التناقض بين الانحياز للحقيقة والانحياز الطبقي


سامي حسن موسى
2018 / 6 / 29 - 09:44     

يزعم أغلب المثقفين والمفكرين أن الانحياز لمصلحة إحدى الطبقات معناه خيانة قضية الحقيقة لصالح الايديولوجيا، وأن السعي إلى الحقيقة يتطلب أقصى تجرد من كل الانحيازات بما فيها الانحياز لمصلحة إحدى الطبقات (على اعتبار أننا مجتمع واحد في حقيقته وتناقضاته وهم). والحقيقة إن هؤلاء المثقفون يرددون هذا الوهم الايديولوجي إما للتعمية على انحيازهم الواعي ودفاعهم المستتر في الفكر عن مصالح الطبقات الحاكمة، وإما عن إيمانهم بهذا الوهم الايديولوجي وهو ما يعني انحيازهم الغير واعي لمصالح الطبقات الحاكمة. وفي مجتمع منقسم إلى طبقات متصارعة، يمكننا القول أنه لا يمكن الإفلات من الايديولوجيا التي ظهرت في بادئ الأمر كنتيجة للانقسامات الناشئة عن الصراع الطبقي، مساعدة أو مبررة لسيطرة إحدى الطبقات، أو منتقدة لايديولوجيا طبقة مسيطرة لصالح تأسيس ايديولوجيا جديدة لطبقة تطمح في السيطرة بدلا عنها. وهذا يعني أن كل فكرة أو تصور أو نظرية أو كل نقد في أي مجال ايديولوجي (فلسفي، ديني، سياسي، اقتصادي، حقوقي.. إلخ)، حتى وإن احتوى على قدر من الحقيقة (أو قل إن الحقيقة نمت في هذا الشكل وبهذه الطريقة)؛ يؤسس بهذا القدر أو ذاك وهما وايديولوجيا كاذبة، لا يمكن الإفلات من ذلك كما لا يمكن للإنسان ابن المجتمع المنقسم أن يفلت من انقسام المجتمع.
لذلك فإننا نتفق مع زعم هؤلاء المثقفون والمفكرون، ولكننا نؤكد على:
1- صحيح أن الانحياز لمصلحة إحدى الطبقات في المجتمع يعني خيانة قضية الحقيقة، ولكن لا يمكن إنتاج أي فكرة غير منحازة في مجالها لمصلحة إحدى الطبقات، سواء وعى منتجها هذا أو لو يع، كونها ظهرت داخل تاريخ الحضارة الإنسانية (تاريخ الصراع الطبقي)؛ وهذا يعني أن الزعم باستقلالهم الفكري وعدم انحيازهم إذ ينحازون للحقيقة، هو انحياز للطبقة الحاكمة كونه يؤسس لوهم إمكانية عدم الانحياز، أي عدم وجود صراع طبقي.
2- صحيح أن الانحياز لمصلحة إحدى الطبقات في المجتمع يعني خيانة قضية الحقيقة، إلا أن الانحياز للمصالح التاريخية للطبقة العاملة في مجتمعنا المعاصر هو انحياز لقضية الحقيقة.
فما الذي يجعل الانحياز لمصالح الطبقة العاملة التاريخية لا يتعارض مع الانحياز لقضية الحقيقة؟
يتصف مشروع الطبقة العاملة التاريخي وفقا للشروط الموضوعية التي نشأت وتوجد فيها باعتبارها أنضج الطبقات المستغلة في التاريخ وآخرها ب:
1- السعي للقضاء على سيطرة الطبقة الحاكمة، البرجوازية، وتوافر الشروط الموضوعية لذلك.
2- السعي للقضاء على الوجود الطبقي كله بما فيها وجودها ذاته لتحقيق السعي 1 وعن طريق السعي 1.
و"1" تعني نظريا الوقوف في وجه كل وهم وكل ايديولوجيا وجدت وشاعت وهيمنت لخدمة مصالح البرجوازية، و"2" تعني الوقوف في وجه كل وهم وكل ايديولوجيا سابقة للطبقات المسيطرة، سابقة كانت أو إحدى الفئات التي تسعى للهيمنة؛ كونها تضرب سبب نشوء الوهم والايديولوجيا، الحاجة المادية لهما أصلا.
ولذلك فإن الانحياز لمصالح الطبقة العاملة التاريخية ومشروعها للانعتاق الإنساني من ميدان الضرورة الحيوانية صوب تأسيس مجتمع الحرية الإنساني لأول مرة في التاريخ، يتطلب الانحياز لفلسفتها "المادية الجدلية"، ويتطلب الانحياز للحقيقة العارية الفجة. والانحياز للحقيقة والمساهمة في تأسيس علم كلي واحد يقترب بشكل لا متناه من الحقيقة ضد كل وهم، يتطلب الانحياز للفلسفة المادية الجدلية، ويتطلب الانحياز لمصالح الطبقة العاملة التاريخية.



تعليقات الفيسبوك