اليسار المغربي: إشكاليات وقضايا

حسن الصعيب
2018 / 6 / 28 - 00:38     


تقديم: إن التحديد الملموس والدقيق لواقع اليسار في المغرب، واستبان فعله السياسي، مع تشخيص أعراضه واختلالاته، يستدعي في المقام الأول الحديث عن ثلاثة محددات كبرى، التي تلقي الضوء على مختلف مكونات اليسار في المغرب.
1- انهيار تجارب “الاشتراكية الفعلية”
أدى انهيار هذه التجارب، مع استمرار بعض “المقاومات الاشتراكية” في الصين وكوبا وكوريا الشمالية، الى تعميم السوق العالمية او الرأسمالية في كافة المعمور، وسيطرة طور جديد من الرأسمالية المعنون بالنيوليبرالية، كما أدى الى نهوض حركة اجتماعية جديدة مناهضة “لتسليع العالم” وفي ذات الوقت انفجار المجال السياسي الشيوعي سابقا، وحدوث شروخات كبيرة في صفوفه، من جهة تحول بعض الأحزاب الشيوعية الى أحزاب ليبرالية ومن جهة أخرى تحول البعض الآخر الى أحزاب اشتراكية-ديمقراطية.
وفي المنطقة العربية ساهم هذا الانهيار الى جانب غزو العراق من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، وإعادة تقسيم المنطقة بين مختلف الامبرياليات الى تحويل الأحزاب الشيوعية الى أحزاب ليبرالية كما في العراق والمغرب، واشتراكية-ديمقراطية كما في مصر والسودان ولبنان والأردن.
هذا التحول الكبير افقد الحركة الجماهيرية والسياسية في هذه البلدان الى أدوات المقاومة و التعبئة وساهم في إطالة عمر الاستبداد وتكريس النيوليبرالية لسنوات أخرى.
2- صعود الموجة الثالثة من الرأسمالية
عرفت مرحلة الثمانينات مع صعود رولان ريغان بالولايات المتحدة الأمريكية ومارغريت تاتشر في بريطانيا العظمى، طورا جديدا من الرأسمالية المعنونة بالنيوليبرالية، والتي تتميز بسيطرة مطلقة للرأسمال على العمل وعلى السكان والبيئة تحت قيادة “الرأسمال المالي” وبروز الشركات المتعددة العابرة للأوطان، ومنظمات عالمية جديدة كمنظمة التجارة العالمية، وهذه العملية ما تزال قائمة التي تندر ببروز نظام عالمي جديد، من مميزاته سيطرة طبقة برجوازية على الصعيد العالمي تحتكر السلط السياسية والاقتصادية بشكل مطلق وتقطع بصفة لا رجعة فيها مع مبادئ الليبرالية التي سادت في نهاية القرن التاسع عشر ومع دولة الرفاهة التي سادت في أواسط القرن العشرين.
3- التدهور الكبير المتعلق بالطبيعة والنظم البيئية
كما تعرف ظروف العمل في ظل النيوليبرالية تدهورا غير مسبوق في التاريخ من خلال تطور نسب الفقر والعنف واللامساواة، تعرف أيضا ظروف الطبيعة والنظم البيئية تدهورا كبيرا، والمهددة من خلال استنزاف بعض الموارد غير المتجددة والتلوث بجميع أنواعه وخطر ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، المرتبطة بانبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري وثقب طبقة الأوزون في الجنوب، وان اصل هذه الأزمة البيئية مرتبط بنمو الصناعة التي أجريت من دون إجراء أي معيار حكمي آخر سوى الحصول على اكبر إيراد لراس المال المرهون. راس المال الذي يؤمن شرعيته من خلال الإيديولوجيا التي تبعا لها كانت تعتبر زيادة الإنتاج والاستهلاك مرادفان لتحسين الرفاهية، التي يستفيد منها جميع سكان الكرة الأرضية لفترة طويلة تقريبا.
4- واقع اليسار المغربي
أ) – في التشخيص: يتحدد واقع اليسار المغربي، وطبيعة ممارسته السياسية والإيديولوجية، من خلال تفاعله النقدي مع المحددات السالفة الذكر، حسب درجة تطوره الفكري والسياسي، إذا كان القسم الأكبر من الأحزاب الاجتماعية-الديمقراطية، قد اندمجت في صيرورة البناء السياسي والاجتماعي للبرجوازية ودولتها المخزنية، فان الجزء الضعيف منها مازال يحتفظ بإستراتيجية النضال الديمقراطي ويطمح الى الإصلاح السياسي والاجتماعي من خلال المؤسسات القائمة عبر المشاركة في الانتخابات الجماعية والبرلمانية. وهو اليوم ممثلا في فدرالية اليسار الديمقراطي (الحزب الاشتراكي الموحد، حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، المؤتمر الوطني الاتحادي) ومختلف القوى النضالية والحقوقية والجمعوية الملتفة حوله.
أما اليسار الجذري فهو اليوم ممثلا في تنظيمات وتيارات ومجموعات يسارية تلتقي جميعها في نقد أسس النظام الرأسمالي التبعي والنضال من اجل القضاء عليه، الا أنها تختلف في التكتيك والإستراتيجية الملائمين لهذا الهدف الاستراتيجي، ( النهج الديمقراطي، تيار المناضلة، تيار التحرر الديمقراطي، رابطة العمل الشيوعي، مجموعات مستقلة ماركسية-لينينية وماوية).
فيما تحتل بعض المجموعات اليسارية حلقة وسط بين هاذين التيارين العريضين :تيار اليسار الديمقراطي – مجموعة اليسار المتعدد.
ب)- يتمايز اليسار الإصلاحي عن اليسار الجذري كما يختلف معه، على قاعدة المنظور الفكري والسياسي لمشروعهما السياسي والاجتماعي.
فالتوجه الإصلاحي ينظر الى طبيعة النظام الرأسمالي العالمي، والنظام الرأسمالي التبعي بالمغرب، من خلال نقد الليبرالية المتوحشة كطور أخير للنظام الرأسمالي وبالتركيز أساسا حول خوصصة الخدمات العمومية، وانسحاب الدولة من دورها الاجتماعي واحتكار ونهب الثروات من قبل الشركات المتعددة الجنسية، واللاتكافئ الاقتصادي بين المركز والمحيط وتجد مرتكزاتها الإيديولوجية في “النظرية الكينزية.” التي سادت خلال “السنوات الثلاثين المجيدة” ما بعد الحرب العالمية الثالثة، و”نظرية الاقتصاد التضامني” التي تؤكد على التكامل بين القطاع الخاص والقطاع العام في التدبير الاقتصادي والاجتماعي للثروة. لأجل ذلك تركز في برنامجها السياسي والاجتماعي على محاربة اقتصاد الريع ومن اجل عدم تفويت الخدمات العمومية الى الخواص ومن اجل فصل الثروة عن السلطة (ملكية برلمانية) ونقد الفساد ألمستشر في جهاز الدولة وتخليق الحياة السياسية والنقابي وبحكم طبيعتها الطبقية (مشكلة من النخبة السياسية-المدنية والمنحدرة من الطبقات المتوسطة والصغيرة) فهي تستعمل النضال الديمقراطي كخيار استراتيجي من حيث كون هذه النخبة تمارس نشاطها السياسي والنقابي والإيديولوجي على أساس القوانين الرأسمالية وبشكل أوضح قوانين الدولة التابعة وان عارضت استبداديتها وانتقدت ممارستها المخزنية، فليس لجوهرها الذي يعكس السيطرة الطبقية والسياسية للطبقات السائدة من خلال جهاز الدولة، وإنما لأنها في العمق تعرقل ولا تنسجم مع الرأسمالية الليبرالية ذات البعد الاجتماعي، التي تعتمد على نمط لإنتاج عقلاني والتي تسمح بالانفتاح الديمقراطي على مكونات المجتمع المدني والسياسي وإشراكها في كافة القضايا العامة المطروحة وعلى المؤسسات العمومية والسياسية، وبالتالي فهي ترضى بالعمل من خلال أدواته والمشاركة في بعض مشاريعه إن اقتضت الضرورة ذلك والتحمس لمؤسساته المزيفة رغم طابعها الرجعي التضليلي بحجة تغييرها من الداخل، اذ تحتل هذه المؤسسات أهمية كبيرة في نشاطها السياسي بينما تعمل على توجيه نشاطها في النضال الجماهيري و المنظمات الذاتية للجماهير، بما يتوافق بشكل موازي مع نشاطها في المؤسسات، ويؤكد أن تعاملها مع النضال الديمقراطي كاختيار استراتيجي لا يسمح بتوسيع آفاقه ومن إمكانياته والأسوأ من ذلك تقف عاجزة عن النقد الجذري لهذه المؤسسات عندما تظهر للعيان عن فشلها الدر يع و الواضح. أما التوجه الجدري فهو يركز في بناء خطه السياسي والفكري على قاعدة نقد أسس النظام الرأسمالي العالمي، والرأسمالية التبعية في المغرب والدعوة الى بناء مجتمع اشتراكي كبديل اجتماعي، لكنه يختلف من حيث الجوهر في الاستراتيجية الثورية المؤدية الى ذلك وفي التاكتيكات والأدوات التي تعكس مضمون هذه الإستراتيجية والمراحل التي تمر منها.
فإذا كان النهج الديمقراطي يطرح استراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية التي تفتح الطريق كمرحلة أولى الى مرحلة أرقى وهي الاشتراكية، ويحاول ترجمة هذه الاستراتيجية من خلال المساهمة في بلورة وتطوير السيرورات الأربع (بناء الأداة الحزبية، بناء وحدة النضالات الشعبية، بناء جبهة الطبقات الشعبية والوطنية وتوحيد الماركسيين المغاربة) فان باقي الفصائل الأخرى (تيار التحرر الديمقراطي وتيار المناضلة ورابطة العمل الشيوعي) يختلفون حول هذه الاستراتيجية ويطرحون في مقابلها الثورة الدائمة التي لا تؤمن بمسالة التمرحل في الثورة وغير مقتنعين بالانخراط في أية جبهة شعبية او تحالف سياسي، ما لم يرتكز ذلك على قوة سياسية ذات قاعدة عمالية وشعبية، ذلك أن رهانهم منصب أساسا حول التنظيم الذاتي للجماهير العمالية والشعبية وبالتالي فالمهمة المركزية الملقاة على اليسار الجدري هي النضال من اجل أن تتكتل جماهير الشغيلة (بالمعنى الواسع للكلمة وليس بالمعنى العمالوي) العمود الفقري لهذه الكتلة الشعبية الموحدة.
وبخصوص المجموعات الماركسية اللينينية والماوية، وان كانت تلتقي سياسيا مع التصور السياسي للنهج، فهي على المستوى الإيديولوجي والتنظيمي لم تستطع تجاوز استنساخ تجربة الحركة الماركسية-اللينينية وعلى الخصوص تجربة منظمة الى الأمام، بالاضافة الى أساليب صراعها العنيف إزاء مختلف التوجهات اليسارية وعلى الخصوص النهج الديمقراطي.
رغم هذه التمايزات والاختلافات بين مختلف مكونات اليسار بصنفيه الإصلاحي والجدري، فانه يتقاطع في غياب قاعدة شعبية يستند إليها في تطبيق برامجه وتسمح له بتغيير موازين القوى لصالح مشاريعه السياسية وهنا مربط الفرس، كما يتقاطع أيضا في عدم قدرته على قيادة المنظمات الجماهيرية بما يخدم الطموحات العميقة للجماهير الشعبية، بالاضافة الى ضعف تأثيره الإعلامي والثقافي، على وعي الجماهير الشعبية، رغم توفره على بعض المنابر الإعلامية (الجريدة والموقع الالكتروني للنهج الديمقراطي، ومجلة التحرر، جريدة المناضلة والموقع الالكتروني، الموقع الالكتروني لتيار التحرر الديمقراطي، والجريدة الالكترونية، صوت الشعب للمجموعة الماركسية-اللينينية، الجريدة الالكترونية لرابطة العمل الشيوعي ..) وعلى بعض الجمعيات الثقافية والحقوقية (البديل الثقافي، جمعية اطاك، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.
5- بعض القضايا والإشكاليات
ينفرد النهج الديمقراطي وحده في إطار اليسار الجدري بالدعوة الى جبهة ميدانية والحوار العمومي مع العدل والإحسان، فيما يعارضه في ذلك كل من اليسار الإصلاحي واليسار الجدري بكل مكوناته. فالأول من موقع قراءة سياسية تروم إلى جعل التناقض الرئيسي متساويا مع التناقض الثانوي ،ففي الوثيقة المركزية لحزب الاشتراكي الموحد، يعتبر نضاله ضد الأصولية المخزنية هو في ذات الوقت نضاله ضد الأصولية الإسلامية، والثاني من موقع يعتبر أن التحالف مع الإسلام السياسي على قاعدة معارضتها للنظام وليس على قاعدتها الطبقية وموقعها في مسلسل الصراع الطبقي ككل هو ضار بنضال الطبقات الشعبية وعلى رأسها الطبقة العاملة، ويشرح ذلك بالقول:” لقد تشكلت هذه الجماعات ليس فقط خارج الحركة العمالية وحركة التحرر الوطني بل في تعارض معها وهو ما يجعلها بسبب أصلها الطبقي وليس العقائدي في موقع المعارض والمعادي لمشروع التحرر الديمقراطي والاجتماعي”.
من بين القضايا والإشكاليات المطروحة في الوسط اليساري الجدري، هي مشكلة العلاقة مع المنظمات الجماهيرية وفي القلب منها النقابات المركزية وجمعيات المجتمع المدني.
لم يستطع النهج تدبير الملف النقابي والاجتماعي بصفة عامة بسبب عائقين كبيرين: الأول يتعلق بعدم إخضاع الحركة النقابية للتوجيه السياسي، والثاني يتعلق بعدم إدراك التحولات التي طالت واقع الطبقة العاملة في طور النيوليبرالية.
توجد هوة فاصلة بين تمثيلية العمل في العالم النقابي الموروث عن الرأسمالية الصناعية (سنوات 1936-1960) وتلك المرتبطة اليوم بالإجارة الجديدة في الرأسمالية المعلوماتية. العامل اليوم ليس هو عامل الأربعينات او الستينات او السبعينات، لقد تنوع وتعمق بسبب صعود العمال ذوي الشهادات العليا. فالعالم العمالي لا يمثل غالبية الأجراء وأصبح ممزوجا بالمستخدمين (50 % في قطاع الخدمات) بينما العمال المبدعون (مدرسين، مهن معلوماتية وثقافية، مهندسون، اطر) يستجيبون. لأشكال جديدة من البروليتاريا بدون جعلهم متماثلين مع الطبقة العاملة.
أصبح عالم الشغل منقسما بين الشركات الأم وشركات عبر الإنابة حيث تهيمن عدم الثقة بين الأجراء في الشركة في مواجهة شركات المناولة من الباطن، أغلبيتهم بدون كفاءة والأقل أجرا، إن المطالب الاقتصادية (الثقافية) المؤسسة على نموذج العقدة غير محددة زمنيا ومستقرة مع نفس الشركة، تصطدم مع طموحات أغلبية الشباب ذوي الشهادات العليا المنخرطين في العمل العرضي ولكن يحلمون بمرونة “سعيدة” يطمحون الى تحرك مهني ارادوي، ويرفضون الانغلاق مدى الحياة في مهنة لشركة معينة.
إن الظرفية ليست ظرفية “هيمنة” المجموعات العمالية (المناجم) الذين يشكلون أعمدة الاتفاقيات الجماعية والتامين والضمان الاجتماعي لسنوات الثلاثينات في الغرب والستينات في الجنوب.
إشكالية أخرى مرتبطة بتطور المجتمع المدني، فقد سادت خلال نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين، قضية التناقض التناحري الأول بين الرأسمال والعمل وتم تكتيف هذه المسالة في الحزب والنقابة كأداتين مركزيتين في النضال لحل التناقض بين الرأسمال والعمل لكن تم إهمال تناقض ثاني هو التناقض بين الرأسمالية والسكان ويتعلق الأمر بالتناقض مع قوة عمل المرأة والبيئة والفساد السياسي والاقتصادي (السياسات العمومية) والاستلاب الثقافي الذي قامت بتشريحه مدرسة النقد الألمانية.



تعليقات الفيسبوك