تعقيبات على موضوع التناقض بين الإنحياز الطبقي والإنحياز للحقيقة 2


أحمد محمد منتصر
2018 / 7 / 7 - 09:25     

*مقدمة :
هذا المقال هو تعقيب وإستكمال لمقالة الرفيق : سامي حسن موسي علي موقع الحوار المتمدن " التناقض بين الإنحياز للحقيقة والإنحياز للطبقي " بتاريخ 29/6/2018 , ثم عقّب عليها الرفيق : محمود رشيد بتشريحه لميكانيزم الوعي الإنساني من خلال ظهور مفهوم للغائية , والتعارضان اللذان يُقابلا موضوعية المعرفة , واللذان ينتميان لمدرسة ما بعد الحداثة.
وما أوّد تفنيده في مقالتي تلك هو ما أشار إليه الرفيق رشيد في نهاية تعقيبه حول ما يُميّز الماركسية عن التصورات الذاتية والتجريبية للمعرفة , وتلك الأطروحات التي تميّز الطور المُنحطّ المُسمّي بفلسفات ما بعد الحداثة.
هل سأتحدث هنا عن الماركسية , فقط لكوني انطلقُ في تحليلاتي ورؤيتي من الزاوية الماركسية ؟ لا بالطبع.
إنني أتحدث هنا عن الماركسية بكونها المفهوم الذي ينوجد في حيز عالمنا وفي نطاق وجودنا الزماني والمكاني , وكمُمثّل عن النزعة التاريخية , وعن تاريخ البِني المُشكّلة للوجود الإجتماعي.

إنّنا نحاول فَهم العالَم لتغييره , هكذا نُردد دوماً , حتماً أود المُشاركة في تغيير هذا العالَم , وحتماً يتوق العديد لهذا التغيير , لكنّ دعونا أولاً نحاول فَهم العالَم :

أزمة اليسار حول العالَم ، هي أزمة النخبة المثقفة نفسها ، أنّه يبحث عن العلمنة والتحرر وكفالة الحق وتقرير المصير في فضاء شاسع وبإنتظار إشارة أو لافتة مكتوب عليها مُراده ! يبحث عنها بإعتبارها أشياء يجب أو توجد في لحظةٍ ما , في مكانٍ ما , بدون مراعاة للعوامل الموضوعية المُساعدة كالظرف الموضوعي ووجود الفاعلين الإجتماعيين , إنّها بالأدق أزمة كبيرة مسئول عنها الفاعلين الإجتماعيين , والنخبة المثقفة هم جزء من الفاعلين , وتلك أزمة القرن الحادي والعشرين , مسرح فلسفة ما بعد الحداثة.

القرن السابق -القرن العشرين- كان اليسار يدفع ويحرك غالبية شعوب العالَم ، في شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية ، والشرق الآسيوي ، وعدداً من الجنوب الإفريقي ، كان لليسار سُلطة أدبية وسياسية عظيمة.
بكلمة : صدقت نبوءة ماركس "شبحٌ ينتاب العالم ، شبح الشيوعية".
وبتفكك الإتحاد السوفياتي ، ونمو الرأسمالية وتبلورها في النيوليبرالية الفجة ، وسيطرة البنوك والشركات ، بعد الأنظمة الشمولية والإستبدادية في المرحلة المتأخرة من شيوعية القرن العشرين ، كل هذه الأسباب أحالت الفلسفة لشكل جديد ، شكل يبتعد عن التاريخية ويقترب من النزعات الذاتية ، ثم اقترب أكثر فأكثر من التفكيكية ، التي أحالته بدورها لفلسفة ما بعد الحداثة ، فلسفات ما بعد نيتشه وفرويد وإمتدادهم من فوكو لجيل دولوز ولاكان وجيجيك.
بإبتعاد تلك المدارس عن النزعة التاريخية ، تطرّقت وانغمست مع الأنا والرغبات والجمال والفن والجنس والسجن والمؤسسة العقابية والمؤسسة الإنتاجية والسينما ، بإعتبار الكيانات السابقة يتمثّل الفرد بداخلها فيسهل تفكيكه وتفكيك علاقاته.
وبالتالي أصبح دعاة الثقافة من النخبة واليسار وبقايا الديمقراطيين ، يبحثوا عن الفرد المُستَبعد ، وليس الفرد المُستغَل ، فأصبحت سياسة المُعارضة للسياسة السائدة ، هي سياسة معارضة المستبعَدين ، فاختزلت معارك القرن السابق الكبري : ديكتاتورية البروليتاريا ، حق تقرير مصير الأمم والتحرر الوطني ، قانون العمل ، النضال المُسلّح ، حق تكوين الأحزاب والحركات السياسية وحق ممارسة السياسة ، كل تلك القضايا اندثرت واختزلت لقضايا صغري تدور حولها سياسة المعارضة الجديدة كحقوق المثليين والنسوية والرقابة الفنية - لا أبخسها أهميتها ولكنّ أوضح منطلقها-.
فأصبح مجال عمل النخبة المثقفة يتضاءل بتضاؤل مجال ممارستها لفلسفتها ومنهجيتها ، فأصبحت منهج للإستبعاد والإنعزال ، منهج للهروب من المسري التاريخي للصراع الأم ، الصراع الذي خطّه الفيلسوف التاريخي الأول كارل ماركس : " صراع مُستغِلين ومُستَغَلين".
وبالتالي أصبح التصوّر الدارج للمُعارضة العالمية التي للأسف أصبحت موقوفة علي بعض الكوادر الثقافية والأكاديمية ، هو تصور لا يخرج عن مجرد " فلسفة للرفض " ، وهذا الرفض هو نابع فقط من الخوف ، وليس التغيير ، الخوف من السُلطة : ان كانت حاكم مستبد ، أو سُلطة مجتمع الجماهير ذاته.
فكل أطروحات الرفض الحالية أخرجت نفسها من منحي التاريخية ، والحركات والصراعات ، وإرتضت لنفسها أن تأخذ المجري الذي يتناسب مع السياسات العالمية المسيطرة -سياست الطبقات الحاكمة- ، ويمكن فلسفة ما بعد الحداثة بأشكالها وتمظهراتها البيئية والعلمية والذاتية هي خير شاهد علي حضورية تلك الفلسفة وتلك النظرة.
فنجد أنصار البيئة والحفاظ عليها من الآثار التدميرية لحقبة الرأسمالية السائدة يطلقون شعار : التسامح مع البيئة.
وأنصار الحقوق والحريات والهويّات الإنسانية يطلقون شعار : المجتمع للإنسان.
وأنصار التحليل النفسي يطلقون شعار : كيف تتعايش في ظل كبت الرغبة والشعور؟
كل تلك الأطروحات كانت الغطاء البديل للتعبير عن نهاية الحكايات الكبري - بحسب التصريح الشهير لجان ليوتارد - الذي أعلن نهاية الذات الهيجلية ، وإنتهاء الشعور الماركسي للصراع ، وإنتهاء مفهوم الإنسان التاريخي ، بكلمة : إنتهاء فلسفات الإنسان التاريخي والإجتماعي ، لصالح من؟؟
لصالح فلسفات الذات والفردنة ، فلسفة الموقف من الطبيعة المُجرّدة ، فلسفة المجتمع بلا فاعلين إجتماعيين ، لذلك أتفق تماماً هنا مع طرح الرفيق سامي " والحقيقة إن هؤلاء المثقفون يرددون هذا الوهم الايديولوجي إما للتعمية على انحيازهم الواعي ودفاعهم المستتر في الفكر عن مصالح الطبقات الحاكمة، وإما عن إيمانهم بهذا الوهم الايديولوجي وهو ما يعني انحيازهم الغير واعي لمصالح الطبقات الحاكمة".
فتكون السمة المُتفق عليها لدي هؤلاء المعارضين الثقافيين هو مجرد شعور بالأورجازم الإنساني ناحية مثلاً قوانين حماية الحيوان التي تسنّها السلطات الإسكندنافية -سويسرا والسويد- ، غاضين البصر تماماً عن كم الشركات المتعددة الجنسيات التي تقودها سويسرا مثلاً متحكمة في عمالة حوالي ٦ مليون فرد علي مستوي العالم - نوفارتيس ونستله مثلاً - وجرائمهم تجاه العُمال بآسيا وافريقيا.
هكذا يتبلور موقفهم في عدم الإنحياز ، إنّهم وهم ينحازوا لموقف الفرد ورغبته الخاصة , فهم بذلك يُمرّرون حرية الرأسمالي في طرد عمالته وتشريدها , يُمرّرون حرية التحالف السعودي الإماراتي في قصف اليمن وقتل شعبه!
الأزمة الحالية هي أزمة الموقف من العالم الجديد : عالم الحداثة.
والإجابة علي سؤال الأزمة ، هناك موقفان :

إما بتفكيك الحداثة وتجاوزها علي أسلوب فلاسفة ما بعد الحداثة ، اللاتاريخي.
أو أن الحداثة يمكن بل يجب أن تُصان وأن نتعامل معها بالموقف الديالكتيكي ، وهذا هو موقف فلسفتنا التاريخية التي تنظر للعلاقة بين الرغبات الشخصية والإرادة الإجتماعية ، في شكل الصراع الذي لابُد حسمه لصالح الإجتماع ، الأنا الجمعي ومن ثم الأنا الفردي.
إننا مازلنا واقفين علي أرضية القضايا الكبري للشعوب التي تحاول الإنعتاق من نيّر عبودية الرأسمال , إنّنا نري الأزمة في كُلّها الإجتماعي , في كل النقاط التي تُشكّل محيط الإجتماع الإنساني , في تمظهرات وتمثّلات مشوّهة وتعمل بدورها علي تشويه كل ما هو جوهري بالنسبة للإنسان ووجوده وحياته وأكله وشُربه وأسرته وعلاقته العاطفية.

لذلك فمثلما ذكرت , نحنُ نحاول فَهم العالَم لتغييره , فلكي نحاول فَهم العالَم علام نرتكز في رؤيتنا ؟ أي منهجية تتمترس خلفها لتكوين رؤيتك للخلاص؟ كم هي مُفارِقة للزمان والمكان وكم هي واقعية بواقعية الضرورة؟
وبتناول هذا الاسئلة الكبري نستطيع أن نصيغ تصوراً عن آلية لَفهم العالَم ، بالإنحياز الطبقي الواضح لأغلبية ما يتشكّل منهم العالَم.



تعليقات الفيسبوك