فشل مشروع الخطّ التجاوزي لحزب النضال التقدّمي - تونس


ناظم الماوي
2018 / 6 / 2 - 01:06     

فشل مشروع الخطّ التجاوزي
الفصل السابع من - تعرية تحريفيّة حزب النضال التقدّمي و إصلاحيّته ، إنطلاقا من الشيوعيّة الجديدة ، الخلاصة الجديدة للشيوعيّة -

لا حركة شيوعية ثورية دون ماوية !
و الروح الثوريّة للماوية المطوَّرة اليوم هي الخلاصة الجديدة للشيوعيّة – الشيوعيّة الجديدة

( عدد 34-35 / جانفي 2018 )

تعرية تحريفيّة حزب النضال التقدّمي و إصلاحيّته ، إنطلاقا من الشيوعيّة الجديدة ، الخلاصة الجديدة للشيوعيّة

ناظم الماوي


تعرية تحريفيّة حزب النضال التقدّمي و إصلاحيّته ، إنطلاقا من الشيوعيّة الجديدة ، الخلاصة الجديدة للشيوعيّة

هذه الإشتراكية إعلان للثورة المستمرّة ، الدكتاتورية الطبقية للبروليتاريا كنقطة ضرورية للقضاء على كلّ الإختلافات الطبقية ، و للقضاء على كلّ علاقات الإنتاج التى تقوم عليها و للقضاء على كلّ العلاقات الإجتماعية التى تتناسب مع علاقات الإنتاج هذه ، و للقضاء على كلّ الأفكار الناجمة عن علاقات الإنتاج هذه .
( كارل ماركس ، " الصراع الطبقي فى فرنسا 1848-1850 " )
-----------------------------------

يستعاض عن الديالكتيك بالمذهب الإختياري [ الإنتقائية ]، و هذا التصرّف حيال الماركسية هو الظاهرة المألوفة للغاية و الأوسع إنتشارا فى الأدب الإشتراكي – الديمقراطي [ الشيوعي ] الرسمي فى أيّامنا . و هذه الإستعاضة طبعا ليست ببدعة مستحدثة ... إنّ إظهار الإختيارية بمظهر الديالكتيك فى حالة تحوير الماركسية تبعا للإنتهازية ، يخدع الجماهير بأسهل شكل ، يرضيها فى الظاهر ، إذ يبدو و كأنّه يأخذ بعين الإعتبار جميع نواحى العملية ، جميع إتجاهات التطوّر ، جميع المؤثّرات المتضادة إلخ ، و لكنّه فى الواقع لا يعطى أي فكرة منسجمة و ثوريّة عن عمليّة تطوّر المجتمع .
( لينين ، " الدولة و الثورة " ص 22-23 ، دار التقدّم ، موسكو )
-----------------------------------

قد كان الناس و سيظلّون أبدا ، فى حقل السياسة ، أناسا سذجا يخدعهم الآخرون و يخدعون أنفسهم ، ما لم يتعلّموا إستشفاف مصالح هذه الطبقات أو تلك وراء التعابير و البيانات و الوعود الأخلاقية و الدينية و السياسية و الإجتماعية . فإنّ أنصار الإصلاحات و التحسينات سيكونون أبدا عرضة لخداع المدافعين عن الأوضاع القديمة طالما لم يدركوا أن قوى هذه الطبقات السائدة أو تلك تدعم كلّ مؤسسة قديمة مهما ظهر فيها من بربرية و إهتراء .
( لينين ، " مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكوّنة الثلاثة " )
تعتبر الفلسفة الماركسية أن قانون وحدة الأضداد هو القانون الأساسي للكون . وهو قانون مطلق الوجود سواء فى الطبيعة أو فى المجتمع البشري أو فى تفكير الإنسان . فبين الضدين فى تناقض ما توجد وحدة و صراع فى آن واحد ، و هذا ما يبعث الحركة و التغير فى الأشياء . إنّ التناقضات موجودة فى كلّ شيء ، إلاّ أنذ طبيعتها تختلف بإختلاف طبيعة الأشياء . فالوحدة بين الضدين فى التناقض الكائن فى كلّ شيء محدّد هي ظاهرة مقيّدة ، ومؤقتة ، و إنتقالية ، وهي لذلك نسبية ، أمّا الصراع بينهما فإنّه يبقى مطلقا دون تقييد .

( ماو تسى تونغ ، " حول المعالجة الصحيحة للتناقضات بين صفوف الشعب " 27 فبرلير – شباط 1957 ؛ الصفحة 225-226 من " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " )

-------------------------------------------
إنكم تقومون بالثورة الاشتراكية و بعد لا تعرفون أين توجد البرجوازية . إنّها بالضبط داخل الحزب الشيوعي – أولئك فى السلطة السائرون فى الطريق الرأسمالي .
ماو تسى تونغ – سنة 1976
--------------------------------------------
فى عالم يتميّز بإنقسامات طبقية ولامساواة إجتماعية عميقين ، الحديث عن " الديمقراطية " دون الحديث عن الطبيعة الطبقية لهذه الديمقراطية ، بلا معنى وأسوأ . طالما أنّ المجتمع منقسم إلى طبقات، لن توجد " ديمقراطية للجميع " : ستحكم طبقة أو أخرى وستدافع عن وتروّج لهذا النوع من الديمقراطية الذى يخدم مصالحها و أهدافها . المسألة هي : ما هي الطبقة التى ستحكم وإذا ما كان حكمها ونظام ديمقراطيتها ، سيخدم تواصل أو فى النهاية القضاء على الإنقسامات الطبقية و علاقات الإستغلال والإضطهاد و اللامساواة المتناسبة معه .
بوب أفاكيان ، مقولة مثلما وردت فى القانون الأساسي للحزب الشيوعي الثوري - الولايات المتحدة الأمريكية ،2008
-------------------------------------------
كلّ ما هو حقيقة فعلا جيّد بالنسبة للبروليتاريا ، كلّ الحقائق يمكن أن تساعد على بلوغ الشيوعية.
( " بوب أفاكيان أثناء نقاش مع الرفاق حول الأبستيمولوجيا : حول معرفة العالم و تغييره "، فصل من كتاب " ملاحظات حول الفنّ و الثقافة ، و العلم و الفلسفة " ، 2005)


مقدّمة :
فى سياق الرحلة الطويلة التى أبحرنا فيها منذ سنوات الآن ، الشاقة حينا و الشائقة أحيانا ، رحلة كشف تحريفية و إصلاحيّة معظم فرق اليسار المتمركسة و إيضاح أنّه لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة و أنّ الماوية الثوريّة اليوم ، الماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة الثوريّة أو الشيوعية الثوريّة اليوم ، تتجسّد فى الخلاصة الجديدة للشيوعية – الشيوعيّة الجديدة ، نحطّ الرحال عند حزب النضال التقدّمي الذى سنتفحّص مليّا خطّه الإيديولوجي والسياسي بالقدر الذى تسمح به لنا الوثائق التى تحصلنا عليها إلى حدّ الآن و أمّهات القضايا بؤرة تركيزنا في الوقت الحاضر . و هذا الحزب كما يقدّمه أصحابه هو إمتداد لحلقة " المناضلين الشيوعيين " التى تشكّلت فى أواخر ثمانينات القرن العشرين . و لفترة وجيزة من الزمن فى السنوات الأخيرة ، كان من أبرز وجوهه الإعلاميّة المعروفة النائب هشام حسنى الذى إستقال من الحزب ( أو أُقيل منه ) نهاية سنة 2012 أمّا أبرز القادة الذين يمكن أن نطلق عليهم منظّري الحزب فهو أمينه العام د. محمّد لسود ذلك أنّ أهمّ النصوص المرجعيّة لهذه المجموعة قد أتت بإمضائه .
و يعدّ هذا الحزب نفسه ممثّلا لتيّار تجاوز تشرذم منظّمات الملل اليساريّة و ذاتيّة فرق اليسار الماركسي و خاصّة منها ما يسمّيه بمجموعات " الخطّ الوطني الديمقراطي " و " الخطّ الألباني " ، من أجل حزب للطبقة العاملة واحد موحّد ، يقول . و يدّعى هذا الحزب أنّه ينطلق من الماركسيّة – اللينينية و أنّه خاض معاركا نظريّة جمّة إعلاء لرايتها و تطبيقها و تخصيصها على الواقع العياني .
و نحن فى عملنا هذا سنبيّن بالدليل القاطع و البرهان الساطع أنّ هذه المجموعة لا تعدو أن تكون مجموعة أخرى ماركسيّة – لينينيّة زائفة و أنّها قبل كلّ شيء وفوق كلّ شيء تسعى إلى دفن الماركسية – اللينينيّة و جعلها نسيا منسيّا و هو ما سنفصّله أدناه ، خطوة خطوة إنطلاقا من نصوص الحزب إيّاه وما نشره على موقعه على الأنترنت :
www.moussawat.com
وينهض جدالنا هذا الذى ننأى به عن المماحكات السجاليّة على الأعمدة التالية ، إضافة إلى هذه المقدّمة :

1- حزب لا ينتمى إلى الحركة الماركسية – اللينينية :
أ- خارج الحركة الماركسية - اللينينية من النشأة إلى الآن
ب- التجارب الإشتراكية للقرن العشرين وتصفويّة حزب النضال التقدّمي
ت- لا وجود للستالينيّة ، إنّها الماركسية – اللينينية
ث- تبييض وجه الإمبريالية الإشتراكية
ج- فهم حزب النضال التقدّمي للإشتراكية فهم غريب عن الماركسية – اللينينية
ح- الإشتراكية العلمية أم الشيوعية ؟
2 - تحريف حزب النضال التقدّمي للينينيّة :
أ- الأمميّة البروليتاريّة و إنعزالية حزب النضال التقدّمي
ب- وحدة شيوعية ثوريّة أم وحدة تجاوزيّة إنتهازيّة ؟
ت- نظرة حزب النضال التقدّمي البرجوازيّة للديمقراطية البرجوازيّة
3- النظريّة و الممارسة و تحريفيّة حزب النضال التقدّمي :
أ- نظريّا : جهل و تجهيل و عموميّات تروتسكيّة
ب- التنظير و الممارسة الإصلاحيّين
ت- التوحيد النظريّ و مثاليّة ميتافيزيقيّة محمد لسود
ث- مرض الحتميّة ينخر عظام حزب النضال التقدّمي
4- منهج حزب النضال التقدّمي غريب عن الماركسيّة - اللينينية :
أ- الذاتيّة والمنهج التاريخي و النظرة الشيوعية إلى العالم
ب- دمج الإثنين فى واحد أم إنشطار الواحد
ت- الحقيقة الموضوعيّة الماديّة مهما كانت أم الإنتقائيّة و البراغماتية ؟
ث- المثاليّة الميتافيزيقيّة أم المادية الجدلية ؟
5- طبيعة المجتمع و طبيعة الثورة :
أ- طبيعة العصر
ب- رأسماليّة متخلّفة أم رأسمالية كمبرادورية ؟
ت- إصلاحيّون أم ثوريّون ؟
6- برنامج حزب النضال التقدّمي برنامج برجوازي إصلاحي :
أ- برنامج برجوازي إصلاحي
ب- أوهام برنامجيّة
ت- برنامج حزب النضال التقدمي مبتور أصلا
7- فشل مشروع الخطّ التجاوزي لحزب النضال التقدّمي :
أ- تأسيس حزب لم يكن ينشده الخطّ التجاوزي
ب- تحالفات إنتهازيّة
ت- موقف إنتهازي يميني من إنتخابات دولة الإستعمار الجديد
الخاتمة :
المراجع :
الملاحق (4) :
( الملاحق 1 و 2 و 3 ترجمة شادي الشماوي نشرت على موقع الحوار المتمدّن )
1- لتحي الماركسية – اللينينية – الماوية
2- إعادة تصوّر الثورة و الشيوعية : ما هي الخلاصة الجديدة لبوب أفاكيان؟
3- الخلاصة الجديدة للشيوعية : التوّجه و المنهج و المقاربة الجوهريّين و العناصر الأساسيّة
4- محتويات نشريّة " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! " /
من العدد 1 إلى العدد 33 – بقلم ناظم الماوي


===================================================
7 - فشل مشروع الخطّ التجاوزي :

للوهلة الأولى ، قد يبدو إطلاق كلمة فشل على مشروع التجاوزيين مبالغ فيه بيد أنّ الكلمة تنطبق حقيقة و تماما على ما آل إليه وضع هذا المشروع . إنّها تعبّر عن حقيقة موضوعيّة و لا مناص من إستعمالها و إن مثّلت حقيقة مُرّة و مزعجة بالنسبة لأنصار ذلك المشروع .
أ- تأسيس حزب لم يكن ينشده الخطّ التجاوزي :
كان هدف الخطّ التجاوزي هو تأسيس حزب الطبقة العاملة ، كما قال ، بناء على تجاوز ما أسماه ب " الخطّ الوطني الديمقراطي " و ما أسماه ب " الخطّ الألباني " ، أي تجاوز الماويّة و الخوجيّة . لكن بعدما يناهز الثلاثين سنة ، لم يقدر التجاوزيّون على تجاوز تيّاري الحركة الماركسية – اللينينية تاريخيّا فلا زال " الخطّ الوطني الديمقراطي " و" الخطّ الألباني " قائمي الذات على أنّ تغيّرات كثيرة وإنحرافات جمّة و إنشقاقات شتّى طرأت عليهما ولا زالت قوّتهما أضعاف أضعاف قوّة الخطّ التجاوزي. و فضلا عن هذا مضى كلا الخطّان اللّذان أراد التجاوزيّون تخطّيهما فى سبيلهما غير عابئين تقريبا و فى الأساس بأطروحات التجاوزيين فكان نقاشه معهما بمثابة حوار الطرشان . و قد إضطرّ التجاوزيّون فى أكثر من مناسبة و منها مناسبة العمل ضمن الجبهة الشعبيّة ، إلى التذيّل لهما فى غالب الأحيان قسرا أو عن طواعيّة . هذا ما ناله من نجاح !
بإختصار شديد ، لم يقع تجاوز فعلي و عملي و نظري لتيّاري الحركة الماركسية – اللينينية تاريخيّا كما خطّط له الخطّ التجاوزي و رغب فيه . و هذا فشل لا غبار عليه .
هذا من ناحية ، و من ناحية ثانية ، أطلق التجاوزيّون فزّاعة تخصيص الماركسية – اللينينية على الواقع القطري – وهو حقّ أريد به باطل كما سنشرح – و لم ينجزوا شيئا يذكر بهذا الغرض . لم يكن الطريق النظري هيّنا و سالكا كما تصوّروا بل كان وعرا و شائكا . فقد وطّنوا أنفسهم منذ البداية على كتابات إتّسمت بالعموميّة و السطحيّة و التهرّب من نقاش التفاصيل الخاصّة بالماويّة و بالخوجيّة ونسوا أنّه علينا كي نبني صرحا متينا أن نحفر الأساس عميقا . فبأيّ علم شيوعي سيتسلّحون لفهم الواقع فهما علميّا قصد تغييره تغييرا ثوريّا ( إن كان هذا هدفهم أصلا ) ؟ العموميّات و السطحيّة و التنصّل من الخوض فى دقائق تفاصيل الخطّ الإيديولوجي و السياسي الماوي و الخوجي إلخ لا تفرز علما بل مثاليّة ذاتيّة و تحليلا إحادي الجانب للمسائل و ليس بوسعها أن تساعف على إدراك الواقع الخصوصي المتحرّك إدراكا عميقا و شاملا ، فى علاقة جدلية طبعا بالوضع العالمي ككلّ .
و لم يفقه التجاوزيّون العلاقة الجدليّة بين الخاص و العام كما عرضها لينين مشدّدا فى الكرّاسات الفلسفيّة على أنّ الخاص و العام تناقض/ وحدة أضداد و أنّ الخاص و العام يتحوّل كلّ منهما إلى الآخر و أنّ فى الخاص هناك عام و فى العام هناك خاص .
حزب النضال التقدّمي لا يفقه شيئا من كنه نظرية المعرفة الماركسية ، لا يفقه أنّ " هناك عمليّتان فى المعرفة : إحداهما من الخاص إلى العام ، و الأخرى من العام إلى الخاص . و تتقدّم المعرفة البشرية على الدوام بإعادة هاتين العمليّتين بشكل دائري ، و يمكنها مع كلّ دورة ( إذا طبقت الطريقة العلمية بدقّة) ان ترتفع لدرجة أعلى و أن تتعمّق بإستمرار ".
( ماو تسى تونغ – " فى التناقض " ، مؤلفات ماو تسى تونغ المختارة ، المجلّد الأوّل، الصفحة 467، الطبعة العربية ، دار النشر باللغات الأجنبية ، بيكين ).
إذن و بناء على ما سلفت معالجته ندرك أنّ التخصيص شعار صحيح و حقيقة يراد بها باطلا . التخصيص لدي الإنتهازيين يساوى التحوّل إلى الإصلاحيّة و التأقلم مع النظام السائد . و هذا ما جدّ مع حزب محمد لسود كما جدّ مع حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد و مع غيرهما من المنظّمات و الأحزاب التى فصّلنا فيها القول فى مناسبات سابقة .
و نتوقّف هنا للحظة لنضع سطرا تحت حقيقة أنّه ثمّة تخصيص و ثمّة تخصيص أي هناك أنواع من التخصيص . فثمّة التخصيص الصحيح لعلم الشيوعية على الواقع الملموس مثلما كرّسه ماو تسى تونغ وعلّمنا إيّاه و طبّقه من بعده الماويّون فى الكثير من البلدان من تركيا إلى الفيليبين مرورا بالبيرو فى وقت معيّن و الهند منذ عقود الآن وصولا إلى الولايات المتّحدة الأمريكية ... و قد نجح الحزب الشيوعي البيروفى إلى 1992 فى قطع أشواط هامّة نحو إرساء سلطة حمراء بفضل حرب الشعب فى مناطق واسعة من البلاد و أفلح الحزب الشيوعي النيبالي ( الماوي ) خلال عشر سنوات من حرب الشعب من تحرير ما يناهز الثمانين بالمائة من البلاد إلاّ أنّه منذ 2006 خان الجماهير و الشيوعية جرّاء إنتصار خطّ تحريفي فى صفوفه .
عندما يدرك الشيوعيّون الحقيقيّون الروح الثوريّة للماويّة و يرفعون رايتها فى مواجهة التحريفيّة و الدوغمائيّة و يطبّقونها و يطوّرونها يحقّقون تقدّما فى دفع عجلة الثورة البروليتاريّة العالميّة و عندما تكون الغلبة للتحريفيّة حتّى داخل صفوف الماويّين تتكدّس الخسائر . وحدهم الشيوعيّون الماويّون الثوريّون حقّا الحاملون فعلا للمشروع الشيوعي الثوري العالمي تمكّنوا من إنجاز إختراقات هامّة فى هذه البلاد أو تلك فى فترة أو أخرى منذ سبعينات القرن العشرين إلى يومنا هذا و إن لم يتوصّلوا بعدُ إلى إفتكاك السلطة فى بلد معيّن و تحويله إلى قلعة فى خدمة الثورة البروليتارية العالمية و غايتها الأسمى الشيوعية على النطاق العالمي .
و حيث سادت اللخبطة التروتسكية و الخوجيّة قراءة محمد لسود للنظام الإمبريالي العالمي و حيث لم يدقّق البحث فى التفاصيل المتّصلة بالماويّة الحقيقيّة و من مصادرها ، من الأحزاب و المنظّمات الشيوعية الثورية الوريثة حقّا للمساهمات الخالدة لماو تسى تونغ و ليست المشوّهة له بالقومية و بالديمقراطية البرجوازية ، فى حقل الإقتصاد السياسي و فى حقل الفلسفة و فى حقل الإشتراكية ، و لم يدقّق البحث فى الواقع الملموس و لم يحلّله تحليلا ملموسا ؛ ظلّ مؤسّسو حزب النضال التقدّمي يسبحون فى فضاء مثاليّتهم الذاتيّة و لا يمكن إلاّ أن نحكم عليهم دون مجازفة بالخطأ أنّهم لم يتمكّنوا أساسا من تكريس شعار التخصيص ( رغم ملامستهم فى بعض الكتابات لبضعة حقائق متّصلة بقضايا ثانوية مقارنة بأمّهات القضايا ).
و فى واحد من أبرز نصوصها المرجعيّة ، " ضد الذاتيّة – فى أسباب الإنشقاقات و ضرورة التجاوز " ( ص 4 ) عيّنت المجموعة التجاوزيّة " تجاوز التشرذم المهمّة المركزيّة حاليّا " ( تشرذم ملل اليسار التى لا ينتظم عقدها إلاّ لينفرط من جديد ) و حسبوا أنّه بالقيام ببعض الأفعال و التلفّظ ببعض الأقوال سينجزون بسرعة تلك المهمّة و سفّه الواقع و لا يزال يسفّه آمانيها غير الواقعيّة منذ عقود الآن . و قبل سنوات ، أُجبرت هذه المجموعة فى سياق تشكّل و إعادة تشكّل فرق اليسار و حمى العمل القانوني ، على تأسيس حزب لها ، خاص بها ، ما هو بالحزب الذى كانت تنشده لا من جهة الكمّ و لا النوع و لا الإمتداد و العلاقات مع الماوية و الخوجية و الساحة السياسية عامة .
وقد حاول التجاوزيّون القيام بقفزة بهلوانيّة محوّلين الفشل إنتصارا فكتبوا فى " برنامج حزب النضال التقدّمي " :
" إنّ تنظيمنا الذى خاض غمار الصراعات النظريّة و السياسيّة و إكتسب التجربة التنظيميّة اللازمة فى المجالين السياسي و النقابي ليجد نفسه اليوم ملزما بالإنتقال إلى المصاف الأرقى تنظيميّا ، أي العمل الحزبي حرصا منه على تثمير تضحيات مناضليه و إلتزاما منه بتجسيد القناعات التى يبذل من أجلها كلّ الرفاق جميع ما بوسعهم من قدرات . فإكتساب إمكانيّة تطوير العمل الجماهيري التى لا تتأتّى إلاّ تحت اليافطة الحزبيّة ، هو الذى يدفعنا اليوم إلى إقتحام ميدان التنظّم الحزبيّ العلني ، الذى لا يمكن طرحه كمهمّة إلاّ ضمن حدّ أدنى من الحرّيات الشكليّة نرى أنّما يتوفّر منها اليوم و ما يعد به التطوّر المقبل المتواصل لمستوى الوعي يكفى للإقدام على هذه الخطوة . "
و لكن فى مكان آخر ، فى " لوائح المؤتمر ؛ اللائحة السياسيّة " نقرأ شيئا آخر فيه إعتراف ضمني بفشل المشروع التجاوزي و إن لم يفهم مردّ فشل المشروع التجاوزي برمّته :
" و قد طرحنا ونحن بسبيلنا إلى الخروج من سنوات طويلة كان العمل السرّ ي فيها هو الأساس ، على سائر القوى الملتزمة بالإشتراكيّة العلمية أن يقرّوا بأخطائهم النظريّة و السياسيّة و أن ينبذوا الذاتيّة و يقلعوا نهائيّا عن محاولاتهم الكاريكاتوريّة لصبّ الواقع العينيّ فى قالب مقولات أخنى عليها الدهر و ذلك حتّى نبني سويّة حزب الطبقة العاملة الواحد و المناضل و التقدّمي ، و لكن نداءنا لم يلق آذانا صاغية بسبب سيطرة العصبويّة و النجوميّة المتوسّلة بإصطفافات جهويّة و عائليّة غريبة تماما عن المنهج العلمي فى التحليل و الممارسة " .
من نصدّق و من نكذّب ؟ البرنامج أم اللائحة السياسيّة ؟
ب – تحالفات إنتهازية :
على الرغم من التبريرات و التعليلات المضلّلة التى يقدّمها حزب النضال التقدّمي لتحالفه فى القطاع الطلاّبي أثناء المؤتمر 19 للإتحاد العام لطلبة تونس مع ممثّلي حزب العمّال الشيوعي التونسي ، فإنّ جوهر ما يدفعه إلى الإصطفاف إلى جانب هذا الحزب الخوجي الإصلاحي هو المشترك التروتسكي الإصلاحي بينهما وعلى وجه الضبط تحديد طبيعة المجتمع على أنّه رأسمالي و طبيعة الثورة على أنّها إشتراكية و المشترك الخوجي المتّصل بالنضال و أساليبه فى المستعمرات و أشباه المستعمرات و المستعمرات الجديدة التى يعدّونها بلدانا رأسمالية تابعة أو متخلّفة إلخ .
" قدم التيار التجاوزي، انطلاقا من قراءة تقول بارتكاب أخف الضررين ، دعمه في المؤتمر 19 للإتحاد العام لطلبة تونس لحزب العمال الشيوعي التونسي (البوكت) من أجل تحجيم الممارسات الإقصائية للتيارات الماوية ". (" الخطّ الألباني و التنكّر السياسي ..." – نقطة : الخطّ الألباني يحارب الذاتيّة بالذاتية ).
و قد سعى التجاوزيّون إلى إنتهاج سياسة إنتهازيّة فى تحالفاتهم و التلاعب ب " الخطّ الألباني " و ب " الخطّ الوطني الديمقراطي " غير أنّهم لقوا ما يستحقّونه من تلاعب بهم هم . و إنقلب السحر على الساحر. أرادوا أن يكون لهم التحكّم الإنتهازي فى النتائج فكانوا طعاما سائغا فى فم من قد يعادلهم أو يفوقهم إنتهازية .
" هذا " الحزب " قد تعامل مع الأمر من منطلقات تآمرية لا يهمها إلا الربح الآني، فلم يهتم بأكثر من استغلال هذا الدعم لإقصاء التيارات الماوية من اتحاد الطلبة . " ( نفس المصدر السابق )
و عاودت مجموعة حزب النضال التقدّمي الكرّة خارج الحقل الطلاّبي إذ إلتصقت بحزب العمّال التونسي فى إطار الجبهة الشعبيّة و كانت هي و مجموعة الوطد الثوري تأملان بإنتهازية التأثير فى مسار الجبهة أو حتى ربّما التأثير فى قيادتها فكان المآل مضيّ الجبهة فى يمينيّتها و إصلاحيّتها و طرد أو إستقالة الحزبين المحترفين للتحالفات الإنتهازيّة من الجبهة الشعبيّة .
من لا يبذل الجهد لبلوغ الحقيقة مهما كانت مزعجة ومُرّة تخيّل له مثاليّته أنّه بإراديّة قادر على إتيان ما لم يأت به الأوائل. إصلاحيّة حزب النضال التقدّمي و حزب الوطد الثوري تختلف راهنا فى الدرجة عن إصلاحيّة معظم مكوّنات الجبهة الشعبيّة . حاولا أن يلعبا دور يسار داخل الجبهة أي دور إصلاحيين أكثر تصلّبا فى الدرجة فلفظتهم المكوّنات الأخرى للجبهة التى لقيادتها المتنفّذة رؤية أوضح وإلتزامات محلّية و دوليّة تستبعد فى الوقت الراهن إصلاحيّة لا تكون فى غاية الليونة والمرونة .
يبقى أن لا نغفل الإشارة إلى إمكانيّة لم تشقّ طريق تحقّقها فى الواقع بعدُ ( و بما هي إمكانيّة قد تتحقّق و قد لا تتحقّق ) و لكن تمّ الحديث عنها فى فترة من الفترات ألا وهي وحدة فى إطار حزب يساري يقترب طرحه و أساسه نوعا ما من أطروحات الخطّ التجاوزي بمعنى أنّه سيكون حزبا متمركسا ( أو حتّى متمركسا قوميّا لما لا ) ذو أرضيّة عامّة توحّده جملة نقاط برنامجيّة سياسيّة و ليس له وضوح إيديولوجي و بالطبع لا صلة له بالحزب اللينيني و الأكيد أنّه سيكون إصلاحيّا لا غير .
ت- موقف إنتهازي يميني من إنتخابات دولة الإستعمار الجديد :
لئن شارك حزب الوطد الثوري فى إنتخابات 23 أكتوبر 2011 بقائمات مستقلّة و بإنتهازيّة لم يعلن رسميّا و صراحة مشاركته فى هذه الإنتخابات ، فإنّ حزب النضال التقدّمي أعلن رسميّا مشاركته فى الإنتخابات رغم الظروف التى حفّت بها و دعوات المقاطعة الصادرة عن فرق يساريّة نادت بعدم المشاركة لأسباب قد تتقاطع و قد لا تتقاطع و صدّ هو الباب فى وجهها .
فى بيان فى مارس 2011 صدح بنبرة إنتصاريّة " نعم للمشاركة و لكن بشروط " و سرعان ما إنقلب على موقفه إنقلابا كلّيا مسقطا الشروط التى سطّرها هو نفسه فأعلن فى " التقدّم " الثلاثاء 23 أوت 2011 :
" بقي الآن الموقف من هذه الإنتخابات التى ظهرت سلبيّاتها قبل بدايتها و التى لن تكون قطعا على أسس برنامجيّة و ليس فيها شرط المساواة فى ظلّ التغوّل المالي لبعض الأحزاب دون رقيب و لا حسيب و العوز المادي التام لأحزاب أخرى . إنّ حزب النضال التقدّمي بقبوله الشروط القانونيّة التى فرضت للتشكّل الحزبي قد وطّن نفسه منذ البداية على أن لا يفاجأ بالممارسات اللاديمقراطيّة للحكومة البورجوازيّة لأنّه يعرف أن بين البورجوازيّة و الديمقراطيّة الفعليّة الخادمة لمصالح الشعب ما بين الماء و النار ، و طالما أنّ غايتنا من التشكّل القانوني هي توفير آليّات علنيّة لممارسة دعايتنا ، طالما أن ذلك متوفّر و لو نسبيّا فإنّنا ملزمون بمواصلة الشوط مع فضح الممارسات الإنقلابيّة وتعرية لاشرعيّة الهيئات المنصّبة عنوة عن الشعب . إن الشروط التى تضمّنها بياننا بصدد المجلس التأسيسي و الصادر منذ مارس الماضي لن تحقّق على الأرجح و لكنّنا لسنا ملزمين بمقاطعة الإنتخابات طالما توفّرت لنا إمكانيّة الدعاية الحرّة لبرنامجنا وكشف الزيف و المنحى التحريفي للمجموعات التى تحسب نفسها باطلا على اليسار و الإشتراكيّة . إنّنا لن نقفل أفواهنا إختياريّا و لن ننسحب من المعركة طواعيّة . "
( و نضيف بين قوسين تعليقا بسيطا على تشدّق جماعة حزب النضال التقدّمي بعدم تقديم تنازل من أجل العمل القانوني بأنّ فى ما ورد أعلاه إعتراف صريح بقبول " الشروط القانونيّة التى فرضت للتشكّل الحزبي " و هكذا شهد شاهد من أهلها و بديهي معنى " فرضت " أليس كذلك ؟ ! )
ونجح هشام حسنى أحد مؤسّسى هذا الحزب و هو عضو من قيادته العليا فى الإلتحاق بعضويّة المجلس الوطني التأسيسي. و بعد فترة ، فى نهاية 2012 ، جدّ خلاف علني بين مواقف الحزب و مواقف هذا العضو المؤسّس فصدر فى الصحف إعلان بإستقالة و إعلان بفصل من الحزب . هل طُرد أم إستقال ؟ من نصدّق ؟ و من نكذّب ؟
و جاء تبرير الحزب و إعتذاره مركّزا على شخص هشام حسنى و كأنّ المسألة مسألة شخصيّة لا غير و جاء شرح المعني بالأمر لإستقالته قائما على نقد لسياسات الحزب . و ليفهم من يقدر على الفهم !
وفى الإنتخابات التشريعية الأخيرة ، إتّخذ حزب النضال التقدّمي موقف المقاطعة ( و " إنسحب من المعركة طواعيّة !!! ) و أضحت المشاركة فى خبر كان . و قد أصدر حزب النضال التقدّمي بمعيّة حزب الكادحين الوطني الديمقراطي بيانا مشتركا دعيا فيه إلى مقاطعة الإنتخابات لسببين إثنين علّقنا عليهما فى مقالنا " خروتشوفية " اليسار " الإصلاحي " ضمن العدد 22 / ديسمبر 2014 من " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! " و عنوانه " الإنتخابات التشريعية و الرئاسيّة فى تونس و أوهام الديمقراطية البرجوازية " قائلين : " و قد يتلكّؤ البعض و يعلن عدم المشاركة فى لعبة الإنتخابات ليس من منطلق مبدئي شيوعي فيشرح للجماهير الواسعة الأوهام الديمقراطية البرجوازية ويروّج بالتالي للشيوعية كعلم للثورة البروليتارية العالمية ، و إنّما من منطلق تكتيكي يقولون و خاصة لعدم توفّر شروط إنتخابات نزيهة وهو ما نجده مضحكا للغاية : هل ثمّة فى عالم اليوم بلد تجرى فيه الإنتخابات دون تآمر الطبقات الرجعية و أحزابها و تحكّمها فى العملية ( بالمال السياسي و الإعلام و شراء الذمم و التزوير إن لزم الأمر ...) ؟ و حتّى فى الولايات المتحدة و فرنسا ( و قد فاحت رائحة عفن الديمقراطية البرجوازية فى البلدان الإمبريالية فما بالك فى المستعمرات والمستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات ) لم و لن تتوفّر الشروط التى تحدّث عنها مثلا البيان المشترك لحزب الكادحين الوطني الديمقراطي و حزب النضال التقدّمي و بهذا نلفيهما يسبحان فى عالم المثاليّات و أوهام الديمقراطية البرجوازية و يضلّلون المناضلين و المناضلات و الجماهير الشعبية بهذا الصدد . "
وبعد كلّ هذا نعتقد أنّ بحثنا أتى أكله : كشف الزيف و المنحى التحريفي و الإصلاحي لحزب النضال التقدّمي الذى يحسب نفسه باطلا على الماركسيّة - اللينينيّة .
=======================================================



تعليقات الفيسبوك