عن أيّة ثورة يتحدّثون ؟ إنّما هي إنتفاضة شعبيّة وقع الإلتفاف عليها الفصل الأوّل من - الخطّ الإيديولوجي و السياسي لبشير الحامدي و من معه ليس ثوريّا و إنّما هو إصلاحي لا يخرج عن إطار دولة الإستعمار الجديد و النظام الإمبريالي العالمي -


ناظم الماوي
2018 / 7 / 1 - 01:14     

عن أيّة ثورة يتحدّثون ؟ إنّما هي إنتفاضة شعبيّة وقع الإلتفاف عليها
الفصل الأوّل من " الخطّ الإيديولوجي و السياسي لبشير الحامدي و من معه ليس ثوريّا و إنّما هو إصلاحي لا يخرج عن إطار دولة الإستعمار الجديد و النظام الإمبريالي العالمي "
مقدّمة :
فى القطر ، فى صفوف مناضلي و مناضلات " اليسار " بشكل عام على الجبهة النقابيّة و فى صفوف الناشطين و الناشطات السياسيين منهم ، قلّ من لا يعرف من قريب أو من بعيد السيد بشير الحامدي فهو منذ سنوات عديدة وجه من الوجوه البارزة فى معارضة البيروقراطية النقابيّة و فى نضالات قطاع التعليم الإبتدائي و فى تحرّكات ساحة محمد علي و شوارع العاصمة مساندة لإنتفاضة سيدى بوزيد و ما تلاها وصولا إلى الإنتفاضة الشعبيّة عبر القطر و مسيرات لا سيما 14 جانفي فى العاصمة و ما إنجرّ عنها .
و أيضا عرف شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة الرجل – و غيره طبعا – خطيبا و محرّضا و منظّما و صادحا بشعارات داعيا و آخرون إلى مواصلة ما أسموه بثورة الحرّية و الكرامة ( و هذا منهم خطأ نظري و عملي كما أثبتنا في كتاباتنا السابقة و كما أكّد الواقع الملموس ). و ما لا يرقى إليه شكّ كذلك مساهمته البارزة فى تنظيم و فعاليّات مؤتمر مجالس حماية الثورة بنابل فى 9 أفريل 2011 وفى التصدّى لما صار معروفا بالإلتفاف على" الثورة "، بطرق متباينة منها حركة عصيان إلخ و فى المدّة الأخيرة ، إطلاق مبادرة و تنظيم " المرصد النقابي "... ( و أكيد أنّنا لن نفي هذا المناضل حقّه بذكرنا ما ذكرنا دون سواه في هذا الباب ) .
إذن فى جانب النضال العملي تبوّأ مكانة لا ينكرها إلاّ متعامي عن الحقيقة غير أنّه لم يكن مناضلا ميدانيّا فحسب بل كان أيضا صاحب أفكار و آراء ، كاتبا أضحى منذ سنوات يحمل مشروعا مختلفا نوعيّا عن مشاريع كثيرة أخرى ضمن ما يطلق عليه البعض " اليسار " الماركسي ( و قد بيّننا فى دراساتنا و بحوثنا السابقة – مقالات و كتبا – أن الغالبيّة الغالبة من فرقه متمركسة لا غير ) وهو ما شدّنا إلى متابعة مقالاته على موقع الحوار المتمدّن و الإطّلاع على كتبه ( ليس جميعها ، هذا ما نقرّ به صراحة لعدم توفّرها غالبا بنسخ ورقيّة فى متناول العموم ، فى المكتبات ) بصفة متقطّعة فى الغالب الأعمّ و ذلك بالأساس لتركيزنا على مواضيع أخرى كنّا منكبّين على الإشتغال عليها ، إلاّ أنّنا من حين لآخر ، كلّما توفّر لنا متّسع من الوقت ، نلقى نظرة على ما أنتجه هذا الكاتب و لأكثر من مرّة قد جال بخاطرنا أن نتفاعل مع مقالاته و كتبه تفاعلا كتابيّا أي بصياغة ملاحضات أو مقالات إلخ بيد أنّ تقديرنا للأولويّات حال دون إنجازنا لما كنّا نزمع إنجازه أو هممنا بإنجازه فى عدّة مناسبات .
و ها قد حان الوقت للقيام باللازم و خوض المقارعة و السجال الفكري و مواجهة مشروعنا الشيوعي المتجسّد فى شيوعية اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعيّة الجديدة ، لمشروع السيد الحامدي ، فى إطار نقاش و جدال يستهدف من جانبنا توضيح خطوط التمايز و تبيان حقائق الخطوط الإيديولوجية و السياسية المنتشرة و تسليح المناضلات و المناضلين و الجماهير الواسعة بعلم الشيوعية لكي يغيّروا أنفسهم و يساهموا عن وعي بروليتاري فى تغيير الواقع تغييرا شيوعيا ثوريّا راديكاليّا فى سبيل المساهمة فى تحقيق الهدف الأسمى ألا وهو الشيوعية على النطاق العالمي .
و قد يبادر البعض بإثارة سؤال و ما فائدة هذه النقاشات و الجدالات النظريّة ؟ و الإجابة على بساطتها قد لا يرغب الكثيرون فى سماعها و قراءتها و إستيعابها تمام الإستيعاب ألا وهي حقيقة أنّه " لا حركة شيوعية ثورية دون نظريّة ثوريّة " ، مثلما شدّد لينين فى " ما العمل ؟ " حيث أكّد أيضا حقيقة أخرى هي أنّه " ينبغى للمرء أن يكون قصير النظر حتى يعتبر الجدال بين الفرق و التحديد الدقيق للفروق الصغيرة أمرا فى غير أوانه أو لا لزوم له. فعلى توطد هذا "الفرق الصغير" أو ذاك قد يتوقف مستقبل الإشتراكية – الديمقراطية الروسية [ الشيوعية ] لسنوات طويلة ، طويلة جدا. "
و كي لا تكون ثمرة عملنا مجرّد ملاحظات عابرة على هذا المقال أو ذاك و بغاية تقديم رؤية نقديّة لأهمّ أطروحات هذا الكاتب – دون الدخول فى نقاش كافة التفاصيل – تخوّل للقرّاء تكوين فكرة جيّدة على أساس صلب عن الخطّ الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي الذى يقف وراءه هذا المناضل و من معه ، إرتأينا أن ندرس نقديّا كتابا لبشير الحامدي هو " الحق فى الحقّ فى السلطة والثروة و الديمقراطيّة – قراءة فى مسار ثورة الحرّية و الكرامة " ، مع عدم إهمالنا لمقالات تطرح مسائلا مكمّلة أو تشرح مواقفا وردت فى ذلك الكتاب أو تزيد عليها أو تنقضها .
و من البدء نوضّح أنّ دراستنا النقديّة هذه لن تُعنى بكلّ التفاصيل و دقائق التفاصيل و إنّما ستركّز على محاور و مواضيع نعدّها حيويّة فى نقاش الخطّ الإيديولوجي و السياسي والتنظيمي لديه و فى معرفة كنه طرحه و مدى ثوريّته المدّعاة من عدمها . فالنقاط التى سنناقش ستساعدنا فى إدراك جوهر أطروحات هذا الكاتب و رؤيته بإختصار للمشكل و للحلّ . و نظرا للخلفيّة اليسارية التى يدّعيها و للأيديولوجيا الشيوعية التى نتبنّاها سنصارعه على قاعدة الماركسيّة و الواقع المادي الملموس تاريخيّا و حاضرا و منطلقنا هنا كما فى أعمال سابقة لنا صراحة و مباشرة هو شيوعية اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة بما هي الفكر الشيوعي الأكثر تقدّما و الأرسخ علميّا فى يومنا هذا . و قد بوّبنا نقدنا للخطّ الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي لبشير الحامدي وفق التخطيط الآتي ذكره :
- عن أيّة ثورة يتحدّثون ؟ إنّما هي إنتفاضة شعبيّة وقع الإلتفاف عليهاI
1- وجدت إنتفاضة و لم يوجد بتاتا بالمعنى العلمي الدقيق وضع ثوري
2- أطروحة أنّ ما حدث ثورة خاطئة وضارة
3- بثّ الأوهام برجوازية بصدد الدولة و الجيش
- قراءة غير علميّة للصراع الطبقي : منهج مثالي ميتافيزيقي و براغماتيII
1- التحليل المادي الجدلي فى مهبّ الريح
2- تحريفيون إصلاحيون و الشيء من مأتاه لا يستغرب
3- من أوهام المثاليّة الذاتية و البراغماتية
- ضد تقديس العفويّة : لا حركة ثورية دون نظريّة ثوريّة III
1- من التروتسكيّة إلى نوع من الفوضويّة ؛ المجالسيّة
2- دروس التجارب العمليّة
3- ضرورة الحزب و تناقضاته
- مشروع لا يخرج عن إطار دولة الإستعمار الجديد و النظام الإمبريالي العالمي IV
1- الديمقراطية البرجوازية : لا تحطيم للدولة القديمة و إنشاء دولة جديدة و لا تغيير لنمط الإنتاج
2- إهدار البعد الأممي للنضال و العصر
3- غياب الشيوعية كغاية أسمى
خاتمة :
الملاحق (4) : ( الملاحق 1 و 2 و 3 ترجمة شادي الشماوي نشرت على موقع الحوار المتمدّن )
1- لتحي الماركسية – اللينينية – الماوية
2- إعادة تصوّر الثورة و الشيوعية : ما هي الخلاصة الجديدة لبوب أفاكيان؟
3- الخلاصة الجديدة للشيوعية : التوّجه و المنهج و المقاربة الجوهريّين و العناصر الأساسيّة
4- محتويات نشريّة " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! " / من العدد 1 إلى العدد 35 – بقلم ناظم الماوي
-----------------------------------------------------------------------------------------------------
- عن أيّة ثورة يتحدّثون ؟ إنّما هي إنتفاضة شعبيّة وقع الإلتفاف عليهاI
مثلما يشير إلى ذلك عنوان الكتاب الذى نسلّط عليه نقدنا ، يُعنى مؤلَّف بشير الحامدي على وجه الضبط بما أطلق عليه البعض " الثورة التونسية " أو " ثورة الياسمين " و آخرون مثل كاتبنا هذا ، " ثورة الحرّية و الكرامة " ... و كأنّ ما جدّ حقيقة و موضوعيّا ثورة وهي فى الواقع ليست كذلك كما شرحنا بالدقّة اللازمة في مواقع أخرى و كما سنرى هنا .
1- وجدت إنتفاضة و لم يوجد بتاتا وضع ثوري بالمعنى العلمي الدقيق :
كثيرا ما كرّر على مسامعنا المتمركسون وأشباههم أنّ الوضع فى تونس كان وضعا ثوريّا أو صار وضعا ثوريّا فى الفترة الممتدّة بين منتصف ديسمبر 2010 و 14 جانفي 2011 و حتّى بعدها . و من نافل القول أنّ فاقدى المنهج العلمي و التحليل المادي الجدلي الملموس للواقع الملموس يطلقون العنان للتوصيفات التى لا تعدو أن تكون غالبا توصيفات لاواقعيّة مثالية و ميتافيزيقية و براغماتيّة . و قد سقط بشير الحامدي نفسه فى أحابيل المثالية الذاتيّة و البراغماتية فقد إعتبر هو الآخر أنّه نتيجة للقمع التى واجهت به السلط الإحتجاجات ذات الطابع المطلبي المباشر و أساسا التشغيل :
" لم يعد الأمر متعلّقا بطلب إصلاحات سياسيّة و إقتصادية من السلطة ، لقد إكتشف المواطن نفسه و أثناء الأحداث الجارية أنّ سلطة لا تتورّع عن تقتيل الشعب بالرصاص الحيّ لمجرّد أنّه خرج للإحتجاج والتظاهر لا يرجى منها خير ، و لا يمكن أن تقدّم غير المزيد من القمع و التقتيل إن هي بقيت ممسكة بالبلد .
لقد أصبحت المهمّة فى وعي مكثّفة فى شعار الشعب يريد إسقاط النظام .
تحوّل الوضع إلى وضع ثوري ، وتوسّع الإحتجاجات ، و إلتحاق الحركة النقابيّة بالنضالات الشعبيّة ، و إصرار الشبيبة بمختلف أصنافها على المقاوم و عدم الخوف من مواجهة الرصاص و الموت ، أربك سلطة بن علي التى ستخرج عن صمتها ليظهر الديكتاتور يوم 28 ديسمبر من على شاشات القنوات التلفزيّة المحلّية متوجّها بكلمة للشعب التونسي فى محاولة أولى للمناورة لإيقاف المسار الثوري ." ( ص 103-104)
و ألحّ بعد عدّة صفحات ( ص 112 ) على أنّ :
" فى نهاية الأسبوع الأوّل من جانفي بدأت الإنتفاضة التى شملت أغلب الجهات فى البلاد تؤّكد أوّ الوضع بدأ يتحوّل إلى وضع ثوري و أنّ الإنتفاضة بدورها تتّجه لتتخذ طابع ثورة عارمة قادرة على تحقيق هدفها الأوّل إسقاط الدكتاتور."
و أكيد أنّ القارئ الفطن و القارئة الفطنة قد تنبّها إلى أوّلا أنّ ما ورد فى الفقرة الأولى من كلام السيّد الحامدي بالصفحة 103-104 يشير إلى تحوّل الوضع إلى وضع ثوري قبل 28 ديسمبر و أنّ فى الفقرة المقتطفة التالية من كلامه بعد صفحات من ذلك بدأ الوضع يتحوّل إلى وضع ثوري مع نهاية الأسبوع الأوّل من جانفي ؛ و هذا تضارب صارخ فى الأفكار ، و ثانيا ، إلى أنّ الكاتب لم يحدّد على وجه الدقّة متى صار الوضع ثوريّا فى الأسبوع الثاني من جانفي : هل فى بداياته أم وسطه أم آخره أم ربّما لم يكتمل التحوّل حتّى بعد الأسبوع الثاني من جانفي ! و ثالثا ، إلى ومضة من ومضات المثاليّة الذاتية لدى كاتبنا لا سيما فى صيغة " الشبيبة بمختلف أصنافها " التعميمية المجافية للحقيقة المادية الموضوعيّة و سؤال : ماذا عن شبيبة الحزب الحاكم آنذاك ؟! لندرك مدى تهافت مثل هذه الصيغ التعميميّة التعويمية المثالية الذاتية . و لكن هذا ليس بيت القصيد ، هذا أمر جانبي ، ثانوي ؛ المهمّ هو أنّ السيّد الحامدي أورد ما أورد من جمل و فقرات و صفحات بهذا الشأن دون تكبّد عناء تقديم مفهوم علمي دقيق و صحيح لمعنى الوضع الثوري كي نتمكّن و القرّاء الآخرين من إستيعاب مدى دقّة و علميّة هذا التحديد مقارنة بواقع الصراع الطبقي الجاري حينها .
و كان بوسعه الإستئناس بلينين العظيم الذى قد حدّد معنى الوضع الثوري فى أكثر من مناسبة و عناصره أو بكلماته " الدلائل الرئيسيّة الثلاثة " هي التالية :
- " 1 – أن يستحيل على الطبقات السائدة الإحتفاظ بسيادتها دون أي تغيير ؛ أن تنشب هذه الأزمة أو تلك فى " القمّة " ، أي تنشب أزمة سياسة الطبقة السائدة ، تسفر عن صدع يتدفّق منه إستياء الطبقات المضطهَدة و غضبها . فلكي تتفجّر الثورة ، لا يكفى عادة " ألاّ تريد القاعدة بعد الآن " أن تعيش كما فى السابق ، بل ينبغى أيضا " ألاّ تستطيع القمّة ذلك " . 2- أن يتفاقم بؤس الطبقات المضطهَدة و يشتدّ شقاؤها أكثر من المألوف .
3- أن يتعاظم كثيرا ، للإسباب المشار إليها آنفا ، نشاط الجماهير التى تستسلم للنهب بهدوء فى زمن " السلم " ، و لكن التى تدفعها ، فى زمن العاصفة ، سواء أجواء الأزمة كلّها أم " القمّة نفسها " ، إلى القيام بنشاط تاريخي مستقلّ . "
( لينين ، " إفلاس الأمميّة الثانية " ، المجلّد الخامس من " المختارات فى 10 مجلّدات " ، صفحة 297- 298 )
و طبعا شدّد لينين على أنّ الوضع الثوري لا يؤدّى بالضرورة إلى ثورة :
" إنّ الماركسي لا يشكّ مطلقا فى أنّ الثورة مستحيلة دون وضع ثوري ، ولكن ليس كلّ وضع ثوري يؤدّى إلى الثورة."
( لينين ، " إفلاس الأمميّة الثانية " ، المجلّد الخامس من " المختارات فى 10 مجلّدات " ، صفحة 297 )
ولنلقى معا نظرة على واقع الصراع الطبقي فى تونس طوال الفترة المذكورة أعلاه أو حتّى بعدها فنسوق بهذا المضمار الملاحظات التالية :
- عن وضع الطبقات الحاكمة : أ
و لا يفوتنا التنبيه إلى أنّ الطبقات الحاكمة المتحالفة مع الإمبريالية العالمية هي صاحبة مؤامرة هروب بن علي فهي التى خطّطت للأمر ونفّذته لتمتصّ غضب الشارع الذى كان موجّها ل " عصابة السرّاق " التى يقصد بها بالأساس بن علي و الطرابلسيّة ، و تعيد تاليا ترتيب بيتها الداخلي . و لئم كان ذلك تحت ضغط الجماهير الشعبيّة و نضالاتها و تضحياتها الكبيرة أحيانا فهذا لا يعنى بوضوح أنّ هذه الطبقات لم تعد تستطيع مواصلة الحكم إلخ . و واهم طبعا من يعتقد أنّ دولة الإستعمار الجديد بطبقاتها الرجعيّة الحاكمة المحلّية و بعلاقاتها المتداخلة مع الإمبريالية العالمية ، نفذت منها الحلول عندئذ و لم تعد بجعبتها حلول اخرى و إنقسمت صفوفها بشكل جليّ. فمثلا ماذا عن إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوّل فى أوقات معيّنة و منع المسيرات ليس بقوّة الشرطة فحسب بل بقوّة الجيش ايضا و أساسا ؟ ماذا عن إغلاق دور إتحاد الشغل المحلّية والجهوية و المركزية و حملات إعتقالات واسعة النطاق و سجن الآلاف من النشطاء فى كامل القطر ؟ ماذا عن قتل المئات الآخرين أو الآلاف بالرصاص الحي لقمع التحرّكات و تركيع الجماهير الشعبيّة المعزولة من السلاح ؟ كلّ هذا و كثير غيره بطبيعة الحال كان ممكنا و واردا مرفوقا بإستعمال سياسة الجزرة إلى جانب سياسة العصا فى مزيج و بدرجات و جرعات تحقّق لهذه الدولة نوعا من إستعادة السيطرة على الشارع و الإستقرار النسبي و إن ظلّ هناك غليان قد ينفجر فى أوقات أخرى .
و من لم تخنه ذاكرته ، قد تنتابه أفكار تخصّ إنتفاضة 1984 و إنتفاضة 1978 و كيفيّة تعاطى النظام البورقيبي حينها معهما و كان بن علي من أعوانه فى ذلك .
و مردّ فشل بن علي ذاته فى هذا المزج ( سينجح غيره من رجالاته فيه ، إلى حدود معيّنة فى فترات معيّنة ، تاليا ) هو فى جانب منه و ليس كلّيا و لا فى الأساس ( فهناك عدّة عوامل منها العالمي و المحلّي ) عدم تمكّنه من الإختيار الموفّق لتوقيت طرح إصلاحات و وعود بإنجازات و مشاريع تقسّم صفوف القوى المعارضة له و تخفّف من وطأة التحرّكات إذ كان يعتقد إلى أيّام قبل رحيله بجدوى القبضة الحديديّة وحدها أي بأنّها كفيلة بإخماد نار الإنتفاضة و ترجم ذلك فى خطاباته و تهديداته .
و تجدر الملاحظة أيضا أنّ بشير الحامدي قد تلمّس شيئا من هذا إلاّ أنّه إندفع مع التيّار المثالي البراغماتي فى نشر وهم الوضع الثوري فقد ألفيناه فى الصفحة 104-103 من كتابه يقول : " لم يعد الأمر متعلّقا بطلب إصلاحات سياسيّة و إقتصادية من السلطة ، لقد إكتشف المواطن نفسه و أثناء الأحداث الجارية أنّ سلطة لا تتورّع عن تقتيل الشعب بالرصاص الحيّ لمجرّد أنّه خرج للإحتجاج و التظاهر لا يرجى منها خير ، و لا يمكن أنتقدّم غير المزيد من القمع و التقتيل إن هي بقيت ممسكة بالبلد ".
و لا يفوتنا لفت النظر إلى مواقف أحزاب رجعيّة لها وزنها و تأثيرها الجماهيري و السياسي و الإجتماعي من نظام بن علي إلى الأيّام الأخيرة قبل رحيله و مواصلتها إعلان الولاء له و إنتظار إنقاذه البلاد و منها حزب النهضة .
ب- عن وضع الجماهير الشعبيّة :
منذ تأسيسها ، كانت دولة الإستعمار الجديد تخدم الطبقات الحاكمة المتحالفة مع الإمبريالية العالمية و تسحق الجماهير الشعبية لذلك غالبا ما وصفت بأنّها لاوطنية و لاديمقراطية و لاشعبيّة . و جعلت تبعيّة الإقتصاد و إرتهانه بتقلّبات النظام الإمبريالي العالمي و مخطّطات الإمبريالية النهّابة للشعوب و توجيهه لخدمة تلك الطبقات الرجعية و الإمبريالية دولة الإستعمار الجديد تشدّ من قبضتها فى خنق الإحتجاجات الشعبيّة على إستفحال التفقير و التهميش و البطالة و تدهور الأوضاع المعيشيّة للطبقات الشعبية عامة . و تواترت قبل سنوات من الإنتفاضة الشعبيّة ديسمبر 2010- جانفي 2011 الإحتجاجات رغم العسف و كان أبرزها ما جدّ فى الحوض المنجمي و إمتدّ لما يناهز الستّة أشهر مبيّنا لأوسع الفئات الجماهيرية أشياء ثلاثة فى تقديرنا هي أوّلا ، عدم إحتمال جزء من الجماهير لمزيد الإهانات و حلّ الأزمات الإقتصادية على حساب قوتها اليومي و ثانيا ، كسر حاجز الخوف من القمع وثالثا ، إمكانية فرض تنازلات على النظام عبر النضال.
و مثلما يقرّ بذلك صاحب الكتاب الذى ننقد بعض أفكاره ، إنطلقت الإنتفاضة عفويّة بفعل مراكمة الإحتجاجات على الأوضاع المزرية للشباب و لجهة سيدى بوزيد بداية و من ثمّة جهات أخرى . و كانت الجماهير تطالب أوّلا و قبل كلّ شيء بإصلاحات جزئيّة على رأسها التشغيل فكان شعار " التشغيل إستحقاق يا عصابة السرّاق " الذى رُفع أكثر من غيره فى البداية يترجم هذا الهدف .
إذن ما كانت معظم الجماهير المحتجّة ترغب بادئ ذى بدء فى أكثر من بعض الإصلاحات الجزئيّة من السلط القائمة . و حتّى حين أطلق جهاز القمع الرصاص فى أكثر من مكان خاطفا أرواح العشرات فالمئات ، توجّهت سهام الغالبيّة من الذين إنتفضوا نحو رأس السلطة و تحديدا بن علي بما هو المعرب عن التهديد و الوعيد و فى النهاية صاحب القرارات التى أودت بحياة المئات . و قد لاحظ السيّد الحامدى نفسه تراجع المدّ النضالي و تشتّت صفوف المنتفضين عقب فرار بن علي بما يؤكّد أنّ معظم الجماهير لم تكن تريد و ربّما لم يخطر ببالها حتّى الإطاحة بالدولة ( الشعب يريد إسقاط النظام – الذى ظهر فى الأيّام الأخيرة من الإنتفاضة كان يقصد منه الإطاحة أساسا بالرئيس ) . و ما ذهب إليه البعض من تأويلات " إسقاط الدولة برمّتها " إلخ ليس سوى أضغاث أحلام مثاليّة و براغماتية يحلّون بها رغباتهم الذاتية محلّ التحليل الملموس للواقع الملموس إذ لم نشاهد غالبية الجماهير تستهدف الجيش الذى هو عماد هذه الدولة بل شاهدناها تقدّم له الخدمات و تنصاع لأوامره و تبتلع وعوده الكاذبة .
و هذا و غيره كثير إن نمّ على شيء فإنّما ينمّ عن الوعي المتدنّى للجماهير الشعبيّة رغم ما إجترحته من بطولات و قدّمته من تضحيات جسام . الجماهير الشعبيّة فى مجملها لم تعبّر عن وعي طبقي مناهض صراحة لدولة الإستعمار الجديد بكلّ مؤسساتها بما هي العدوّ و لم تكن تحمل بديلا إجتماعيّا عنه تدافع و تناضل من أجل تجسيده و بإعتراف السيّد الحامدي لم تكن تملك برنامجا و لا تنظيمات ثوريّة . لقد كانت تحمل الأفكار السائدة و مثلما قال ماركس و إنجلز فى " البيان الشيوعي " ، الأفكار السائدة فى المجتمع هي أفكار الطبقات السائدة و مؤسّساتها التى لا تفتأ تشوّه وعي الجماهير الشعبية و لا ترى أبعد من حدود النظام القائم، فهل بأفكار الطبقات السائدة بمقدور الطبقات الشعبيّة أن تكون ثوريّة و تنجز ثورة ؟ ( و لنتذكّر لينين أيضا والحقيقة العميقة و الشاملة التى سجّلها فى " ما العمل ؟ " : لا حركة ثورية دون نظريّة ثوريّة ) .
و لأنّ الجماهير الشعبيّة لم تملك رؤية واضحة للمشكل / الأعداء و الحلّ / الثورة الحقيقية و طريق السلطة البديلة و مستلزمات ذلك و لم تتحوّل إلى جماهير ثوريّة ، كان من اليسير ( كأحد أهمّ الأسباب ) على دولة الإستعمار الجديد و الطبقات التى تقف وراءها المتحالفة مع الإمبريالية أن تعيد ترتيب البيت و تغيّر رأس الدولة برؤوس أخرى و تلتفّ على الإنتفاضة و مطالبها و تحافظ على مصالح الطبقات الرجعية و الإمبريالية و تواصل نهب المضطهَدين و المستغَلين .
و قد أعرب لينين عن حقيقة تنسحب تماما على الوضع الذى نحن بصدده :
" قد كان الناس و سيظلّون أبدا ، فى حقل السياسة ، أناسا سذّجا يخدعهم الآخرون و يخدعون أنفسهم ، ما لم يتعلّموا إستشفاف مصالح هذه الطبقات أو تلك وراء التعابير و البيانات و الوعود الأخلاقية و الدينية و السياسية و الإجتماعية. فإنّ أنصار الإصلاحات و التحسينات سيكونون أبدا عرضة لخداع المدافعين عن الأوضاع القديمة طالما لم يدركوا أن قوى هذه الطبقات السائدة أو تلك تدعم كلّ مؤسسة قديمة مهما ظهر فيها من بربرية و إهتراء . "
( لينين ، " مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكوّنة الثلاثة " )
و مرّة أخرى الفقر لا يصنع الثورة كما عبّر عن ذلك ماركس ، الثورة تحتاج حركة ثوريّة و نظريّة ثوريّة و نضيف مصطلحا آخر يلخّص ما تقدّم ، شعبا ثوريّا . و شعبنا لم يكن ثوريّا حينها و ليس ثوريّا حاليّا . هذه حقيقة لا ينكرها غير المثالي أو البراغماتي . و من واجب الثوريين الحقيقيين أن يوجدوا التنظيمات الحزبيّة و غير الحزبيّة لتغيير هذا الواقع إن راموا أن يساهموا حقّا فى دفع عجلة الثورة و تحرير الإنسانيّة من كافة ألوان الإضطهاد والإستغلال الجندري و الطبقي و القومي .
و هذه المهمّة تتفرّع إلى عدّة مهمّات بحجم الجبال و قد يستغرق إنجازها سنوات أو عقود و جيل أو أجيال ، إن أمكن إنجازها . فإن كان الكاتب الذى ننقد وهو من هو بتجاربه وثقافته و قراءاته و كتاباته و ما إلى ذلك لم يدرك إدراكا علميّا متطلّبات عصر الإمبريالية و الثورة الإشتراكية و يروّج ل" وعي ليست الجماهير فى حاجة لأن تقرأه فى الكتب و البيانات " ( ص 86 ) و يتذيّل لعفوية الجماهير و يقدّسها و ينكر دور الطليعة و ضرورته و يسقط فى أحابيل الديمقراطية البرجوازية ، فما بالك برفع وعي الجماهير الشعبية كي تتبنّى الثورة و تحرير الإنسانية و الهدف الأسمى الشيوعية على النطاق العالمي كحلّ جذريّ دونه تظلّ الشعوب ترزح تحت وطأة دول الإستعمار الجديد و الإمبريالية العالمية .
و تأمّلوا مليّا فى ما شدّد عليه قبل أكثر من قرن من الآن إنجلز أحد أبرز معلّمى البروليتاريا العالمية و رفيق درب ماركس كواجب من واجبات القادة كي يتمكّنوا من النهوض بقيادة الجماهير الشعبية ، وهو يتحدّث عن الحاجة إلى التسلّح بعلم الشيوعية للقيام بالثورة و تحرير الإنسانية ( أمر ينكره تماما السيّد الحامدي الداعي إلى موت الإيديولوجيا و " التنظّم الذاتي " و عدم الحاجة إلى القيادة الحزبيّة كأحد تعبيرات الفوضويّة ) :
" و سيكون واجب القادة على وجه الخصوص أن يثقّفوا أنفسهم أكثر فأكثر فى جميع المسائل النظريّة و أن يتخلّصوا أكثر فأكثر من تأثير العبارات التقليديّة المستعارة من المفهوم القديم عن العالم و أن يأخذوا أبدا بعين الإعتبار أنّ الاشتراكيّة ، مذ غدت علما ، تتطلّب أن تعامل كما يعامل العلم ، أي تتطلّب أن تُدرس . و الوعي الذى يُكتسب بهذا الشكل و يزداد وضوحا ، ينبغى أن يُنشر بين جماهير العمّال بهمّة مضاعفة أبدا..."
( انجلز ، ذكره لينين فى " ما العمل ؟ " )
ت- عن القوى الثورية الذاتيّة :
و أيضا يلتقط بشير الحامدي شذرات من حقيقة الغياب الحاسم للتنظيم الثوري و النظريّة الثورية فى قيادة حركة الجماهير بكلّ معنى الكلمة و بكلّ ما تقتضيه عمليّة التغيير الثوري من خوض سيرورة مديدة من الإعداد و الصراع عن وعي و تخطيط و بإستراتيجيا وتكتيكات صحيحة و هذه الحركة الثوريّة لم توجد على أرض الواقع ، فهو يعترف بالحقائق الآتي ذكرها :
- " الحركة العمّالية و تحديدا قسمها العامل فى القطاع الخاص ظلّ متردّدا و لم ينخرط فى الحراك إلاّ جزئيّا ، و فى مرحلة متأخّرة نظرا لغياب الوعي لدى هذا القسم بمصالحه الطبقية و بضرورة النضال من أجل تحقيقها ، و بالتالى بأهمّية التنظّم السياسي المستقلّ عن الأطر الإصلاحيةو البرجوازية ". ( ص 134)
- " لقد كان لغياب العامل الذاتي وعيا و تنظيما الدور الحاسم فى إكتفاء الجماهير بالإطاحة ببن علي و ليس بنظامه ككلّ ، و فى صعوبة أن تأخذ الثورة طابعا صريحا و معاديا للإمبريالية و أن تتخلّى الجماهير عن مطالبها الإجتماعية " (ص 135)
- " وضع عام متّسم بضعف قوى اليسار و عجزها عن الإلتحام بالحركة الشعبيّة و العمل فى صلبها من أجل مواصلة الثورة حتّآ إنجاز كلّ مهامها و تحقيق المطاب التى نادت بها الجماهير " .( ص 157 )
- " لقد عجز هذا القطب [ قطب جبهة الشعب – ص 160 ] عن طرح مسألة السلطة والتى تعتبر أهمّ مسألة فى الثورة و فى كلّ ثورة " . ( ص 161)
- " لقد ظلّ الشرط الذاتي أحد معوقات الإستمرار فى الثورة " . ( ص 216)
و مع ذلك حين يتّصل الأمر بتوصيف وضع الصراع الطبقي لا يتوانى السيد الحامدى عن توصيفه بالوضع الثوري رغم غياب هذا العنصر المحدّد فى هذا التعريف العلمي المادي الجدلي .
و قطعا من المهمّ للغاية أن لا ننسى ما ورد فى بيان لبوب أفاكيان عن ما جدّ فى مصر وهو ينسحب تماما على ما جدّ فى تونس و أهمّ ما كانت تفتقده الجماهير الشعبية ( بيان ترجمه شادي الشماوي وهو متوفّر بموقع الحوار المتمدّن ضمن كتابه المعنون " نصوص عن الإنتفاضات فى بلدان عربيّة من منظور الخلاصة الجديدة للشيوعية " وهو كتاب يستحقّ قطعا عناء الإطلاع عليه و لما لا دراسته عن كثب ) :
" عبر التاريخ ، تكرّر مرارا ، كما هو الحال فى مصر ( و كذلك فى تونس) أن إتخذت الهيمنة الإمبريالية و حكم المستغِلّين المحلّيين تعبيرا مكثّفا فى شكل نظام "رجل قويّ " سفّاح . و كان هذا هو الحال ، مثلا، فى إيران ، و زنزانات التعذيب أيّام حكم الشاه ، و فى الفليبين تحت طغيان ماركوس ، و فى أندونيسيا و العهد الوحشي المديد لسوهرتو؛ و جميعها دكتاتوريات وحشية ركّزتها فى السلطة الإمبريالية الأمريكية و أبقت عليها لمدد طويلة. وفى إيران ، أواخر السبعينات ، و فى الفليبين فى الثمانينات و فى أندونيسيا فى الفترة الأخيرة ، فرضت إنتفاضات الشعب على الإمبرياليين الأمريكان أن يتخلّوا عن هؤلاء الطغاة و أن يسمحوا ببعض التغييرات. لكن فى كلّ الحالات ، لم تؤدى الحصيلة النهائية إلى " الحرّية " الحقيقية للشعوب بل بالعكس تواصل تعرّضها للإضطهاد الوحشي على أيدى الذين حلّوا محلّ الحكام السابقين البغيضين ، فى حين ظلّت هذه البلدان ضمن الإطار العام للهيمنة و الإستغلال الإمبرياليين. لكن التجربة التاريخية أثبتت أيضا أن إستمرار الحكم الإضطهادي ، بشكل أو آخر، ليس النتيجة الوحيدة الممكنة .
ففى روسيا ، فى فبراير/ فيفري 1917 ، أطاحت إنتفاضة شعبية بطاغية وحشيّ آخر ، القيصر ( ملك الحكم المطلق ) . و هناك أيضا ، حاول الإمبرياليون الأمريكان و الأنجليز و غيرهم و الرأسماليون الروس مواصلة إضطهاد الشعب الروسي بشكل جديد، بإستخدام آليّات " الحكم الديمقراطي" و الإنتخابات التي فيما تسمح ببعض المشاركة الأوسع لمختلف الأحزاب ، ستظلّ تحت السيطرة التامّة لمستغلّى الشعب و ستضمن إستمرار حكمهم و إستمرار معاناة الجماهير الشعبية. و فى هذه الحال ، مع ذلك ، تمكّنت الجماهير من التفطّن لهذه المناورات و المؤامرات ، و مضت قدما فى إنتفاضتها الثورية ، عبر عديد المنعرجات و الإلتوءات و فى أكتوبر 1917 كنست و فكّكت مؤسسات و آليّات الدكتاتورية البرجوازية و أرست نظاما سياسيا و إقتصاديّا جديدا ، نظاما إشتراكيا . و لعقود، تمكّنت الإشتراكية من الإستمرار فى التقدّم صوب القضاء على علاقات الإستغلال و الإضطهاد ، كجزء من النضال العالمي من أجل تحقيق الهدف الأسمى، الشيوعية . و الإختلاف الحيوي يكمن فى أنّه كان للإنتفاضات فى روسيا لبّ قيادة ، قيادة شيوعية، كانت تملك فهما واضحا وراسخا علميّا لطبيعة ليس فحسب هذا أو ذاك من الطغاة الوحشيين بل لطبيعة النظام الإضطهادي برمّته و للحاجة لمواصلة النضال الثوري لا من أجل الإطاحة بحاكم معيّن فقط و إنّما للقضاء على النظام بأسره و إستبداله بنظام يجسّد و يكرّس حقّا الحرّية و مصالح الشعب الأكثر جوهرية ، فى سياق سعيه للقضاء على كافة أشكال الإضطهاد و الإستغلال . "
2- أطروحة أنّ ما حدث ثورة خاطئة وضارة :
ما إنفكّ السيّد الحامدي ، شأنه شأن الكثير من المتمركسين من شّتى تيّارات وفرق ما يسمّى ب" اليسار " ، يسمعنا الإسطوانة المشروخة لتوصيف ما حدث فى تونس و فى مصر على أنّه ثورة وهو ليس كذلك . إنّ هذا التوصيف يجافى الحقيقة و أضرّ و لا يزال يضرّ بالحركات الشعبيّة و بوعي الجماهير و المناضلين و المناضلات و بالفعل قد ساعد الرجعيّة و يسّر لها إستغلال هذا الوهم المنشور يمنة و يسرة لتلتفّ على الإنتفاضة الشعبيّة و مكاسبها .
ورد فى كتاب بشير الحامدي " الحقّ فى السلطة والثروة و الديمقراطيّة – قراءة فى مسار ثورة الحرّية و الكرامة " إعتبار ما جدّ ثورة لعشرات المرّات بداية بالعنوان ( منها ص 90 و ص 112 و ص 126 إلخ ).
و قد نبّهنا إلى هذا الخطأ النظري و تبعاته العملية الوخيمة منذ فيفري 2011 فى أوّل مقال لنا نشرناه على صفحات الحوار المتمدّن و ضمّنناه لاحقا أوّل عدد من نشريّتنا " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! " و فيه شرحنا :
" إنتفاضة أم ثورة ؟

بداية وجبت ملاحظة أنّ التمرّد إنطلق فى مطالبه إجتماعيا عفويّا ليتحوّل شيئا فشيئا و يوما فيوما إلى رفع واعي مصمّم و منظّم بأشكال مختلفة و متفاوتة القوّة لمطالب سياسية لم تعد منحصرة فى جهة أو جهتين و إنّما عمّت البلاد كافة تقريبا. و رغم الطابع العفوي الطاغي فى البدء خاصة فإن قوى سياسية مختلفة فى النقابات و فى منظّمات شتى و فى الجهات المتنوّعة ( أفرادا و جماعات) نظّمت إلى حدود النضالات و نسقها التصاعديّ و الصمود و الهجوم و إن لم يهيمن حزب معيّن على التحرّكات فإنّ عديد المجموعات سجّلت حضورا ملحوظا منذ البداية أو إلتحقت بالحركة الإحتجاجية بجدّ بعد تردّد أو تلكؤ ووقوف موقف المتفرّج لأيام أو لأسابيع.

ثمّ إنّ تمرّد الشعب حين توسّع صار إنتفاضة جماهيرية طالت و تعمّقت فحقّقت هدفا كان بعيد المنال بالنسبة للكثيرين حتى من الأحزاب و المجموعات السياسية ألا وهو الإطاحة برأس النظام الرئيس الجنرال و قد يحقّق تواصل التمرّد إسقاط حكومة الغنوشي فى الأيام القادمة. و مع ذلك ليس بإمكاننا علميا و من منظور البروليتاريا و منهجها المادي الجدلي أن ننعت ما حصل بالثورة إذ هو لا يتعدّى كونه إنتفاضة و ذلك لأنّه اطاح برئيس الدولة و لم يطح بالدولة ، دولة الإستعمار الجديد ، دولة الإقطاع و الكمبرادور المتحالفة مع الإمبريالية و خادمتها .

ماركسيا، الدولة جهاز قمع طبقة لطبقة / الطبقات أخرى متكوّن أساسا من الجيش كعمود فقري و آلة بيروقراطية لإدارة دواليب الدولة و مؤسساتها . و تطبيقا على تونس و إن تعرّض الجهاز البيروقراطي للدولة إلى بعض الضربات فى جهات معينة و مؤسسات معينة و إلى حدود معينة فهو لا يزال قائما و قادرا على إعادة إنتاج هيمنة دولة الإستعمار الجديد. هذا من جهة و من جهة ثانية ،الجيش لم يطله أي ضرر بل بالعكس صار الشعب يعتبره حليفا له يحبّه و يقدّره فى حين أنّه ليس البتّة بالجيش الشعبي و إنّما هو جيش الدولة القائمة و عمودها الفقري و قياداته عملت لدى الجنرال المخلوع و تحت إمرته و فى إتفاق معه لسنوات طوال وهي تأتمر بأوامر الإمبريالية العالمية و تخدم مصالح التحالف الطبقي الرجعي الحاكم و إن إختلفت فى لحظة ما فى التكتيك الذى يجب توخّيه تحت ضغط الشارع.

و لئن قدّمت الطبقات المهيمنة بعض التنازلات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية فإنّها لم تسلّم الدولة جهازا و مؤسسات للشعب الذى عليه ليس تحسين هذا الجهاز و هذه المؤسسات بل تحطيمهما و تعويضهما بدولة جديدة مثلما شرح ذلك ماركس و لينين ( "الدولة و الثورة " ، لينين). و فى إرتباط بالجيش ، من الأكيد أن نذكّر أن ما يسمىّ بأجهزة الأمن – شرطة وحرس و ما شابه و منها " أمن الدولة"- قائمة الذات و بأمر من مسؤوليها قد تغرق البلاد فى أية لحظة فى القمع أو فى حمّام دم من جديد. و حينها لن تستطيع جماهير الشعب العزلاء التي لا تملك جيشا شعبيا صدّ الرصاص و الدبابات و الطائرات و التغلّب عليها و تحطيم كافة أجهزة دولة الإستعمار الجديد دون جيش شعبي و عبر حرب شعبية طويلة الأمد.

و إضافة إلى الإعلام بالتلفزة و الراديو و الصحف و غيرها التى لا زالت بأيدى دولة الإستعمار الجديد كما لاحظ ذلك حتى أبسط المواطنين و إن سُمح بمساحات محدودة للرأي المعارض قد تتتقلّص لاحقا تدريجيا مع خفوت نبرة الإنتفاضة ، فإنّ- إقتصاديا- نمط / أسلوب الإنتاج لم يتغيّر و طبيعة المجتمع كذلك لم تتغيّر. و هذا أمر مركزي بالنسبة للماديين الماركسيين الذين يعتبرون أنّ السياسة تعبير مركّز عن الإقتصاد و الذين يدعون للثورة الوطنية الديمقراطية أو الديمقراطية الوطنية أو الوطنية الديمقراطية /الديمقراطية الجديدة أو الإشتراكية . فإن كان تمرّد الشعب التونسي ثورة فهل هي من الأنواع المذكورة أعلاه؟ لا طبعا فعن أيّة ثورة يتحدّثون إذن؟ إنّهم يسبحون فى بحر الخيالات البرجوازية الصغيرة.

إنّ رموز بعض التيارات أو الأحزاب اليسارية الذين طلعوا علينا فى التلفزة يوم 22 جانفي منطلقين فى حديثهم من إعتبار ما حصل إنتفاضة ليختموه بأنّها ثورة –حمّه الهمّامي الناطق بإسم حزب العمّال الشيوعي التونسي- أو الذين يصيحون بأنّها ثورة و يا لها من ثورة متميّزة – شكرى بلعيد الناطق بإسم حركة الوطنيين الديمقراطيين- أو الوطنيين الديمقراطيين الوطد الذين كتبوا فى بيان يوم 14 أنّها إنتفاضة شعبية ليتحدّثوا فى نداء يوم 16 عن ثورة عارمة و مضمون وطني و شعبي و ديمقراطي و أهداف داعية للحرية و العدالة الإجتماعية من وجهة نظر العمال و الكادحين، إنّ هؤلاء جميعا من جهة ينشرون الأوهام حول الإنتفاضة و دولة الإستعمار الجديد عوض نشر الحقيقية التي هي وحدها الثورية كما قال لينين و من جهة ثانية يقدّمون خدمة من حيث يعلمون أو لا يعلمون لأعداء الشعب حيث هؤلاء الأخيرين نفسهم يستعملون كلمة الثورة لمغالطة الجماهير و دعوتها بعد القيام بها إلى الركون و السكون و الكفّ عن خوض النضالات و توسيعها و عدم المسّ من مختلف أجهزة بيروقراطية الدولة و الجيش و العودة إلى الحياة العادية مكتفين بما حصل من تغيير على أنّه ثورة ناجزة.

و فضلا عن هذا الخلط النظري و الضرر السياسي و العملي الذى يلحقه بالصراع الطبقي إستعمال مفاهيم مضلّلة ، ثمّة خطر إعتبار الثورة تمّت و إيهام الجماهير بأنّه لا رجعة عن المكاسب المحقّقة فى حين أنّ واحد من أهمّ دروس الصراع الطبقي فى العالم التي إستخلصتها البروليتاريا العالمية هي أنّ مثل هذه المكاسب أو الإصلاحات قابلة للذوبان و التآكل و الإلتفاف عليها لاحقا حتى و إن سجّلت فى الدستور و فى قوانين و عليه لا بدّ من إبقاء الجماهير متيقّضة و رفع وعيها لتحافظ عليها و توظّفها لمزيد رفع الوعي و التقدّم بالنضال نحو الثورة الوطنية الديمقراطية / الديمقراطية الجديدة بقيادة البروليتاريا و حزبها الماركسي- اللينيني- الماوي و الكفيلة بحلّ التناقضات الأساسية الوطنية و الديمقراطية و تمهيد الطريق للثورة الإشتراكية كجزء من الثورة البروليتارية العالمية."
( إنتهى المقتطف )

وفى سياق نقدنا لماركسية سلامة كيلة الذى يستميت فى الدفاع ( كدنا نقول بجنون مستعيرين صيغة لمحمود درويش فى واحدة من قصائده التى إستعمل فيها : ... حاصر حصارك بالجنون و بالجنون ) عن كون ما جدّ ثورة ، خطّ قلمنا فقرات منها :
" ... نلاحظ تطوّر مفهوم الثورة و نردفه بالتذكير بتطوّر مفهوم الإشتراكيّة ليمسي الأمر أيسر على الفهم ، حيث وجدت عدّة إشتراكيّات عرضها " بيان الحزب الشيوعي " و إشتراكية خياليّة و أوجد ماركس و إنجلز إشتراكية علمية ثم صارت الإشتراكية ، ماركسيّا ،الطور الأدنى من الشيوعية ( أنظروا " الدولة و الثورة " للينين ) و كان يُعتقد أنّها ستكون فترة قصيرة الإمتداد زمنيّا و دلّلت التجارب على عكس ذلك و لم يكن الحزب الشيوعي السوفياتي و على رأسه ستالين منذ أواسط ثلاثينات القرن الماضي يقرّ بالصراع الطبقي فى الإتحاد السوفياتي و تواصله و بوجود الطبقة البرجوازية القديمة و الجديدة التى تنشأ جرّاء تناقضات المجتمع الإشتراكي ذاته و بفضل الدراسة و التحليل و التلخيص للواقع و خوض غمار صراعات الخطّين صلب الحركة الشيوعية العالمية و صلب الحزب الشيوعي الصيني ، توصّل ماو تسى تونغ إلى صياغة نظريّة مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا و قد شرحنا بعجالة فحواها كما شرحنا مفهوم الإشتراكية فى ما مضى من فقرات كتابنا هذا .
و فى أتون الصراع الطبقي عالميّا و فى الولايات المتحدة الأمريكيّة ، وبفضل جهود نظريّة طوال ما يناهز الأربعين سنة، أعاد بوب أفاكيان ، رئيس الحزب الشيوعي الثوري و صاحب الخلاصة الجديدة للشيوعية صياغة مفهوم الثورة شيوعيّا و جدلية الهدم و البناء ( طبعا دون التغاضي عن الفرق بين طريق الثورة فى البلدان الرأسمالية - الإمبريالية و البلدان المستعمرة و أشباه المستعمرات و المستعمرات الجديدة ) و بُعدها العالمي و مفهوم الوضع الثوري ليكون أوضح و أرسخ علميّا فكتب :
" من المهمّ أوّلا أن نبيّن بالمعنى الأساسي ما نعينيه حين نقول إنّ الهدف هو الثورة ، و بوجه خاص الثورة الشيوعية. الثورة ليست نوعا من التغيير فى الأسلوب و لا هي تغيير فى منحى التفكير و لا هي مجرّد تغيير فى بعض العلاقات صلب المجتمع الذى يبقى جوهريّا هو نفسه . الثورة تعنى لا أقلّ من إلحاق الهزيمة بالدولة الإضطهادية القائمة و الخادمة للنظام الرأسمالي – الإمبريالية و تفكيكها – و خاصّة مؤسساتها للعنف و القمع المنظّمين ، و منها القوات المسلّحة و الشرطة و المحاكم و السجون و السلط البيروقراطية و الإدارية – و تعويض هذه المؤسسات الرجعية التى تركّز القهر و العنف الرجعيين ، بأجهزة سلطة سياسية ثوريّة و مؤسسات و هياكل حكم ثوريّة يرسى أساسها من خلال سيرورة كاملة من بناء الحركة من أجل الثورة ، ثمّ إنجاز إفتكاك السلطة عندما تنضج الظروف – و فى بلد مثل الولايات المتحدة سيتطلّب ذلك تغييرا نوعيّا فى الوضع الموضوعي منتجا أزمة عميقة فى المجتمع و ظهور شعب ثوريّ يعدّ بالملايين و الملايين تكون لديه قيادة شيوعية ثورية طليعية و هو واعي بالحاجة إلى التغيير الثوري و مصمّم على القتال من أجله .
و مثلما شدّدت على ذلك قبلا فى هذا الخطاب ، فإنّ إفتكاك السلطة و التغيير الراديكالي فى المؤسسات المهيمنة فى المجتمع ، حين تنضج الظروف ، يجعل من الممكن المزيد من التغيير الراديكالي عبر المجتمع – فى الإقتصاد و فى العلاقات الإقتصادية و العلاقات الإجتماعية و السياسية و الإيديولوجية و الثقافة السائدين فى المجتمع . و الهدف النهائي لهذه الثورة هو الشيوعية ما يعنى و يتطلّب إلغاء كلّ علاقات الإستغلال و الإضطهاد و كلّ النزاعات العدائية المدمّرة فى صفوف البشر ، عبر العالم . و على ضوء هذا الفهم ، إفتكاك السلطة فى بلد معيّن أمر حاسم و حيوي ويفتح الباب لمزيد من التغييرات الراديكالية و إلى تعزيز النضال الثوري عبر العالم و مزيد التقدّم به ؛ لكن فى نفس الوقت ، رغم أنّ هذا حاسم وحيوي ، فإنّه ليس سوى الخطوة الأولى – أو القفزة الكبرى الأولى – فى النضال الشامل الذى ينبغى أن يستمرّ بإتجاه الهدف النهائي لهذه الثورة : عالم شيوعي جديد راديكاليّا . "
( " العصافير ليس بوسعها أن تلد تماسيحا ، لكن بوسع الإنسانية أن تتجاوز الأفق " ، الجزء الثاني - " بناء الحركة من أجل الثورة " ، الثورة 2011 ؛ و أيضا الفصل الثالث من " الأساسي من خطابات بوب أفاكيان و كتاباته " ، ترجمة شادي الشماوي – مكتبة الحوار المتمدّن )
" ما هو الوضع الثوري ؟ أزمة عميقة و نزاعات محتدّة فى المجتمع و فى أوساط الحكومة و الأوساط الحاكمة ، حيث لا تستطيع إيجاد طريقة لمعالجة هذه النزاعات - فى المجتمع و فى صفوفها ذاتها - ما يجعل الأمور أسوأ بالنسبة لها و يستدعى المزيد من المقاومة و تزيد من تقويض إعتقاد الناس فى " حقّها فى الحكم " و فى " شرعيّة " إستخدامها للعنف للحفاظ على حكمها ؛ تكشّف أنّ برامج " إصلاح " النظام أفلست وهي كلّيا غير قادرة على معالجة ما يقرّ به متزايد من الناس على أنّه فساد وظيفي عميق و ظلم لا يطاق للوضع بأكمله ؛ و يوجد الذين فى المجتمع مثلما فى صفوف الطبقة العاملة ، يسعون إلى فرض النظام القائم فى وضع دفاعي حتّى و إن كانوا يبذلون قصارى الجهد ؛ بحث الملايين بنشاط عن التغيير الجذري وهو مصمّمون على القتال من أجله و ينوون المجازفة بكلّ شيء لكسبه ؛ لبّ صلب من الآلاف متّحد حول قيادة قوّة طليعيّة منظّمة لها رؤية و منهج و إستراتيجيا و خطّة – و هي تعمّق صلاتها بصفوف الجماهير الشعبيّة – لتقود عمليّا القتال لإلحاق الهزيمة و تفكيك القوّة القمعيّة العنيفة للنظام القائم و هيكلة سلطته و لإنشاء نظام ثوري جديد يمكن أن يوفّر للشعب وسائل تغيير المجتمع تغييرا جذريّا بإتّجاه هدف إلغاء الإضطهاد والإستغلال . "
)What Is a Revolutionary Situation? by Bob Avakian | February 9, 2015 | Revolution Newspaper | revcom.us(
وهكذا مفهوم سلامة كيلة [ و هنا بشير الحامدي و أشباههما ] للثورة مفهوم صوري و إحادي الجانب و مثالي ناجم عن نزعة براغماتية و لا ينتج إلاّ الإضطراب فى الرؤية و عليه كي لا نسير إلى الضعف و الهزال النظريين و العمليين و نبيت فى مهبّ الريح وجب تجاوزه و معانقة المفهوم المادي الجدلي و العلمي للثورة من منظور علم الشيوعية فى أرقى تطوّراته اليوم ، الخلاصة الجديدة للشيوعية . "
( إنتهى المقتطف )
و بيّنت مجريات أحداث واقع الصراع الطبقي أنّ ما جدّ ليس ثورة و قد إضطرّ الكثيرون للإعتراف بذلك بأشكال ملتوية جدّا مع الحفاظ أحيانا على إستعمال المصطلح أو التوصيف حفاظا على ماء الوجه أو خداعا للنفس و للجماهير و قد إعترف الحامدي فى أكثر من مكان فى كتابه بذلك بصيغه الخاصة و منها :
- " نعم فرّ الدكتاتور . إلاّ أنّ أجهزة نظام الديكتاتور ظلّت قائمة . جهاز البوليس ظلّ قائما ، البوليس السياسي ظلّ يعمل ، الجيش منتشر فى كلّ البلاد ... لقد سقط بن علي و لكن نظامه بقي قائما " ( ص 126 ). أي ثورة هي هذه الثورة التى يظلّ فيها النظام قائما ؟!- و ليس هنا مجال نقاش فهم علاقة الدكتاتور بالدكتاتورية و الدكتاتورية / الديمقراطية الطبقية .
- " لقد أطيح بالدكتاتور لكن بقايا الدكتاتوريّة عادت و ظهرت على الركح من جديد ..." ( ص 137 ) و هذا الكلام يتضارب مع ما قيل فى الصفحة 126 الموثّق فى الفقرة السابقة للتوّ ففى الواقع هي لم تغب عن الركح أبدا : الحكومة و البرلمان و التجمّع و البوليس و الجيش إلخ " ظلّت قائمة " !
- " سقوط بن علي يوم 14 جانفي لم يواكبه سقوط لأجهزة دولته الديكتاتورية ..." ( ص 151 ) . و نشير إلى أنّ الدولة هي دولة الإستعمار الجديد و ليست دولة بن علي إذ هو لعب دورا فيها لا أكثر و كانت قائمة قبله و ظلّت كذلك بعده .
- " بقمع إعتصام القصبة 1 أبانت حكومة المبزّع الغنوشي الثانية عن وجهها القمعي الإجرامي و أظهرت أنّها ليست إلاّ حكومة بيد مراكز القوى الباقية من نظام بن علي تسيرها بتنسيق مع الفرنسيين و الأمريكان ". ( ص 173 )
و هكذا السلطة لا تزال بيد حكومة عميلة للإمبريالية و يتحدّث السيد الحامدي عن ثورة و عن " ملحمة نضال و صمود فريدة من نوعها هي ملحمة ثورة الحرّية و الكرامة " ( ص 86 ) !
- " أطاح الشعب برأس الأفعى و لكن رؤوسا عديدة للأفعى بقيت تتحرّك و تنفث سمومها و تعمل بكلّ الوسائل لترميم الصدع الذى أصاب جهاز الدولة البرجوازية " ( ص 206 ) .
إذن هو صدع لا غير فى جهاز الدولة ، بالتالى لماذا يطلق عليه ، نكاد نقول بصبيانية و طفولية ، ثورة ؟! و هل الثورة تساوى الإطاحة برأس من عدّة رؤوس للأفعى أم بالرؤوس جميعها و إنشاء دولة جديدة ثورية ؟
3- بثّ الأوهام البرجوازية بصدد الدولة و الجيش :
فى ثنايا هذا الكتاب ، بالرغم من أنّ المؤلّف ينقد أحيانا الجيش ( ص 151 : سقوط بن علي يوم 14 جانفي لم يواكبه سقوط لأجهزة دولته الديكتاتوريّة من بوليس و جيش و مليشيا التجمّع ..." و ص 152 : " و مهما تكن الخطط و السيناريوهات التى دبّرت لدفع الديكتاتور للفرار ، فإنّ المرجّح أنّه حصل توافق بين الجيش و جهاز البوليس و بعض الشخصيّات ذات النفوذ الإقتصادي و السياسي التى عينها على خلافة بن علي ، و الأمريكان و الفرنسيين ، على العمل على إعادة ترتيب الأوضاع بحيث لا تخرج السلطة عن سيطرة بقايا النظام " و يذكّر بالصفحة 221 بقتل " فتى برصاص الجيش " فى سيدى بوزيد ) ، نعثر عليه يرسل رسائل فهم غالط لمسألة الدولة و الجيش و بثّ فظيع لأوهام برجوازيّة بهذا الصدد . و على سبيل الذكر لا الحصر نقرأ معا هذه الجملة المفتاح التى تجعل من الجمل التى أوردنا أعلاه أقرب إلى العتاب من الإدراك العميق و الصحيح لطبيعة هذا الجيش و دوره الطبقيين المعاديين صراحة و بلا شكّ للجماهير الشعبية :
" بيروقراطية الجيش نفسها كانت تبحث عن طريقة لحلّ الإعتصام و بأي طريقة . فتعبئة جماهيرية بمثل تعبئة إعتصام القصبة 1 كانت تطرح سؤالا كبيرا عن الدور الحقيقي الذى تلعبه مؤسسة الجيش فى فترة ما بعد الدكتاتوريّة ، و فى صفّ من تقف هذه المؤسسة . هل مع الشعب و قوى الثورة أم مع بقايا الدكتاتوريّة و قوى الثورة المضادة و داعميها من الفرنسيين و الأمريكان..." ( ص 172-173 )
جيش هو ، ماركسيا و موضوعيّا ، عماد " دولة الإستعمار الجديد دولة الدكتاتوريين " ( ص 89) ، جيش جهاز من أجهزة دولة الدكتاتورية (ص 151) جيش يكرّس سياسات الطبقات الحاكمة و " الأمريكان و الفرنسيين " ، يتوقّع منه السيّد الحامدي أن يقف " مع الشعب " ؟! السيّد الحامدي يطلب مستحيلا لأنّ المثاليّة الذاتية و البراغماتيّة دفعتا به إلى عالم الأحلام و التذيّل للعفويّة و تقديسها . ما كان أبدا على إنسان بتجربة السيد الحامدي و ثقافته لو كان مدركا تمام الإدراك و مكرّسا عن وعي و بصيرة مضمون و حقائق كتاب لينين " الدولة و الثورة " ، أن يجول بخاطره مثل هذا السؤال أصلا و كان عليه أن يساهم فى أن تنقشع سحب أوهام الجماهير بشأن الجيش و الدولة و طبيعتهما الطبقيّة .
إنّه لمثاليته و براغماتيّته يهمل تقريبا كلّيا الدور الرجعي على طول الخطّ الذى نهض به الجيش تاريخيّا و زمن الإنتفاضة و الإعتصامات . فلا يذكر فى كتابه هذا رشيد عمّار و الوعد الذى قطعه لمعتصمي القصبة بحماية " الثورة " وحمايتهم ثم خذلانه لهم فى أكثر من محطّة ومناسبة و قتل من قتل وقد ردّد المعتصمون فى القصبة عاليا " يا رشيد يا عمّار وينو وعدك للثوّار؟ " مستنكرين تدخّلات الجيش ضدّهم تدخّلا عنيفا للغاية و تآمره عليهم . و قد عكست تلك الإنتظارات مدى تدنّى وعي عموم مصدّقى وعود جيش ليس شيئا آخر سوى جيش دولة الإستعمار الجديد وهو جيش دولة الطبقات الرجعية الحاكمة المتحالفة مع الإمبريالية وهو بالتالى بطبيعته الطبقيّة حاميها و خادمها و معادي للجماهير الشعبية . و ليس أبدا جهازا محايدا فوق الطبقات و فوق الصراع الطبقي . و يترجم كلام السيّد الحامدي أضغاث أحلام من إنطلت عليهم حيلة إمكانية وقوف الجيش مع الشعب . و لم يفقه جميعهم فحوى ما قاله لينين عن الشرط الأوّلى لكلّ ثورة شعبيّة حقّا فى الصفحة 41 من " الدولة والثورة " ( دار التقدّم ، موسكو ) :
" تستحقّ إنتباها خاصا ملاحظة ماركس العميقة منتهى العمق القائلة إنّ تحطيم آلة الدولة البيروقراطية العسكريّة هو " الشرط الأولي لكلّ ثورة شعبيّة حقّا ."
لقد إستشرى مرض جعل الجيش فوق الطبقات و الصراع الطبقي و تحويله إلى جهاز محايد و أصاب ضمن من أصاب " اليساريين " ، المتمركسين ، محرّفي أسس علم الشيوعية و الفهم العلمي المادي الجدلي للدولة و للجيش و طبيعتهما الطبقية .
و يلتقى السيّد الحامدي مع معظم " اليساريين " فى طمسهم لحقيقة الدولة و الجيش و قد سبق لنا الخوض فى الموضوع لمّا تناولنا بالبحث و النقد الخطّ الإيديولوجي و السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد كواحد من المصابين بهذا المرض التحريفي العضال و القاتل فى كتاب " حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحدّ حزب ماركسي مزيّف " – جانفي 2013 - و صغنا جملة فقرات نقتبس منها ما ينطبق تماما على ما أتاه الكاتب الذى ننقد :
" تحطيم الدولة القديمة أم ترميمها و تحسينها ؟
يتحدّث الحزب الجديد عن الإنتفاضة و التمرّد و الثورة و المسار الثوري و كأنّها الشيء عينه و يعتبر نفسه حزبا ثوريّا و يتجاهل تمام التجاهل دكتاتورية البروليتاريا بما هي دولة جديدة تقوم على أنقاض الدولة القديمة التى هي بدورها تتعرّض لعملية تجاهل كلي من حيث مصيرها. و يعتبر هذا الحزب أنّ ما حدث فى تونس هو " بداية تفكيك الدكتاتورية " و لا ينبس ببنت شفة عن جهاز الدولة بمكوّناته الأساسية من جيش و شرطة و مؤسسات دواوينية ... وعمادها الجيش.
" يعتبر الجيش ، حسب النظرية الماركسية حول الدولة ، العنصر الرئيسي فى سلطة الدولة . فكلّ من يريد الإستيلاء على السلطة و المحافظة عليها ، لا بدّ أن يكون لديه جيش قويّ "
( ماو تسى تونغ " قضايا الحرب و الإستراتيجيا " 6 نوفمبر - تشرين الثاني 1938 ؛ المؤلفات المختارة المجلّد الثاني ، الصفحة 66 من " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " ) .
و يطلقون فى الوثائق التى ندرس لسانهم بكلام عن الإستعمار الجديد و نظام الإستعمار الجديد و يلوذون بالصمت المطبق و المطلق لمّا يتعلّق الأمر بكشف الحقائق و قول الحقيقة للجماهير ، قول إنّ الجيش هو العنصر الرئيسي فى سلطة دولة الإستعمار الجديد ، عماد الدولة القائمة و الساهر الرئيسي على ديمومتها و ديمومة مسك الطبقات الحاكمة بالسلطة بل و يمضون بعيدا ( مثل تصريحات شهيرة لمن أمسى أمينا عاما لهذا الحزب ) فى الثناء على الجيش التونسي و كيل المديح لجيش دولة الإستعمار الجديد هذا ! من ناحية يصبّون جام غضبهم و نار نقدهم على دولة الإستعمار الجديد و من ناحية أخرى يمدحون جيشها ، عماد هذه الدولة و عنصرها الرئيسي. بأي نبوغ لا يضارع وبأية مهارة تحريفية تحبك هذه المغالطة من المغالطات الكثيرة التى يعتمدها عن وعي قادة هذا الحزب على وجه الخصوص.
فى 2012 ، و عقب ما يسمّوه زورا " ثورة " وهو فى الحقيقة إنتفاضة شعبية ليس إلاّ ، نلفى جماعة هذا الحزب يهيلون جبالا من التراب على مبدأ آخر من المبادئ الأساسية للماركسية ألا وهو ضرورة تحطيم جهاز الدولة القديمة ، الذى طالما شدّد عليه لينين و ماركس من قبله عند تلخيصه لتجربة كمونة باريس التى ركّزت شكلا من أشكال دكتاتورية البروليتاريا و التى لا يرى فيها التحريفيون إلاّ جانب ثانويى انتخابات المسؤولين – دون التشديد الصريح حقّا على ناحية إمكانية إقالتهم- الذى ينفخون فيه نفخا ليجعلوا منه أسمى أشكال الديمقراطية فى المطلق أي يطمسون الديمقراطية البروليتارية / دكتاتورية البروليتاريا و يسوّقون لنقيضها الديمقراطية البرجوازية . و من الدروس المستخلصة من كمونة باريس درس عظيم الأهمية و الدلالة سلّط عليه لينين الكثير من الضوء فى " الدولة و الثورة " ( الصفحات 39 و40) :
" و بوجه خاص برهنت الكومونة أنّ " الطبقة العاملة لا تستطيع أن تكتفي بالإستيلاء على آلة الدولة جاهزة و أن تحركها لأهدافها الخاصّة "..."( من مقدّمة لطبعة ألمانية من " البيان الشيوعي " بتاريخ 24 حزيران ( يونيو) سنة 1872)؛ ثم فى أفريل سنة 1871 ، فى أيام الكمونة بالذات ، " كتب ماركس إلى كوغلمان : "... أعلنت أن المحاولة التالية للثورة الفرنسية يجب أن تكون لا نقل الآلة البيروقراطية العسكرية من يد إلى أخرى كما كان يحدث حتى الآن ، بل تحطيمها . و هذا الشرط الأوّلي لكلّ ثورة شعبية حقّا فى القارة ".
كان لماركس و لينين من المبدئية و الجرأة النظرية و العملية بحيث صرّحا بهكذا آراء على الملأ و ناضلا بما أوتيا من جهد نظري و عملي من أجل تكريسها فى الواقع و يأتي هذا الحزب الوطني الديمقراطي الموحّد بعد أكثر من 140 سنة من كتابة تلك الأسطر العاكسة لحقيقة فاقعة و بعد ما يناهز القرن من تذكير لينين بها و إبرازها ثم تطبيقها على أرض الواقع فى ثورة أكتوبر 1917 ، ليتنكّروا لذلك ويتستّروا على أهمّ مكوّن من مكوّنات دولة الإستعمار الجديد و ينقذوا هذه الدولة بإستبعاد طرح أيّة فكرة عن تحطيمها . إنّهم يعملون على ترميمها و تحسينها و ليس على تحطيمها و إنشاء دولة جديدة على أنقاضها . آراءهم التحريفية هذه بعيدة جدّا ، بعيدة منتهى البعد عن الماركسية و روحها الثورية .
و مرّة أخرى ، يصحّ عليهم قول ماركس" يبرهنون على أنهم ليسوا أكثر من خدم للبرجوازية "!
( إنتهى المقتطف )
وعند تناول المسائل التنظيمية بالحديث فى هذا الكتاب الذى ننقد ، ما فتأ السيّد الحامدي يتحسّر على غياب التنظيم الذاتي للجماهير لأنّه فى حال وجوده كان سيخلق إزدواجيّة فى السلطة أو سلطتين بيد أنّه يقف عند ذلك الحدّ و كأنّه يوحي بأنّ تلك الإزدواجية فى السلطة هي التى ستفرض المطالب الشعبية المرفوعة . و فى مقال بتاريخ 27 جويلية 2013 على صفحات الحوار المتمدّن دعا إلى العمل " من أجل توسيع وضع ازدواجية السلطة لإسقاط الانقلاب ومؤسساته [مجلس تأسيسي حكومة رئاسة ] " . و فى هذا ربّما و نقول ربّما ، لا غير ، يغمز إلى سيناريو الثورة البلشفيّة و لكن إن جال بخاطره ذلك فنذكّره بحقائق بسيطة لا يتجاهلها إلاّ المتعامى المثالي وهي غياب حزب من طراز الحزب البلشفي لقيادة العملية الثوريّة و إختلاف الوضع فى روسيا 1917 و طبيعة المجتمع هناك و الظرف العالمي عن وضع القطر و طبيعة المجتمع و الظرف العالمي فى يومنا هذا . وفضلا عن ذلك تنهال علينا أسئلة نودّ لو يجيب عنها صاحب الكتاب الذى نحن بصدد نقد بعض أفكاره : لنفترض جدلا حصول ذلك فحتّى فى حال إنشاء الجماهير لسلطة موازية لسلطة حكومة دولة الإستعمار الجديد ، ماذا لو تدخّل جيش هذه الدولة و إرتكب مجزرة فى حقّ الجماهير المناضلة و سلطتها ؟ من سيحمى تلك السلطة من أجهزة قمع دولة الإستعمار الجديد ؟ و أيضا ماذا لو تدخّلت الجيوش الرجعيّة من البلدان المجاورة لمساعدة دولة الإستعمار الجديد فى سحق السلطة الجماهيريّة ؟ و ماذا عن مواجهة جيوش الدول الإمبريالية التى تتدخّل عندما ترى ذلك لازما لمصالحها الإمبرياليّة و مصالح الرجعيّة المحلّية ؟ هل بمقدور الجماهير العزلاء أن تواجه الجيوش المدجّجة بالسلاح ؟ علما و أنّ التاريخ و تجارب شعوب العالم شرقا وغربا أثبتا أنّه " بدون جيش شعبي ، لن يكون هناك شيء للشعب "( ماو تسى تونغ ، " الحكومة الإئتلافية " ( 24 أبريل – نيسان – 1945) ، المؤلفات المختارة ، المجلّد الثالث ) و غير مثل هذه الأسئلة كثير ينتظر إجابات السيّد الحامدي الذى نشكّ فى أنّه تغافل عنها سهوا وهي من صميم مسألة طريق السلطة ( أو بتعبير كاتبنا بالصفحة 161 " مسألة السلطة التى تعتبر أهمّ مسألة فى الثورة و فى كلّ ثورة " ) و إنشاء دولة جديدة ثوريّة حقّا !
و هكذا نلمس لمس اليد أنّ بشير الحامدي لا يختلف فى أطروحاته حول الوضع الثوري و الثورة و الدولة و الجيش عن أطروحات الغالبيّة الغالبة من فرق المتمركسين الإصلاحيين من مدّعى الماركسية – اللينينية و الوطنية الديمقراطية إلى مدّعى الماويّة إلى حزب الكادحين الوطني الديمقراطي الذى عرضنا تهافت خطّه الإيديولوجي و السياسي و تشويهه للماركسية فى كتاب " حزب الكادحين الوطني الديمقراطي يشوّه الماركسية " .



تعليقات الفيسبوك