الهيمنه البريطانيه في الهند - كارل ماركس


عبد المطلب العلمي
2018 / 2 / 19 - 00:18     

كارل ماركس

ترجمه:عبد المطلب العلمي

الهيمنه البريطانيه في الهند

لندن، 10 حزيران 1853

هندوستان هي إيطاليا بأبعاد اسيوية. جبال الهيمالايا تشابه جبال الألب، سهول البنغال - سهول لومبارديا، قمم الأبنين، وجزيرة سيلان - جزيرة صقلية. نفس ثراء وتنوع محاصيل الأرض ونفس التشرذم في النظام السياسي. وكما هو الحال في إيطاليا من وقت لآخر،فقط سيف الغازي وحد بالقوة كتل قوميه مختلفة، نفس الشيء نراه في هندوستان - في تلك الفترات عندما لم تكن تحت نير المحمديين، أو المغول أو البريطانيين، نرى أنها تنقسم إلى العديد من الدول المستقلة والمتحاربة التي لا تحصي،بعدد المدن أو حتى القرى. ومع ذلك، اجتماعيا، هندوستان ليست إيطاليا، ولكنها أيرلندا الشرق. وهذا مزيج غريب من إيطاليا وأيرلندا، عالم الشهوة و عالم الحزن ، كان هناك تنبؤ في التقاليد القديمة للدين في هندوستان. هذا الدين هو في نفس الوقت دين الأفراطات الحسية ودين التنسك و الزهد دين لينغام ودين دجاكرينواتا، دين الراهب و دين راقصات المعابد.
لا أشارك رأي أولئك الذين يعتقدون في وجود العصر الذهبي لهندوستان، و لن ارجع لتأكيد ذلك، كما فعل السير تشارلز وود
، لفترة حكم خولي خان. ولكن لنأخذ على سبيل المثال زمن أورانغزب. أو العصر الذي ظهر فيه المغول في الشمال، والبرتغاليين في الجنوب؛ أو فترة الغزو الإسلامي وفترة الهبتارية في جنوب الهند. أو، إذا كنتم تريدون العوده إلى الخلف،إلى عصور اقدم ، واعتماد التسلسل الزمني للأسطوره البراهمية نفسها، الثي تصف بداية كوارث الهند إلى عصر أبعد من حتى، الذي تشير فيه المسيحية إلى خلق العالم .
ولكن ليس هناك شك في أن الكوارث التي سببها البريطانيين لهندوستان، هي في الأساس من نوع مختلف ولا يمكن قياسه أكثر عمقا من جميع الكوارث التي شهدت هندوستان من قبل. أنا لا أتحدث هنا عن الاستبداد الأوروبي، الذي تزرعه شركة الهند الشرقية البريطانية على أرضيه الاستبداد الآسيوي، مما يؤدي إلى مزيج أكثر وحشية من الوحوش المقدسة التي تخيفنا في معبد سالسيتا. وهي ليست ميزة معينة في نظام الإدارة الاستعمارية البريطانية، ولكن فقط تقليدا للنظام الهولندي، وهذا صحيح حرفيا،و يكفي لتوصيف نشاط شركه الهند الشرقيه، ما قاله السير ستامفورد رافلز، المحافظ الإنجليزي لجاوة، عن شركة الهند الشرقية الهولندية القديمة:

"الشركة الهولندية، مدفوعه بشكل حصري بروح الأرباح وأقل رحمه لرعاياها من رحمه مزارعي الهند الغربية، للعبيد الذين عملوا في مزارعه، لان هذا الاخير دفع المال مقابل الناس الذين حصل عليهم كممتلكات، في حين أن الأولى لم تدفع شيئا - هذه الشركة استخدمت جميع اجهزة الاستبداد الموجودة لتعتصر من السكان اخر نكله و اجبارهم على العمل إلى حد الإرهاق. وهكذا، فانها فاقمت الشر الذي الحقته حكومة متقلبة وشبه همجية في البلاد ، جمعت بين فن أنشطتها السياسية و كل الأنانية الاحتكارية للتاجر ".
الحروب الأهلية، الغزوات، الانقلابات، الفتوحات، سنوات الجوع - كل هذه الكوارث المتعاقبة، مهما كانت معقدة ، عنيفة ومدمرة على هندوستان ، فان تاثيرها كان سطحيا فقط. إنكلترا، قوضت أساس المجتمع الهندي، ولم تقم بعد بأي محاولات لتغيره. إن فقدان العالم القديم من دون اكتساب عالم جديد يعطي الهند الحديثة طابع مؤلم بشكل خاص ويقطع اتصال هندوستان، التي تحكمها بريطانيا، بكل تقاليدها القديمة، بكل تاريخها الماضي.
في آسيا، منذ زمن سحيق، وكقاعدة عامة، كان هناك فروع اداريه ثلاثة فقط: الاداره المالية، أو اداره نهب شعوبهم، و الاداره العسكرية، أو اداره نهب الدول الأخرى، وأخيرا، اداره الأشغال العامة. شروط وخصائص التربة و المناخ، خصوصا في مساحات شاسعة من الصحراء، التي تمتد من الصحراء الافريقيه و من خلال العربيه و بلاد فارس والهند وبلاد التتار إلى أكثر المناطق ارتفاعا ،في المرتفعات الآسيوية ، جعل نظام الري الاصطناعي عن طريق القنوات أساس الزراعة الشرقية. كما هو الحال في مصر، والهند، و حتى بلاد ما بين النهرين وبلاد فارس، والفيضانات ايضا تستخدم لتسميد الحقول في بلدان أخرى . مستوى الماء العالي يستخدم من أجل تعبئه قنوات الري، الضرورة لتقاسم المياه واقتصادها ، اضطر رجال الأعمال في الغرب للانخراط في اتحادات طوعية، كما هو الحال في فلامانديا وإيطاليا، في الشرق حيث الحضارة على مستوى منخفض جدا و حيث مساحه الأراضي شاسع جدا ،تكوين رابطة طوعية، تطلب حتما تدخل قوة الحكومة المركزية. ومن هنا تأتي الوظيفة الاقتصادية التي أجبرت على أداءها جميع الحكومات الآسيوية، وهي وظيفة الأشغال العامة. نظام الزيادة المصطنعة لخصوبة التربة، المعتمد على الحكومة المركزية، و الذي على الفور يتراجع عند إهمال الحكومة لأعمال الري والصرف، يشرح ما لا يمكن تفسيره ،اي الاراضي المتصحره والخراب في الأرض التي كانت تزرع ، مثل تدمر والبتراء، وأطلال اليمن ومحافظات واسعة من مصر وبلاد فارس و هندوستان. وهذا ما يفسر أيضا حقيقة أن حرب مدمرة قادرة على القضاءعلى الكثافة السكانية للبلد لعدة قرون، وحرمانه من حضارته.
و ها هم البريطانيون في الهند الشرقية استلموا من أسلافهم إدارة الشؤون المالية وإدارة الشؤون الحربيه، لكنهم تجاهلوا تماما إدارة الأشغال العامة. وبالتالي تراجعت الزراعة الغير قادرة على التتطور وفقا لمبدأ المنافسة الحرة البريطاني - مبدأ laksez faire, laissez aller . ومع ذلك، وكما هو الحال عادة في البلدان الآسيوية، تتقهقر الزراعة في ظل احدي الحكومات، وتولد من جديد في ظل الأخرى. هنا يعتمد المحصول أيضا على كون الحكومة جيدة أو سيئة، كما هو الحال في أوروبا، حيث الاعتماد على الطقس جيد أو سيئ. لذلك، مهما كان السوء أو الأضرار التي لحقت بالزراعة والموقف اللامبالي منها ، لكن من المستحيل الاعتقاد أن المحتل البريطاني بهذا وجه الضربة القاضية للمجتمع الهندي، إذا لم يقترن هذا بظروف أكثر أهمية، وهو ما يمثل شيء جديد في تاريخ العالم الآسيوي كله. بغض النظر عن مدى أهمية التغيرات السياسية في الهند في الماضي ، فقد ظلت الظروف الاجتماعية دون تغيير منذ العصور القديمة إلى العقود الأولى من القرن التاسع عشر. النول اليدوي و النسج اليدوي، ولد جيش لا يحصى من الغزالين والنساجين، كانوا اس بنيه المجتمع الهندي. منذ زمن سحيق،كانت أوروبا تحصل على منسوجات فاخره - تنتجها العمالة الهندية - وترسل مقابلها المعادن الثمينة، موفره بالتالي المواد للصياغ المحليين، الاعضاء ألهامين في المجتمع الهندي، حيث حب المجوهرات هو من الضخامة بحيث أنه حتى ممثلي الطبقة الدنيا، الذين يسيرون تقريبا عراه، لديهم زوج من الأقراط الذهبية وبعض الحلى الذهبيه على أعناقهم. انتشار واسع ايضا للخواتم التي تلبس على اصابع اليدين وأصابع القدمين، كذلك النساء و الاطفال غالبا ما يرتدون الأساور الضخمة والخلاخيل من الذهب أو الفضة، و تماثيل الآلهة من الذهب أو الفضة تواجدت بين الأمتعة المنزلية. الاحتلال البريطاني دمرالانوال و المغازل الهندية اليدويه. إنجلترا في البدايه ازاحت المنتجات القطنية الهندية من الأسواق الأوروبية، وبعد ذلك بدأت بتوريد الخيوط المبرومه الى الهند وانتهى المطاف باغراق موطن المنتجات القطنيه بالمنتجات القطنية الجاهزه. خلال الفترة 1818-1836 صادرات الخيوط من بريطانيا إلى الهند ارتفع بنسبة 1-5200. في عام 1824، توريد الموسيلين البريطاني إلى الهند بالكاد بلغ1،000،000 ياردة، بينما في 1837، تجاوز بالفعل 64،000،000 ياردة. ولكن خلال نفس الفترة انخفض عدد سكان دكا من 150 ألف نسمة إلى 20،000 نسمة، إلا أن هذا التراجع في المدن الهندية التي اشتهرت بصناعتها لا يمكن اعتباره أسوأ نتيجة للحكم البريطاني. دمر البخار البريطاني والعلوم البريطانية في جميع أنحاء شبه القارة الهندية الصلة بين الإنتاج الزراعي والحرف اليدوية.
هذان الظرفان - من ناحية، أن شعب الهند، مثل جميع الشعوب الشرقية، يترك للحكومة المركزية رعاية الأشغال العامة الكبيرة، التي هي الشرط الرئيسي للزراعه والتجارة ،ومن ناحية أخرى - أن سكان الهند المنتشرين في جميع أنحاء البلد، يتركزون في مراكز صغيرة بسبب العلاقه البطريارقيه بين العمل الزراعي والحرفي، هذان الظرفان اولدوا منذ بعيد الازمان نظام اجتماعي مميز - ما يسمى نظام التجمعات الريفيه (نظام القرية)، - الذي أعطى كل تنظيم صغير استقلاليه وحكم عليه بالعزله. على السمات المميزه لهذا النظام، نتعرف عليها من خلال تقرير رسمي قديم من مجلس العموم البريطاني بشأن الشؤون الهندية:
"القرية من الناحية الجغرافية تمثل مساحة من عدة مئات أو آلاف الفدادين من الأراضي المزروعة والشاغرة؛ سياسيا هي تشبه المجلس البلدي. وعادة ما تتكون من المسؤلين والموظفين التاليين: بوتيل، أو رئيس العمال، يمارس الإشراف العام على شؤون القرية، وتسوية النزاعات بين سكانها، وإدارة الشرطة والقيام بواجب جامع الضرائب داخل القرية - المهمات الذي هو الأنسب للقيام بها، بسبب قوة نفوذه الشخصي و معرفته المفصله بوضع وشؤون السكان. كارنوم، يشرف على الزراعة ويحتفظ بسجلات كل ما يتعلق بها. ثم يأتي تارلي وتوتي: واجب الاول هو جمع المعلومات عن الجرائم والجنح ومرافقة وحماية الأشخاص حين الانتقال من قرية إلى أخرى؛ اما دائرة مسؤوليات الثاني، على ما يبدو، تقتصر على داخل القرية وتتكون، في جملة أمور، منها حماية المحصول و المساعده على احصائه. حرس الحدود يحرس حدود القرية أو يقدمون شهادات عنها في حالة نشوب نزاع. ويقوم الشخص المشرف على الخزانات و قنوات الري بتوزيع المياه لتلبية احتياجات الزراعة. وهناك براهما خاص هو المسؤول عن شؤون العبادة في القرية. ثم يأتي مدرس المدرسة، الذي يمكن رؤيته في القرية يعلم الأطفال القراءة والكتابة على الرمال. براهما، حامل التقويم، أو المنجم، وغيرهم. ويشكل هؤلاء المسؤولون الأعلى والأدنى مرتبه، إدارة القرية، إلا أن عددهم ينخفض في بعض أنحاء البلاد، لأن بعض الواجبات والوظائف المذكورة أعلاه يجمعها وينفذها شخص واحد، وفي أماكن أخرى، على العكس من ذلك، فإن عددهم يتجاوز عدد الأشخاص المذكورين أعلاه. وفي ظل هذا الشكل البدائي من إدارة المجتمع، عاش السكان منذ زمن سحيق. ونادرا ما تغيرت حدود القرى، وعلى الرغم من أن القرى نفسها تعرضت أحيانا لأضرار بالغة بل دمرت بالكامل بسبب الحرب والمجاعة والمرض، فإن نفس الاسم والحدود نفسها والمصالح نفسها وحتى الأسر نفسها ظلت قائمة من قرن إلى قرن. ولم يكن سكان هذه القرى يشعرون بالقلق على الإطلاق بشأن وفايات وانقسامات الممالك؛ طالما بقيت قريتهم متماسكه و دون أذى، لم يكونوا مهتمين جدا بالسلطة و لا الى اي حاكم انتقلت السياده عليهم، لأن حياتهم الاقتصادية الداخلية ظلت دون تغيير. وواصل بوتيل مهامه رئيسا للمجتمع المحلي وعمل في القرية كقاضي وجامع الضرائب.
هذه الأشكال النمطية الصغيرة للكيان الأجتماعي دمرت معظمها و اختفت إلى الأبد، ليس فقط بسبب التدخل الوحشي من جباة الضرائب البريطانيين والجنود بريطانيين،بل نتيجة المحركات البخارية الانجليزيه و حريه التجارة الإنجليزية. استندت هذه المجتمعات الاسريه على الصناعة المنزليه، في مزيج مميز من ناحية النسيج و الغزل اليدوي و الزراعة اليدويه - مزيج اتاح لهم كيانا مكتفيا ذاتيا. التدخل البريطاني حيث اصبحت المغازل في لانكشاير والنساجين في ولاية البنغال، أو المغازل الهندية والنساجين الهنود كنسوا من وجه البسيطه –تم تدمير هذه المجتمعات الصغيرة شبه المتحضرة شبه البربريه ، بتدمير الأساس الاقتصادي، وبالتالي أنتجت أعظم و، لقول الحقيقة، الثورة الاجتماعية الوحيدة التي عاشتها آسيا عبر الزمن ".
ولكن، للأسف من حيث المشاعر الإنسانيه انهيار وتدمير عشرات الآلاف من المنظمات الاجتماعية الباترياركيه السلمية، من المؤسف رؤيتهم ملقون في هاوية الحزن، وكل من أعضائها خسر على حد سواء حضارته القديمه و سبل العيش التقليدية، و لا يجب أن ننسى أن هذه: المجتمعات الريفية المثالية، مهما كانت غير ضارة كما قد تبدو لأول وهلة، كانت دائما أساس متين للاستبداد الشرقي، فأنها حصرت العقل البشري في أضيق إطار جاعله منه اداه طيعه للخرافات، فارضه عليه سلاسل قواعد العبوديه التقليدية، مما يحرمها من كل عظمة، و اي مبادرة تاريخية. يجب ألا ننسى انانية البرابرة الذين ركزوا جميع مصالحهم على مساحه ضئيله من الأرض، مراقبين بهدوء كيف تنهار الإمبراطوريات الكبيرة والفظائع التي لا توصف تُرتكب و إبادة سكان المدن الكبيرة - تابعوا بهدوء كل هذا من دون اي اهتمام اكبر من اهتمامهم باظواهر الطبيعة، و اصبحوا فريسة عاجزة امام أي معتدي تكرم و لفت انتباهه إليهم. يجب ألا ننسى أن هذه الحياه بلا كرامة، اللامتغيره الشبيهه بالحياة النباتية، هذا الشكل السلبي من الوجود، من ناحية أخرى أثارت ، وعلى النقيض من نفسها قوى دماروحشيه عمياء مطلقة العنان ، وجعلت في هندوستان من القتل أحد الطقوس الدينية. يجب علينا أن لا ننسى أن هذه المجتمعات الصغيرة تحمل وصمة الاختلاف الطائفي والعبودية، أنها إخضعت الرجل لظروف خارجية بدلا من رفعه الى موضع السيد لهذه الظروف، أنها حولت حالته الاجتماعية الذاتية النمو إلى حاله ثابته لا يمكن تغييرها، وبالتالي اوجدت العبادة القاسية للطبيعة،هذا الذل نراه بشكل خاص في حقيقة أن الانسان، سيد الطبيعة، يجثو بهدوء على ركبتيه امام القرد هانومان وامام البقرة سابالا.
انكلترا منفذه الثورة الاجتماعية في هندوستان ، في الحقيقه، استرشدت بأحط المصالح وأظهرت الغباء في الطرق التي فرضتها بها على الهند. ولكن ليس هذا المهم. والسؤال هو ما إذا كان يمكن للبشرية تحقيق هدفها دون ثورة جذرية في الحالة الاجتماعية لآسيا. إن لم يكن ممكنا، إنكلترا، على الرغم من كل جرائمها، كانت أداة اللاوعي التاريخي، منفذه هذه الثورة.
وإذا كان الأمر كذلك، إذا، مهما كان مؤسفا لمشاعرنا الشخصية مشهد تدمير العالم القديم، من وجهة نظر التاريخ، لدينا الحق في االهتاف مع جوته:
“Sollte these Qual uns quälen
Da sie unsre Lust vermehrt,
Hat nicht myriaden Seelen
Timur’s Herrschaft aufgezehrt?”



تعليقات الفيسبوك