتاء 1937 الى ربيع 1928 بالانقلاب اليساري القئم على العنف و الارهاب و اعطاء الأولوية لافتكاك المدن مع اهمال العمل الثوري فى الأرياف . سيقع تعويضه فى خريف 1928 بلي لي سان . ثم أعدمه الكومنتغ فى 1935.

(3) تمحور الصراع الثالث حول التناقض بين الرئيس ماو و خط لي لي سان الذى رجع الى الصين سنة 1921 بعد أن انتمى الى فرع الحزب الشيوعي الصيني بفرنسا و انخرط فى احدى المنظمات النقابية. كان يرى أن المسار الثوري يرتكز على العمال و المدن فقط.فيما بين حزيران و أيلول 1930دعا الى انتفاضة عامة فى أهم المدن و الى أن يشن الجيش الأحمر هجوما عاما على المدن فنتجت عن هذا الاتجاه خسائر جسيمة فى التنظيمات السرية للحزب فى الجهات الخاضعة لسيطرة الكومنتنغ . وقع تصحيح الأخطاء التى تسبب فيها خلال أيلول 1930لي لي سان و ذلك أثناء الدورة الكاملة لللجنة المركزية المنبثقة عن المؤتمر السادس للحزب. تم اقصاء لي لي سان نهائيا من قيادة الحزب خلال الدورة الكاملة الرابعة لللجنة المركزية فى كانون الثاني 1931 من قبل كتلة "يسار" جديدة بقيادة فانغ مينغ.

(4) لقد قرر لوتشانغ لونغ (1901-1949) وهو عضو آخر من مؤسسي الحزب السيطرة على الحزب فى نهاية 1930 فكون كتلة يمينية مع هومنغ هيشوةنغ. و عندما وقع طرده من الحزب اثر المجلس العام الرابع لللجنة المركزية فى كانون الثاني 1931 كون لجنة مركزية موازية و أصبح فيما بعد تروتسكيا.

(5) وقع الصراع الخامس ضد وانغ مينغ وهو كنية تشان تشاويو (1907-1974) و قد عرف هذا الخط باعتباره " الخط اليساري الثالث" و قد انتمى وانغ مينغ الى الحزب فى موسكو سنة 1925 و كون فيها كتلة بتنظيم (الثمانى و العشرين بلشفى و نصف) و لما رجع الى الصين تبوأ هو و جماعته قيادة الحزب فى 1931 و حافظ عليها لمدة أربع سنوات . و يتمثل خطهم فى نفي التغييرات الهامة على الوضع السياسي الداخلي فى الصين اثر الغزو و اعتبر الكتل العديدة للكومنتانغ و المجموعات كلها معادية للثورة و بنفس الدرجة. و طالبوا الحزب تبعا لذلك بالصراع حتى "الموت" و بدون أي تفريق و تتميز هذه الزمرة بالانعزالية المفرطة.

و فى نهاية 1932 خير الرئيس ماو قيادة الجيش الأحمر و تمكن وانغ مينغ من تطبيق خطه العسكري . حرب المواقع و احتلال الموافع الهامة حتى النهاية و نجح ماو و أعضاء آخرين من الحزب بعد معارك طويلة من دعوة ندوة موسعة للمكتب السياسي لللجنة المركزية فى كانون الثاني 1935 فى تسويني مقاطعة كواتشو. و قد أزاحت هذه الندوة الخط الانتهازي "اليساري " و انتصر خط ماو القيادي.

(6) لم يتمكن تشانغ كيوتا و عضو المكتب السياسي من حضور ندوة تسويني فنعت سياسة القواعد الثورية ب"أخطاء" و "المسيرةالكبرى" بالفشل و اقترح على الحزب سحب فرقه الى مكان آخر آمن كالتيبت أو شينكيانغ و تبعا لهذا الاتجاه رفض مغادرة قاعدته فى سياتشوان و الالتحاق بشمال شانسي كما اقترح ذلك الرئيس ماو و نقل فرقه فى اتجاه الغرب نحو التيبت.و كان مفروغا منه أن يتعرض الى خسائر جسيمة ، و عندما وصل الى ينان سنة 1936 كان فشله ذريعا الى حد أنه لم يكن بوسعه معارضة الرئيس ماو الفعلية. و نظرا لضعف تأثيره السياسي فر فى منتصف سنة 1938 الى الاقليم الذى يوجد تحت مراقبة الكيومنتانغ.

(7) وقع الصراع السابع بعد تحرير الأراضي الصينية فى 1943 و تقابل فى هذا الصراع اللجنة المركزية بقيادة الرئيس ماو و تحالف مضاد للحزب تحت قيادة كاوكانغ (1902-1954) . و كان هذا الأخيرمسؤولا فى الأربعينات عن جهة الشمال الشرقي و يجمع بين قيادة الحزب و ادارة الجيش . و باعتباره المسؤول على المنطقة الأكثر تصنيعا فقد لعب دورا هاما جدا فى بيكين و أصبح سنة 1952 رئيس لجنة الدولة للتخطيط و بفضل نفوذه المتزايد استطاع اقامة مملكة مستقلة فى منشوريا القديمة و كون كتلة مع جاو شوتشا (السكرتير الأول للمكتب السياسي فى شرق الصين) من أجل الاستحواذ على السلطة السياسية .و قد وقع فضح هذا التحالف و سحقه خلال الدورة الرابعة الكاملة لللجنة المركزية المنبثقة عن المؤتمر السابع للحزب الشيوعي الصيني سنة 1954. و قد نقد جماهيريا خلال الندوة الوطنية (31 شباط ) و علمنا أنه انتحر فى شباط 1954 اثر التحقيقات فى شأن نشاطه المضاد للحزب و قد وقع نشر قرار الندوة الوطنية فى ملحق "شعب الصين" 16 نيسان 1955.

(8) تفجر الصراع الثامن فى اجتماع لوشيان خلال آب 1959 أثناء الندوة الثامنة الكاملة لللجنة المركزية المنبثقة عن المؤتمر الثامن للحزب و ذلك عندما عارض وزير الدفاع بانغ تاه هوا " الأعلام الحمراء الثلاثة" أي الخط العام لبناء الاشتراكية و الكمونات الشعبية و الوثبة الكبرى. و هاجم فى رسالته المؤرخة فى 14 تموز 1959 الخط السياسي العام للرئيس ماو الذى وافقت عليه اللجنة المركزية. و قد كون هوا كذلك كتلة مضادة للحزب فوقع نقده بصراحة فى اجتماع لوشان ثم أطرد خلال الدورة الموسعة للهيئة العسكرية لللجنة المركزية للحزب التى دعي اليها اثر الاجتماع الكامل للجنة المركزية للحزب.

(9) تفجر الصراع التاسع جماهيريا مع الثورة الثقافية البروليتارية و كانت هذه الثورة ذات اتساع لا يقارن بفضل التجنيد الكامل للجماهير الشعبية ضد الخط التحريفي الذى دافع عنه خاصة ليوتشا وشى . ذلك الخط الذى لو صودق عليه و طبق لكان بامكانه جر الصين فى الاتجاه الرأسمالي . و قد ساند المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الصيني فى نيسان 1969 ساند الخط السياسي لماو تسىتونغ الذى يرتكز على مواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية الربليتاريا.

(10) و أخيرا ظهر الصراع العاشر بجلاء خلال الدورة الثانية الكاملة للجنة المركزية للحزب المنبثقة عن المؤتمر التاسع المنعقد فى لوشان فى آب 1970 حيث طلب لين بياو و تشان بوتا تسمية رئيس للجمهورية و طورا أطروحاتهما حول " عبادة النوع " و أظهرا عداءهما لخط المؤتمر التاسع.
و يحدد شوآن لاي فى تقريره للمؤتمر العاشر طبيعة خط الزمرة التى يقودها لين بياو كما يلى : " اغتصاب السلطة العليا للحزب و الدولة . و الخيانة التامة لخط المؤتمر التاسع و التغيير الجذرى للمبادئ الأساسية التى وقع تحديدها بالنسبة للفترة التاريخية الاشتراكية كما يهدف الى جعل الحزب الشيوعي الصيني الماركسي – اللينيني حزبا تحريفيا فاشيا و قلب دكتاتورية البروليتاريا عن طريق التخريب و اعادة الرأسمالية " ( المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الصيني ،( وثائق) )

وسوف لن يكون الصراع العاشر آخر صراع يعيشه الحزب الشيوعي الصيني فقد استطاع الرئيس ماو أن يؤكد من قبل ، خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى " ليست الثورة الثقافية الكبرى الحالية الا الأولى من نوعها و ستقوم مثل هذه الثورات فى المستقبل حتما مرات عديدة وتتطلب مسألة نتيجة الثورة و من ذا الذى سيتغلب فى النهاية فترة تاريخية طويلة حتى يقع حلها فإن لم نخضها بنجاح فإن عودة الرأسمالية سيكون ممكنا فى كل لحظة و على كل أعضاء الحزب و الشعب فى كل البلاد أن يحذروا من الإعتقاد بأنه فى إمكانهم النوم هادئين و أن كل شيئ سيسير على ما يرام بعد ثورة أو إثنتين أو ثلاث أو أربع ثورات ثقافية كبرى ، يجب أن نتحلى بحذر خاص تماما و ألا نتخلى فى شيئ عن يقضتنا " (مجلة بيكين عدد 22- 29 ماي 1967 ص43 . رينمين ريباو فى 23 ماي 1967).

كما أعلن خلال محادثة فى أكتوبر 1968: " لقد أحرزنا الى حد الآن على انتصارات كبرى لكن الطبقة المهزومة ستواصل التخبط و اذلك لا يمكن لنا الحديث عن انتصار نهائي حتى بالنسبة للعشرينات القريبة القادمة فلا يجب أن نتخلى عن يقظتنا . ان الانتصار النهائي لبلد اشتراكي ما لا يستدعي حسب وجهة النظر اللينينية جهود البروليتاريا و الجماهير الشعيبة الواسعة لهذا البلد فحسب و لكنها تتوقف أيضا على انتصار الثورة العالمية و على الغاء نظام استغلال الانسان للانسان من الكرة الأرضية مما يمكن الانسانية قاطبة من التحرر و تبعا لذلك فان الحديث بلا ترو عن انتصار نهائي لثورتنا خاطئ و مضاد لللينينية وهو بالاضافة الى ذلك لا يتطابق مع الواقع" ( من تقرير لين بياو الى المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الصيني ، مقتطفات وثائق المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الصيني بيكين 1969 ص 68-69 ) و حول هذا التقرير تقرير شو آن لاي الى المؤتمر العاشر ص5 : " كلنا يعلم أن التقرير السياسي المقدم الى المؤتمر قد وقع انجازه تحت اشراف الرئيس ماو الشخصي و قد حرر لين بياو بالاشتراك مع شين بوتا قبل المؤتمر التاسع تقريرا سياسيا يعارض مواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا... و يعتبر أن المهمة الأساسية بعد المؤتمر التاسع يجب أن تكون تطوير الانتاج ، انها طبعة أخرى و فى ظرف جديد للطرح التحريفي السخيف الذى مرره ليوتشاوتشي فى قرار المؤتمر الثامن و القائل بأن التناقض الرئيسي داخل البلاد ليس التناقض بين البروليتاريا و البرجوازية و لكنه تناقض بين " النظام الاشتراكي و قوى الانتاج الاجتماعية المتخلفة " و بالطبع فان هذا التقرير السياسي الذى أعده لين بياو و تشان بوتا رفضته اللجنة المركزية " ( وثائق المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الصيني، الملاحظة حول المؤتمر الثامن) .

و قد أعلن الرئيس ماو فى 28 أفريل 1969 خلال الدورة الثانية لللجنة المركزية المنبثقة عن المؤتمر التاسع : " قد يتحتم فى سنوات عديدة القيام بثورة " ( تابع ص4 من مجلة بيكين عدد51 ، ديسمبر 1975 ، ص5 هونغكى عدد9، 1975) . ونقرأ الآتي :" يلح الرئيس ماو دوما على ضرورة أن نكون واعين بالمدة الطويلة التى يستغرقها الصراع بين الخطين . و قد قال سنة 1971:" إننا نغنى النشيد الأممى منذ خمسين عاما و قد وجد فى حزبنا أناس حاولوا عشر مرات زرع الانشقاق ، فى رأيى هذا يمكن أن يتكرر عشر مرات ، عشرين ، ثلاثين مرة أخرى . ألا تعتقدون ذلك؟ أنا أعتقد ذلك على كل حال . ألن توجد صراعات حين ندرك الشيوعية ؟ أنا ببساطة لا أعتقد ذلك. إن الصراعات ستستمر حتى حينها، لكن فقط بين الجديد و القديم و بين الصحيح و الخاطئ." "

( إنتهى المقتطف من كتاب " لا لتشويه الماوية و روحها الشيوعية الثوريّة : كلّ الحقيقة للجماهير ! ردّ على مقال لفؤاد النمرى و آخر لعبد الله خليفة " صفحات 167 إلى 170، ناظم الماوي ، مكتبة الحوار المتمدّن )

و إثر وفاة ماو تسى تونغ ، طلع علينا أنورخوجا بكتابه السيّء الصيت " الإمبريالية و الثورة " مهاجما فكر ماو تسى تونغ على أنّه معادي للشيوعيّة محاولا تحويله إلى جثّة ميّتة فكان على الماركسيين – اللينينيين و بالخصوص أنصار الماركسية – اللينينية فكر ماو تسى تونغ حينها أن يتصدّوا للهجوم الدغمائي - التحريفي الخوجي الذى خرّب الحركة الماركسية – اللينينية العالمية بينما كان من المفترض شيوعيّا أن ينبرى أنور خوجا و حزب العمل الألباني ليرفع راية الماركسية – اللينينية التى كان ماو تسى تونغ فى مقدّمة رافعيها إلى آخر لحظة من لحظات حياته .
و حتّى صلب الماويّين ، فى العقود الأخيرة ، جدّت صراعات خطّين ضد التحريفية والدغمائيّة وإنحرافات خطوط ثبت فشلها المريع أو خطأها البيّن . ونحن فى المدّة الأخيرة ، علاوة على قيامنا بواجب النضال ضد الدغمائيّة و التحريفيّة فى صفوف الحركة الشيوعية العربيّة و العالميّة ، ألّفنا كتابا فى نفس الإتّجاه غير أنّه يُعنى بالأساس بصراع الخطّين صلب الماويين و عنوانه فى حدّ ذاته له دلالة واضحة " ضد الدغمائيّة و التحريفيّة ، من أجل تطوير الماويّة تطويرا ثوريّا " .
يصرخ واقع الحركة الشيوعية العربيّة كجزء لا يتجزّأ من واقع الحركة الشيوعية العالميّة من أجل مقاتلة التحريفيّة و تطوير علم الشيوعية تطويرا ثوريّا ضد الدغمائيّة و التحريفية و سلامة كيلة يُبعد الأنظار عن التحريفية برؤية مثاليّة إحاديّة الجانب لا تحطّ العين إلاّ على الدغمائية و تشطب تطوير علم الشيوعية و تأسره فى مرحلته الأولى، " الماركسية " لا غير . مرّة أخرى ، يفشل فى المسك بالحقائق المادية الموضوعيّة فشلا يزكم الأنوف ."
( إنتهى المقتطف من كتابنا ، " نقد ماركسية سلامة كيلة إنطلاقا من شيوعية اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية " ، مكتبة الحوار المتمدّن )
و الشيء الذى يتكئ عليه السيّد الحامدي على أنّه جوهر إنحراف هذه الفرق هو زعم أنّه فهم خاطئ لمراحل الثورة ما يفيد أنّ فى قرارة نفسه هذه الفرق ثوريّة لولا ذلك الفهم الخاطئ للمراحل وهي ليست كذلك البتّة :
- " الكثير من مجموعات اليسار الماركسي الستاليني و الماوي تربّت على نظريّة الثورة على مراحل ، و لم تكن ترى فى الثورة فى بلد كتونس سوى ثورة وطنيّة ديمقراطيّة لا يمكن أن يلعب فيها العمّال إلاّ دورا داعما و مساعدا للبرجوازية الوطنية الموكول لها إنجاز المهمّات الديمقراطية . لقد بنوا إستراتيجيتهم على برنامج الحدّ الأدنى الديمقراطي أو برنامج الجمهورية الديمقراطية . لقد كانت هذه المجموعات ترى أنّ الدور الرئيسي فى الثورة سيكون للبرجوازية الوطنيّة و بنوا كلّ تصوّراتهم البرنامجيّة حول أولويّة المهمّات الديمقراطية التى يمكن تحقيقها على أرضيّة برجوازية . فأطروحاتهم لا زالت تعتبر قسما من الطبقة البرجوازية التونسية وطنيّا و توكل إليه مهمات إرساء الدولة الديمقراطيّة بدعم من العمّال و شرائح البرجوازية الصغيرة " . ( ص 138)
- " هذه الخلفيّة النظريّة كانت وراء حصر مجموعات اليسار التونسي الستالينية و الماويّة لنضالاتها طيلة الفترة البورقيبيّة حرّيات السياسيّة ..." ( ص 140 )
و هنا و إعتبارا لكوننا معنيّين بهذا التشويه الذى يطال خاصة الماويّة ، سنضطلع بواجب توضيح الرؤية الماوية للمسألة و لن ندخل فى تفاصيل كثيرة لا حاجة بنا لها فى هذا المجال و لن نفصّل القول فى الكمّ الهائل من الإفتراء على التاريخ و تزوير الحقائق و التعميم و التجنّى على الماويّة ( و لا وجود لستالينيين كما شرحنا فى عدّة مناسبات سابقة ) و بالطبع لن تعوزنا المادة التى قد نكتفى بإقتباسها من كتبنا و مقالاتنا التى ذدنا فيها عن الماوية أو من كتب شادي الشماوي المجلية لفحوى الماوية نظرية و ممارسة . لذلك سنقتصر هنا على التذكير ببعض مقولات ماو تسى تونغ نفسه نضيف إليها بعض المعلومات التاريخيّة لا غير .
- " القوّة القائدة لثورتنا هي البروليتاريا الصناعية ". ( المؤلّفات المختارة لماو تسى تونغ ، المجلّد 1، ص 24).
- " لا يمكن إنجاز الثورة الديمقراطية ضد الإمبريالية و الإقطاعية بدون هذه القوى الثورية الأساسية ، و بدون قيادة الطبقة العاملة. " ( المؤلّفات المختارة لماو تسى تونغ ، المجلّد 2 ، ص 328- 329).
- فى " الثورة الصينية و الحزب الشيوعي الصيني" أشار إلى كون البروليتاريا " أصبحت القوة المحرّكة الأساسية الأولى للثورة الصينية. و بدون قيادة البروليتاريا لن تتمكّن الثورة الصينية بالتأكيد من الظفر ".( المؤلّفات المختارة لماو تسى تونغ ، المجلّد 2، ص 449).
( من النقطة الثالثة بالفصل الرابع من كتابنا " لا لتشويه الماوية و روحها الشيوعية الثوريّة : كلّ الحقيقة للجماهير !
ردّ على مقال لفؤاد النمرى و آخر لعبد الله خليفة " )
و فى التطبيق العملي ، حقّقت ثورة الديمقراطية الجديدة الماويّة الظفر فى الصين سنة 1949 و تمّت مصادرة أملاك و مؤسسات صناعية و أراضي كانت على ملك الطبقات الرجعيّة و الإمبريالية و وقع تحويلها إلأى قطاع عام تشرف عليه و تديره دولة تقودها البروليتاريا و حزبها الشيوعي ، مثّلت جانبا هاما و إن لم يكن الجانب الطاغي من الإقتصاد . و بعد بضعة سنوات تعدّ على أصبع اليد الواحدة كما سجّل ذلك كتاب شارل بتلهايم " بناء الإشتراكية فى الصين " المتوفّر حتّى بالعربيّة على موقع أنترنت الصوت الشيوعي – ماو للعرب .
و تمّ المرور إلى الثورة الإشتراكية التى تعمّقت حتّى أكثر لتبلغ قمّة ما وصلته الإنسانيّة فى تقدّمها صوب الشيوعية خلال عشريّة 1966-1976 ، عشريّة الثورة الثقافيّة البروليتاريّة الكبرى ، قبل الإنقلاب التحريفي لسنة 1976 ، إثر وفاة ماو تسى تونغ ، و صعود التحريفية إلى السلطة ، صعود البرجوازية الجديدة للسلطة و تحويل الدولة و الحزب البروليتاريا إلى دولة و حزب برجوازيين .
و لأنّ للثورة الإشتراكية العالمية تيّاران فى عصر الإمبريالية و الثورة الإشتراكية و تيّار منهما يحمل صفة الديمقراطية الجديدة ( فى البلدان المستعمرة و شبه المستعمرة و المستعمرات الجديدة فضلا عن تيّار الثورات الإشتراكية فى البلدان الرأسمالية الإمبريالية و كلاهما بقيادة الطبقة العاملة و إيديولوجيتها الشيوعية و هدفهما الأسمى الشيوعية على النطاق العالمي ) ، لا بدّ من توضيح و إن بإقتضاب و عجالة لمعنى الثورة الديمقراطية الجديدة كما يرتئيها الماويّون الحقيقيّون و كرّسوها و يكرّسونها إلى يوم الناس هذا و ليس كما يشوّهها أعداء الشيوعية بشتّى أصنافهم . و لعلّ بعض الفقرات من العدد الأوّل من نشريّة " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة !" ، مارس 2001 ، من مقال " الديمقراطية القديمة البرجوازية أم الديمقراطية الجديدة الماوية ؟ " تفى بالغرض هنا :
" التناقضات المختلفة من حيث طبيعتها لا يمكن أن تحلّ إلاّ بطرق مختلفة طبيعيّا "
(ماو تسى تونغ ، " فى التناقض " )

كانت الثورات الديمقراطية القديمة ضد الإقطاع، قبل القرن العشرين، ثورات برجوازية تفرز دولا رأسمالية برجوازية.أمّا الثورات الديمقراطية الجديدة فتتعارض تمام التعارض مع الديمقراطية القديمة أي مع الديمقراطية البرجوازية الراسمالية-الإمبريالية بمعنى أنّ نتيجة الثورة الديمقراطية الجديدة الحقّة لن تكون دولة ديمقراطية قديمة برجوازية و مجتمع رأسمالي تسوده البرجوازية و إنّما دولة ديمقراطية جديدة ، دولة ديمقراطية شعبية لطبقات ثورية مناهضة للإمبريالية و البرجوازية الكمبرادورية / البيروقراطية و الإقطاع تقودها البروليتاريا و تمهّد الطريق للثورة الإشتراكية كجزء من الثورة البروليتارية العالمية .
بهذا المعنى الديمقراطية الجديدة مرحلة إنتقالية من مجتمع المستعمرات الجديدة أو أشباه المستعمرات إلى مجتمع مستقلّ ديمقراطي بقيادة بروليتارية و بتحالف وثيق مع الفلاحين الفقراء كخطوة اولى تليها خطوة ثانية لبناء مجتمع إشتراكي وهذا تيّار من تياّري الثورة البروليتارية العالمية وتياّرها الثاني هو الثورات الإشتراكية فى البلدان الرأسمالية الإمبريالية.
و لشرح الديمقراطية الجديدة كتب ماو عام 1940 كتيّبا لم يكن فى منتهى الأهمّية لإنتصار الثورة فى الصين فحسب بل بات ذا مغزى عالمي و أحد أهمّ مساهمات ماو تسى تونغ فى تطوير علم الثورة البروليتارية العالمية ، و منه نقتطف لكم الفقرات التالية الطويلة نسبيّا للضرورات التي ألمحنا إليها فى المقدّمة :
--- " فى هذا العصر إذا نشبت فى أي بلد مستعمر أو شبه مستعمر ثورة موجهة ضد الإمبريالية ، أي ضد البرجوازية العالمية و الرأسمالية العالمية، فهي لا تنتسب إلى الثورة الديمقراطية البرجوازية العالمية بمفهومها القديم ، بل تنتسب إلى مفهوم جديد، و لا تعدّ جزءا من الثورة العالمية القديمة البرجوازية و الرأسمالية ، بل تعدّ جزءا من الثورة العالمية الجديدة، أي جزءا من الثورة العالمية الإشتراكية البروليتارية. و إنّ مثل هذه المستعمرات و شبه المستعمرات الثورية لم تعد تعتبر فى عداد حليفات الجبهة الرأسمالية العالمية المضادة للثورة ، بل أصبحت حليفات للجبهة الإشتراكية العالمية الثورية." ( من فقرة " الثورة الصينية جزء من الثورة العالمية " ).
--- " إن الجمهورية الديمقراطية الجديدة تختلف عن الجمهورية الرأسمالية من النمط الأوربي الأمريكي القديم والخاضعة لديكتاتورية البرجوازية ، إذ أن هذه الأخيرة هي جمهورية الديمقراطية القديمة التي قد فات أوانها ، و من جهة أخرى فإنها تختلف أيضا عن الجمهورية الإشتراكية من النمط السوفياتي والخاضعة لديكتاتورية البروليتاريا ،فإن مثل هذه الجمهورية الاشتراكية تزدهر في ارض الاتحاد السوفياتي وسوف تعمم في جميع البلدان الراسمالية ، وأكيد أنها ستصبح الشكل السائد لتركيب الدولة والسلطة السياسية في جميع البلدان المتقدمة صناعيا . ولكن مثل هذه الجمهورية ، خلال فترة تاريخية معينة لا تصلح للثورات في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة ، ولذا فلا بد أن يتبنى خلال تلك الفترة التاريخية المعينة شكل ثالث للدولة في ثورات جميع البلدان المستعمرة والشبه المستعمرة . ألا و هو جمهورية الديمقراطية الجديدة . وبما أن هذا الشكل مناسب خلال فترة تاريخية معينة ، فهو شكل انتقالي ، ولكنه ضروري لا بديل له."(من فقرة " سياسة الديمقراطية الجديدة " )
--- " ان الجمهورية التي يجب إقامتها ...لا بد أن تكون جمهورية للديمقراطية الجديدة سياسيا واقتصاديا على حد سواء . ستكون المصاريف الكبرى والمشاريع الصناعية والكبرى ملكا للجمهورية " إن كافة المشاريع أكانت صينية أم أجنبية والتي تحمل طابعا احتكاريا أو هي أكبر من أن يديرها الأفراد، مثل المصارف والسكك الحديدية والخطوط الجوية يجب ان تشرف عليها الدولة وتديرها ، حتى لا يستطيع الرأسمال الخاص أن يسيطر على وسائل معيشة الشعب ، هذا هو المبدأ الرئيسي لتحديد الرأسمال " ...ففي الجمهورية الديمقراطية الجديدة الخاضعة لقيادة البروليتاريا سيكون القطاع العام ذا طبيعة اشتراكية ، وهو يشكل القوة القائدة في مجموع الاقتصاد القومي بيد ان هذه الجمهورية لا تصادر الأملاك الرأسمالية الخاصة الأخرى ، ولا تحظر تطور الإنتاج الرأسمالي الذي " لا يسطر على وسائل معيشة الشعب " وذلك لأن اقتصاد الصين لا يبرح متخلفا جدا .
وستتخذ هذه الجمهورية بعض التدابير اللازمة من أجل مصادرة أراضي ملاك الأراضي وتوزيعها على الفلاحين الذين لا يملكون أرضا أو يملكون قطعا صغيرة ، تطبق بذلك شعار ... القائل " الأرض لمن يفلحها " وتلغى العلاقات الإقطاعية في المناطق الريفية ، وتحيل ملكية الأرض إلى الفلاحين . أما اقتصاد الفلاحين الأغنياء في المناطق الريفية فوجوده مسموح به . تلك هي سياسة تحقيق المساواة في ملكية الأرض و شعار " الأرض لمن يفلحها " هو الشعار الصحيح الذي يترجم تلك السياسة. وفي هذه المرحلة لن نسعى على العموم الى إقامة الزراعة الاشتراكية . بيد ان أنوعا مختلفة من الاقتصاديات التعاونية التي تكون قد تطورت على أساس " الأرض لمن يفلحها " سوف تحتوي على عناصر اشتراكية " ( من فقرة " إقتصاد الديمقراطية الجديدة " ).

---" أمّا الثقافة الجديدة فهي إنعكاس إيديولوجي للسياسة الجديدة و الإقتصاد الجديد وهي كذلك فى خدمتها." ( من فقرة : ثقافة الديمقراطية الجديدة.) " إنّ ثقافة الديمقراطية الجديدة هذه ثقافة وطنية تعارض الإضطهاد الإمبريالي و تنادي بالمحافظة على كرامة الأمة ... و إستقلالها. هذه الثقافة تخصّ أمتنا ، و تحمل خصائصها الوطنية. و يجب عليها أن ترتبط بالثقافة الإشتراكية و ثقافة الديمقراطية الجديدة لسائر الأمم ، بحيث تتشرّب من بعضها البعض و تتبادل المساعدة لتتطوّر سويّا فى سبيل تشكيل ثقافة جديدة للعالم ...إنّ ثقافة الديمقراطية الجديدة هذه ثقافة علمية تعارض سائر الأفكار الإقطاعية و الخرافية و تنادي بالبحث عن الحقيقة من الوقائع، و بالإلتزام بالحقيقة الموضوعية ، كما تنادى بالوحدة بين النظرية و الممارسة العملية... إنّ ثقافة الديمقراطية الجديدة هذه هي ثقافة جماهيرية وهي بالتالى ديمقراطية . و ينبغى لها أن تخدم الجماهير الكادحة من العمّال و الفلاحين الذين يشكّلون أكثر من 90% من سكّان بلادنا ، و أن تصبح بصورة تدريجية ثقافتهم الخاصّة." ( من فقرة " ثقافة وطنية علمية جماهيرية ").
و عليه ، واهمون هم أولئك الذين يتصوّرون إمكانية وجود مجتمع رأسمالي ديمقراطي برجوازي على غرار ما يوجد فى أوروبا ، فى المستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات فى حين أنّ هذه الإمكانية منعدمة تاريخيا وواقعيّا.و القوى القومية و " اليسارية " المرتكبة لإنحراف قومجي ، الداعية للتحرّر الوطني رئيسيا و المتناسية للطابع الديمقراطي أو المقلّصة من أهمّيته مشدّدة على مواجهة العدوّ الإمبريالي غاضة الطرف عن البرجوازية الكمبرادورية / البيروقراطية ( و متحالفين معها أحيانا) و الإقطاع على خطإ واضح و جلي ؛ و القوى "اليسارية " التي تشدّد التشديد كلّه على الطابع الديمقراطي بمعنى الحرّيات السياسية حصريا تقريبا مخطئة هي الأخرى لتقليصها لمضمون الثورة التي تتطلبها المرحلة فى المستعمرات الجديدة وأشباه المستعمرات و طبيعتها و إستهتارها بالجبال الرواسي الثلاثة ألا وهي الإمبريالية و البرجوازية الكمبرادورية و الإقطاع. "
( إنتهى المقتطف )
و حالئذ ، لا غرو أنّ مقولة لينين التالية تنطبق تماما على ما فعله بشير الحامدي تجاه الماوية :
" أن ينسب المرء إلى خصمه حماقة بيّنة لكي يدحضها فيما بعد ، ليس من أساليب الرجال الأذكياء جدّا ".
( لينين ، الصفحة 80 من " الثورة البروليتارية و المرتدّ كاوتسكى" ، دار التقدّم موسكو ).
و من الأمراض العضال القاتلة حقّا التى أصابت المتمركسين مرض إيجاد مراحل من مثل مرحلة النضال من أجل الحرّيات السياسيّة قبل النضال من أجل الثورة الإشتراكية ، كوهم لطالما زرعه مثلا حزب العمّال التونسي منذ تأسيسه و حاول التنظير له حتّى بعض مدّعى الماويّة . إنّ هؤلاء التحريفيين المدافعين فى الواقع عن الديمقراطية البرجوازية يضلّلون المناضلات و المناضلين و الجماهير و فى النهاية يقدّمون أجلّ الخدمات لدولة الإستعمار الجديد بتأجيل النضال من أجل الثورة الحقيقيّة .
و قد عرّينا فى كتابنا الناقد لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد التكتيك الذى يلتهم الإستراتيجيا فأعربنا عن رأينا :
" التكتيك الذى يبتلع الإستراتيجيا :

" إنّ هذا النسيان للإعتبارات الكبرى ، الجذرية حرصا على مصالح اليوم العرضية ، و هذا الركض وراء النجاحات العرضية ، و هذا النضال من أجلها دونما حساب للعواقب ، و هذه التضحية بمستقبل الحركة فى سبيل الحاضر ، إنّ كلّ ذلك قد تكون له دوافع " نزيهة" أيضا . و لكن هذا هو الإنتهازية ، وهو يبقي الإنتهازية ، و لعلّ الإنتهازية " النزيهة " هي أخطر الإنتهازيات ..."

( لينين :" الدولة و الثورة " ، الصفحة 74).
---------------------

يتوقّع المرء من حزب يدعى الإستناد إلى " الماركسية - اللينينية " و " الإشتراكية العلمية " أن يصوغ فى مؤتمره برنامجه البعيد المدى و برنامجه القصير المدى و تكتيكاته أي إذا إعتبرنا الشيوعية ( و الأمر ليس كذلك بالنسبة لهم كما حلّلنا ) هي الهدف الأسمى و الإشتراكية كمرحلة إنتقالية من الرأسمالية إلى الشيوعية هي ( الشيوعية و ليس الإشتراكية ) الهدف الإستراتيجي لحزب شيوعي حقّا ، فإنّه سيصوغ لها برنامجها و يعرض رؤيته لها و رؤيته لكيفية الإنتقال إليها وفى البلد المستعمر و شبه المستعمر و المستعمرة الجديدة يضيف برنامجا أدنى هو برنامج الثورة الديمقراطية الجديدة / الوطنية الديمقراطية الممهّدة للثورة الإشتراكية ويشرح كيفية المرور من دولة الديمقراطية الجديدة إلى الثورة الإشتراكية إلخ. و إنطلاقا من قراءة ميزان القوى الطبقي و الواقع الموضوعي و الذاتي و حركة الصراع الطبقي فى الفترة الراهنة ، يرسم تكتيكا واضح المعالم أهدافا و أساليب تطبيق و تنظيما . بيد أنّ قراءة لوائح مؤتمر الحزب الموحّد تجعلك لا تفرّق بين هذه المستويات التى علاوة على أنّها غير واضحة المعالم متداخلة أحيانا تدمج بين برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية و البرنامج التكتيكي فى أحيان كثيرة فى لخبطة لا يحسدون عليها و تؤدّي بهم إلى أوهام نتعرّض لها بشيء من التفصيل فى لاحق فقراتنا. و لكن الآن و هنا يهمّنا أن نأكّد بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ الجماعة خلقوا مرحلة جديدة سابقة لمرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية يسمّونها مرحلة تكتيكية غير أنّه تكتيك إنتهازي يبتلع الإستراتيجيا.

فى جوان 2011 ، فى العدد الأوّل من " الوطني الديمقراطي " جاء : " نشاهد اليوم الثورة الوطنية الديمقراطية تتحقّق " ( الصفحة 3) و بعد سنة تستحيل هذه "الثورة الوطنية الديمقراطية " التى كانوا يشاهدونها تتحقّق إلى" مسار ثوري" لا غير ، فى خطوة إلى الوراء للإلتفاف على الحقيقة التى بانت فاقعة بانّ ما حدث ليس بثورة . الجماعة لا يفقهون الفرق بين الثورة و الإنتفاضة و لمواصلة مغالطة المناضلين و المناضلات و تضليلهم يقع إبداع " المسار الثوري" وبعد تحقّق الثورة يراد الآن " إستكمال مهامها ". هذا مجرّد تلاعب مثالي بالواقع الموضوعي ، مجرّد مراوغات تحريفية !

وهدف ما يعتبرونه " مسارا ثوريّا " فى " البرنامج السياسي العام " هو " بناء الجمهورية الديمقراطية الإجتماعية " و ليس الديمقراطية الشعبية أو الديمقراطية الجديدة أو الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية ، ماويّا. و لبلوغ جمهورية حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد هذه تزخر لوائح المؤتمر بنقاط برنامجية تكاد تكون غالبيتها نقاط برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية غير أنّ ما يسترعي الإنتباه هو أنّهم يتوقّعون إنجازها فى إطار دولة الإستعمار الجديد و ليس على أنقاضها. ما يحدّدونه هدفا للإطاحة به ليس دولة الإستعمار الجديد و جيشها بل هدفهم هو تفكيك " الدكتاتورية ".

ديمقراطيتهم اللاطبقية ظاهريّا و البرجوازية جوهرا علّقنا عليها فى الفقرات السابقة لذلك لن نثقل على القرّاء بالتكرار و لكن يحضرنا بصدد الدولة البرجوازية ما قاله لينين وهو لعمرى مفيد و جدير بالذكر :

" ففى الدولة البرجوازية الأوفى ديمقراطية ، تصطدم الجماهير المظلومة على الدوام بالتناقض الصارخ بين المساواة الشكلية التى تعلنها " ديمقراطية " الرأسماليين ، و آلاف القيود و الأحابيل الفعلية التى تجعل من البروليتاريين عبيدا مأجورين. "
( " الثورة البروليتارية و المرتدّ كاوتسكي " ، دار التقدّم ، موسكو ، بالعربية ، الصفحة 19).

وقبل الإجابة عن سؤال من الأكيد أنّه عالق بذهن القراء : كيف يبتلع هذا التكتيك الإستراتيجيا ؟ ، نجيب عن سؤال آخر هو هل يمكن أن تختلف مثل هذه الجمهورية التى يرنو إليها الحزب الموحّد عن جمهورية دولة الإستعمار الجديد ؟ بما أنّها ترسي فى ظلّ دولة الإستعمار الجديد فإنّها لن تكون سوى شكلا من أشكالها أو بالأحرى عنوانا من عناوينها طالما لم يقع تحطيم الدولة القديمة، دولة الإستعمار الجديد بجيشها و شرطتها و دواوينيتها و لم تشيّد على أنقاضها دولة جديدة تقودها البروليتاريا متحالفة مع طبقات الشعب و فئاته الأخرى ؛ لن يكون أي شكل للسلطة ، إن لم يقع تحطيم الدولة القديمة ، إلاّ شكلا لا غير لسلطة دولة الإستعمار الجديد ، أكانت السلطة تسمّى جمهورية ديمقراطية أم جمهورية شعبية أم جمهورية ديمقراطية أو حتى جمهورية ديمقراطية إشتراكية ... فهي تظلّ فى جوهرها المحدّد لطبيعتها سلطة دولة الإستعمار الجديد.

و زيادة على ذلك ، لو نظرنا للقضية من زاوية أخرى ، من زاوية الطبقات الحاكمة ، فماذا نكتشف ؟ يتجلّى أمامنا أن تكتيك حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد و غيره من القوى " اليسارية " الإصلاحية ، تكتيك مواتي جدّا يخدم إستراتيجيا الكمبرادور و الإقطاع المتحالفين مع الإمبريالية العالمية . فالتكتيك الإصلاحي " اليساري" يصبّ فى مجرى إستراتيجيا دولة الإستعمار الجديد التى تسعى إلى إعادة هيكلة نفسها لتتخلّص من ما بلي من مظاهرها و تصبح أكثر فعالية و جدوى بالنسبة للطبقات الرجعية و الإمبريالية العالمية. تسعى هذه الدولة التى تعرّضت لهزّة و لم تسقط إلى ترميم ما تصدّع من هياكلها متخلّية عن بن علي و الطرابلسية و مدمجة قوى أخرى كانت معارضة ضمن هياكلها ضاخة دما جديدا فى عروقها وهي عملية لم تقع فى القطر فقط بل وقعت و تقع عبر العالم و ما جدّ فى المغرب و الجزائر و مصر و فلسطين و جنوب أفريقيا إلخ إلاّ بعض الأدلّة على إعادة الهيكلة هذه . و فى هذه الحال ، تظلّ دولة الإستعمار الجديد قائمة الذات بل تسترجع أنفاسها و تعزّز من سطوتها فتأخّر الثورة الوطنية الديمقراطية / الديمقراطية الجديدة لعقود عديدة. و تظلّ هذه الجمهورية مهما أضيف إليها النعوت البرّاقة و الرنّانة واقعيّا جمهورية الكمبرادور و الإقطاع المتحالفين مع الإمبريالية العالمية.

و حتى لو بلغ السلطة عبر الإنتخابات من يدعون أنهم ماركسيون فلن يمارسوا غير سلطة دولة الإستعمار الجديد و لن يقدروا على الخروج على حدودها و سيجدون أنفسهم إن سعوا لتجاوز الخطوط الحمراء التى ترسم لهم أمام خيارين إمّا الرضوخ للدولة و خياراتها و خدمة مصالح الطبقات الحاكمة المتحالفة مع الإمبريالية و إمّا إسقاطهم من السلطة بالمؤامرات أو بالعنف إن لزم الأمر . و هنا بالغ الدلالة هو مثال الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي) الذى يحكم فى ولايات من الهند خدمة لدولة الرجعية و الإمبريالية وهو ينظّم المجازر و حملات القمع و النهب و السلب و الحرق ضد الجماهير الشعبية المناضلة هناك وضد الشيوعيين الماويين الذين يقودون حرب الشعب.

لمّا ينشط الحزب الموحّد فى إطار دولة الإستعمار الجديد و يلتزم بشرعيتها الإنتخابية و يتخلّى عن الجوهر الثوري للشيوعية و يروّج للتحريفية التى هي فكر برجوازي ، ماركسية مزيفة ، أيبقى بمقدوره قيادة ثورة وطنية ديمقراطية حقيقية وفق حتى الأطروحات الوطنية الديمقراطية العامة لأواسط السبعينات إلى بداية الثمانينات حتى لا نقول وفق الماركسية - اللينينية - الماوية ؟ طبعا لا و ألف لا.

و لمّا يخلق حزب ما مرحلة وهمية قبل الثورة الوطنية الديمقراطية و لو بإسم التكتيك الفعّال ، أيخطو خطوات نحو الإنجاز الفعلي لهذه الثورة أم يأجّلها إلى مستقبل غير معلوم عوض الشروع فى الإعداد لها بإيجاد الأسلحة السحرية الثلاثة التى تكلّم عنها ماو أعلاه ؟ هو بالطبع يأجّلها إلى يوم يبعثون!

و بذلك يبتلع هذا التكتيك الوهمي الذى لا يخدم الإستراتيجيا بل يقف حجر عثرة فى طريقها ، يبتلع الإستراتيجيا ذاتها . المرحلة التكتيكية الوهمية : الجمهورية الديمقراطية الإجتماعية تبقى النضال فى إطار دولة الإستعمار الجديد و تبتلع الثورة الوطنية الديمقراطية المأجّلة إلى مستقبل غير معلوم ومن هنا تبتلع أيضا الثورة الإشتراكية و المشروع الشيوعي ككلّ.

و مثل هذا التكتيك الإنتهازي الذى يدخل فى إطار لعبة دولة الإستعمار الجديد ليس بجديد على " اليسار" التونسي فقد سبقهم إليه حزب العمّال التونسي حين إخترع تكتيكا وهميّا آخر إبتلع هو الآخر الإستراتيجيا فبإسم الإعداد للثورة " الديمقراطية الوطنية " و رفع وعي الجماهير تمسّك لأكثر من ثلاثين سنة بتكتيك ( تصوّروا تكتيكا دام أكثر من ثلاثين سنة ! تكتيك تحوّل إلى إستراتيجيا !) الحرّيات السياسية مؤجّلا التحضير اللازم شيوعيّا للثورة المرجوّة. و لذلك لثلاثين سنة إبتلع هذا التكتيك الإستراتيجيا . و لمّا تحقّق لجماعة حزب العمال نوعا من الحريات السياسية بفضل إنتفاضة لم يكن مركز إهتمامها و لا شعارها المحوري الحريات السياسية ، هل راحوا يعدّون العدّة للثورة " الديمقراطية الوطنية " ؟ لا أبدا . بالعكس ، تخلّوا عن نعت " الشيوعي" لحزبهم و طفقوا ينشرون وهما تكتيكيّا جديدا سمّوه إستكمال مهام الثورة و خوض المعارك الإنتخابية و الطريق البرلماني و التداول السلمي للسلطة فى ظلّ ديمقراطية لا يصنفونها طبقيّا هم الآخرون وهي طبعا ديمقراطية دولة الإستعمار الجديد. و هكذا دواليك من تكتيك ديمقراطي برجوازي وهمي إلى آخر.

و حزب العمل الوطني الديمقراطي بدوره قد لجأ إلى نفس السياسة التحريفية ، سياسة خلق وهم مرحلة حريات ديمقراطية تعبّد الطريق للثورة الوطنية الديمقراطية . و الشيء نفسه ينسحب على مجموعات أخرى . و جميعها تلتقى فى مستنقع الديمقراطية القديمة ، الديمقراطية البرجوازية و أوهامها."

( إنتهى المقتطف من كتاب " حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد حزب ماركسي مزيّف " ، مكتبة الحوار المتمدّن )

3- من أوهام المثاليّة الذاتيّة و البراغماتية :
واهم كان السيّد الحامدي حينما تصوّر أنّ " يسارا " يمينيّا تحريفيّا إصلاحيّا قد ينهض بمهام ثوريّة أو يقود ثورة حقيقيّة فى البنيتين الفوقيّة و التحتيّة . إنّه يحلّ الوهم محلّ الحقيقة الماديّة الموضوعية ببراغماتيّة نفعية أضحت من الأمراض المستشرية فى صفوف " اليساريين " الذين لا ينطلقون من تحليل مادي جدلي علمي للحقيقة المادية الموضوعية و من هناك يفسّرون العالم من أجل العمل على تغييره شيوعيّا بل يقولبون الواقع فى قوالب يعتبرون أنّها تنفع – النفعيّة / البراغماتية – الحركة فى الوقت الحاضر فيهدرون المبادئ ويتنازلون عنها لأجل مصلحة مباشرة . وهو بذلك يقف على نقيض التمسك بالمبادئ الشيوعية والعلميّة و على رأسها أنّ الحقيقة وحدها هي الثوريّة كما قال لينين أو كما صاغ ذلك بوب أفاكيان :
" كلّ ما هو حقيقة فعلا جيّد بالنسبة للبروليتاريا ، كلّ الحقائق يمكن أن تساعد على بلوغ الشيوعية ."
( " بوب أفاكيان أثناء نقاش مع الرفاق حول الأبستيمولوجيا : حول معرفة العالم و تغييره " ، فصل من كتاب " ملاحظات حول الفنّ و الثقافة ، و العلم و الفلسفة " ، 2005).
و واهم أيضا بالخصوص حين يطرح مهاما على أنّها مهام ممكنة الإنجاز و الحال أنّها لا يمكن أن تنجز فى ظلّ دولة الإستعمار الجديد و من ذلك " الحرّية " و " العيش مرفوع الرأس" و " إقتسام الثروة " و إعتلاء أبناء الشعب للسلطة و أن يختار [ الشعب ] بكلّ حرّية ممثّليه " إلخ . ( ص 118 )
وفى عدّة أماكن من ثنايا كتابه يكرّر بشير الحامدي المواقف المثاليّة البراجماتية الواهمة للتنظيم التروتسكي الذى كان على صلة به إلى تاريخ كتابة ذلك الكتاب و نقصد رابطة اليسار العمّالي ذلك أنّ بيانها المؤرّخ فى 8 فيفري 2011 و المنشور على الأنترنت تحت عنوان " الثّورة تمتدّ الثورة تتعمّق - الشّعب يريد إسقاط النّظام " وجّه دعوة للنضال :
" من أجل ...
- تشغيل المعطلين عن العمل.
- ترسيم كل العمال الوقتيين.
- إقرار مجانية النقل والصحة للمعطلين والشباب.
- تخفيض مباشر في أسعار المواد والخدمات الأساسية.
- المساواة التامة والفعلية بين المرأة والرجل بما في ذلك الإرث والولاية.
- تأميم ممتلكات العصابات الفاسدة وتسييرها تحت مراقبة شعبية وعمالية.
- إلغاء الدين الخارجي.
- إقرار جباية عادلة في صالح الجماهير الشعبية....
- الاعتراف بأطر التنظيم الذاتي الجماهيري كأدوات مراقبة وتسيير. ..
من أجل حكومة شعبية عمالية وديمقراطية ".

و جدير بالتنويه أنّ كاتبنا المنشقّ عن رابطة اليسار العمّالي ، لمثاليّته و براجماتيّته ، أبان عن أطروحات متذبذبة بصدد البطالة فهو من جهة يقرّ بأنّ البطالة مرض إجتماعي مصاحب للرأسمالية و ملازم لها ( البطالة و التهميش ...من المظاهر الملازمة لنمط الإنتاج الرأسمالي " ( ص 69 ) و من جهة أخرى يروّج لنقاط برنامجيّة تستهدف إنهاء البطالة فى ظلّ الدولة القائمة و " حلّ أزمة البطالة حلاّ جذريّا " ( ص 223) .
و فى فورة بركان الأوهام المعوّضة للقراءة العلمية الملموسة للواقع الملموس ، يقفز السيّد الحامدي مع القافزين فى فضاء الذين خُيّل لهم أنّ " ثورة الحرّية و الكرامة " تدشّن " عصر الثورة العربيةّ " و أنّه " ليس بعيد المنال " فيقول بالصفحة 90 من كتابه " لم تتوقّف عند حدود تونس لقد تجاوزت تأثيراتها حدودها إلى أقطار عديدة فى المنطقة العربيّة إيذانا بأنّ عصر الثورة العربيّة قدبدأ و أنّه ليس بحلم بعيد المنال " . و ما إنفكتّ وقائع الصراع الطبقي عربيّا توجّه اللطمة تلو الأخرى للواهمين المثاليين الذاتيين و البراغماتيين.
و نضع أمام القرّاء صيغا أخرى براغماتية و مثالية نترك لهم إمكانية تفحّصها و نقدها و لمساعدتهم نضع سطرا على بعض العبارات المفاتيح :
- " برغم محلّيتها و إنطلاقتها العفويّة ، أعادت إنتفاضة المناجم إلى الواجهة أهمّية المقاومة ضد الإستغلال و التفقير و القمع و مصادرة الحرّيات عبر الإنخراط فى أشكال النضال الجذريّة و القطع مع الإستكانة و الخنوع ، و قد لمسنا ذلك لدي مواطني الحوض المنجمي و الذين توصّلوا بأنفسهم و عن طريق تجربتهم الخاصة و فى غياب أي تأثير من أي حزب أو تنظيم سياسي مهما كانت مشاربه ، إلى ما يمكن أن تمنحه هذه الأشكال الجذريّة من قدرة للجماهير عندما تنخرط فيها على الصمود و المقاومة ." ( ص 84)
- " كان يكفى أن تدعم القوى التى تنسب نفسها للثورة و تحديدا القوى اليسارية هذا الشكل القاعدي الثوري للسلطة الشعبية و تنخرط فيه و تتبنّاه حتّى يتحوّل إلى سلطة حقيقيّة لاتقهر ، بإعتباره الشكل الأكثر ديمقراطية و الأكثر تمثيلا للشعب . " ( ص 137 )
- " السؤال الذى يواجهنا هنا هو هل أنّ ثورة الحرّية و الكرامة و أثناء المسار الثوري منذ 17 ديسمبر إلى ما بعد 14 جانفي ، قد تمكّنت من إفراز مثل هذه الأنوية الثوريّة ، وهل كان بمقدورها أن تتطوّر لتتحوّل إلى السلطة البديلة التى نتحدّث عنها . الإجابة بدون شكّ هي نعم ..." ( ص 181-182 )
- " كان الوضع السياسي قابلا فى ذلك الوقت لأن تتحوّل جبهة14 جانفي إلى هيئة أركان للثورة فالوضع ما زال وضعا ثوريّا و حلول الإلتفاف ما زالت مرفوضةمن قبل الحركة الشعبيّة ..." ( ص 184 ) فى حين كانت الجبهة إيّاها تسعى إلى " الإنتقال بالبلاد من الدكتاتورية إلى الديمقراطية بطريقة مدنيّة ، سلميّة ، تجنّب الشعب التونسي مزيد المعاناة ..." (ص 188-189 ).
" إن المثالية هي الشيء الوحيد فى العالم الذى لا يكلف الإنسان أي جهد ، لأنّها تتيح له أن يتشدّق كما يشاء دون أن يستند إلى الواقع الموضوعي و دون أن يعرض أقواله لإختبارات الواقع . أمّا الماديّة و الديالكتيك فهي تكلّف الإنسان جهدا ، إذ أنّها تحتّم عليه أن يستند إلى الواقع الموضوعي و أن يختبر أمامه ، فإذا لم يبذل جهدا إنزلق إلى طريق المثالية و الميتافيزيقا . "
( ماو تسى تونغ ، مايو – إيار 1955 ص 224 من " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسي تونغ " )
====================================================



تعليقات الفيسبوك